رواية غوثهم الحلقة الخاصة الثانية
حين تعود لماضيك وتراه بعينيك قد يُخالجكَ أحد الشعوريْن..
فَرُبما تشتاق وتحنُ يومًا الذي كانَ، ورُبما تهرب يومًا من الذي كان، وبين الشعورين من المؤكد أنك سوف تفتقد ذكرياتٍ كانت لكَ ذات يومٍ عُمرًا بأكمله، لأن مع كل ذكرى تركت منها شيئًا منك جعلك مفقودًا بالكلِ عند حاضرك، وبمجرد أن تذهب لماضيك سوف تجد ما كنت عليه ذات يومٍ..
“أنتِ لستِ الوحيدة التي خلقها الإله في الدنيا لكنك أنتِ الوحيدة التي خلقها الإله في قلبي”
«الملك أخناتون مخاطباً زوجته نفرتيتي»
*************
بيتٌ ذو فناءٍ واسعٍ رملي..
مهدُ الحضارات ومُلتقاها وسط الكلِ كما موقع موطنه، مكانٌ يشهد التاريخ بالحضارة ويوثق مرور الزمان عليهِ، هُنا حيث تقف فوق أرضٍ حُفِرَت فوقها معالم التاريخ وحملت اسم الماضي وزمانه، وقد وقف هذا الذي يُحب الحضارة واقترن بها منذ صغرهِ بعيدًا عن حشدِ الجالسين يبتسم وهو يرى ابنه يحتضن الخيل من قدمهِ، التقط بعينيه الخطاب الذي قد كتبه لزوجته منذُ زمنٍ وتركه فوق الحائط ثم قام بحفرهِ لتصبح مُجوفة لا يمحوها الزمانُ..
اقترب منه “مُـحي” يحمل ابنته فوق ذراعه وهو يقول بضحكةٍ واسعة يشاكسه بها:
_أنتَ قاعد كدا عادي وسايب أجدادك في ليلتهم؟ تلاقيك مبسوط يا “إسماعيل” أنتَ باللي بيحصل دا، مع إني مش عارف الخناقة دايرة بينهم على إيه؟ دول مولعين في بعض.
رفع “إسماعيل” عينيه وقال ببسمةٍ هادئة:
_على فكرة مابكرهش في حياتي قد الجدال، اليهود برضه كانوا بيفضلوا يجادلوا ويتكلموا وفي الآخر خسروا كل حاجة، الفكرة مش فكرة جدال يا “مُـحي” قد ما هي حاجة غير دي خالص، حاجة تشرف وتخلي الإنسان مبسوط، مصر طول عمرها مهد الحضارات، مصر جه التاريخ فيها، سر الأهرامات اللي لسه محدش قدر يوصله، والإبداع في الفنون، تخيل مدينة واحدة فيها تـلت أثار العالم، ولحد دلوقتي من أيام الفراعنة وهي بتتسرق، وجه عليها الإسلام لما “عمرو بن العاص” رضي الله عنه وأرضاه فتح مصر الفتح الإسلامي، مصر جه عليها كل الحضارات ولسه لحد دلوقتي عندها لغة منفردة، عندها منطقة حرة، عندها حضارة خاصة بيها هي لوحدها، فدي حاجة مفيش جدال فيها.
انتبه له صغيره وقد أتت “دهـب” ابنة أخيه وهي تقول بحيرةٍ:
_يعني التماثيل دي هي اللي فيها الفخر.
التفت يجاوب بثقةٍ:
_الفخر في وطنيتك وهويتك نفسها يا “دهـب” مش في التماثيل، في إنك مصرية ومش مكسوفة، إنك بتحبي بلدك ووطنك، مفيش حد مصري قدر يكره مصر كوطن، ومفيش حد يشتم بلده ويجور عليها ويستاهل يكون منها، اللي بيحصل دا مش فخر بس؟ دا اعتزاز بالهوية، كون بلدك فيها الآثار دي كلها وفيها الحضارة دي كلها بتاعتك أنتَ، أنا طول عمري كنت عايش هنا وحاسس إني بنتمي للمكان دا، ولما درست الحضارة دي بقيت حاسس بالفخر والذهول والغموض، حاسس إن كلمة مصري دي كبيرة أوي.
