رواية ظل البراق الفصل الثاني والعشرون
أحيانا يفرض علينا الواقع أن نسلك طرقا تختلف عن الطريق الذي يريده قلبنا، ونختار ما يقتضيه الواجب بدلا من شقفنا، ومع ذلك يظل القلب يتذكر حلمه في صمت.
كانت شمس العصر تتسأل ضعيفة من خلف زجاج المكتب، تكسو أرضه بنور هادي يميل إلى الاحمرار، بينما كان الهواء ساكنا لا يسمع فيه إلا خشخشة الأوراق بين يدي "انتصار"، تلك الخشخشة التي تشبه حدة نبرتها.
جلست أمام "عامر" يظهر مستقيم، كتفيها مرفوعان بثقة زائدة، وذقتها مرتفع كعادتها حين تستعد للهجوم. عيناها للمعان بحدة فوق الورق، كأن الأرباح نفسها تستقل من نظرتها.
رفعت الورقة فجأة، وقالت بنبرة حادة لم تخف امتعاضها:
ده بس المكسب بتاع السنة ؟ ده أقل من كل مرة !؟"
"عامر"، الذي كان متكلا يكتفه إلى ظهر الكرسي، لم يتحرك فقط رفع عينيه إليها ببطء، نظرة
رجل يضع تقله في هدونه، وقال بنبرة ثابتة:
ده مكسب الورشة يا انتصار ... وده اللي يخضك من نسبتك "
تقلص فكها غضبا، وانفرجت شفتاها عن شهقة ضيق:
الورثة بس؟ والباقي فين؟"
لمعت في عيني "عامر" شرارة هدوء ساخر، مال قليلا للأمام، شبك أصابعه فوق المكتب، وقال
بنبرة مراوغة خفيفة رغم شيبه
وأنت يخصك إيه من الباقي ؟ هو أنت ليك في الباقي ؟ لو ليك... فكريني، أصلي مش فاكر."
اتسعت عيناها غضبا، وانتصبت أكثر في جلستها، حتى بدا شعرها المنسدل خلف كتفيها وكأنه
يتحرك من فرط التوتر.
قالت بصوت مرتفع يحمل تهديدا مستترا:
عامر يا براق ... ما تلعبش عليا. اتفاقنا كان النص في كل اللي عندك "
قال بهدوه مستفز:
ابتسم هو ابتسامة صغيرة ... تلك الابتسامة التي يعرف جيدا أنها تشعل غضبها.
طب ما أنت ذاكرتك قوية أهو افتكري بقى وقتها كان اللي عندي إيه؟ الورشة ... يبقى اتفاقنا كان يخض الورشة."
بدت الصدمة على ملامحها لحظة، حاجباها ارتفعا، وأنفاسها خرجت بقوة من صدرها كأنها تأخذ
ضرية غير متوقعة.
قالت بنبرة مختلفة بين الغضب والدهشة
وباقي أملاكك؟ الورش الثانية... ومصنع الحديد اللي أنت شريك فيه... والعماير اللي برا
الحارة ، والمعرض ؟"
رفع "عامر" رأسه بثبات، وصوته صار أكثر صلابة:
"المعرض يخص مهاب لوحده وما سمعش تعليق على النقطة دي، والباقي ربنا رزقني بيهم بعد
الاتفاق، يبقى هما مالهمش دخل في اتفاقنا يا انتصار ماكتبتيش شرط وقولتي كل ما يملك
عامر قبل الاتفاق وبعده... ماشوفتش الاتفاق ده بصراحة "
فتحت شفتيها ببطه.... كأنها لا تصدق ما تسمعه قالت بصوت مرتفع
يعني أنا ماليش حاجة خالص يا عامر ؟"
تنفس "عامر" بعمق، صوته حين نطق كان رجوليا قويا
" لا طبعا ليك كل ما أملك بصفتك مراتي وأم ولادي.
وبعد لما ربنا ياخد أمانته هتورتي حقك الشرعي في أي حاجة باسمي "
تم مال للأمام قليلا، حذق مباشرة في عينيها، ونبرة صوته ازدادت وضوحًا وحزفا
بس وأنا عايش ليك نض الورشة وأرباحها زي ما شرطنی زمان با انتصار، وافتكر إني مش
مقصر معاك في حاجة عمرى ما قولتلك يتودي فلوسك فين؟ ولا أخدت منك جنيه وبتاخدى مصروف شهري مني خاص بيك غير مصاريف البيت لأن ده واجبي، وبعمله وأنا مبسوط، واللي
كان عليا زمان سددته وزيادة .
