رواية عهد الدباغ الفصل الثاني عشر
الليل
بئس الليل بئر الهموم وصياد المواجع
كانت تجلس على الفراش خلف نافذة الغرفه، تنظر عبر تلك الفروق بين القطع الخشبية...بالخارج لولا أضواء إنارة عِمدان الشارع لساد ظلام تام توجه بصرها نحو الشارع الخالي،
تتبع خيوط الضوء المرتعشة وهي تنكسر على الإسفلت الصلب،
كأنها تبحث بين الظلال عن شيءٍ تعرفه… أو تهرب من شيءٍ تعرفه أكثر مما ينبغي...
كأن الليل يضغط على صدرها بثقله،
لا قمر يواسي، ولا نجمة تهدي،
فقط صمت طويل يمد يده داخلها وينبش وجع قلبها..جذبت ذلك المئزر حول كتفيها،
لشعورها ببعض البرد يسري فى جسدها رغم أن الطقس خريفي دافئ.. لكن يبدوا أن ذلك من برودة الذكريات حين تُبعث للعقل مرة أخرى،وحين يصبح الفراش شاهدًا على أرق لا ينام... تنفست بعمق،
وكأنها تحاول أن تُقنع قلبها أن الفجر لابُد وأن ياتي حتى وإن طال الليل…حتى وإن كان هذا الليل بئرًا،.. هي تقف على حافته تقاوم السقوط في الأوهام
عشقها السري لـ كنان أصبح يتدفق تتمنى أن يفور ويظهر، تخشى أن يندثر خلف ظلام اليأس …
ظلت عيناها معلقتين بالخارج،
لكن عقلها كان ينساب إلى الداخل، إلى تلك المساحة التي لا يطرقها أحد سواها...
اسمُه يمر في صدرها كهمس محرم،
لا يُقال، ولا يُنكر،
فقط يُحس… ويُؤلم.
-كنان.
لا تنطقه، حتى في وحدتها،
كأن الحروف إن خرجت ستفضحها،
ستوقظ الشوق النائم على حذر،
وتهدم السد الذي شيدته من صبر وكبرياء.
تساءلت:
هل كان ما تشعر به ضعفًا؟
أم أن بعض القلوب خُلقت لتُحب في الخفاء،
لأن العلن لا يليق بكل أنواع العشق؟
مدت يدها إلى الهاتف،
ثم سحبتها سريعًا،
فالرسائل أحيانًا أبواب،
وهي تخشى ما قد يدخل… أو ما قد لا يخرج أبدًا...
عاد الصمت يلتف حولها،
لكن هذه المرة لم يكن خاليًا،
كان ممتلئًا به،
بصورته حين يبتسم دون قصد،
وبصوته حين تسمع صوته.. يعرف الطريق إلى قلبها أكثر منها.
أغمضت عينيها،
وتركت للدمعة حرية السقوط،
دمعة وحيدة، لا تشبه الانكسار،
بل تشبه اعترافًا أخيرًا للنفس..
همست، بالكاد تُسمِع نفسها:
إن كان هذا ذنبًا… فسامحني،
فأنا لم أطلبه، هو فقط… وجدني.
تنهدت تشعر ببؤس تظن أن الحب بالمقامات وهي بالتأكيد لن يراها كفتاة تليق به..
دمعة سالت من عينيها وهي تعود وتتذكر قبل ساعات حين كانت بالعزاء بمنزل الدباغ
[بالعودة]
كانت تجلس بين النساء فى العزاء جوار عمتها رغم عدم إختلاطها بأي أحد من تلك العائلة، لكن منظر والدة "فرح" كذالك شقيقتها حتي إجلال مرسوم الحزن على ملامحهم، شعرت هي الأخري بحزن كبير، توغل لقلبها.. زاد حين دخل ذلك الطفل وألقي بنفسه فى حضن أخت والدته الراحلة التى ضمته بحنان، داخل رأسها لوهلة فكرت هي بحالها، هي أصعب من يتيم الأبوين، رغم انهما أحياء، لكن كل منهما له حياة، وهي خارجها.. غصات تقتل قلبها... دموعها ربما ليست تأثرًا بذلك المشهد أكثر من تأثرها بحالها هي مثل الشريدة، لولا حنان عمتها لكانت ضاعت باكرًا، عمتها رغم بعض خِصالها القاسية، لكن معها لا تنكر أنها حنونة...
