رواية نجمة لكن ليست كبقية النجوم الفصل السابع 7 بقلم امل عبد الرازق


رواية نجمة لكن ليست كبقية النجوم الفصل السابع بقلم امل عبد الرازق 

– إنت مين وعايز إيه؟


– أنا زوجها يا حيوان.


التفت حسام في صدمة، عيناه اتسعتا وكأن الأرض مالت تحته:


– زوجها! زوج مين؟!


– إيه، مصدوم كده ليه؟ غريبة إنها تتجوز يعني؟


شدّ حسام ذراعه بعنف محاولًا الإفلات:

– سيب دراعي وأنا أعرفك غريبة ولا لأ!


لكن زين لم يتحرك، شد قبضته أكثر، صوته ثابت وقاسٍ:


– أنا مش ماسك دراعك خوف منك… لأ خالص. أنا ماسكك بنفس الماسكة اللي مسكت بيها إيد مراتي… وهفضل ماسكك لحد ما النجدة توصل. ادعي ربنا إنه ما ينكسرش… وبعدين موجوع أوي ومش قادر تستحمل.

إزاي فرح استحملت يا حيوان؟!

مش قادر تكون زي بنت؟

بنت إيه… دي أرجل منك.


ارتعشت نظرات حسام وهو ينظر ناحية فرح ثم عاد لزين:

– إنتِ بجد متجوزاه يا فرح؟


ساد الصمت… فرح لم تنطق.


– انطقي يا فرح!


صرخ زين فجأة، نبرته تحمل تهديدًا:


– لأ، دا إنت تكلمها بأدب وما تزعقش… ولا يطلع ليك صوت، فاهم؟


صرخ حسام من الألم:

– آآاه يا دراعي! فاهم… فاهم!


– أيوه كده… اتعدل.


عاد يسأل بنبرة أكثر توترًا:

– ردي يا فرح… إنتِ متجوزاه بجد؟


رفعت فرح رأسها، عيونها محمرة، صوتها مكسور لكنه حاد كالسيف:

– أهلي؟!

أنا أهلي ماتوا خلاص. مابقاش ليا أهل.

ولا إنت حاسب نفسك من أهلي؟


– آه من أهلك ونص!


ضحكت بسخرية موجوعة:

– كانوا فين أهلي لما استنجدت بيهم؟

كانوا فين لما سرقوا بيتي؟

كانوا فين لما كنت بجري بأمي على المستشفيات؟

متعبتش من سماع الكلام دا؟

مش عندك قلب؟


ثم انفجرت كبركان سنين مكبوتة:


– أهلي اللي قالولك روح هات فرح تخدمنا… وخد عقد الشقة اللي ساكنة فيها عشان تكتبوه بإسمكم؟

الشقة دي بقيت بإسمي… أمي كتبتها ليا.

وسايبة ليا فلوس أعيش بيها وزيادة…

ومش عايزة أشوف وشك تاني… ولا وش واحد منكم.


 إنتو مش بني آدمين… إنتو شياطين من الإنس.


 أهل إيه اللي بتتكلم عنه؟!

أنا عمري ما كرهت حد زيكم… ولآخر لحظة كنت محترماك وقلتلك امشي… لكن انتو زي القطيع… ماشيين ورا أمك.


تجمد حسام مكانه، وزاد زين شدًا على ساعده.


أكملت فرح:

– فعلاً… إذا فسد الراعي فسدت الرعية.

أبوك ماشي ورا أمك… أمك اللي بتغير من أمي علشان كانت متعلمة ومحترمة…

وجدي كان بيحبها ويقدرها.


صوتها تهدج بالبكاء:


– أمك مش بتحبكم… ولا بتحب أبوك… بتحب نفسها بس.

تعرف ليه؟

لأن لو بتحبكم كانت خافت عليكم.

ولو بتحب أبوك كانت قالتله حرام… بنت أخوك يتيمة ومالهاش حد!

لكن لأ… طمع وجشع.

والناس كلها عارفة… البلد كلها عارفة إن أبوك بياكل حق الغلابة واليتامى.


صرخ حسام من الألم والغضب معًا:

– اخرسي بقى… آآاه… هتكسر إيدي!