لكن غير كده لا "
ثم رفع حاجبه قليلا، وقال بنبرة نصف ساخرة
" وأنا عارفك يتحبي الحق والالتزام بالشروط أوي وأنا من ناحيتي ما قضرتش في أي شرط، ولا
ايه يا أم مهاب؟"
ضحكت " انتصار" ضحكة قصيرة، ضحكة ساخرة
امالت رأسها وقالت:
اله... اتفاق زمان وأيام زمان اللي شكلك حليت ليها ؟"
كان رده هذه المرة مختلفا لمعت في عينيه نظرة عميقة، خزن خفيف، وشيء يشبه اعترافا مكتوما
قال بصوت منخفض لكنه حاد
اللي بيحن بيبقى نسي لوقت يا انتصار لكن اللي عمره ما نسي ولا للحظة هيحن إزاي لذكرى
محفورة في قلبه "
نهضت فجأة من مكانها، فاندفع الكرسي إلى الخلف مصدرا صوتا حالا اخترق صمت المكتب.
تحدثت بديرة عصبية متوترة، وهي تهز رأسها بعنف وكأنها تزيح كلماته بعيدا عنها:
"خليها محفورة ... المهم مين اللي ظاهرة يا عامر، وأنا عمري ما هسمح إنها تفضل غير محفورة ..... ويس "
واستدارت مبتعدة بخطوات سريعة تفيض غضبا مكبوتا، وما إن بلغت الباب حتى مدت يدها ودفعته بقوة، فصدر عنه ارتطام عنيف ارتج معه خشب المكتب بأكمله.
ويقي "عامر" وحده في المكان.... ساكنا في موضعه، نظرته معلقة بالباب المغلق، كأن الماضي
ذاته خرج من بين مفاصله لتوه وتركه على كرسيه يواجه ما تبقى منه.
قبل ثلاثة وثلاثين عام
عاد "عامر" من ورشته قبيل منتصف الليل خطواته كانت بطيئة، لا من التعب وحده، بل من تقل
يوم يشبه أياما كثيرة مضت منذ قرر أن يقف على مسافة من شغل أبيه.
لمح نور المكتب مضاء تردد لحظة، ثم طرق الباب طرقا خفيفا.
جاءه صوت أبيه :
" ادخل يا عامر "
دخل ورأى أباه جالنا خلف المكتب الخشبي العتيق، نفس المكتب الذي شهد صعوده من صبي
ورشة إلى معلم كبير كبير حارة اتسمت باسمه كان ظهره مستقيما كعادته، لكن التعب واضح
في عينيه.
قال "عامر" بهدوء واحترام
مساء الخير يا حاج : لسه صاحي لعند دلوقتي ليه ؟"
نظر له أباه بهدوء وقال وهو يشير للمقعد:
جلس "عامر" قبالته ، وقعت عينه على كثير من الأوراق المبعثرة على المكتب، فقال بتساؤل :
" خير إن شاء الله ؟"
صمت الأب لحظة، ثم قال بنبرة رجل لا يحب الشكوى
فاكر يا عامر ليه سيبت الشغل معايا ؟"
انخفضت عينا "عامر" وأخذ نفسا عميقا وقال :
فاكر، عشان الطريقة ما كانتش عاجباني وعشان في حاجات ما كانتش على مزاجي ولا تليق بينا وباسمنا ، عشان حضرتك دخلت في سكة مش بتاعتنا ، وأنا لما عرفت قولتلك وقتها كفاية والطريق ده نهايتة خراب . "
هر الأب رأسه وقال بضعف :
وكنت معاك حق"
رفع "عامر" عينه، فوجئ من جملة أياه وقال :
حق ؟ ده بجد ؟ طب الحمد لله إنك عرفت يا حاج، بس يارب المعرفة دي ما يبقاش وراها
مصيبة في المرة اللي فاتت . "
ضحك أباه بسخرية وقال وهو يتذكر :
تعرف يا عامر ؟ أنا بنيت نفسي بنفسي ، بنيتها من ولا حاجة ، ماكنش حيلتي أي حاجة أتسند. عليها ، أبويا مات وسابنا من غير ولا مليم ولا عندنا حاجة تملكها خالص غير البيت ده و ماكنش بالحجم ده لاا كان أوضة وحمام ومطبخ بس او وقتها نزلت اشتغل عشان أصرف على أمي وأختي ، اشتغلت كثير لعند لما بقيت صبي في ورشة الحاج عوض ، واتعلمت الصنعة بعرقي وعملت ورشة باسمي وبدأت أتعرف وأشتري وأكبر البيت وأبني والحارة كلها شافت ده، شافوه راجل شاف المرار كله ، وكنت راضي لعند.....