شعرت ببعض المرارة فى حلقها،ودت تناول قطعة سكر تُبدل مذاق فمها نهضت ذهبت نحو المطبخ... دلفت كان هنالك بعض الشغالات طلبت من إحداهن كوب مياة ممزوج بالسُكر، بالفعل أعطت لها ذلك، إرتشفت القليل،مازال الكوب به الكثير،ذاقت طعم الإحتياج،لن تترك باقي الكوب ينسكب هباءًا..فكرت بعمتها،هي الأخرى لا تهوى المذاق المُر،أخذته وعادت تتوجه نحو مكان العزاء، سارت بضع خطوات قليلة من المطبخ.. لعدم معرفتها الجيدة بدواخل المنزل دون إنتباه كادت تصتطدم،أو ربما إصتطدمت بالفعل بذلك الذي،هو الآخر يشعر بمرارة فى حلقه..توقف دون أن ينظر الى وجهها الذي شبه إختفي أسفل وشاح رأسها الذي إنسدل منه جزء فجأة على وجهها... تنهد بضجر قائلًا:
إرفعي الطرحة عن وشك وإنتِ ماشيه، عشان تشوفي قدامك، كمان إرجعي المطبخ إعملي لي قهوة سكر زيادة.
اغمضت عينيها كيف تتوه عن صوته المسكون برأسها، كادت ترفع يدها تُزيح وشاح رأسها حتى يراها، وتقول له:
ماذا تظن أنا لست إحد الخادمات.
لكن هو تحرك قليلًا، وهي تنظر نحوه بغصة مع ذلك لم تُبالي وعادت نحو عزاء النساء، عقلها به تردُد ولوم لنفسها:
ليه مرجعتيش المطبخ وعملتي له القهوة،وروحتى له بها يمكن كان شافك،وقولتي له إنك مش خدامة...
وعقلها يذمها:
ولو سألك من تكوني بماذا كنتِ ستُجبين عليه.. أنك اللقيطة التي رأفت عمتها بها... لا داعي لذلك.
[عودة]
على ذلك الصوت القادم من هاتفها تنبهت على حالها، حاولت نفض تلك المشاعر وجذبت هاتفها تبسمت كان اشعار لأحد المواقع الهزلية مقطع أضحك قلبها للحظات لكن في عمق الليل،
بين بئر الهموم وحافة الرجاء،
قررت أن تنتظر الفجر،لا لأنه وعد بالخلاص،بل لأنه الشاهد الوحيد
على قلب بريئة أحبت بصمت…والى الآن لم تندم.
❈-❈-❈
بمنزل الدباغ
لحظات أو دقائق
ظل فاروق واقفًا على عتبة الغرفة ينظر بآسي، سواء لـ عهد، كذالك لـ طفله الذي إتخذ من صدر عهد ملاذًا ربما يشعر أن بها من رائحة والدته... رغم إبتعادها عن حياتهم لكن يعلم أنها كانت تُدلله كثيرًا، تأتي له بألعاب، لم تكُن فرح تُخبره بذلك قصدًا حتى لا تُثير تحفُظه نحوها لكن طفله كان ببراءة طفولة يُخبره.. تنهد فاروق بعمق، كأن الزفرة تحمل ما عجز صدره عن احتماله... خطا خطوة للداخل ثم توقف، يخشى أن يوقظ الطفل أو يبعثر تلك السكينة الهشة التي احتمت بها عهد، واحتضنه هو دون أن تدري...
كانت عيناها مغمضتين، ظنها نائمة أو هكذا خُيّل له، بينما ياسين مستكين فوق صدرها، أنفاسه الصغيرة تتناغم مع نبض قلبها، وكأن قلبها خُلق ليطمئنه لا ليعاتبه.
شعر بوخز حاد في صدره… غِيرة... أم امتنان.. أم خوف.. من أن يعتاد ابنه هذا الدفء فيطلبه دومًا..
تقدم نصف خطوة، مد يده ثم أسقطها في الفراغ...
همس داخله:
حتى وأنتِ مش مامته… بس حاسس ناحيتك بأمان.
حاول كتم نفسه.. يلوم نفسه على ما يفعله لا يحق له التسلُل هكذا بلاإستئذان يرتكب خطأ جسيم، بل حُرمانية...لا يحق له إختلاس النظر إليها... سريعًا عاد للخلف ينسحب ببطء، كما ينسحب من مشهد لا يملك حق التدخل فيه، وأغلق الباب خلفه بهدوء، تاركًا خلفه لحظات لم يعرف إن كانت دقائق رحمة… أم بداية وجعٍ جديد....
ذهب الى حديقة المنزل الساكنة بعد ساعات من الازدحام... جلس على أحد المقاعد، رفع وجهه للسماء ولتلك النجوم المُتراصة بلا قمر.. فاض قلبه أخيرًا وترك العنان لدموع عيناه تنساب بروية، يتنهد متألمً لفُراق فرح
تنهد متألمًا يزفر نفسه مع نُطقه لإسم
"فرح"
كم يشعر بالفُقدان... يعلم أن حياته معها بُنيت من البداية على التعود..
مودة ورحمة في ظل غياب العاطفة أحيانًا كثيرة... …تمنى بل وحاول كثيرًا أن يُحبها كما يليق باسمها، أن يمنحها من قلبه أكثر مما منحته له الأيام قسرًا...