لم يمهله زين لحظة. انطلقت قبضته لوجه حسام، تلتها أخرى، ثم أخرى.

كان الغضب أعمى؛ كأنه وحش خرج من ظلام قلبه.

سقط حسام أرضًا، يتلقى اللكمات بصراخ مكتوم.

دم سائل من أنفه وشفته، وعينه تورمت.


فرح انكمشت في ركن الغرفة، تحضن نفسها، تبكي بصمت مذبوح.


وحين التفت زين فرآها… توقفت يده.


تنفس بقوة، وصوته خرج مبحوحًا بالعنف:


– عارف؟

اللي أنقذك مش القانون… ولا الرجولة اللي بتدعيها.

دموعها.

دموعها هي اللي أنقذتك.


اقترب منه، جاثيًا بجانبه:

– بس على فكرة… أنا مستعد أدخل السجن في مقابل إنها تكون بخير… ومافيش كلب زيك يقرب منها.


صرخ فيه:

– اعتذرلها حالًا!


هز حسام رأسه وهو يلهث من الألم:

– أنا… آسف يا فرح. والله آسف.


– ناس ما بتجيش غير لما تاخد على دماغها.


– مردتيش يا فرح… إنتِ فعلاً متجوزاه؟


رفعت رأسها دموعها تنزل بلا توقف:

– يخصك في إيه؟

إنت و أهلك… ملكمش دعوة بيا خالص.

ربنا ينتقم منكم.


رفعت يدها تدعو:

– حسبي الله ونعم الوكيل… اللهم أرني فيهم عجائب قدرتك.


ثم نظرت لحسام بعينين احترقتا بكل ما مرَّ بها:

– أبوك عنده مرض نادر مالوش علاج… ودا مش شماتة.

بس قول لوالدك… ربنا لسه هيجيب حق أمي.


ثم انفجرت:

– والست أمك؟ هتروحي من ربنا فين؟!

اللي كنتي بتغلي منها ماتت خلاص… سيبي بنتها فحالها!


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


دقَّت الشرطة الباب، ودخل الضابط:

– في بلاغ متقدم باسم أسيل وليد.


– أيوه يا فندم.


– فين اللي اعتدى على بيتكم وكسر الباب؟


أشارت فرح وهي تمسح دموعها:

– هو دا يا فندم.

كسر الباب… وهددني بالقتل.

هو ابن عمي… وعايز ياخد بيتي.


أسيل تقدمت بخطوات ثابتة:

– وأنا شاهدة على كل حاجة يا فندم… وسجلت كمان.


– سجلتي؟


– أيوه، كل اللي حصل كامل في الموبايل دا.


زين ابتسم بإعجاب خافت:

– جدعة يا أسيل.


– معلش… محتاجين الموبايل.


– تحت أمرك.


– وحضرتك يا بشمهندس؟


– وأنا شاهد كمان.


– إحنا عارفين حضرتك…


حسام شهق:

– متفقين عليا يا فرح؟


– متفقين؟

إنت اللي جيت تسرقني!

من حفر حفرة لأخيه وقع فيها يا حسام.


– لازم تيجوا معانا.


– أكيد… بس بلاش البنات يركبوا البوكس.

أنا عربيتي هتنقلهم.


– ماشي.


همست فرح بخوف:

– والبيت يا زين؟


– متقلقيش… كلمت حد يصلح الباب.


– أنا مش عارفة أشكرك إزاي.


– متقوليش كده… دا واجبي.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


بعد التحقيق:


– خلاص تقدروا تتفضلوا.


حسام بنبرة ذلّ:

– بلاش تحبسيني وتضيعي شبابي يا فرح.


صرخ زين فيه:

– لسانك ما يخاطبش لسانها… فاهم؟

دي أفعالك مش هي.


– مش هسيبكم… وهتشوفي يا فرح!


– إن الله لن يضيعني.

أمي استودعتني عند ربنا قبل ما تمشي…

وربنا هيحميني منكم.


_ بكرا تشوفي هعمل إيه 


– وأنا مستنية بكرا!


قال زين ساخرًا:

– بكرا؟

ادعي تطلع من هنا الأول.

الأدلة كلها ضدك.