صمت قليلا، وكان الكلمة التالية ثقيلة:
لعند يومها، كنت أنا ورائف المعموري داخلين شركاء في شغل قطع غيار وروحنا نجيبه
وتحمله بنفسنا في العربيات ، و لقينا قطعة الآثار كنت شايف فيها فرصة عمري قلت ضربة وتعذي، وأعوض سنين التعب ، ضربة واحدة بس وماحدش هيعرف حاجة غير رائف لأنه كان معايا ، وفضلنا مع بعض تروح ونيجي لعند لما لقينا حد يشتريها مننا ، ولما مسكنا الفلوس أنا وهو كل واحد مننا كبر شغله وامن نفسه وبيته وقولنا خلاص كانت ضربة حظ ومالناش في الشغل ده تاني أنا ركزت في شغل الورشة طول السنين دي ، بس من أربع سنين رائف حالي وقالي أنه ما يطلش شغل في الآثار من وقتها ، وعايزني معاه المرادي ، أنا رفضت بس وقتها كان الشغل واقف وأنا محتاج فلوس ضروري فقولته ماشي المرادي كمان يا رائف ، واشتغلت معاه
والمرة جابت مرة."
أكمل " عامر " وهو ينظر لوالده:
" لعند لما أنا عرفت لما سمعتكم بتتخانقوا بسبب خسارة شغل وصفقة كانت بينكم ، وكنت مديون بفلوس ليه يا حاج ولغيره ، وقولتلك وقتها كفاية أحنا مش زي الناس دي ولا شبههم ."
قال أبوه بتسرع وألم :
وسبتها يا ابني ، بس اللي بيدخل بينهم مش بيخرج بالساهل، أنا أديتهم كل الفلوس اللي كسبتها من الشغل معاهم وبعت أي حاجة عندي ، ماعدا البيت والورشة ، وده كله عشان اسكتهم عن الخسارة اللي خسروها بسببي ، ولو أنا ماكنتش عملت كده وهما خدوا الفلوس ماكنوش
هيسكنوا ، وهيعملولي مشاكل كثير ."
تنهد "عامر"، وقال لابيه بتساؤل وقلق:
وخلصنا يا حاج إيه اللي فكرك بالموضوع ده ثاني؟ تو عشان ارجع اشتغل معاك في الورشة ؟ فلا، أنا اتقفلت من المكان ده خالص ومستريح في شغلي "
نظر إليه أباه وضحك ضحكة مليئة بالأئم:
" أنا وقتها وعدت نفسي اني مش هرجع تاني ، بس الخسارة كانت كبيرة يا عامر ، وأنا راجل ما بحبش أقع."
فتح" عامر "عينيه بصدمة، وتوقع ما كان يرميه إليه أبوه، وقال جملة يتمنى في أعماقه أن
تكون خاطئة.
رجعت تاني؟ مستحيل ؟"
أطرق الأب رأسه:
" أبوه، رجعت
قال "عامر" بانفعال غير مقصود :
ليه يا حاج ؟ ليه بعد كل اللي حصل ؟ مش مكفيك اللي حصلك من وره الزفت ده ؟"
رفع الأب رأسه، وصوته ثابت رغم الوجع
عشان أعوض، أنا راجل شقيت عمري كله، وما قبلتش أطلع منه مكسور قلت أرجع اللي راحواتواصلت مع حد منهم كان حاله زي حالي وقولنا هنشتغل مع بعض بعيد عنهم ، بس كنت محتاج فلوس ، وماكنش قدامي غير رائف أستلف منه ، وقولته إني هشتري مصطنع وأكبر شغلي وهو أداني الفلوس "
تنفس "عامر" بعمق:
استغفر الله العظيم ، وإيه اللي حصل ؟"
سحب الأب أحد الدفاتر وقال بضياع
كل حاجة كانت ماشية كويس والآثار كانت معانا وباقي بس تبيعها ونأخد الفلوس ، بس تاني يوم روحنا المكان لقينا كل حاجة السرقت، وخسرنا كل حاجة ، ورأفت عايز فلوسه، ومافيش
أي سيولة معايا ."
حرام عليك يا حاج والله ، حرام ، هو أحنا كنا محتاجين تعويض خسارة ! ما الورشة بتكسب
كويس ولينا وضعنا في الحارة، وربنا بيرزقنا بالحلال ، ليه أحنا نمشي في طريق غلط من الأول وتضيع نفسنا ؟ كل ده عشان الفلوس ؟ عشان ما بتقبلش الخسارة؟ هتسدد الفلوس منين دلوقتي ؟ كام الفلوس دي أصلا"
" أربعة مليون !"