لكن بعض القلوب لا تُجيد الاشتعال، بل تكتفي بالدفء، حتى تكتشف متأخرة أن الدفء نفسه كان حياة...
أطرق رأسه، ومسح دموعه بكفٍ مرتجفة، كأن اللمسة تُعيد إليه ملامحها؛ صوتها الخافت، ضحكتها التي لا تطلب شيئًا، صبرها الذي لم يكن شكوى يومًا.
همس في ظلمة الحديقة:
سامحيني… ما عرفتش قيمتك إلا لما غبتي.
ارتجف صدره بزفرةٍ مبحوحة، وشعر أن الفقد لا يأتي دفعة واحدة، بل يتسلل على مهل… في الأماكن، في الصمت، في النجوم التي لم تعد تشبه نفسها.
رفع بصره مجددًا للسماء الخالية، وأدرك أن غياب القمر لا يعني الظلام… لكن بعض الغيابات لا يُعوضها نور.
❈-❈-❈
بعد مرور حوالي أسبوعين
بأحد المشافي ، كانت رابيا تجلس جوار محسن على المقعد البلاستيكي البارد، بينما الصغيرة تجلس أمامهما تلوح بيدها بعد أن تحررت أخيرًا من جبيرة يدها، تفتح وتغلق أصابعها بدهشةٍ ومرح طفولي.
ابتسم الطبيب وهو يُنهي تعليماته الأخيرة:
كده تمام… بس نخلي بالنا شوية، مفيش لعب عنيف كام أسبوع.
هز محسن رأسه شاكرًا، بينما انحنت رابيا نحو ابنتها تُعدّل كم فستانها وتقول بحنان:
حاسة بإيه دلوقتي.
ابتسمت الصغيرة قائلة:
حاسه إيدي رجعت خفيفة يا ماما.. كمان هعرف ألعب تاني من غير ما أحس إن إيدي تقيلة.
قالتها بضحكةٍ عريضة، فتنفست رابيا براحةٍ أخيرًا، كأن ثِقلًا انزاح عن صدرها.
اقتربت ابنتهما الأخرى منهما، تمسك بحقيبتها الصغيرة، نظراتها تراقب أختها بشيءٍ من الغيرة البريئة، فمد محسن يدها وربت على كتفها بحنان.
تبسمت قائلة:
بابا من زمان متفسحناش ولا خرجنا من البيت غير عالمدرسة والحضانة، أنا عاوزه نتفسح مع بعضنا، زي أصحابي ما بيقولوا أنهم بيخرجوا مع ماماتهم وباباتهم ويروحوا المول ويشتروا لعب وياكلوا فى المطعم.. من يوم وفاة طنط فرح والبيت زعلان... وإحنا كمان.. عاوزين نخرج يا بابا، إن شاله بس نتغدى بره.
شعر محسن بوخزة فى قلبه حقًا الحُزن سيطر على المنزل بمن فيه،لكن ما ذنب طفلتيه أن يتحملن ذلك وهن مازلن صغارًا..نظر محسن نحو رابيا التي
تبادلت معه نظرة صامتة، ثم قالت رابيا بنبرةٍ تحاول أن تكون خفيفة...رغم تردُدها:
إيه رأيك نطلع نتمشى شوية… نغير جو بعد المستشفى.
ابتسم محسن موافقًا:
فكرة حلوة… تستاهلوا تتبسطوا النهارده.
قفزت الطفلتان بفرح، إحداهما تلوح بيدها الحرة، والأخرى تمسك بيد أبيها، بينما خرجوا من المشفى بخطواتٍ أهدأ…
كأنهم، ولو لساعات قليلة، قرروا أن يتركوا الحزن خلفهم ويمنحوا اليوم فرصة لأن يكون أخف.
بمجرد خروجهم إلى باحة المشفى، اصطدمت وجوههم بحرارة الشمس الدافئة فغمزت الصغيرة بعينيها وضحكت:
الشمس وحشتني.
جذبت رابيا يد ابنتها برفق، وكأنها تخشى أن ينكسر هذا الاطمئنان فجأة، بينما قال محسن وهو يشير نحو سيارته:
نروح المول ونتغدى فى المطعم.
قفزت الطفلتان في آنٍ واحد:
وقالت إحداهن كمان نجيب آيس كريم.
ضحكة محسن خرجت صافية على غير عادته، أما رابيا فاكتفت بابتسامةٍ هادئة، لكن عينيها كانتا تراقبان الصغيرة التي نزعت الجبس… كل حركةٍ منها كانت اختبارًا جديدًا لقلب أمٍ لم يهدأ خوفه بعد.