__________


كانت الغرفة يغمرها الصمت، سوى صوت أنفاس متقطعة، ودموع تنساب بصمت على وجنتي فرح. كانت عيناها مغرورقتين بالحزن، كأن العالم كله ضاق على قلبها.


– بتعيطي ليه يا فرح؟


– كان نفسي يكون ليا أهل أستند عليهم، كان نفسي يحبوني وأحبهم؛ كنت بتمنى بيت هادي ودافي وسط أهلي.


– ربنا رحيم يا فرح، والحمد لله نجدك منهم.


– مكنتش أتمنى إن أنا أكون السبب في حبس ابن عمي.


– هو اللي عمل في نفسه كده.


– ربنا يسامح اللي كان السبب.


– إن شاء الله حقك هيرجع.


– أنا مش عايزه حقوق، أنا نفسي أعيش في بيتي مع ذكريات أمي، مش عايزه أشوفهم تاني بس.


– اطمني يا فرح إحنا مش هنسيبك.


– شكرًا من قلبي يا أسيل، وجودك كان نعمه كبيرة من ربنا.


– يا فرح مافيش شكر بين الإخوات، وبعدين زين اللي قالّي أفضل معاكي.


– شكرًا يا زين.


– يا فرح دا واجبي مافيش شكر، بالعكس أنا عايز أعتذرلك.


– تعتذر! ليه تعتذر؟


– عشان يعني أنا قولت إنّي زوجك وكده، لكن والله ما قدرت استحمل كلامه على إنسانة محترمة زيك.


– حصل خير… ثانية واحدة، دا مش طريق بيتنا.


– أنا عايزِك تسمعيني بعقلك يا فرح.


– أسمع إيه؟


– رجوعك للبيت خطر.


– مش فاهمة.


– يعني النهارده بالذات مينفعش تتواجدي في البيت؛ لأن عمك لما يعرف اللي حصل مع ابنه محدش يعرف ردّة فعله، وممكن يبعت ناس ياخدوكي بالعافية.


– أنا مش هسيب بيتي.


– أوعدك هترجعي بيتك معززة مكرمة، لكن مش اليومين دول يا فرح.


– وقف العربية، انت واخدني فين؟


– اهدي يا فرح أنا معاكي.


– لا يا أسيل أنا هرجع بيتي، يا ناس حرام عليكم، أنا معرفتش أودع أمي ولا حتى عايزيني أقعد معاها، أمي طارت من إيدي فجأة، حتى آخر حاجة فضلت ليا منها عايزين تاخدوها!


– فرح اهدي إنتِ لسه تعبانة.


– ………


– فرح؟ إنتِ سمعاني؟


– إلحق يا زين دي أُغمى عليها تاني!


– لا حول ولا قوة إلا بالله، البنت دي هتروح مننا، حرام اللي بيحصلها، هتقدر تستحمل كل دا إزاي؟


– بسرعة يا زين روح المستشفى.


– لأ، أنا هكلم الدكتور يجي البيت عشان نعرف نهتم بيها.


– أنا بحاول أفُوقها مش بتفوق، أنا خايفة عليها قوي.


– ارفعي راسها يا أسيل إحنا وصلنا خلاص.


– يا رب استرها معاها واحفظها واحميها.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


وقفت دقائق مرت كالساعات، حتى وصل الطبيب.


– طمّنا يا دكتور عليها؟


– واضح إن البنت ماأكلتش حاجة من فترة طويلة، دا غير إن جالها انهيار عصبي وأعصابها مش مستحملة الضغط اللي بتمر بيه، دا غير إن واضح في إيديها إنها علّقت محلول قبل كده.


– هي فعلًا اتعرّضت لظروف صعبة جدًا، والدتها اتوفت، وابن عمها كسر باب بيتها عشان ياخدها.


– هي محتاجة رعاية، وأول ما تفوق لازم تاكل. أنا علّقت ليها محلول وإن شاء الله كلها ساعة وتفوق. اهتموا بيها كويس.


– طب وعمار ابن عمي يا دكتور؟


– لسه الجرح جديد ومحتاج رعاية كاملة ولسه خارج من العناية المركزة.


