رواية غوثهم الحلقة الخاصة الاولي
عليك أن تؤمن إيمانًا جازمًا؛
بأنّ رزقك لن يُخطئ طريقه إليك،
ولو وُضِعَت أمامه العراقيل، وحالت من دونه الأسباب،
وكان بينك وبينه ألف حجاب، سيصلك أينما كنت،
وستناله رغمًا عن كل شيء،
فما هو مكتوب ومُقدّر لك سيأتيك:
وإذا أراد الله إتمام حاجة أتتك على سفرٍ وأنت مقيمٌ…
_______________
لا شك أن العودة للجزء المفضل في حياتك، سيظل هو الشعور الأحن والأكثر دفئًا في هذه الحياة، كأنك كنت تقرأ كتابًا ووجدت نفسك بين صفحاته وإذ بك تصل لنهايته، حيث نهاية الحياة والعالم الذي آواك من بين كل العوالم التي عاملتك بالقسوةِ، واليوم الكتاب يفتح صفحاته من جديد لأجلك، لأجل الترحيب بك بين صفحاته من جديد، وكأنه يخبرك أن الرحلة حتى وإن كانت انتهت فهذا لا يُعني نسيانُها..
شتاء برائحة الدفء، نومة هنيئة، المنزل أمسىٰ ساكنًا والشقة هادئة إلى حدٍ كبيرٍ، كل شيءٍ حوله ساعده أن يخلد لنومه بعد عذابٍ مع صغيرته، كانت هي بفراشها الخشبي المزود بألعابٍ وإضاءة خافتة لا تتعدى محيطها وهو يتسطح الأريكة المقابلة للفراش، يضع كلا كفيه أسفل وجنته، ويضم وسادة بين ساقيه وكأن نومته لم تتغير مهما مر عليه من عُمرٍ..
فُتِحَ الباب بهدوءٍ أشبه بفيلم رُعبٍ، صوت الباب وهو يُفتح في سكون الليل وسط ليلٍ باردٍ والجميع نيامٌ سكنوا الفراش، نام هو الآخر ويده تستقر فوق حافة فراش الصغيرة حين كان يهزه حتى غرقت في نومٍ عميقٍ، وقد مال عليه ظلٌ صغير يتأكد من نومهِ، دار “يامن” بعينيه بحثًا عن مُبتغاه فوجده فوق المنضدة الرخامية الصغيرة وقد اقترب يلتقطه فوجد قبضة قوية تقبض فوق رسغه واعتدل “يوسف” بنصف جسده يهمس بحنقٍ:
_أنت ناوي تبقى هجام؟ بتعمل إيه ما صدقت نامت.
بدا الخوف جليًا على ملامح صغيره وهمس متلعثمًا كي يُبرر سبب فعله:
_عاوز الموبايل أصورها وهي نايمة والله، مش جايلي نوم.
تنهد “يـوسف” بيأسٍ ثم ترك الصغير الذي التقط الهاتف وركض يقف بجوار فراش الصغيرة ثم قفز فوق مقعدٍ اسفنجي ومال يلتقط صورًا لشقيقته في مهدها وقد ابتسم “يـوسف” بملامحه الناعسة، بسمة حنونة بقدر تعبه في نومها، وقد تحرك “يامن” يلتقط لها الصورة من الجهة الأخرى فاهتز الفراش بالصغيرة وعلا صوت البكاء منها بعد أن فُزِعت من الصوت..
ظلت الصغيرة تبكي قُرابة الدقائق المتواصلة بغير توقفٍ منها، وكان القلق يفتُك به بسبب بكاء صغيرته، دون سببٍ معلومٍ جزء من قلبه كان يبكي بصوتٍ فطَّر قلبه، وهو هُنا وحده يدور بها في صالة شقته يُهدهد فيها كأنه يحنو على قطعة من روحهِ، يسير وهو يُلثم جبينها ويتحدث في أذنها رغم أن عدد شهور عمرها لا يسمح لها أن تعِ شيئًا حولها، صوت البكاء مزق قلبه قد همس “يوسف” يرجوها أن تتوقف لحين تعود زوجته بقوله:
_علشان خاطري بطلي عياط طيب، بس يا حبيب عيون بابا، بس يا “داليدا” بس يا روح “يوسف” وعمره كله، بس أهدي أهدي.
كان يتحدث وهو يعلم أن صوته ربما يكون الأمان المرسول لقلب صغيرته كي تكف عن البكاء، ظل يدور بها وقد هدأت نوبتها قليلًا وأصبحت تتنشج بين الحين والآخر، بينما أمسك “يوسف” هاتفه يطلب رقم زوجته كي يستعلم عن موعد عودتها من بيت أمها، وأثناء إندماجه في الهاتف وهو يحاول مراسلتها وجد نفسه يُدفع للأمام وكاد أن يسقط فوق وجهه.
التفت “يوسف” بملامح وجهٍ مصدومة فوجد صغيره “يامن” بداخل سيارته الصغيرة يضحك له ثم قال يعاتبه كأنه رجلٌ مسئولٌ في جهة رسمية بالدولة وتأخر على موعده حيث قال:
_ما تحاسب يا “يوسف” عاوز أحضَّن.
_في مين؟.