اقترب “إيهاب” يجاوره وهو يقول بثباتٍ:
_أي حد بيشتم في بلده حتى لو مظلوم فيها مستحيل يكون بيحبها، بنكره الفقر فيها، يمكن نكره الظلم، نكره الفساد والفاسدين بس لا يمكن نكره البلد نفسها، نكره إننا نكون ضعفا بس منكرهش إننا مصريين لينا هوية، ولعلملك الخناقة اللي موجودة دي مالهاش أي لازمة، عارف ليه؟ علشان مصر معروف أنها بلد الحضارة والتاريخ، مش حاجة مستحدثة عاملينها زي دول إياها كدا.
ضحكوا الجالسين على حديثه وقد تحدث “نَـعيم” متدخلًا بحكمةٍ:
_زمان كانوا السُياح لما بييجوا هنا بيقفوا فاتحين بوقهم من اللي عينهم شايفاه، كانوا مش مصدقين إن دي حضارة لسه أثرها موجود رغم كل السنين دي، إزاي دولة بالنسبة ليهم بسيطة زي مصر قادرة تحتوي اللي عندها دا، بعدين مش دي الآثار اللي حاربنا علشان تفضل هنا وماتخرجش برة؟ ودي اللي “إسماعيل” كانت روحه هتروح علشانها، كون إن حاجة زي دي بتحصل في بلدك وأرضك شيء مايخليكش تضايق، شوف الناس كلها بتبص إزاي وعيونهم بتلمع على اللي عندك، ماهو الضيف لما بيدخل لازم يدخل مكان نضيف، ولازم صاحب البيت يحب بيته علشان الضيف يحترمه.
احترموا جميعهم حديثه بينما “إسماعيل” تقدم يجلس جواره وهو يقول بزهوٍ مصري يليق بفتى فنىٰ عُمره لأجل حضارةٍ احتلت موطن شغفه:
_فاكر لما قولتلي إنك كتبت لمراتك يوم كتب الكتاب “هي التي لأجلها تشرق الشمس” وقولتلي إن الغزل دا من أيام المصريين القدماء بعدها قولتلي إن المصريين القدماء عرفوا الناس إزاي يلبسوا وإزاي ياكلوا، أول ناس سعوا من مكان لمكان وأول ناس اكتشفوا الزرع والنار وراحوا عند وادي النيل، إزاي نحتوا وحنطوا حاجات الزمن مقدرش يمحيها، أول ناس كتبوا عن البعث والخلود، ودا قبل دخول الإسلام، المصريين القدماء سبقوا العالم كله لما نظموا الحياة وحطوا قوانين ودساتير، فوق الأرض دي، يبقى عاوزني إزاي مافرحش؟ لازم أفرح إن الأرض دي حافظت وشالت أهم حضارة عمرها ٧٠٠٠ سنة وأكتر ولسه لحد دلوقتي هي هوية الحضارة دي، الموضوع كبير وأكبر من مجرد شوية تماثيل، دي هوية ورمز بيحاولوا يطمسوها، مش دي الحاجات اللي “سراج” عمره كان هيروح قصادها ١٠٠ مرة.
تدخل “سراج” ببسمةٍ واسعة وسعادة غير مُفسرة:
_بس سيبك أنتَ، الكافيهات ما شاء الله اليومين دول مش ملاحقين، اتعملها دعاية ل ١٠ سنين قدام، أنا بصراحة متكيف.
رمقه “نَـعيم” بصدمةٍ جعلت ملامحه تتبدل وحمحم مُعدلًا حديثه:
_بس الحضارة فوق الكل، ماهو أنا لازم أكرمهم علشان يروحوا برة يقولوا إني أكرمتهم، بنشط السياحة برضه يا حج أوعى تفهمني غلط، أنا مستحيل أضر البلد دي.
ضحكوا عليه بينما “يوسف” قال بفرحة طفلٍ صغيرٍ:
_سمعت إنهم جايبين شيريهان ولو دا بجد يبقى أنا هبقى مبسوط، الست دي مرتبطة معايا بذكريات كتيرة أوي، بس أنا مستني الخناقة نشوف مين هيمسك في مين، علشان أقفل وأروح أنام لحدما الخناقة تخلص.