في الطريق، جلست الطفلة الكبرى بجوار النافذة، تراقب الشارع بعينين فضوليتين، بينما راحت الصغرى تحرك أصابعها باستمرار، كأنها تتأكد في كل مرة أن يدها عادت لها فعلًا.
-لسه بتوجعك؟
سألت رابيا فجأة عندما لاحظت فردها وغلقها لأصابع يدها
هزت الصغيرة رأسها بنفي:
لأ… بس خايفة تنكسر تاني.
توقف محسن عند الإشارة، نظر إليهما من المرآة وقال بنبرة مطمئنة:
طول ما إنتِ مش بتتشاقي ولا تضغطي عليها مش هيحصل لها حاجة.
سكنت الكلمات قلب رابيا قليلًا، لكنها تعلم أن الخوف لا يرحل بسهولة… هو فقط يهدأ حين يُحاط بالحب.
عند احد مراكز التسوق، ترجلوا من السيارة، والنسيم الخفيف يعبث بملابسهم. مشت الطفلتان أمامهما، إحداهما تركض بحذر، والأخرى تضحك وتلحق بها، بينما وقف محسن بجوار رابيا للحظة.. قائلًا:
الحمد لله.
قالها بهدوء.
أومأت رابيا:
الحمد لله… بس يا رب يكملها على خير ومتتشقاش تاني.
تابعا السير خلف طفلتيهما، خطواتهما بطيئة، وقلوبهما معلقة بتلك الضحكات الصغيرة البريئة…
ضحكاتٍ بدت لهما وكأنها وعدًا مؤقت بأن الأيام، رغم قسوتها، ما زالت قادرة على منحهم لحظات خفيفة...
وبينما كانتا الطفلتان منشغلتين بالضحك والركض قرب زجاج مقدمات المحلات ، توقف محسن فجأة، دون قصدٍ واضح، فاستدارت رابيا نحوه في اللحظة نفسها...
التقت عيونهما...
توتر خفيف مر بينهما، صامت لكنه محسوس، كأن الهواء نفسه صار أثقل.
رابيا كانت أول من أبعد نظره، تظاهرت بتعديل حجابها، بينما شد محسن يده داخل جيبه وكأنه يبحث عن شيءٍ يهرب به من هذا الإحساس...
لم يكن في النظرة عتاب صريح، ولا قرب كامل… فقط ارتباك قديم لم يحسم...
ذكريات لم تُمحى، ومسافات فرضتها عليهما مشاعر غائبة رغم القرب...
تحدث محسن بصوتٍ منخفض، محاولًا كسر الصمت:
البنات مبسوطين.
هزت رابيا رأسها سريعًا:
أيوه… وده أهم حاجة.
عاد الصمت من جديد، لكنه لم يكن مريحًا...
كانت رابيا تشعر بدقات قلبها أعلى من اللازم، تتساءل في داخلها لماذا تهتز بهذا الشكل كلما التقت عيناها بعينيه، رغم أنها أقنعت نفسها طويلًا أن كل شيء صار عاديًا...
أما محسن، فابتلع كلمات كثيرة، وبقيت عيناه تلاحقها حين ابتعدت خطوة، مدركًا أن بينهما حديثًا مؤجلًا…
حديثًا يهربان منه كلما تلاقى النظر، وكأن المواجهة أخطر من الصمت...
اقتربت إحدى الطفلتين منهما وهي تمسك بأحد المُثلجات التي بدأت تذوب بين أصابعها قائلة:
بابا… ماما… بصوا.
انحنت رابيا سريعًا، تخرج محرمة ورقية من حقيبتها تمسح لابنتها يدها ب كأنها وجدت في الحركة طوق نجاة يُبعدها عن ذلك التوتر، بينما ابتسم محسن وهو يناولها منديلًا آخر دون أن ينظر مباشرةً إليها...
تلامست أصابعهما لثانيةٍ عابرة… ثانية كانت كفيلة بأن تُربكهما من جديد...
سحبت رابيا يدها بسرعة، وتمتمت بهدوء: شكرًا.
أومأ محسن فقط، ثم أشاح بوجهه نحو البنات قائلًا بتحذير:
خلي بالكوا… اللعب هنا بهدوء.
ابتعدتا قليلًا، وعاد الصمت بينهما، لكن هذه المرة كان أعمق.
قالت رابيا بعد تردد:
محسن…
ثم سكتت.
التفت إليها فورًا قائلًا:
نعم.
ابتلعت ريقها، وتراجعت،كأنها تخشي الحديث:
ولا حاجة.
لم يضغط عليها، لكنه شعر أن قلبه لوهلة انقبض...
كان يعلم أن بينهما كلمات معلقة، وأن هذا التوتر ليس وليد اللحظة، بل نتيجة أشياء كثيرة دُفنت تحت روتين الأيام وإستمرار زواجهم.. تحت مسمى "علشان العيال".