خرجت من “يـوسف” ببلاهةٍ أمام صغيره الذي أشار له ضاحكًا عند الأريكة وقال شارحًا ببساطةٍ:
_هحضَّن العربية جنب الكنبة هنا يا بابا، يعني هركنها مستغرب ليه؟.
وقف “يوسف” مُغتاظًا من ابنه الذي رفع السيارة وأثناء تحركه بها صدم ساق والده بقوةٍ فكتم “يوسف” صرخته المتألمة والتفت يدفع السيارة بابنه الذي كان قد ركبها بالفعل وبمجرد فِعل والده ارتفع حماسه وصوت ضحكاته عاليًا ثم ركض له عائدًا بالسيارة وهو يُلح بقوله:
_تاني تاني، بس المرة دي أسرع بقى.
لا يعلم “يوسف” ما هي عقوبة قتل الصغار كي يفعلها ويثأر، لكنه ما إن نظر في وجه ابنه وجده يضحك له وكأنه نُسخة أخرى منه تتحدى كِبره وعنفوانه، وقد ارتفع في لحظتها صوت بكاء الصغيرة بين ذراعيه مُجددًا، وتوسعت عينا “يوسف” وهو يشعر أن “عهد” وحدها هي من تملك فك شفراتها، فنظر لها بحنوٍ وقال بأسىٰ لأجلها:
_أنتِ بتعيطي وصعبانة عليا أوي، بتعيطي ليه طيب؟ أكل مش عاوزة تاكلي ونوم مش عاوزة تنامي، مين ابن الكلب اللي مزعلك.
تدخل ابنه يقول ببراءةٍ وقد تذكر أمه ماذا تفعل حين تصرخ الصغيرة بتلك الطريقة:
_ماما لما كانت بتعيط كدا كانت بتاخدها تغيرلها علشان بتكون عاملة بي_بي يا بابا ودا معناه إنك لازم تغيرلها يا “يـوسف”.
توسعت عينا “يـوسف” من جديد ووزع نظراته بين ابنه وابنته وظل يحرك رأسه بينهما وكأنه يطالع حياته القديمة في صورتها الحديثة، الماضي الذي ضاع واندثر وسط صفحات الزمان، وجد كتابه مُجددًا بغلافٍ أحدث، وكاتب الحكاية تلك المرة كان هو راويها، حيث الغريب وجد الموطن والروح والحياة حين عاد لمسقط رأسه، وها هو يقف بين عالمه كما شخصٍ جديدٍ كُتِبت له النجاة.
وبعد مرور دقائق كان يقف في المرحاض وهو يقوم بتحميم صغيرته في الحوض الصغير المخصص لها، وابنه يعاونه ويقف معه يلاعبها وهي تضحك لهما، تلك الجنية الساحرة صاحبة الأشهر الخمس من عُمرها بضحكتها أصبحت العيد في مدينة الغريب، كان “يـوسف” يُدللها برفقٍ وهي بين كفيه تضحك والماء الدافيء يغمر جسدها، بينما شقيقها فكان يُدلك جسدها بسائل الاحتمام وكأنه يحفظ كل التفاصيل الخاصة بها وحدها.
كان “يوسف” يراقبه ويرقب شغفه في تعامله في صغيرته ويرى الماضي المسروق منه عنوةً نُصب عينيه من جديد، يبتسم بحبٍ ويُتابع مع ابنه الاهتمام بالصغيرة المُدللة بينهما، حتى أنهيا تحميمها وقد نقلها “يوسف” وبدأ في الحيرة الأكبر، وقد أتى منقذه الصغير حين جلب كل احتياجات الصغيرة وقال ببراءةٍ مُغلفة بالحماس:
_دي هدومها وكل حاجة بتاعتها، وهقولك بنعمل بيهم إيه، دا كريم ماما بتحطه ليها قبل ما نلبسها الدايبر، ودا كريم بنرطب بيه جسمها كله، ودا بنحطه عند رقبتها وودنها وبطنها، ودا كريم ماما بتحطه على شعرها قبل ما تسرح ليها بالفُرشة دي.
أخذ يُفند لوالده عدة أشياء كان حقًا يجهلها لصغيرةٍ مثلها، وأخذ يرمش بأهدابه مُتسائلًا في أي مسابقة جمال اشتركت ابنته كي تحظى بهذا الاهتمام المُبالغ فيه، وقف ينفذ ما أخبره به ابنه حتى انتهى الأمر به وهو يُلبسها الفستان الأبيض المُزركش بقلوب صغيرة سوداء ثم قام بترتيب خصلاتها، ونامت من جديد بين ذراعيه آمنة مُطمئنة..!!.
ارتكن على الأريكة وهي لازالت بين ذراعيه تتأرجح بين الصحو والنومِ وهو يقوم بإطعامها الحليب قبل نومها من زجاجتها، وقد أخفض الضوء وضمها لعناقه وقلبه ينبض بجوارها بشكلٍ لم يستعبه، لم يُصدق أن أحلامه تزايدت لهذا الحد، والأدهى أنها أصبحت حقيقة بين متناول يديه، أمسك كفها يُلثم باطنه وأخذ يمسده لها حتى لمح ابنه يقترب منه وهو يتحدث مه أمه في الهاتف فترك الصغيرة في فراشها ثم أخذ الهاتف منه وسألها بصوتٍ هاديءٍ:
_عاملة إيه يا “عـهد” و”مـي” و “وعـد” أخبارهم إيه؟.