نظر إليه "عامر" بصدمة، وقال بعدم استيعاب:
أربعة مليون ودول هنجيبهم منين ، إحنا ما عندناش غير الورشة والبيت ده ، كل حاجة اتباعث في الوقعة الأولي يا حاج، وأنا مش حيلتي حاجة، ورشتي أيجار ويسدد في حق العدة
اللي يشتغل بيها ، هتعمل إيه ؟ نبيع البيت ده ؟!"
أجاب أباه برفض :
" لا أنا مش هبيع البيت ده مهما حصل ده غير أنه ما يجيش غير مليون واحد."
قال " عامر " بتسرع :
ده مش وقت مفاوضات، تبيع حتى لو غصب عننا ، والباقي تحاول تتصرف فيه ، وتقول
لرافت ده يستني علينا شوية . "
رافت مش هيستني ، عايز فلوسه في خلال شهر وإلا هيقدم الوصولات اللي ماضيها في القسم ، وهيبقي وقتها للدفع للحبس ."
تنهد "عامر" ، وقال :
هر وحله أنا وأتكلم معاه ، هحاول أخليه يصبر علينا ، حتى تدفع المبلغ على دفعات، أو أوصل معاه لأي حل غير إنه يقدم الوصولات "
نظر له أباه يعمق وقال بهدوء :
" هو قالي على الحل ."
استند "عامر" على الكرسي، وقال بأمل متردد بعد يأس:
طب ما تقول با حاج نشفت ريقي ، إيه الحل اللي قاله رائف الزفت ده ؟!
نظر إليه بخوف حذر من رد فعله، ثم بدأ يحكي ببطء وهو يتذكر ما حدث صباح اليوم في منزل رائف.
قال بعدم رضا لرائف الجالس أمامه :
ما ينفعش يا رائف مش هلحق ! شهرين إيه دول اللي أجمعلك فيهم أربعة مليون؟ زود المدة
شوية ؟ أو حتى أقسط على دفعات ."
نظر إليه " رائف " ببرود ، وهو يسحب نفشا من النارجيله الموضوعه أمامه :
مشكلتك مش مشكلتي يا محمد يا براق : هو أنا لما سلمتك الفلوس سلمتها على دفعات ؟ لا جيت قولتلي عايز أربعة مليون وخدتهم في وقتها | ولا سألتك عايزهم في إيه ولا هتعمل بيهم ايه ."
قال له "محمد البراق " بقله حيله :
وخسرتهم ا هجيب منين المبلغ ده كله وانا خسران اللي ورايا واللي قدامي ؟"
نظر له "رائف " بشماته مخفيه وهو يقول :
ما أنت لو قولتلي عايز الفلوس عشان ترجع الشغل ثاني ، كنت رجعتك بمعرفتي من غير لف
ودوران : لكن أنت لعبت من ورايا والنتيجة إيه؟ أديك اتسرقت وخسرت كل حاجة ، شوف بقي
هتعمل إيه عشان ترجعلي فلوسي اللي انت ضيعتها بغبائك . "
تنهد محمد البراق"، ووضع يديه على رأسه بعجز وقلة حيلة، وهو يقول:
مش عارف ، حقيقي مش عارف أعمل إيه."
نظر له " رائف " بصمت لثواني ، ثم قال بمكر :
الدنيا مصالح يا محمد... عايز تاخدم لازم تدي ، وعشان أنت صاحبي أنا مستعد أقطع
وصولات الأمانة اللي بينا وصدد براحتك أو ما تسددش خالص ."
رفع "محمد" رأسه بصدمة وزهول من كلام رأفت الذي كان يهدده منذ دقائق بأنه سيقدم
الوصلات للشرطة ويسجنه إن لم يسدد المبلغ، فقال له بتساؤل:
وعايزني أقدم أيه في مقابل ده كله ؟ ما هو زي ما أنت قولت الدنيا مصلح ولازم تدي عشان تاخد "
ابتسم "رائف " ببرود وقال :
حبايبنا في الصعيد كان لما بيبقي بينهم دم ويحبوا ينهوا الموضوع ودي ، بيخلوا بينهم نسب عشان ينهي الدم ! وأنا طول عمري أعشق الصعيد وكل اللي بيحصل فيها ."