جلسا على المقعد الخشبي، ولا يوجد بينهما مسافة تقريبًا سنتيمترات لكنها بدت أوسع من الفضاء أمامهما...
راقبا ابنتيهما، ضحكاتهما تختلط بصوت متناغم، بينما كانت عين محسن تنزلق أحيانًا نحو رابيا، ثم تعود هاربة...
وفي داخل كلٍ منهما سؤالٌ صامت:
هل هذا الارتباك دليل تعبٍ لم يندمل… أم بقايا شيءٍ لم يعلمان ما هو...
ظل السؤال معلقًا، كما ظلت عيونهما تتحاشى اللقاء،
خوفًا من إجابة قد تغير كل شيء... يكفي هذا اليوم وهما قربين من بعض بعيدًا عن حدود فراش هو فقط ما يجمعهما لدقائق.
❈-❈-❈
بالنادي الإجتماعي
إنتهي نديم من أحد مباريات الاسكواش الذي فار بها تبسم له الخِصم وصافحه قائلًا:
واضح إنك مواظب على الماتشات فكرت هتنشغل فى سفرك وتنسي اللعب.
ابتسم نديم بثقةٍ هادئة وهو يلتقط أنفاسه، ومسح عرقه بالمنشفة قبل أن يُصافحه قائلًا:
السفر بيشغل… بس اللعب ده مُتنفس، صعب أسيبه.
ضحك الخِصم بخفة، وهو يربت على كتفه:
لاء واضح،حتي مستواك أحسن من آخر مرة لعبنا قبل ما تسافر.
أومأ نديم برأسه، وعيناه تسرحان للحظة بعيدًا عن الملعب، كأن عقله لم يكن حاضرًا بالكامل.
يمكن الواحد لما يتلخبط، محتاج حاجة تثبته على الأرض..
التقط مضربه، واتجه نحو مقاعد الاستراحة، بينما داخله شعور غامض يتأرجح بين انتصارٍ سريع وحنين لا يعرف له سببًا، كأن المباراة انتهت… لكن شيئًا آخر لم يبدأ بعد.
في مكانٍ آخر في النادي، كانت الحياة تمضي ببرودٍ مستفز، كأن الفاجعة حدثت في عالمٍ موازٍ لا يخص أحدًا سواها... مازالت تشعر بالحزن يثقل قلبها لوفاة زوجة أخيها الشابة، ذلك الرحيل المفاجئ الذي أيقظ بداخلها خوفًا دفينًا، يهمس بأن الموت ليس بعيدًا كما نُقنع أنفسنا، وأن الحياة قادرة على أن تنقلب في لحظة واحدة، بلا إنذار...
جوارها كانت تسمع ضحكات خافتة، وموسيقى بعيدة تتسلل من أحد الأركان، لكن كل ذلك لم يكن سوى ضجيج بلا معنى...
لا يشغل عقلها، لا يلامس روحها…
لا أحد، ولا شيء، كان له مذاق..فقط تجلس ساكنة، تحدق في نقطةٍ مجهولة أمامها، كأن عينيها تبحثان عن تفسير لما لا يُفسر.
تساءل عقلها بصمت:
كيف يواصل الآخرون حياتهم بهذه السهولة؟ كيف لا يثقلهم الغياب، ولا يُربكهم هذا الإدراك المفاجئ لهشاشتهم.
مرت نادلة جوارها تحمل صينية مليئة بالأكواب، اصطدمت ضحكة عالية بأذنها فارتعش قلبها، ليس انزعاجًا… بل غُربة.
غُربة من لا ينتمي للحظة، ولا يستطيع أن يُجاري هذا العالم المُستعار.
وضعت يدها على حقيبتها بقوة، وكأنها تتشبث بشيء ثابت وسط عالمٍ يتسرب من بين أصابعها، وأدركت أن الحزن لا يطلب عزلة بقدر ما يفرضها...
في تلك اللحظة لم تكن وحيدة فقط…
كانت مُنهكة من قسوة الإحساس...وعقلها يسأل عن سبب ذلك الملل
والجواب... ربما فى تلك النظارة السوداء التي تضعها حول عينيها، كأنها تختبئ من الصخب بهن... حوارات تدور حولها وحديث تُشارك فيه بإقتضاب... لحظات وفكرت أن تنهض وتُغادر ذلك الملل. لكن...
قبل لحظات نهض هو صديقه يسيران بالنادي يتحدثان بأمور وأحاديث شتى... لكن توقف للحظات حين رأي يارا
تجلس قبالة شاب لا يعرف عنه شيء،خفق قلبه يشعر بمشاعر مُختلطة...وإهمها شعور بالغيرة من إبتسامتها لذلك الشاب...تنحنح لزميله ثم بفضول تحدث بسؤال:
مش اللى هناك دي يارا الدباغ.. مين اللى معاها ده مشفتوش هنا قبل ما أسافر...