– طب ينفع أجيبه هنا وهنهتم بيه؟


– ممكن، بس هيكون معاه ممرضة. دا غير إن الغرفة اللي هيكون فيها لازم تتعقم كويس جدًا ولازم الأكل اللي ياكله يكون صحي وتتّبعوا الإرشادات كلها سواء أكل أو غيره. أنا هكتبلك ورقة بالمطلوب.


– أنا في كلية طب يا دكتور وممكن أساعد مع حضرتك.


– كويس جدًا، وأنا هاجي كل يوم أطمن على حالته وأغيّرلُه على الجرح.


– شكرًا جدًا يا دكتور.


– ربنا يتمم شفاهم على خير يا رب.. بعد إذنكم.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


مرت ساعة، وعادت الحياة ببطء إلى جسد فرح، ففتحت عينيها بتعب.


– آآآه… أنا فين وبعمل إيه هنا؟


– اهدي يا فرح يا حبيبتي.


– أنا فين يا أسيل؟


– إنتِ في بيتِك… وأوضتك الجديدة.


– بس دا مش بيتي… أنا عايزة أرجع بيتي.


– فرح انتِ تعبانة، مش هينفع اللي بيحصل دا، لازم تحاولي تهدي وإلا هتاخدي مهدئ وهتنامي تاني.


– عايزة أرجع بيتي، عايزة أروح عند ماما.


– بعد الشر عنك يا حبيبتي.


– أنا دايخة قوي ومش شايفة كويس.


– ما هو اللي فيه مش سهل برده، وبقالِك يومين من غير أكل ولا شرب.


– من فضلك يا أسيل… عايزة أرجع بيتي.


– أوعدك إنك هترجعي بيتك، لكن لما نطمن على صحتك الأول.


– أنا عايزة أمشي من هنا حالًا، كفاية اللي عملتوه عشاني… آآه…


– اهدي بقى يا فرح، أبوس إيدك هتروحي مننا. 

بعد إذنك يا دادة قولي لماما تجيب الأكل عشان فرح.


– حاضر يا دكتورة.


– أنا مش هاكل.


– مش إنتِ عايزة ترجعي بيتك؟


– أيوه.


– إذًا يبقى تاكلي كويس عشان تعرفي توقفي على رجلك.


– أنا معرفش آكل من غير ماما…


– ادعيلها بالرحمة، هي في مكان أجمل من الدنيا وما فيها. مامتك لو شافتك كده هتزعل منك وقلبها هيغضب عليكِ.


– لو أكلت هتعب أكتر…


– لأ متخافيش، وبعدين طبخ ماما هيعجبك قوي.


– لو أكلت هتسيبوني أمشي؟


– ربنا يسهل.

__________


كان الهدوء يخيّم على الغرفة، لا يُسمع سوى صوت جهاز المراقبة الطبية وإيقاع النفس المتعب. جلس زين إلى جوار سرير عمار، وعيناه تلمعان براحة لم يشعر بها منذ أيام. كان صديقه أخيرًا خارج دائرة الخطر، وإن كان الألم ما زال يسكن صدره بعمق.


اقترب زين وربت على كتف صديقه قائلًا بابتسامة باهتة:


– نورت بيتك يا عمار.


ابتسم عمار بخفوت، وكأن الكلام يحتاج منه لجهد أكبر مما يحتمل جسده الضعيف:


– تسلملي يا زينو.


رفع زين حاجبيه في تمثيل للصدمة:


– زينو!


– إيه مش عاجبك؟ خلاص هقولك يا زينه.


– لسه دمك تقيل وبارد.


تنهد عمار فجأة، واضعًا يده على صدره وكأنه يستشعر ألمًا مفاجئًا:


– ااااااااه.


انتحب القلق في صوت زين وهو يقترب أكثر:


– عمار مالك، فيك إيه يا عمار؟ إيه اللي بيوجعك؟


ابتسم عمار رغم الوجع:


– قلبي اللي بيوجعني.


– أكلّم الدكتور طيب؟


– أيوه وقوله زين بيغلط فيا وبيقولي يا بارد.


ضحك زين رغم خوفه:

– يا سلام.


دخلت سيلا بخطوات هادئة، وابتسامة تحمل امتنانًا للقدر على بقاء عمار بينهم.


