رواية ظل البراق الفصل الثالث والعشرون 23 بقلم مريمة


 رواية ظل البراق الفصل الثالث والعشرون 

لم أكن أو من بأن الحب يقاس بطول الوقت

ولا يعدد الذكريات المشتركة، ولا حتى بكم الكلام الذي يقال.

كنت اظنه شيئًا يتكون ببط، يحتاج سنوات ليكتمل

وأمانا طويلا ليعلن عن نفسه.

لكنني اكتشفت متأخرة أن بعض المشاعر لا تطلب الإذن.

تدخل القلب فجأة، كأنها كانت تعرف طريقه منذ البداية.

نظرة واحدة قد تكون كافية، كلمة عابرة...

أو حتى صمت طويل يحمل ما لا تستطيع الكلمات حمله.

الحب لا يسأل : منذ متى ؟

ولا يهدم كم تعرف عن بعضنا ؟

هو فقط يحدث... ثم يفرض وجوده، كأنه حقيقة لا تقبل الشك.

بعد أذان المغرب بدقائق، جلس الجميع حول السفرة في بيت" رزق البراق ". بعد أن أنهوا الصلاة.

كان الجو لا يزال هادلا من أثر الصلاة، لكن توثر بسيط بدأ يتسلل مع اقترابهم من السفرة المليئة

بالأطعمة الرمضانية.

جلست "الجدة مفيدة" في مكانها المعتاد، ضفت طرحتها حول كتفيها، وقالت بصوت دافئ

لعبت جامد لما عملت السفرة العظيمة دي .

ربنا يتقبل مننا ومنكم اقعدوا بقى الأكل شكن وشكله يفتح النفس، من الواضح أن سعاد

بدأ الجميع بالجلوس في أماكنهم على السفرة الطويلة جلست الجدة مفيدة في رأس الطاولة.

وعلى الجانب المجاور لها من اليمين جلس "عامر"، وإلى جواره "انتصار"، تليها "نادين"، ثم "محمد" "و "حسن"، وجواره مهاب "و "مازن"، وعلى الناحية الأخرى جلس "رزق" والى

جواره "سعاد" و "فريدة" وبينها وبين "عبدالله" يليه " شهد "و "خالد" .

وحين جاءت " شهد "النجلس، لاحظت مكان مهاب، فاختارت مقعدا مقابل مهاب، بابتسامة خفية ورغبة واضحة في متابعة تحركاته.

قالت "سعاد "وهي تجلس وترد على كلمات الجدة بنبرة ودية معلومة بالاحترام:

ده اقل حاجة تعملها عشانكم يا مرات عمي أنا وشهد حضرنا كل حاجة بنفسنا، وبعدين بيت رزق دايما عامر بالخير، ودي حاجة بسيطة جدا. مدوا إيديكم يلا وافطر وا قال "عامر" بهدوء ومحبة وهو ينظر إلى رزق

ربنا يجعله دايما عامر ويوسع عليك يا أخويا .

ابتسم "رزق " ابتسامة مائلة، فيها قدر من الزهو أكثر مما فيها من الول. ثم قال وهو يمد يده نحو

أحد الأطباق:

هيوسع يا حبيبي ، يلا بس ناكل والأكل سخن كده وتسيب الكلام لوقت ثاني .

بدأوا يتناولون الطعام، بينما كان " مازن " يهمس "لمهاب وهو يقول بتهكم :

بتقول محضرة سفرة الملوك دي بنفسها وحياة أبوك الحاج عامر حبيبي أنا شوقت الراجل بتاع الديليفري داخل عندهم قبل المغرب بربع ساعة، ومعاه أكياس الأكل ده كله ، يبقى حضرت

كل حاجة بنفسها إزاي يعني؟

ضحك " مهاب" وهمس له بنفس السخرية

بطل ظلم في الناس بقي ... الست طلعت الأكل من الكيس وحطته في الأطباق على السفرة . ولعت لينا شمعتين في النص شبه قلبها اللي بيولع شطه نار من ناحيتنا الا يجد الشمعتين دول محطوطين ليه ؟

رد "مازن" وهو يهمس:

تصدق أنا ظالم فعلا او دول شمعتین خینا با هندسة ، مرات عمرك بتعبر عن حبها لينا ... أفطر ولا مش هتاكل ؟

ابتسم "مهاب" بزهو وهو يبدأ بالأكل وهمس المازن:

لا هاكل ده أكل جاي من المطعم مش من أيد سعاد واهي عزومة واتحسبت علينا ، أمك آخر الأسبوع هتعزمهم على سفرة أكبر من دي وهنقعد تقييم سفرة مين اللي كانت أشيك ومين أكلها

أحسن من مين، والأثنين والله ما بيعرفوش يطبخوا .