تنهدت بقوةٍ ثم قالت بصوتٍ بان عليه أثر التعب:
_كويسة الحمدلله، بس “وعـد” جسمها بيوجعها أوي، وماما الحمدلله بدأت تفوق عن الأول، ماتقلقش هما بخير.
تنهد هو بأسى وهو يعلم أن الحادث الذي حدث رغم بساطته لكنه ترك أثره عليهن، لذا قال يواسيها ويُشدد من أزرها بقوله:
_ربنا يطمنك عليهم، الحمدلله عدت على خير يا “عـهد” وبقوا زي الفل، التوكتوك وقعته على قد كدا برضه بتأثر، المهم خلي بالك من نفسك وشوفي عاوزاني أجيلك إمتى نوديهم للدكتور برضه نتطمن عليهم.
ارتسمت البسمة على شفتيها وقالت بذات الهدوء:
_هما خلاص بقوا أحسن بكتير ومش لازم دكتور تاني، وشكرًا على الحاجات اللي بعتهالهم النهاردة، مش عارفه تعبت نفسك ليه البيت مليان حاجات كتير، ومامتك هنا مش سايباهم وعملت لينا غدا هي وخالتو “أسماء” المهم طمني حبايبي أخبارهم إيه؟.
ابتسم ما إن تذكر صغيرته ولمح ابنه فوق سيارته ثم قال بهدوء:
_ماشي الحال، نيمت ست الحُسن وحميتها وغيرتلها وسرحتلها، وأستاذ “يـامن” بيلعب أهو ومركبني العصبي، متقلقيش هحضى عشا وأخليه ياكل وينام، عاوزة أنتِ حاجة مني أبعتهالك؟.
_خلي بالك من نفسك ومنهم، وأنا هاجي بكرة أتطمن عليكم وأعمل غدا وهرجع بليل علشان أكون معاهم، “وعـد” ساعات مش بتقدر تدخل الحمام لوحدها، لو “داليدا” صحيت بليل هاتها ونام أنتَ علشان شغلك بكرة، تصبح على خير يا “يوسف”.
_حبيب عيوني، وأنتِ من أهل الخير يا رب.
أغلق معها المكالمة ثم تحرك وقام بتحضير وجبة عشاء سريعة له وابنه الصغير الذي بدأ يشعر بالجوع لكنه ولج يعاون والده وراقبه بشغفٍ وحُبٍ ثم قال بصوتٍ مليء بالشغف:
_أنتَ عارف إني بعتبرك البطل المُفضل عندي؟ بحبك أوي وبحسك شبه السوبر هيرو اللي بيكون بينقذ كل العالم من الناس الوحشة، أنتَ بطلي المفضل من بين كل الأبطال في الدُنيا دي، ماما علطول تقول إن أنتَ أحسن واحد في الدنيا وقالتلي إنها عاوزاني أكون زيك، لما سألتها ليه قالتلي علشان أنتَ الرجل المبهر يا “يوسف”.
ترقرق الدمع في عيني “يوسف” والبسمة العذبة تُزين محياه وقد ترك ما يفعل ومال على ابنه يسأله بحنوٍ:
_أنتَ نفسك تكون زيي؟.
_ياريت، هو أنا أطول؟.
أتاه الجواب فور النطق بالسؤال وكأن ابنه يُراضيه عوضًا عن الدنيا القاسية، وجد نفسه يبتسم كما طفلٍ أهداه غريبٌ حُلوان العيد وراح يجوب غرفته بسعادةٍ، وحينها ابتسم “يـوسف” وقال بصدقٍ:
_عارف بجد نفسي تكون زي مين؟.
سأل الصغير بعينيه يستفسر منه عن الشخص، فقال بحماسٍ:
_زي “أيـوب” كدا بالظبط، شوفت عمك “أيـوب” وحبه للجامع وبيت ربنا؟ نفسي ألاقيك زيه في كل حاجة، عارف ليه أنا ماما بتقولك عليا بطل وسوبر هيرو زي ما أنتَ بتقول؟ علشان كان معايا “أيـوب” و يا رب تكون زيه.
أومأ له صغيره ثم عاد للعمل معه وهو يقوم برص الأطباق بينما ظل “يوسف” يراقبه بعينيه ولتوهِ يتيقين من الحقيقة التي لم تُكذب، أن الغريب لم يعُد غريبًا، بل وجد مأواه وإليه أوىٰ وعليه ارتكن، ولتوهِ يتقين للمرةِ الألف من بعد المليون أنه أصبح يؤمن بحبٍ وعهدٍ كان يُكذب بِهما، فما كان عليه سوى الإيمان بعهدٍ صان عهد القلوب..
____________________________________
<“حين أحب الإنسان قمرًا عشق هواه حتى نور الشمس”>
حياته لم تكن يومًا راكدة، رغم كونه هادئًا لا يستسغ الصراعات ولا المُنافسات لكن حياته على النقيض كُليًا، لكن هل يعقل أن من أحب القمر وفُتن بسحرهِ وتلألأ الضوء في عينيه فجذبه من غُربته عائدًا؛ أن ينعم بحياةٍ راكدة؟ بالطبع كلا، ها هو يعود للبيت بعد غياب يومٍ بأكمله منذ باكورة الصباح حتى حلول منتصف الليل..