قال " محمد " بعدم فهم :
إيه علاقة ده بكلامنا؟ عايز توصل لإيه ؟"
اعتدل "رائف" في جلسته، ووضع النارجيله جانبا، وقال بنيات:
يحصل بينا نسب يا صاحبي ! ده أحنا حتى عشرة عمر وحبايب ، تكملها بقي للآخر ونبقي
نسایت "
"محمد " هز رأسه بعدم استيعاب وقال "
نسب ؟ وده هيحصل إزاي بقي ؟ "
نظر له " رائف " وقال يضيق وضحك :
مالك يا محمد مخك تخين النهاردة ليه؟ ما تصحصح معايا كده ، هو النسب بيحصل إزاي
يعني؟ بس أنا مش هتعب دماغك في التفكير ، علي المكشوف كده المثل بيقولك أخطب لينتك ولا تخطيش لأبنك ، وأنا الحمد لله ما عنديش الأبن بس عندي البنت ست البنات كلهم ، ومش
خسارة في ابنك ."
ضحك "محمد " بصدمة ، وقال :
أي واحد منهم بقي اللي مش خسارة فيه بنتك . "
" أكيد مش هسلم بنتي لرزق ، قصدي عامر البراق . "
رد "محمد" وقال بتساؤل :
وليه عامر بالذات ؟ ده انت مختار اللي قفتنا وعارف كل بلاويك يا رائف ، واللي ماحدش بيعرف يمشي كلامه عليه
أصدر " رائف " صوتا بفمه دلالة على الرفض، ثم قال:
" لما يعرف إن أبوه هيتسجن وقتها الكلام كله هيمتي ، وليه عامر بالذات | عشان شارب الرجولة بالمعلقة ، وأنا مهما كان عندي بلاوي فانا برضوا اب وهبقي عايز بنتي الوحيدة تتجوز
راجل مهما يعدي عليه يفضل صايتها ومراعي العشرة اللي بينهم ."
قال " محمد " بهدوء :
بس عامر ممكن يرفض ! وقبل عامر بنتك لو رفضت هتجوزها غصب عنها الغير كده
هتستفاد إيه بالجوازة دي اللي تخليك تتنازل عن اربعة مليون يا رائف ؟ ده أنت يتحب الفلوس زي عينيك . "
قال له " رائف " بصراحة تامة :
" ما أنا عشان يحب الفلوس وعايز أحافظ عليها، لازم يبقي في ولد يشيل الليلة دي من بعدي .
وأنت عارف ما حلتيش غير انتصار وأمها ماتت من ١٥ سنة ، وطول ما هي موجودة مش عارف اتجوز واخلف الواد ، اصلها بنت كلب وبنطقش أي واحدة الجوزها تاني يوم ، فاجوزها بقي
واتجوز أنا ."
نظر له " محمد " بصدمة من رده وقال :
طب ما أنت عندك علاقات كثير مع ناس تقيلة، ماتجوزها واحد منهم ."
قال " رائف " يزهق :
أنت صدعت دماغي يا براق والله ، بقولك عايز أجوزها راجل راجل مش كلب فلوس ، واللي اعرفهم كلهم كلاب طمعانين في فلوسي ، عايزين يتجوزوا البت عشان فلوس أبوها ، وهي
بترفضهم قبلي، أصلها ما بيملاش عينها أي حد كده والسلام ."
وأنت واثق بقى أنها هتوافق على عامر ؟!"
" أن موافقة "
قبل أن يجيب رافت، قالت "انتصار" كلامها وهي تدخل حاملة صينية عليها الشاي، فوضعتها
وجلست على كرسي بجانب أبيها الذي نظر إلى محمد وقال له:
أهي سمعتك ردها با معلم محمد ، نقول ميرولا؟"
كان محمد ينظر إليهم بصدمة ومفاجأة من كلامهم والموقف، وعقله يغلي بالأفكار، يتساءل في داخله هل عامر سيوافق ؟ وكيف سيقول له من الأساس؟ ، تنهد وقال الرائف
الجواز ما بيجيش كده يا رائف ، سبب النسب على جنب ووافق إلى أقسط الفلوس ."
تحولت ملامح " رائف " وقال بجدية وصرامة :
بص يا حاج محمد ، أنا عروضي فرصة واحدة ما بتتكررش تاني : وأنا قدمتلك فرصة علي طبق من ذهب مش هتخسرتك حاجة ، فنهاية الكلام عشان مصدع وعايز انام ، معاك شهر يا ابنك عامر وركز معايا عامرها عامر البراق يكون كاتب كتابه علي بنتي يا تكون فلوس كامله
عندي أو مقدم الوصولات للبوليس هو يتصرف معاك . "
قال له "محمد " بتسرع :
" عامر ما بيجيش بالضغط ، ومش هعرف أضغط عليه ."