تعالى صوت ضحك مازن فجذب انتباه الجميع، فالتفتوا جميعا إليهم، حتى "خالد "بدأ سخريته وقال :

ما تضحكونا معاكم يا عم مازن خلينا نفرح شوية

رد مازن "بابتسامة خبيثة:

الضحك غلط عليك يا خالد يتعب قلبك يا خويا، وأنا بحبك وعايز قلبك يكون صحي ، اشرب

عرقسوس وانت وشك ينور زي الشمعة اللي قدامك دي .

ضحك "خالد "يبرود وقال :

ومالو تشرب عرقسوس ده حتى مفيد للجسم ، بس قولي أنت مرتاح في شغلك عند مهاب

وفي ملكة ولا لا؟

رد مهاب عليه بصوت هادئ وائق وهو يضع يديه علي كتف مازن :

- تصحح ليك معلومة يا ابن عمي ، مازن ما بيشتغلش عندي وفي ملكي ، ده بيشتغل في مكانه و ملكه ..

نظر" مازن" إلى " مهاب "بمحبة واضحة، فقال "خالد" وقد ارتسمت على وجهه تلك الابتسامة التي لا تخفي ما وراءها.

أنا قولت أسال عشان لو عايز يسبب الشغل ولا حاجة يجي يشتغل معانا وأهو عندنا ولا عندك كله تحت أسم البراق .

قال "مازن " بطريقته المعتادة ومرحه :

تشکر یا خلوده يا اخويا ، أنا مرتاح عند مهاب اصل جنب الشغل مطعم عنده حنة ساندوتش شاورما یا واد یا خالد ! فوق الممتاز.

تعالت ضحكات الجميع على كلام مازن فقالت "فريدة " بنبرة ملؤها المودة والمرح: اه منك يا بتاع الأكل أنت وياريت بيبان عليك أنت والعيال اللي قصادي دول ...

قالت آخر كلامها، وهي تشير إلى أولادها فرد "محمد" بزهول ومرح :

قصدك إننا بناكل كثير يا ماما ؟ ماكنوش سبع تمن وجبات في اليوم دول ..

ثم تدخل" حسن" وهو يلوح بيده بخفة، وكانه يدعى الظلم :

شيلوا عليكم عدا يقي عايزين تعيش ! ده أحدا حتى في رمضان وأكلتنا ضعيفة .

ضحك الجميع على مزاحهم ، بينما قالت" فريدة "بدهشة:

أنا قولت إنكم بتأكلوا كثير يا عيال ؟ بالهنا على قلبكم يا مساكين وحاضر هنشيل عينيا من حياتكم .

مد "عامر " يده بالطعام إلى "حسن " وهو يقول بإبتسامة :

خد يا أبو على واتغذي كويس أنت وأخوك عشان تركزوا في مذاكرتكم .

النقط "حسن" الطعام ، وقال وهو يراقص حاجبه ناظرا إلى والدته بمرح :

تسلم يا خالو ، أنت الوحيد اللي حاسس بينا يا راجل يا طيب.

ريت "مهاب" بخفة على رأس حسن، ضاربا إياه وهو يقول :

نفس الجملة اتقالتلي امبارح منك ، جدد في جملتك يا أخي عشان نحس بيك أكثر.

انتشر الضحك بخفة بين الجميع، بينما ضحك "حسن "قال :

يالهوي ده أنا أنكشفت ... تيتا

قال آخر كلامه وهو ينظر لجدته ويشير بيديه نحو فمه وكأنه يغلقه بسحابة صغيرة، فنظرت له "

مفيدة " وضحكت بمرح دافئ وقالت:

ما تقلقش يا حبيبي مش هقول الكلام ده أنا سمعته منك ومن محمد من كام يوم، سرك في بیر

تعالت الضحكات، واستمر الجميع في تناول طعامهم بانتظام، بينما ظلت "شهد "تراقب مهاب بعينين ملينتين بالاهتمام مدت يديها نحوه بطبق ممتلئ بالطعام، وقالت بابتسامة بانت بالنسبة له سمحة:

كل من الزقاق ده با مهاب ، انا عاملاه بأيدي مخصوص عشانك .

تهكم "مهاب" بداخله وقال لها بهدوء رافضا

- شكرا يا شهد تعبتي نفسك وأنا ما بحبش الزقاق.

تدايقت من رده لكنها لم تظهر ذلك، فوضعت الطعام مجددا أمامها وشرعت بوضع العصير في

كوب وقالت :

خلاص محطلك عصير مانجه أكيد بتحبه ربي ، أصل أنا بحبه أوي.

رد عليها ببرود وهو يواصل تناول طعامه بلا مبالاة:

ما تحطيش عندي حساسيه من المانجا ويتتعبني .