ولج “أيـوب” الشقة يحمل حقائب بلاستيكية بيضاء خاصة بكل فردٍ في تلك الشقة التي بالطبع سوف تتركه مجنونًا بلا أدنى شكٍ في ذلك، وبمجرد أن فتح الضوء وجد ابنه “أُويـس” يركض نحوه مُسرعًا وهو يقول بتهليلٍ:
_بابا رجع يا ماما، الحمدلله وحشتني أوي.
ضم ابنه وظل يعبث بخصلاته ثم حمله ولثمه وهندم سترته الشتوية وهو يسأله بصوتٍ ضحوكٍ ناعمٍ:
_طمني عليك أخبارك إيه؟ لسه بتكح برضه؟.
نفى الصغير ذلك برأسه وقال بسعادةٍ كُبرى:
_جدو الصبح شربني عسل بحبة البركة والحمدلله بقيت أحسن من إمبارح بكتير ونزلت صليت في الجامع مع “سيف” و “إيـاد” الحمدلله وخليت “شمس” تصلي برضه من غير تأخير.
ابتسم له “أيـوب” ثم ضمه لعناقه بقوةٍ وهو يدعو ربه أن يحفظ له صغيره، كان يدرك مشاعر “عبدالقادر” حين كان صغيرًا والمرض ينهش في جسده، فها هو صغيره بمجرد مرضٍ موسمي وسقط قلبه من موضعه، يخشى أن يُبتلى فيمن يُحب وهو الأضعف من هذا الاختبار، وقد أسند “أُويـس” رأسه على كتف والده الذي تحرك به نحو الداخل فلمح شمسه بعناق قمره وكأنهما في سماءٍ واحدةٍ أنطوت عليهما..
ابتسم ثم اقترب ولثم رأس “قـمر” كما هي عادته التي ورثها عن أبيه حين كان يفعلها مع “رُقـية” فقيدة قلبه الأولى، ابتسمت له “قـمر” وهمست بيأسٍ وهي تشير على ابنتها:
_بوسها هي كمان علشان لما تصحى أحلف ليها إنك بوستها.
ضحك بيأسٍ ثم مال يُلثم جبين ابنته النائمة واعتدل يضع صغيره على ساقه وهو يسأل بأملٍ في تحسن الأخرى:
_دور البرد لسه عامل شغل معاكم؟.
أومأت له بقلة حيلة ثم قالت بضحكةٍ يائسة:
_مش مهم أنا عادي، المهم هما يكونوا بخير، وبعدين عطلناك كتير معانا اليومين اللي فاتوا، عمومًا هما بقوا بخير و “شـمس” بقت أحسن كتير دلوقتي، أنتَ كويس؟ الشغل كان مُتعب النهاردة عليك؟.
_لأ الحمدلله ربنا يسرها من عنده وخلصت كذا حاجة كانوا مُهمين أوي في شغل بابا، وفيه حاجات تبع الفخار هشتغلها بكرة بعدما ما أرجع من مشوار الدار، صليتوا كلكم النهاردة؟.
أومأت موافقةً بينما هو ترك ابنه بجوارها ثم تحرك وولج المرحاض يتحمم ثم بدل ثيابه وارتدى سترة شتوية رياضية تشبه التي يرتديها ابنه ثم تحرك وجلس بجوار “قـمر” على مائدة الطعام وما إن رأتهما بجوار بعضهما ابتسمت وقالت بصوتٍ حنونٍ هاديءٍ كهدوء قلبها برؤيتهما:
_ما شاء الله، ربنا يبارك فيكم ويحفظكم.
ابتسما لها سويًا ثم نظرا لبعضهما وكأن كلًا منهما ينظر لنفسه في إنعكاسٍ آخر، حيث كان الصغير يشبه طباع والده لحدٍ كبيرٍ، نفس الهدوء والسكينة في ملامحه وضحكته البريئة، كان نسخة أخرى من “أيـوب” في بداية عمره..
على عكس ابنته التي كانت نسخة من “قـمر” مع شقاوة “يوسف” أيضًا فأتت نسخة مُحببة لقلوب الجميع ببراءة قلبٍ تُذيب الحجر، فتاة لم تيأس ولم تنفك الضحكة عن وجهها، كيف لا وهي حبيبة “أيـهم” و قرة عين “يوسف” وصديقة “تـيام” المُقربة والحبيبة على قلب “عُـدي”؟ كأنها فتاة أتت تملأ قلب “أيـوب” صبرًا فوق صبر عمره..
جلس “أيـوب” في غرفته بالجزء المخصص بصناعة الفُخار ومعه ابنه يعاونه بذات الشغف، هوسه الأحب تشكيل العجين بيديه الصغيرتين، كان يحب معاونة “أيـوب” فيما يفعل حتى رعاية المسجد وترتيبه وتنظيفه، وقد عاد “أيـوب” للخلف ثم أشار لصغيره وهو يقول بحنوٍ:
_تعالى اشتغل معايا بإيدك بقى.