– حمدا لله على سلامتك يا عمار.


رفع عمار يده قليلًا بتحية خفيفة:


– الله يسلمك يا سيلا. خلاص يا زين كلم الدكتور وقوله إن قلبي خف.


– مالك يا أخويا ما تتلم كدا.


– في إيه يا زين؟ أنا قولت إيه يعني؟ ما أنا خلاص الدكتوره بتاعتي وصلت.


ضحكت أسيل بخفة وهي تقترب:

– بالراحة يا زين، انت ناسي إنه تعبان.


– يا أسيل دا زي القطط بسبع أرواح. هل عمرك شفتي حد الرصاصة بينها وبين قلبه سنتي واحد؟ مش عارف ليه ممتش وريحنا منه.


نظرت أسيل له بحزم ممزوج بدعابة لطيفة:


– بعد الشر عنه. ربنا حنين وعارف إنه غالي علينا أوي ومنقدرش نعيش بدونه ولا ثانية.


– يا حلاوة.. أقول لمين فيكم اتلم بقى.


التفت عمار نحو سيلا فجأة:


– صحيح يا سيلا عايز أسألك سؤال.


– طبعًا اتفضل.


– هل أنا دمي تقيل وبارد؟


ابتسمت سيلا بود:


– لأ طبعًا، اللي قالك كدا هو اللي بارد.


أشار عمار فورًا لزين:


– طيب قولي للي جنبك يا بارد بقى.


– أوبس.


– أوبس إيه بقى؟ ما انتي شتمتيني خلاص.


اقتربت أسيل وهي تحمل طبقًا:


– يلا يا عمار عشان الأكل بتاعك جاهز.


– أنا مش جعان.


– لأ لازم تاكل.


رفع عمار حاجبه بخبث طفولي:


– طيب ممكن تأكليني؟


– ممكن يا أبيه زين أأكل عمار؟


– أبيه؟ لأ مؤدبة يا أسيل. أكليه يا أختي.


– شكرًا.


تذكّر عمار فجأة:

– آه صحيح يا زين.


– خير؟


– فرح عاملة إيه دلوقتي؟


تنهد زين بثقل:


– ادعيلها ربنا يسترها معاها ويصبرها.


– والله بدعيلها. طب انت سايبها لوحدها؟


– فرح في الأوضة اللي جنب أوضة أسيل.


انتفض عمار للوهلة:


– بتهزر صح؟


– زي ما بقولك.


– طب أنا عايز أشوفها وأعزيها.


– يا أخي دا احنا بنحركك بالعافية عشان الجرح، ولما بتتحرك بنقعدك على كرسي متحرك. هتروح إزاي تشوفها؟


نظرت سيلا باستغراب بينهما:


– هو انت تعرف فرح يا عمار؟


تلعثم عمار قليلًا:


– أنااا…


– أيوه انت؟


تدخل زين بسرعة وهو يتجه للباب:


– معلش يا سيلا أصل فرح ضاربة اللي كان خطيبك بالقلم على وشه قبل كدا. أ

شوفك بعدين يا عموري عشان أنا رايح أطمن على فرح واروح الشركة لأن بابا هناك لوحده. بااااي يا عموري.


– روح ربنا يغيظك.


اقتربت سيلا وعيناها مليئة بالأسئلة:


– ضربتك إزاي وليه يا عمار؟


تنهد عمار وكأنه يسلم أمره لله:


– اهدي بس وأنا أحكيلك. بس لما تأكليني الأول.


– أكل نفسك، انت صغير يعني؟


– مش بعرف أحرك إيدي. هنادي بقى للمرضه. يا ممرضة…


تنفست أسيل باستسلام:

– خلاص هأكلك وأمري لله.


– وأنا هحكيلك كل حاجة.. بس بلاش تضايقي نفسك.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــ


دقَّ زين باب الغرفة التي كانت فرح ترقد فيها، صوته يحمل حذرًا خفيفًا واهتمامًا واضحًا.

– ممكن أدخل؟


– اتفضل.


اقترب بخطوات هادئة، عينيه تتفقد ملامحها المتعبة.


– عاملة إيه دلوقتي؟


– الحمد لله بخير، نفسي بس أرجع البيت.