سلامتك يا حبيبي ، هاتي أنا مشرب العصير يا شهوده، وطبق الزقاق ده من عندك أصل شكله

مغري اوي.

كانت تلك جملة "مازن " الذي نظر إلى أخيه بمرح، مدركا أنه يحب الرفاق ولا يعاني من أي

حساسية تجاه المانجو.

ناولته شهد الطبق، وهي تغلي في داخلها من تصرف مهاب الذي كان يغلق كل سبيل أمامها

ويتركها عاجزة عن الرد.

كانت سعاد تراقب ابنتها، وقد تدايقت من تصرف مهاب معها، فاشتدت مشاعر الحقد في

قلبها، ونظرت إلى انتصار وقالت بشئ من التكبر

بقولك إيه يا انتصار، أنا عارفة ذوقك الحلو فعايزاك تبقي تيجي معايا نختار فرش الشقة

الجديدة، أصل عقبال عندك كده رزق اشتري لينا شقة في الأسكندرية عشان بحب اروح هناك

كثير فقولنا بدل ما كل شوية تقعد في فندق لا تجيب شقة وتبقى تقعد فيها .

نظرت إليها " انتصار " بهدوء، وارتسمت على وجهها ابتسامة مزيفة وقالت :

مبروك يا سعاد ، بس أنت عارفة ماليش في اللف الكثير ، روحي أنت وشهد هاتوا فرشكم .

ردت "سعاد " بتصميم وألقت نظرة على "نادين تحمل مغزى واضحًا من كلماتها:

ولا لف ولا حاجة ، هو مكان واحد اللي هنشتري منه ، هو أنتوا ما تعرفوش أن يوسف التجار

يفتتح معرضه آخر الأسبوع ! أنا هجيب من عنده بقي.

نظرت " نادين" إليها ببرود وهي تعرف قصدها ، وقالت بصوت هادئ وسخريه :

لا عارفين يا مرات عمي ، بس غريبة يعنى هتجيبي من عنده ، ده انت لما جيتي تجددي فرش البيت هنا وقوك الك هاتي من يوسف قولتى يوسف مين ده اللى أجيب من عنده؟ أيه اللي اتغيير

دلوقتي ؟

قالت " سعاد " ضاحكة وهي تنظر النادين :

اللي اتغير يا حبيبتي أني هجيب من معرض كبير مش من حته ورشة صغيرة ، وأنت عارفة يا

نادين، الأماكن بتفرق | الورشة واللي فيها مش من مقامنا خالص.

قال " مهاب " بهدوء ممزوج بضيق :

الورشة دي مطلعة راجل يتهز لأسمه أتخن واحد في حارة البراق يا مرات عمي ، واللي كنت

رافضة تشتري منه زمان أديك رايحاله برجلك لحد عنده .

تلعثم " رزق قليلا بسبب نظرات مهاب الثاقبة ، وقال :

مرات عمك مش قصدها حاجة يا مهاب ، يوسف سيد الرجالة واحنا عارفين .

تدخل " عامر " بهدوء ليخفف من حدة الموقف :

حصل خير يا جماعة ، كملوا فطاركم بالهنا ..

أكمل كلامه وهو ينظر " لعبد الله " الذي ينظر لأخته بضيق من مواقفها المتكررة مع . مهاب، قال

عامر بابتسامة :

عبد الله لو خلصت فطارك تعالي دلني على الحمام أغسل إبدي .

نظر له "عبد الله " بمحبة وقال وهو يقف :

خاصت يا عمو ، أتفضل معايا وهعملك أحلي كوباية شاي من أيدي ...

ابتسم "عامر " وهو يقف بهدوء، ثم قال بمرح:

شكلك عايز تسكنني بكوباية الشاي دي على حوار أنك ما بتجيش الشغل بقالك يومين )

اقترب منه "عبد الله " وقال بمزاح :

يتفهمها وهي طايرة يا معلم عامر ، بس شكلك نسيت أني وأحد أذن عشان مسحول في هندسة .

عمر له " عامر " وقال بمرح :

واحد أذن ليوم يا حبيبي من يومين اليوم ده هيتخصم من مرتبك ..

طلب وكوباية الشاي اللي هعملها ؟

قالها " عبد الله " يغلب ، فضحك "عامر" وهو يضع يديه على كنف عبدالله ويسيروا تجاه

المرحاض وقال :

والله على حسب لو المرجت بسببها هنشيل الخصم لو لا يبقي نشيل الخصم برضوا .

تعالت ضحكات "عبدالله " وذهب هو وعامر، فقام " مهاب " من مكانه بهدوء، وتحدث بهدوء :

الحمد لله ، بالهنا يا جماعة .

وقعت " شهد " وقالت يتسرع وهي تنظر له :

هعملك قهوة زي ما بتحب يا مهاب وأجبلك معاها طبق حلويات .