جلس “أُويـس” بين ساقيه فيما ضم “أيـوب” ذراعي ابنه أسفل يديه وقام بتحريك كلتا يديه وابنه يتحرك معه بانسيابية وكأن الموهبة هي الشراع لسفينتهما في تلك الصناعة، ملأ الحماس قلب الصغير خاصةً حين ولجت لهما “قـمر” تراقبهما ضاحكةً ثم شاكست زوجها بقولها:
_راحت عليا يا أسطى “أيـوب” ولا إيه؟.
كانت تتكيء على مخارج الحروف لديها حتى رفع عينيه وابتسم لها ثم أكمل ما يفعله وهو يقول بضحكةٍ داعبت أوتار قلبها:
_بقى دا اسمه كلام يعني؟ عمرها ما تروح عليكِ أبدًا، أنتِ الكل في الكل يا “قـمر” ولا عندك شك في كدا يعني؟.
ترك الكُرة في ملعبها كي تجاوب هي بالإنابةِ عنه، كيف لا وهي تعلم أن حبها في قلبه يزيد عن المُدرك لديها؟ لقد عاشت معه في هذا البيت قرابة العشر سنوات ولم يُحزنها ولو مرةٍ، أنجبت له توأمًا وكأن خير الراعي لهما ولها، ظلت تراقبه وكأنها تراقب الأحلام البعيدة في عناقٍ أقرب من عناق القلب بين الضلوعِ،
ظلت تراقبه بنسختيه وهي تبتسم لابنها الذي أصر على الإكمال وحده ثم ركض لها يمسك القطعة في يده وهو يقول مُهللًا بحماسٍ:
_بصي يا ماما، شكلها حلو زيك بالظبط تسرق العين من صاحبها.
تعبيره المفضل لديها جعلها تُلثم جبينه ثم قالت بحبٍ:
_حلوة علشان منك أنتَ، روح حطها تنشف واغسل إيدك علشان تنام، يلا علشان تصحى تصلي الفجر يا كابتن، هات بوسة الأول.
لثمها في وجنتها ثم لثم وجه والده وترك القطعة الفُخارية وقبل أن يتحرك التفت لوالده وسأله ببسمةٍ بشوشة عن درس اليوم:
_هتقولي إيه النهاردة قبل ما أنام؟.
ابتسم “أيـوب” له وقال شارحًا بصوتٍ رخيمٍ:
_الإمام “علي بن أبي طالب” رضي الله عنه وأرضاه قال جملة عظيمة أوي عاوزك تركز فيها بما إنك بتتعلم صناعة الفُخار، قال “لا تكن لينًا فتُعصر، ولا يابسًا فتُكسر” يعني متبقاش زي الفخارة اللينة كدا كل حد يشكلك على هواه، ولا تبقى ناشف لدرجة إن أقل خبطة تكسرك، لازم تبقى وسط يا “أُويـس” توازن بين مرونتك والحياة وأعرف إن كل خبطة بتسيب أثرها فيك، بس بتخرج منك مهارات تانية ماكنتش تعرفها عن نفسك، ها عرفت هتكون إيه؟.
ابتسم له “أُويـس” ومازحه قائلًا:
_هاكون جيلي ماليش ماسكة.
“أيـوب” بملء فاهه وكذلك “قـمر” فيما تحرك الصغير وولج غرفته ينام قرير العين فوق الفراش، بينما “أيـوب” خرج من الغرفة يزيل أثر الطين ثم ولج غرفته وتحرك يجلس بقرب “قـمر” التي انتظرته فوق الفراش فمازحها بصوتٍ خافتٍ يُقلد طريقتها مشيرًا لصناعة الفخار:
_مش عاوزة تيجي تساعديني خالص؟.
ضحكت هي الأخرى ثم وضعت رأسها على ساقه تلتحد به وهي تقول بصوتٍ بدأ يظهر عليه أثر النعاس والنوم:
_ساعدني أنتَ بالله عليك واقرألي قرآن شوية خليني أنام.
ضحك بخفةٍ ثم مسد بيده فوق رأسها وقال بضيقٍ مفتعلٍ:
_لو عملت كدا هتنامي، خليكِ معايا شوية، وحشتيني.
رفعت رأسها له وضحكت بعينيها وقالت بحماسٍ:
_أنتَ اللي وحشتني أوي، دور البرد اللي سطلني يومين دا خلاني مش حاسة بأي حاجة ويدوب بافوق منه لاقيتك نزلت شغلك، قولي لما كنت سخنة عكيت في الكلام جامد؟.
كتم ضحكته وقال بسخريةٍ:
_قال يعني في العادي كلامك تمام؟.
لكزته في كتفه فضمها لصدره يمسح فوق وجنتها وقال بيأسٍ:
_مش فاهم مين قالك إني زبالة لدرجة إني أتجوز عليكِ علطول كدا، فضلتي توصيني ماتجوزش بعدك، وفضلتي توصيني على العيال، وقولتيلي فيه فرخة متبلة في التلاجة أطلعها تفك وأشويها، ماكسرتش كلمتك طبعًا وشويت الفرخة.
توسعت عيناها وارتدت للخلف تقول بصوتٍ عالٍ:
_أنا كدا بتعرض للاستغلال، طلعت الفرخة بجد؟ مين كلها؟.