تنهد زين بقلقٍ صادق.


– تعرفي يا فرح، أنا بعتبرك زي إخواتي، وإحساسي بالمسؤولية تجاهك وخوفي عليكي دا شيء طبيعي… أي أخ بيخاف على أخته.


– بس أنا مش أختك يا بشمهندس.


– والدتك رحمها الله وصّتني عليكي.


– أنا بخير الحمد لله… وشكرًا على كل اللي حضرتك عملته معايا.


قاطعهم صوت والدة زين

– إنتي زي بناتي بالظبط، خلاص بقيتي منهم يا فرح.


رفعت عينيها إليها بنظرة امتنان، وصوتها ينساب بخجل صادق:


– أنا لاقيت من حضرتِك في الساعات اللي قعدتها معاكم حنان ملقتوش من أهلي… كنت حاسة بحضرتك وانتِ بتعمليلي كمادات لما لاقيتي حرارتي عالية، حسّيت بماما، حضرتك فيكِ من ماما قوي.


– هل في بنت بتقول لمامتها "حضرتك"؟


– مش فاهمة.


– يعني من اللحظة دي انتِ بنتي يا فرح… ومش هتخرجي من البيت دا.


ارتبك قلبها بين الامتنان والخوف.


– أنا لازم أرجع بيتي… لكن أنا مش مصدقة إن في ناس كويسة لسه زيكم.


– يا فرح، زي ما في شر، في خير… وربنا يجعلنا من أهل الخير.

الرجوع قبل ما تتعافي مستحيل.


– صدقيني أنا بقيت كويسة… ومحتاجة أرجع ضروري.


– ليه رجوعك ضروري؟


– علشان نويت أعمل مشروع خيري يكون حسنة جارية لروح ماما، وهبدأ فيه من النهارده… دي كانت أمنيتها وهحققها.


قال زين بحزم:

– مشروع إيه؟ وأنا هساعدك فيه.


– مش هتكلم عنه غير لما يتم إن شاء الله.


– فرح، هتفضلي وسطنا… هتحسي إنك في بيتك وبين أهلك وناسك. وبعدين أنا عندي شقة قريبة من الشركة، وكنت مقرّر أقعد فيها الفترة دي. بابا هيسافر، ومافيش غير عمار… ومش قادر يتحرك. يعني هتاخدي راحتك خالص.


– مستحيل! ليه أعمل فيكم كده؟ أخرجك من بيتك وأبعدك عن والدتك؟ أنا ليّا بيت.


– هتقعدي هنا… وليكي كامل الحق تتصرفي في البيت زي ما تحبي.


– مش فاهمة؟


نظر زين إلى أمه نظرة تحمل قرارًا لا رجعة فيه، ثم عاد ينظر لفرح، وجلس أمامها بثباتٍ غريب، صوته هادئ لكن حاسم، وفيه حنان وقلق وثقة ممتزجة:


– لأني هتجوزك يا فرح… هتجوزك على سنة الله ورسوله.


اتسعت عيناها في صدمة:


– تتجوزني؟ مرة كنت عايزني صفقة، والمرة دي شفقة؟ أنا مش عارفة ليه كل حاجة ضدي… بكل هدوء أنا بقولك عايزة أرجع بيتي.


التفت زين إلى والدته:

– بصي يا ماما… أنا لو مش هتجوز فرح، مستحيل أتجوز غيرها. فرح غيرت حياتي ونوّرتها في يومين. شوفي بقى هنقنعها إزاي توافق عليا. بزمتك هتلاقي ليا زوجه زيها فين؟ وقوليلها إني مستحيل أكون عاوز أتجوزها شفقة… في كلام في قلبي نفسي أقوله، بس مش هينفع… لأنها مش حلالي لسه.


– أنا عايزة أرجع بيتي. (قالتها فرح بنفاذ صبر).


– احبسيها هنا يا ماما… على ما أجيب بابا من الشركة… وأجيب المأذون وأجي.


ساد الصمت.

توقفت الأنفاس.

وارتجف الهواء بين قلوب لا تعلم أي طريق ستسلكه اللحظة القادمة.

الفصل الثامن من هنا

غير معرف
غير معرف
تعليقات