توقف للحظه وسؤال آخر داخله يخشي اجابة بالتأكيد:
هي إتجوزت.
أجابه زميله بالنفي:
هي فعلًا يارا.. بس لاء متجوزتش اللى أعرفه عنها إتخطبت مرتين وفسخت الخطوبة.. واضح إنها مُتعالية... حتي فى تعاملها مع اللى حواليها.
لوهلة لمعت عيناه بسعادة. لكن زالت حين جلس شخص مقابل لها... لم تُبالي بذلك في البداية، لكن حين رفعت عينيها تلاقت مع نديم الذي يقف قريب منها، لم تهتم له وإدعت عدم رويته وإبتسمت لذلك السمج فى نظرها.. ابتسامتها كانت تؤكد أنها تحاول الهروب...
لكن نديم بفضول منه ترك زميله وتوجه نحوها،…لم تهتم بذلك، أو هكذا أقنعت نفسها.
عدلت من وضع النظارة فوق عينيها، وكأنها تحصن المسافة الأخيرة بينها وبين فضول الآخرين ، بينما اقترب بخطوات ثابته أربك سكونها المُصطنع.
توقف نديم على بُعدٍ قريب، لحظة قصيرة لكنها كانت كفيلة بأن تُربك أنفاسها...
تحدث بصوتٍ هادئ يحمل من التحفُظ أكثر مما يحمل من العفوية:
مساء الخير يا يارا.
لم ترفع رأسها.. ارتشفت رشفة صغيرة من مشروبها، ثم أجابت ببرودٍ محسوب:
مساء النور.
تسلّل صمت هادئ بينهما، صمت يعرفه كلاهما جيدًا، صمت الامتحانات غير المُعلنة...
نظر نديم إلى الشاب الجالس قبالتها، ثم عاد ببصره إليها، محاولًا أن يقرأ ما خلف تلك الابتسامة المتكلفة.
إتبسطت لما شوفتك في النادي النهاردة، قولت أجي أسلم.
أومأت دون تعليق، كأن وجوده طارئ لا يستحق الوقوف عنده...
لكن داخلها كان شيءٌ آخر يحدث؛ نبض متسارع، ضيق خفيف في الصدر، وتلك الرغبة العنيدة في الهروب… لا منه، بل من نفسها...
نهض الشاب المقابل لها معتذرًا بلطف، تاركًا المقعد فارغًا بينهما، فبدا الفراغ أوسع من مجرد مقعد.
تحدث نديم وهو يشير إلى المقعد يود الجلوس:
ممكن.
ترددت لحظة، ثم أجابت بنبرةٍ مقتضبة:
اتفضل.
جلس، وتلاقى نظرهما أخيرًا دون وسائط.
في تلك اللحظة أدرك كلاهما أن هذا اللقاء لم يكن مصادفة،وأن الملل الذي كانت تشعر به…كان اسمه "نديم".
❈-❈-❈
مساءًٍا
بمنزل الدباغ كان المنزل هادئ،
بغرفة الضيوف...
كانت أم صبري تجلس جوارها،تحمل فنجان الشاي بين يديها لم يمس بعد، وعيناها تدوران في المكان وكأنها تُرتب الحديث قبل أن تنطقه... بمواساة:
أمال فين فاروق من يوم عزا مراته مشوفتوش.. هو متأثر أوي كده، بصراحة يحق له دي كانت الله يرحمها زي النسمة كده، متغلاش على اللى خلقها.
تنحنحت إجلال وقالت بنبرةٍ مترددة:
فعلًا فاروق متأثر أوي يا أم صبري… أنا من وقت وفاة فرح وأنا شايفة بعيني، فاروق زي تايه… والحيران كمان إبنه عند حماته... حاسه انه متردد وعاوزه يتربى هنا بس خايف على مشاعر أمها وأبوها... لسه الجرح فى أوله، ويمكن اللى مصبر قلبهم هو ياسين.
هزت أم صبري رأسها بتفهم قائلة:
ربنا يعوضهم… فقد الضنا والأهل موجودين وجع كبير.
سادت لحظة صمت، ثم تحدثت إم صبري بإستخبار:
وعهد أختها عامله إيه هي كمان.
أجابتها إجلال بصوتٍ منخفض: وعهد… البنت شايلة حمل مش حملها، والولد متعلق بيها بشكل يخوف.
رفعت أم صبري حاجبيها، نظرة فاحصة: قصدك إيه يا إجلال.
تنفست إجلال بعمق، كأنها تحسم أمرًا في داخلها:
ياسين متعلق بيها أوي.
فكرت أم صبري للحظات قائلة:
الخاله والدة... إيه رأيك.
لم تفهم إجلال نظرت لها بأستفهام فأكدت أم صبري:
قصدي… جواز.