من جديد توالت الضحكات على حديثه وقد تدخل “إسماعيل” يقول بجديةٍ فائقة وهو يحمل ابنه ويتجه للجلوس بجوار “يـوسف” ويوجه الحديث للبقية:
_المقارنة لازم تكون بين حاجتين ليهم نفس الكُفء والقيمة، بمعنى إن الحضارة المصرية القديمة شيء والحضارة الإسلامية شيء تاني، والأطراف كلها غلط، لأن كل حضارة ليها اختلافها ووقتها وقيمتها، دي حضارة تاريخية من قبل الإسلام، ودي حضارة إسلامية جت بالنور والهدىٰ، والاتنين ماينفعش يتقارنوا، لأننا مسلمين، وسواء إحنا أصلنا إيه فدا مش هيغير حقيقة إننا مسلمين، ولو العروبة هوية فدا شرف وأكبر دليل قول الله تعالى في كتابه العزيز:
-{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}
_والمقصود إن القرآن نزل باللغة العربية لأنها أشمل وأهم وأفصح، ونزل القرآن برسالة على أشرف المرسلين محمد ﷺ ويوم ما نزل نزل في شهر كريم زي شهر رمضان المُعظم، فكوننا عرب دي مافيهاش أي إهانة علشان الكمايتة يصدعونا بيها، وكونك مصري واجب عليك تفهم وتفرح إن بلدك مهد الحضارات دي كلها، كفاية إن كل ركعة مسلم بيصليها في مصر بتكون في ميزان حسنات “عمرو بن العاص” رضي الله عنه وأرضاه.
توقف هُنيهة وأكمل الحديث متابعًا:
_الحضارتين كملوا بعض، محدش بيتولد بيفهم، كل حاجة بتتعدل وتكمل صح مع الوقت، فيه حضارة جت الأول علمت الناس الفكر والحفر والعلم والترتيب والتنظيم ودا مش من فراغ، دا تمهيد لحضارة تانية أعظم، وهي الحضارة الإسلامية، اللي كملت الأخلاق والعقيدة والعدل والحق والنور والعبادة الصحيحة بدل الجهل علشان تكون آيات وعبر للناس فيما بعد، دا تسلسل تاريخي عبقري رتب الحياة وقواعدها لحكمة لا يعلمها إلا الله، بمعنى البذرة تم وضعها في مصر القديمة زمان والإسلام روى البذرة دي، ففكرة التخلص والتملص من واحدة من الهويتين دا بيثبت الجهل والتخلف، وفي النهاية كونك مسلم مصري بتعتز بدينك أولًا وهويتك ثانيًا، وتذكر كلام ربنا سبحانه وتعالى والعظة اللي في القصص دي.
توقف حين نظروا له بينما أكمل هو مستدلًا بدراسته وعقيدته:
_ربنا نجي جسد فرعون من الغرق ليه؟ وهو القادر أن يجعل البحر يبتلعه؟ ظهر ذلك حين قال الله تعالي
“فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ۚ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ”
معني (لتكون لمن خلفك آية) يعني تكون لمن بعدك من الناس عبرة يعتبرون بك، فينـزجرون عن معصية الله، والكفر به والسعي في أرضه بالفساد، الناس دي كان عندها فعلًا حضارة واللي عملوه ده معجزة بس هما لا حول لهم ولا قوة دي قدرة الله وإعجاز الله سبحانه علم الإنسان ما لم يعلم، وكل حاجة حوالينا ربنا مهد بيها ظهور الإسلام ورسالة الهُدىٰ، فهل معني إني فرحان بتاريخي وحضارتي إني أوافق شركهم وكفرهم؟ أكيد لأ طبعًا، أنا مبهور بتفكيرهم وإزاي قدروا ينظموا حياة بدائية ويسيبوا كل الآثار دي بعدهم تحكي قصتهم لحد النهاردة، وأحنا مش فراعنة، أكيد المصريين كلهم مش نسل فرعون لأن فرعون معاه الحاكم، إحنا من نسل المصريين القدماء واللي كان مختلط الأجناس وقتها، يعني المصريين مش فراعنة.
تدخل وقتها “نَـعيم” يقول بثباتٍ:
_العِبرة من كل دا حاجة واحدة، صاحب البيت لو ماحترمش بيته عمر الضيف ما هيحترم البيت دا هو كمان، ولما تقلل من قيمة نفسك قدام ضيفك دا معناه إنك بتثبت ضعفك فيضغط عليك هو ويمد أيده يستغل وياخد، الإنسان العاقل اللي عارف إمتى يفصل بين الأمور وبعضها، ويفرح إنه عنده مكان ليه أصل وتاريخ، بلاش خناقات فارغة وكلام عبيط، مصر طول عمرها مهد وفخر الحضارات، كفاية إنها أول بلد تُعرف بقراءة القرآن الكريم، وفيها معالم إسلامية وطراز بحق، وفي النهاية كل حاجة بإرادة ربنا، وكل إنسان هيروح بطوله، ربنا يعزنا ويكرمنا ويردنا لطريقه وعبادته ويجعل صدورنا متسعة للإسلام.