مش مشكلتي ! أبنك وأنت حر فيه وأنا قولت اللي عندي ، شرفت حارة الفاتح يا كبير حارة البراق ، مع السلامة . "
الشقة وخرج وهو يغلقه خلفه بعنف
قال جملته وهو ينظر إلى محمد ببرود، فنظر إليه محمد بغضب، ونهض من مكانه، فتح باب
توقف عن سرد ما حدث، وهو ينظر إلى عامر الجالس أمامه، وملامح الزهول والغضب بادية
على وجهه، وقف " عامر" من مكانه، وقال بصوت عالي:
" مستحيل ؟ أنا مش هتجوز بنته هو أنا سلعة هيشتريني بالفلوس ؟
ما قولتولش مش موافقين في وقتها ليه يا حاج ؟ ليه تسيب الحوار مفتوح من أساسه؟."
قال له "محمد " بقلة حيلة وعصبية :
مافيش فرصة للاختيار يا عامر، هو قالها ليا صريحة يا الجواز يا الدفع يا الحبس خلينا نفكر
بالعقل... مهما عملنا، مش هتقدر تجمع الأربعة مليون في شهر مافيش قدامنا غير الجواز أو
الحبس ... هتسيب أبوك يتحبس ؟"
نظر له "عامر" باضطراب وضياع، وقال بألم :
لا يا حاج، أدفع أنا ضريبة ذنب ما عملتون وأتجوز جواز صفقة ومصلحة عشان حضرتك رفضت تسمع كلامي وتبعد عن الطريق اللي جبلنا المصايب دي ، وعشان أنا أبنك الكبير لازم أشيل الليلة كلها بحلوها ومرها اده ياريت فيها حلو حتى أنا فعلا لو عملت ايه مش هعرف أجمع الفلوس دي حتى لو عرضنا البيت والورشة والمعدات اللي فيها للبيع من هيجيبوا نص
المبلغ حتى وياريت هنقدر نبيعهم قبل الشهر : ومستحيل تأخذ قرض من البنك عشان ماليش
في سكة البنوك دي ولا هتقدر تسدد الأقساط بتاعتها ، ولا في أيدي أي حاجة ولا عارف هعمل
ايه غير اني مش هتجوز الجوازه دي ."
كان أبوه ينظر إليه بحزن وألم، وكان يعلم أنه السبب في التوهان الذي يعانيه ابنه، وأنه السبب في ضياعهم، فقال بصوت منخفض، ملؤه التعب، كان أمراض العالم كله تجمعت في جسده في
تلك اللحظة:
أنا عارف إني كده يظلمك ، بس مافيش حاجة بأيدي ، لو مش قابل الجوازة خلاص بلاها .
سجن سجن ما بقتش فارقة ، العمر ما بقاش فيه زي اللي راح ."
نظر له "عامر " لدقائق وقال بجدية :
أنا مش هسيبك تتسجن يا حاج ، موتي أرحم من وجودك في السجن يوم واحد ولا هستني لما أمي تشوفك مسجون ولا الناس يعايروا أخواتي بسجن أبوهم ، قول الرائف إني موافق علي الجواز وهنروح تتقدم لبنته بعد يومين ."
خرج عامر من المكتب بعد أن تلفظ بكلامه الذي صدم أباه، كأنه جسد بلا روح، واصعد إلى غرفته، فجلس على سريره واضعا رأسه بين يديه بألم شديد. كان قد جاء إلى البيت على أمل أن يجد أباه مستيقظا، راغبا في أن يفتح له الباب لخطبة الفتاة التي أحبها، يريد أن ينتظر حتى تكمل تعليمها ويزوجها، لكن الواقع صدمه بلا رحمة فقد رمى أبوه سهم الحقيقة في قلبه
مباشرة، دون أي فرصة للكلام أو المناقشة.
في تلك اللحظة، اضطر عامر لأن يفكر بعقله فقط، متجاهلا قلبه الذي يتمزق من الحزن
والخذلان أدرك أن كل الأبواب مغلقة، وأنه لا حل أمامه إلا الزواج من انتصار، تلك الفتاة التي وافقت مسلمة بما هو مقرر، دون أن تعرف رغبته أو مشاعره، كان يتساءل في داخله بدهشة ومرارة: كيف استطاعت أن تسلم بكل شيء هكذا؟ كيف صارت موافقة ومستسلمة الأمر لا علاقة
لها به ؟
عاد "عامر البزاق " إلى واقعه على صوت قرآن المغرب، وعيناه شاخصتان إلى صورة أبيه المعلقة على الحائط. تنهد بألم لم يخفف مرور السنين من وطأته، ثم قام من مكانه متجها إلى المسجد، وقال لنفسه:
قدرك يا ابن البزاق ولازم تكمله، قدرك هتعمل ايه ؟"
جلست رقبة أمام يوسف على كرسي موضوع أمام مطعمها، وكانت عيونها متجهة إليه بحدة.