رفع أحد حاجبيه وقال بصوتٍ جامدٍ:
_أمي يعني طلعت من التربة تاكلها؟ أنتِ والعيال والله، كنتِ بتاكلي وتاخدي العلاج وتنامي وتصحي تاخدي العلاج وتاكلي وتنامي، هكدب عليكِ أنا يعني؟.
تنهدت بيأسٍ وعادت لعناقه وحدها فوجدته يضمها لصدرهِ ثم مسد فوق ظهرها وخصلاتها وقال بحنوٍ:
_عارفة؟ أنا كانت أول مرة أحس إني خايف كدا من سنين، فجأة لاقيتكم كلكم تعبانين حواليا، ومش قادرين تتحركوا وأنا بتفرج عليكم بس، حتى أنتِ علطول باكون كويس علشانك، لاقيتك مش كويسة فمعرفتش أعمل حاجة غير إني أدعي ربنا، ربنا يباركلي في وجودكم معايا ويبعد عنك التعب والحزن وأي حاجة تضعفك.
ابتسمت هي تلك المرة وتشبثت به بكلا ذراعيها ثم لثمت وجنته وقالت من جديد بصوته ظهر فيه الأمان والدفء:
_طب اقرألي قرآن علشان أقدر أنام كويس.
ضمها حتى توسدت صدره برأسها ثم بدأ يُرتل آيات الذِكر الحكيم بصوته حتى نامت واستسلمت لأمانه الذي غدق قلبها وملأ أركانه، ثم وضعها في الفراش ودثرها ومر على غرفتي التوأم وقد قام بتشغيل محطة الإذاعة والتلفزيون على القرآن الكريم ثم ولج لابنته النائمة يراقبها إبان نومها ثم لثم كفيها وجبينها وخرج عائدًا للفراش بجوار زوجته قبل موعد قيام الليل، وفي قلبه امتنانٌ للخالق بوسع المدى بأكملهِ على نعمٍ لا تُعد ولا تُحصى،
أهمها أنه في بيتٍ كما السماء بشمسها وقمرها ونجوم ليلها..
____________________________________
<“يوهبنا الآخرون حياةً ونحن في عناق الموت”>
لم نكن بحاجة العيش إن كنا أمواتًا..
فقط نحن في حاجة للحياة من جديد، إن كانت قلوبنا تلك ماتت فيها الحياة فقد يصعُب علينا أن نحياها من جديد، لكن هذا الصعب لا يستحيل إن كان هناك بعض الأفراد يملكون مهارة حُب الحياة، فقد يوهبوننا الحياة، وحينها سوف نخرج من غياهب الجُب لنور الضحى، ومن نيران الجحيم لعناق الضُحى..
عودته للبيت أمست مميزة أكثر عن سابقها، أصبح البيت يليق بصاحبه، هذا الرجل القوي صاحب السُلطة الأقوى على جيشٍ من الرجال بأكملهم تحركه هرة صغيرة لم تؤثر يومًا بأسدٍ مثله، لكن الأمر قد كان وأثرت بالفعل، ولج “إيـهاب” الشقة فوجد تلك المُهرة الصغيرة تقف أمام شاشة التلفاز تدور بخصلاتها الكثيفة المموجة مع نغمات الأغنية، صاحبة الأعوام العشر أصبحت فتاة تُثير خوفه عليها..
وقف يراقبها وهي تتمايل بخصلاتها وتتحرك مع النغمات وما إن لمحته ظنها ستخجل منه، أو رُبما سوف تُحرج فتُلملم شتات الموقف، لكنها التفتت له بخصلاتها المموجة وقالت بنبرةٍ ضاحكة:
_شكلي حلو؟.
“دهـب” الفتاة الأروع منذ صغرها، الشقاوة التي سرقت منه جديته وعنفوانه وبدلته بآخرٍ أقصى همومه أن تلك الصغيرة لا تجد من يعترض طريقها، مال يجلس على رُكبته مثل المحارب العائد من معركته وراقبها بعينيه ثم قال بضحكةٍ زاحمها اليأس:
_من إمتى شكلك كان عادي؟ طول عمرك حلوة أوي.
ضحكت بثقة وهي تأخذ منه النصيب الأكبر في محبتها، هي البرهان الأكيد له أن قلبه الموجود لازال حيًا لم يمت قط، وقد خرجت “سمارة” من الداخل تحمل صغيرها فوق صاحب الشهور الأولى فوق ذراعيها فاقترب منها “إيـهاب” يلتقطه منها ثم وانهال عليه بوابلٍ من القُبلات ثم قال بنبرةٍ حنونة:
_وحشني أوي ابن الكلب دا، حبيب بابا وعمر بابا كله.
كان يلعب بالصغير على يده حتى وجده يضحك له ومال برأسه على والده فضمه “إيهاب” لعناقه وقال بعد تنهيدة قوية:
_ضحكتك بالدنيا وما فيها يا “إسماعيل”.
بالطبع “إسماعيل” الصغير خليفة الكبير، وقد أصر “إيـهاب” على هذا الاسم دون أن يجد اعتراضًا من أي شخصٍ منهم، حتى “إسماعيل” نفسه كان في غاية السعادة _رغم أنه عارض شقيقه_ لكن الآخر كان قراره قاطعًا وأكيدًا أنه لن يتنازل عن اسم شقيقه لابنه، لن يجد على قلبه أحب من هذا الاسم قط..