شهقت اجلال بخفة قائلة بإستيعاب: جواز..مين!
قصدك جواز فاروق وعهد.
- أيوه.
قالتهاأم صبري بثباتٍ مفاجئ.
وده مش طمع ولا استعجال… بس شايفة إن الاتنين مكسورين، وكل واحد فيهم محتاج سند.
مالت اجلال للأمام قائلة باعتراض: والناس.. والكلام.
ابتسمت أم صبري بمرارة قائلة:
الناس مش هتسكت سواء عملنا ولا ما عملناش… بس عشان خاطر الولد
وسكتت لحظة قبل أن تُكمل:
ياسين لسه صغير محتاج لأم، مش بس حد يشيله وقت النوم...يحطه عالسرير.
تأمّلت اجلال الفكرة، عيناها زاغتا قليلًا، ثم قالت:
عهد بنت أصل… وصبورة. بس هل فاروق مستعد.
وقلبها يعلم بل على يقين أن فاروق مازال يحمل مشاعر خاصة لـ عهد لكن الخوف من رد عهد نفسهل.
أجابت أم صبري بهدوءٍ حاسم:
ومش شرط ينسى… الجواز مش خيانة للي فات... يمكن يكون ستر للحي ورحمة للميت.
ساد الصمت من جديد، لكنه لم يكن فارغًا هذه المرة،
كان مليئًا باحتمالات مُتعددة…
قد يُنقذ بيتًا، أو يفتح بابًا لوجعٍ جديد.
وضعت اجلال فنجان الشاي أخيرًا على الطاولة، وكأنها بذلك تحسم ترددها: الكلام ده كبير يا ام صبري… ويتعمل له ألف حساب.
أومأت ام صبري:
عارفة… عشان كده بكلمك إنتِ.
ثم خفّضت صوتها:
عهد مش أي بنت، ولو دخلت حياة فاروق، هتدخلها بقلبها كله.
تنهدت اجلال قائلة:
وأنا خايفة عليها…
الناس هتقول إنها خطفت مكان أختها وإنها استغلت موتها.
اشتدت ملامح أم صبري قائلة:
ظلم ليه… وعهد عمرها ما فكرت كده.
ثم أضافت بحزن:
ياسين ابن أختها وهي الأحق ىتربيته
سكتت أم صبري قليلًا، ثم تسألت:
طيب وفاروق تفتكري رد فعله إيه.. يعني لو.. لو يعني حس إن الموضوع ضغط… ممكن يقفل على نفسه أكتر.
ابتسمت إجلال ابتسامة خفيفة تعلم أن ربما أمنية فاروق الوحيدة هي... عهد.
مالت أم صبري برأسها قائلة باستفسار:
هتتكلمي مع مين الأول
مع عهد... ولا فاروق
تفوهت إجلال دون تردد.
لازم نسمع منها… يمكن هي أصلًا مش قادرة تكمل كده.
تنهدت أم صبري بعمق:
ربنا يستر.
ثم أضافت:
لو حصل، لازم يتم بهدوء… من غير ما حد يحس إن في استعجال.
أغلقت إجلال الموضوع بنبرةٍ قاطعة: اللي فيه الخير هيكمله ربنا.
وفي الخارج، كان الليل ينسدل ببطء،
وكأن البيوت القديمة تعرف أن بعض الاقتراحات…لا تُقال عبثًا،
وأن كلمة جواز أحيانًا لا تعني بداية حب،
بل محاولة أخيرة لإنقاذ ما تبقى من روحٍ مكسورة.
❈-❈-❈
بشقة توفيق، إستقبل فاروق بترحاب حزين... جلسا معًا لبعض الوقت القليل..يم تنحنح فاروق طالبً:
ياسين فين.
أجابته ميرفت بصوت حزين:
مع عهد فى أوضتها،إنت مش غريب يا فاروق..الأوضة تاني أوضه عاليمين
نهض فاروق يشعر بالحرج، لكن توجه الى الغرفه وقف قليلًا...
تنفس بعمق أثقل صدره، وكأن الزفير محاولة يائسة لتخفيف ثِقلٍ لا يُحتمل... كان باب الغرفة مفتوح مع ذلك ذوقيًا قام بالطرق على باب الغرفة...
كانت عهد تضم إليها بحنان صامت، وهما يجلسان أرضًا يدها تمر فوق خصلات شعره في إيقاع مألوف، يشبه ذلك الذي كانت تفعله فرح يومًا… الفارق أن عهد تفعلها الآن بدافع الرحمة، لا الذكريات... وياسين
يتحرك قليلًا، يتشبث بثوبها أكثر، كأنه يخشى أن يُنتزع من هذا الدفء فجأة، فارتجف قلب فاروق.