فيما هو يواصل كلامه المتناثر، تنفست ببطء، قبل أن تنفجر بعصبية:
منزلني من العصر عشان عايز تقول لي حاجة مهمة، قولتلك مش هتفتح المطعم النهاردة
. وبرضه قولتلي هتنزلي عشان الموضوع خطير، ومن وقتها وانت قاعد تحكي في ألوان المعرض وخناقك مع سيف وإنه بيلبس لبسك والبسبوسة اللي سميه نسيتها في الفرن واتحرقت، وكلام مالوش لازمة لما كلت دماغ اللي جابوني... ما تخلص يا خويا وقول عايز ايه ؟"
نظر" يوسف " اليها بجدية مصطنعة وقال:
أنت بتتعصبي عليا يا رقية ؟ بتتعصبي على أخوك الكبير الباشمهندس يوسف التجارة اياك
صوتك يعلى عليا تاني... مفهوم يا بنت خالتي، يا عمة عيالي ؟"
ابتسمت "رقية "بسخرية وهي ترد:
ياعم بقى بلا أخوك بلا بتاع؟ إحنا اخر اليوم يا هندسه والدنيا صيام والواحد جهان ودماغه مصدعة ... فاخلص كده وجيب اللي عندك "
ضرب يوسف كفه يكف وقال بضحك:
هو ؟ طب والله هو في عصبيته وكلامه ده الحمد لله إنه مش في الحارة وشافني قاعد معاك كان زماني في الطوارئ
نفخت" رقية "وهو تفهم قصد كلامه، ونظرت بعيدا وهي تقول لنفسها :
صبرني يا ربه"
ابتسم " يوسف" بهدوء وجدية:
خلاص تتكلم بجد... أخ وأخت كده، اسمعيني بالراحة، رد فعلك مقلقني ما عرفش ليه، رغم
أن الموضوع حاجة تفرح."
قالت له "رقية "بتساؤل:
عندي احساس أنكم يتخافوا مني ما عرفش ليه ؟"
ضحك "يوسف " وقال:
" بتخاف إيه يا شيخة بس قولي كلام غير ده... ده احنا بنترعيه
ضحكت" رقية" بخفه على جملته وقالت بتهديد
جملتك الجاية لو ماكنتش في الموضوع الخطير اللي عايز تكلمني فيه... هنترعب كلنا بجد"
- " نور جايلها عريس."
أشار لها "يوسف" بيده لتهدأ وقال بهدوء:
قالت "رقية" بتساؤل:
" نور أختي ؟"
أجاب يوسف بضيق:
" لأ نور الجيران... هنهزر بقى على آخر اليوم ؟ الدنيا صيام والواحد جعان ودماغه مصدعة
ومش ناقص... فاتحيلي مخك ده شوية."
ضغطت "رقية" على أسنانها وقالت بضيق:
هفتح حاضر یا معلم یوسف ... فهمت نور اختي جايلها عريس؟ مين باقي وتعرفه منين؟"
قال " يوسف" بجدية عكس مرحه
مين يبقى ؟ الدكتور مروان الهاشمي ... أعرفه متين؟ هو عرفني بنفسه لما كان هنا في الحارة
صاحبة نور."
وسأل عنك عشان يفتح معاك الحوار... بس قابلني أنا ومهاب واتعرفنا عليه وعرفنا أن اخته
قالت" رقية "بتساؤل:
الهاشمي ؟ يبقى أخته هدى، صح ؟"
أكد" يوسف":
أيوه صح هو قال كده، وقال انه شاف نور كذا مرة في الجامعة مع أخته لأنه معيد في نفس الجامعة ... وسأل عنها أخته وحب يتقدملها ... بس ماحبش يدخل أخته في الحوار منها
للإحراج ... وعرف عنوان المطعم وكان جاي يكلمك
قالت "رقية " بهدوء وعدم معرفة
مش عارفة بصراحة الرأي رأي نور... بس قبل ما أخذ رأيها، لازم اسأله عليه وأعرف هو مين وعيلته مين، مانا مش هجوز أختي لحد أنا مش مأمنه ليه ولا لعيلته ... فهسأل عليه الأول."