بعد مرور دقائق كانت الصغيرة تلعب بجواره وهو يحمل “إسماعيل” في عناقه ويراقبه مبتسمًا والآخر في عناقهِ آمنًا وظل يتساءل منذ متى وقلبه أمسى لينًا بهذا الشكل؟ لقد أصبح أكثر هدوءًا عن السابق، وقد أتت “سمارة” تجاوره بقدحٍ من القهوة وهي تسأله بحنوٍ:
_اتأخرت كدا ليه النهاردة؟ قلقت عليك أوي.
حرك عينيه لها وسألها مبتسمًا:
_قلقتِ عليا أوي؟ هتوه منك ولا إيه؟.
_لأ تتوه من غيري، تقدر تنكر؟.
سألته بثقةٍ جعلته يضحك مُرغمًا ثم أكد ذلك بقوله:
_طب ما دي الحقيقة يا ستي، من غيرك هبقى تايه وضايع، ربنا ما يكتب علينا التوهة بغيابك عننا.
_شوف رغم إنك وغد بس كلامك حلو مش هنكر يعني.
ضحك من جديد فوجدها تقترب تحمل منه الصغير ثم وضعته في عناقها وتركته مع تلك الجنية الساحرة بعينيها، صاحبة مُقل تملك سحرًا غريبًا ببشرتها السمراء وضحكتها التي تُغالب أعتى قوةً، هي نجمة يستحيل لمسها مهما حدث، لكنه وحده من يأخذ تلك النجمة بين ذراعيه ويضعها في عناقهِ..
في الأعلى بالطابق الذي يعلوه، كان البيت أكثر حرارةً، حياة شيقة تستحق المغامرة بكل ما فيها، تُرى هل الخوف من التجربة يُعرض الإنسان لهذا الكم من المخاطر والخسائر؟ وقف “إسماعيل” في شقته يراقب زوجته صاحبة البطن المنتفخ بسبب حملها وهي تصنع قالب حلوى مع صغيره “مُدثِر” الذي كان رفيقًا صالحًا وابنًا بارًا بأمهِ، كانت تصنع القالب برشاقةٍ تُخالف تعب الحمل ووهنهِ، بكل حبٍ تصنعها لأجله لأنه فقط اشتهى الحلوى البيتية، كان يبتسم وهو يراقبها ويراقب تفاصيلها ثم اقترب يقف بجوارها وتعمد أن يقترب منها وهمس:
_الست “تحية” قالتلي إن البت بتحلي أمها، الشهادة لله البت مخلياكِ مُهرة عربية أصيلة.
رفعت عينيها نحوه تقول بتحذيرٍ خافتٍ:
_لم نفسك يا “إسماعيل” وبطل قلة أدب أنتَ والست تحية.
أشار على نفسه باستنكارٍ كاذبٍ فحركت رأسها تؤكد ذلك، بينما هو فقد حمل ابنه يضعه على الحامل الرخامي وسأله بنبرةٍ ضاحكة:
_قولي يا حبيب بابا، بالله عليك أمك دي مش حلوة؟.
ضحك له الصغير وقال بشقاوةٍ مرحة:
_ حلوة بس؟ دي مُـزة؟.
كتم “إسماعيل” ضحكته فوجدها هي تحدجهما بشررٍ ثم لثمت صغيرها الذي لثمها هو الآخر ثم نزل من فوق حافة المطبخ، بينما “إسماعيل” قال بوقاحةٍ وخبثٍ يغازلها:
_يعني هو قال مُـزة بقى شيخ جامع وأنا بقولك حلوة بقيت شيخ منصر؟ أنتِ ولية مفترية يا “ضُـحى” وأنجزي هاتيلي بنتي خليني أشوفها وأملي عينها وأعاكسها براحتي.
ضحكت له ثم اقتربت منه تسحب كفه وتضعه على بطنها المنتفخ وهي تقول بصوتٍ ناعم رقيق كأنها تبدلت كُليًا:
_تقدر تحس بيها من دلوقتي وهي جوة، على فكرة أنا وهي حاسين بكل حاجة حوالينا، وأنتَ أهم حاجة مخليانا مرتاحين نفسيًا، وعلشان عيونك حلوين يا “إسماعيل” بتشوف الدنيا كلها حلوة زيك، بكرة تيجي هي وتشوفك أحسن وأجمل أب في الدنيا كلها.
مال يُلثم جبينها بقوةٍ وعمقٍ ثم ابتعد عنها ومسح فوق بطنها بدفءٍ وتحرك للخارج يجلس بقرب ابنه الذي كان يأكل من الحلوى الخاصة به، جلس بعدما حصل على جُرعة زائدة من مخدر الأمان، لقد خدرته هي ببراعةٍ وجعلته ينتظر لحظة مجيء صغيرته، لحظة وصول تلك الهدية ليديه سوف يجعله راضيًا عن الحياة بأكملها وإن كان خصيمًا لها..