أوجعه أن يرى ابنه يبحث عن أمه في صدر امرأةٍ أخرى، وأوجعه أكثر أن يعلم أن الذنب ليس ذنب الصغير.
اقترب خطوة، ثم توقف.
العتبة بدت له كخط فاصل بين ماضي لا يُمحى بسهولة، وحاضرٍ مُربك لا يعرف كيف يتعامل معه..
نظر إلى عهد، فوجد في عينيها تعبًا يشبه تعبه، ووجعًا لا تقل حدته عن وجعه، رغم أنها ليست الخاسرة الأكبر.
بنفس اللحظة
- سامحني…
همسها داخله، لا يعرف لمن تحديدًا؛ لـ فرح الغائبة، أم لعهد الحاضرة، أم لطفل لم يفهم بعد لماذا أصبح الحنان نادرًا.. ظ
أدار وجهه ببطء، وخطواته تقترب بهدوءٍ مُربك، تاركًا الباب مواربًا…
كأنّه يخشى إن أغلقه أن يُغلق معه ما تبقى من صبره.
بينما عهد كانت تجلس تضم ياسين قلبها مسفوح... أيام مضت لكن مازال كل همسه وكلمة من فرح تترد بعقلها...لم تستوعب بعد قسوة الفُراق،وذلك الصغير الذي يتشبث بها معظم الوقت لا تفهم مشاعره الصغيرة،حقًا كان يفعل معها ذلك كثيرًا قبل وفاة فرح لكن كانت تعتقد أن ذلك مُزاحً منه لتدليلها له وقتها..لكن اليوم..مشاعر أخرى تشعر بها منه،هو يخشي أن تبتعد عنه هي الأخري،وعقلها لا يتحمل أن تكون بديلًا ..
…لكن نفضت ذلك التفكير سريعًا، كمن يُبعد عن صدره سكينًا حادة قبل أن تغوص أكثر...
جذبت ياسين إلى قلبها بحنان غريزي، لا وعد فيه ولا ادِعاء، فقط دفء اللحظة..
مررت يدها على شعره الصغير، وهمست باسمه كأنها تُطمئنه وتُطمئن نفسها معه...
تعلم أن القلوب الصغيرة لا تُجيد التعبير، لكنها تُجيد التعلُق حين تخاف، وياسين كان يخاف… يخاف أن يفقد مرةً أخرى، دون أن يفهم معنى الفقد..
أغمضت عهد عينيها، حاولت أن تُسكت صدى صوت فرح في رأسها، تلك الضحكة، تلك الوصايا العابرة التي لم تُؤخذ يومًا بجدية...
الآن فقط أدركت أن الغياب لا يترك فراغًا وحسب، بل يترك مسؤولية ثقيلة على من تبقى...
فتحت عينيها، وزفرت ببطء، تقنع نفسها أنها ليست بديلًا، ولن تكون.
هي فقط امرأة تُمسك بيد طفل خائف…
وذلك، وحده، كافٍ لأن يوجع القلب.
بنفس الوقت سمعت نَحنحة فاروق عند عتبة الغرفة، فرفعت رأسها على الفور.
وحين التقت عيناها بعينيه… تبدلت نظرتها دون أن تشعر؛
لم تكن تلك النظرة المعتادة، لا حياد فيها ولا تحفُظ، بل شيء أقرب للارتباك، وربما للخذلان المكبوت...
تشنج جسدها قليلًا، بينما ازداد تشبث ياسين بها كأنه شعر بتغير الهواء من حولهما..
تحدث فاروق بصوتٍ منخفض، متردّد:
آسف… ما كنتش عايز أضايقكم.
هزّت رأسها نفيًا بسرعة، وأعادت بصرها إلى ياسين للحظة، ثم رفعت عينيها إليه من جديد.
مفيش إزعاج…ياسين بيلعب عالأيباد.
سادت لحظة صمت ثقيل، محمل بكل ما لا يُقال...
لاحظت عهد في عينيه شيئًا لم تره من قبل…لا تعلم إن كان انكسارًا صريحًا، أم قناع..
بلحظة تبدلت نظرتها مرةً أخرى، من توتر إلى شفقةٍ خائفة، كأنها تخشى أن ترى فيه ما لا تملك القدرة على تحمُله.
في تلك اللحظة، أدرك كلاهما أن الفقد لا يترك مساحات آمنة…
وأن النظرات أحيانًا تقول ما تعجز عنه الكلمات...
هي... تخشي أن يسلب منها ذلك الصغير الذي يهون عليها فاجعة فُراق فرح
وهو… شعر بثقل اللحظة يجثم على صدره، كأن كل كلمة لم تُقال، وكل دمعة لم تُذرف، تكاثفت في نظرة واحدة من عهد...
لم يكن يعرف إن كان هذا القلق الذي يراه في عينيها موجهًا إليه، أم لقدر لا يرأف بقلبه.