" وأحنا بلعب يعني ولا إيه حضرتك لما أنت اللي تسألي "
كانت تلك جملة مهاب الذي وصل بينما كانت رقية تتحدث وسمعها، فسحب كرسيا وجلس
بجانب يوسف، قائلاً جملته، ونظر إليه لثوان، ثم أدار نظره إلى مكان آخر. نظر "يوسف" إلى مهاب وقال بترحاب
صاحبي حبيبي، حمد لله على السلامة يا غالي... كويس إنك جيت دلوقتي مش من عشر دقايق
أجابه "مهاب " بمكر:
دلوقتي ولا من عشرة ... كده كده هنتروق يا صاحبي"
ابتسم " يوسف" بخوف مصطنع وقال الرقية
ها یا ست نقول إيه للراجل خليني أقوم من القعدة دي "؟"
قبل أن تتحدث، قال "مهاب" الذي يعلم ما يدور في رأسها :
احنا قعدنا معاه واتكلمنا وهو راجل مش شخص عشوائي ولا بتاع كلام وبس... وكمان أنا ويوسف سألنا عليه في مكان شغله وحوالين بيته وفي المسجد اللي جنب بيتهم، وسألنا عن عيلته ... وما شاء الله عليه هو وعيلته ناس كويسين ومحترمين... يعني مافيش أي خوف من نسبهم خالص، أنت عليك تسألي الدكتورة عن ردها ... لو قبلت بيه يبقى يجي يتقدم... ووقتها تشوفي الأمور هتمشي ازاي؟ الموضوع بسيط، مش محتاج تفكير كتير في النهاية نور اختنا
وأحنا أكيد مش هنجوزها لأي حد وخلاص "
أكمل "يوسف "بابتسامة ومكر:
وطبقا يا كبيرة الرأي رأيك والشوره شورتك لو قولتي لا تنهي الموضوع وقتي آه.... إحنا
رأينا وكلامنا جنب كلمتك ولا حاجة ..... الأم"
تألم " يوسف " قليلاً من ضربة تلقاها من قدم مهاب، فنظر له يضيق وقال:
وربنا القعدة معاكم بخسارة ... أنا مال أمي بالحوار ده."
ابتسمت" رقية" ابتسامة خفيفة، وقالت وهي تقوم لتذهب للمنزل:
تمام أنا هقول لنور... واللي فيه الخير يقدمه ربنا."
أكملت وهي تضع المفتاح والقفل أمام يوسف، وتشير إلى باب المطعم النص مفتوح :
ابقى اقفل الباب ده یا ابن خالتي و على المفتاح معاك ... ها خده منك في البيت"
وذهبت من أمامهم، بينما مسك "مهاب" يوسف من ملابسه وقال بتساؤل:
بيت ايه ده يا زفت؟"
قال " يوسف" وهو يخلص نفسه من يد مهاب:
بيتنا يا عم ... كل سنة أقولك إن كلنا بنقطر في بيتنا طول شهر رمضان ... أكيد يعني أمي
مش هتسبب عيال أختها يفطروا لوحدهم... وسبب الجاكت لسه شاريه بألف جنيه "
ضحك مهاب " بسخريه قائلاً:
ألف جنيه؟ صارف ومكلف يا معلم ... بكرة هقطر عندكم "
ضحك "يوسف" بشدة وقال بغمر:
طب ما تيجي النهاردة... سميه عاملة الملوخية اللي بتحبها."
قال "مهاب" يضيق وهو يقوم ليأخذ المفتاح ويقفل باب المطعم:
معزومين في بيت عمي النهاردة ... وبصراحة كنت هزوغ من العزومة دي، بس جدتي حلفتني أحضر... فهعصر على نفسي كيلو ليمون وأروح أقعد نص ساعة كده وأهرب "
ضحك "يوسف " وقال:
" معلش... نص ساعة وهتعدي كانها مية سنة مع رخامة خالد وتقل دمه "
ضحك "مهاب"، وقال عندما سمع صوت قرآن المغرب:
طب قوم بلا دخل الكراسي دي ورشتك واقفلها وخلينا نروح المسجد... وخد المفاتيح دي
اديها لمرات أخوك "
ضحك" يوسف" بشدة وهو يأخذ المفاتيح:
من عينيا يا عم... شيل معايا كرسي طيب عشان تشغل عضلاتك دي "
رفع مهاب كرسيا وكأنه سيضرب يوسف، لكنه نقله في يده الأخرى بحركة خفيفة، وحضن يوسف يبيده قائلاً بضحك:
" أو امرك يا معلم "
ملا صوت ضحكاتهم المكان، والوحيد الذي غطى على صوتها كان صوت القرآن الخارج من المسجد القريب.