____________________________________
<“كُتلة الحياة يوم أن زارت مقبرة الموت، انتصرت عليه”>
رجل الموت وإن عاد من الموت سوف تظهر عليه معالم الحياة، سوف تجده مُحبًا للحياة وإن كان فاقدًا لمعناها، بمجرد أن يوهبه أحدهم سببًا للحياة والعيش سوف يرحب بتلك الحياة بكل مافيه، حتى ذاك الجزء الميت بداخله سوف يعود للحياة..
عاد “مُـنذر” من العمل ليلًا وولج شقته بعد أن اطمئن على عمه وطمأنه على نفسه، لكن على غير المعتاد كانت الشقة هادئة، زوجته فقط ظهرت ترحب به حين عانقته وعانقها هو الآخر ثم عاد للخلف وأرجع خصلاتها وهو يسألها باهتمامٍ:
_هي “حياه” فين؟.
حركت كتفيها وقالت بيأسٍ:
_هتصدقني لو قولتلك والله ماعرفش في فين بالظبط؟.
توسعت عيناه وضحك مرغمًا وابتعد عنها يقول:
_دي فيها لفة محترمة لحد ما ألاقيها بقى !!.
ضحكت هي تتشفى به وقد ركض هو من أمامها يبحث عن الحياه الغائبة عن مرأى عينيه، لم تكن مرته الأولى التي يعود فيها دون أن يجد صغيرته، لقد ظن أن الحكاية قد انتهت، وحين انتهت الحكاية تركت نقطة الختام مفتوحة، وهنا نعود لنقطة الختام وتلقي نظرة أخيرة من وضع آخر لعل ما فاتنا نجده هنا..
ذهب لشقة “إيهاب” أولًا لأنه يعلم ارتباطها به وبِابنته، وقد هرول لهناك مسرعًا، وسأله عنها بلهفةٍ:
_معلش يا إيهاب؟ اللي يخصني عندك؟.
دار “إيهاب” بعينيه يمينا ويسارًا ثم جاوبه بسخريةٍ ضاحكة:
_حياتك مش عندي يا “منذر”.
وإضافة الضمير يعني وصف الحياة بـ “حياة” فزفر “منذر” وهرول بخطوات واسعة حاملًا في يده دمية صغيرة الحجم، يقبض عليها بقوة، وعيناه تطوفان في المكان حيث الطابق العلوي بجوار موطن الحمام، وقد لمح “تيام” يحملها وهي تفرد ذراعيها وتحاول أن تطير، فابتسم ووقف مكانه يراقب الحياة حيث موضع وجود “حياة”…
صعد للأعلى حيث تواجدها فوجد “تـيام” يحملها في يده كما لو كانت طيرًا صغيرًا وقال لها بصوتٍ هاديءٍ:
_خلي بالك علشان مش كل الطير بيعرف يطير يا “حياه” فيه طيور مش بتوصل لفوق، وأنتِ علشان تطيري صعب، بس ممكن تفضلي متعلقة كدا معايا؟.
كان “تـميم” ابنه يجلس في الخلف وقد استغفر ربه وضرب كفيه بيأسٍ وقال بسأمٍ من الوضع حوله:
_يا جماعة أنتوا دماغكم تعبانة؟ طير إيه وطيور إيه وجناحات إيه؟ ما تركبوا طيارة كلتوا دماغنا.
ضحك “تـيام” عليه فيما قالت هي بضيقٍ من تدخله:
_أنتَ مالك يا “تـميم” بتتدخل بينا ليه؟ خليك في حالك.
لوح لها الصغير بينما “مُـنذر” قال لها بتحذيرٍ:
_قولتلك كلمي أخواتك كويس يا “حياه”.
شهقت بمجرد أن سمعت صوته وركضت نحوه فحملها ضاحكًا ثم لثم وجهها وكفها البارد وهو يقول بعتابٍ دافيءٍ:
_مش قولتلك لما أرجع من الشغل ألاقيكِ في البيت؟.
ضحكت وقالت بشقاوةٍ:
_لاقيت “تـيام” قاعد لوحده من غير حد جيتله.
في تلك اللحظة صعدت “آيات” تحمل صغيرتها “مـلاك” على ذراعيها وقالت ردًا على تلك الصغيرة التي لم تكف عن المشاكسة:
_أهو جيتلك أنا وبنتي، وريني بقى هتعملي إيه؟.
ضحك “تـيام” وحمل صغيرته مسرعًا فوجد “حـياه” تقول بتحذيرٍ:
_أنتَ بتشيلها قدامي كمان؟.
انتبه لها وقال بسخريةٍ:
_ماليش حق، المفروض أرميها تحت القطر؟ بعدين ما أبوكِ شايلك أهو ومحدش اتكلم، اشمعنا يعني هو شايلك؟.
ضحك “منذر” وتركها ثم اقترب يحمل “مـلاك” ويحتضنها فوجد ابنته تشهق كأنها تتعرض للخيانة أمام عينيها وقد قال هو بتبريرٍ كاذبٍ يمازحها:
_مش أنتِ عاوزاه يحضنك؟ خليني أنا أحضنها.
وقتها ركضت للجهة الأخرى فوجدت “نَـعيم” هو الذي يحتضنها وقد حملها بين ذراعيه ثم لثم جبينها أمام الجميع وقال بثباتٍ يعاندهم جميعًا:
_خليكِ في حضني أنا وسيبك منهم كلهم.
____________________