تنهد "مهاب" بضيق، قبل أن يرد بصوت جاد وهو ينظر لعمه متجاهل نظرات " شهد " التي

توحي بضيقها الشديد:

شكرا يا بنت عمي ، أنا عندي شغل كثير ولازم أمشي حالا ، أنا جيت بس عشان خاطر عمي

وإنه عزمني بنفسه ، لكن دلوقتي انا يستأذن منكم عشان مستعجل.

قال "رزق " بإبتسامة وراء منها حقد وغيره :

اه. الله يسهلك يا حبيبي ، روح أنت علي شغلك أكيد وراك حاجة مهمة .

اتجه "مهاب نحو جدته، ومال برفق ليضع قبلة على رأسها قائلاً:

أنا فعلا ورايا حاجة مهمة ... عايزة حاجة يا ست الناس ؟

ربنت جدته على يده بمحبة، وقالت:

عايزاك بخير يا حبيبي ، تروح وترجع بالسلامة يارب .

ابتسم "مهاب"، ثم اتجه نحو والدته ووضع قبلة على رأسها أيضا، وقال:

أبقى قولي ليابا إني خرجت علشان دخل مع عبد الله وشكلهم مش طالعين دلوقتي

هزت والدته رأسها بالموافقة، فخرج مهاب من المنزل، فيما نظرت شهد لأثره، وعمرها لغيظ

واضح للجميع :

نظر "محمد إلى حسن وغمز له قائلا بغناء :

ضحك وضحكتله .

أكمل " حسن " وهو يضرب شوكة بواحدة أخرى :

-

دلع أنا ياما اندلعتله ، فاضل إيه ثاني وأنا أعمله..

اكملت معهم "نادين " يمرح معهم :

ما أنا عملت اللي علي .

وقف " مازن " فجأة وهو يضرب بخفة علي السفرة بيده وقال ضاحكا :

طب يا قلبو ، حس إني...

أشار لهم فأكملوا ثلاثتهم :

بحبه .

جاء صوت "عامر" ليقاطعهم وهو يقول بجدية :

مازن | تعالى عايزاك ولما تروح ابقى كمل وصلة الفن بتاعتك.

حاضر يا بابا جاي أهو ومسكت العيال دي .

تعالت ضحكاتهم ، فاقترب نادين حسن و محمد وقال بصوت منخفض :

اشتريت ذف جديد بدل اللي انكسر ، نروح بس من قلعة محمد على دي ونكمل وصلة الفن .

جلست "سما " وقلبها ينبض بسرعة، وعينها تنتقل بين زملائها، كأنها تبحث عن دعم أو

طمانينة، شعورها بالقلق لم يغب عنها منذ لحظة دخولها الصف، فهي غابت فترة عن الدرس بعد

ما حدث في آخر مرة، وما زالت آثار ذلك الحادث تتلاعب بعقلها.

أغمضت عينيها للحظة، وتذكرت ما حدث أغمضت عينيها للحظة، وتذكرت ما حدث

كانت الغرفة التي يقيم فيها الدرس الخصوصي صغيرة، تتكدس فيها مقاعد بلاستيكية، ولوح

أبيض مائل للصفرة، وفي الخلف تجلس سماء تحمل دفاترها بترتيب شديد وتجلس مستقيمة

كعادتها.

كان المستر عادل يدخل كل مرة بثقة مبالغ فيها، يفتح الباب يعنف خفيف، ويقول بنفس الجملة. كل درس

يا بنات يشد حيلنا بقى الامتحان قرب والسنة دي مهمة ليكم.

جلس الجميع، ثم بدأ يشرح الدرس، يمشي بين الطاولات ببطء.

لكن تلك الليلة... كان مختلفا قليلا.

من بجوار سما، لكنه لم يتوقف - شيء طبيعي.

لكنها شعرت بنظرة جانبية سريعة نظرة مرت كظل .... لكنها أصابت قلبها بانقباض غامض.

تابعت الكتابة، تحاول الا تلتفت، لكنه فجأة قال:

سما اقري الجملة دي.

رفعت عينيها إليه، فوجدته واقفا أقرب مما يجب.

المسة القرب لم تكن جسدية ... بل كانت في المسافة في طريقة انحنائه، في عينيه

قرأت الجملة بسرعة:

-".The girl goes to school every day"

قال بابتسامة هادئة

جود... بس صوتك واطي. ارفعيه شوية.

رفعت صوتها قليلا.

هز راسه ثم مال قليلا ناحية أذنها كانه يريد أن يسمعها شيئا:

أنت صوتك حلو... ليه مستخصراه؟

تجمدت سما للحظة.

لم تفهم هل كانت جملة عابرة ... أم بداية شيء آخر.

عادت تكتب لكنه أكمل الشرح بصوت طبيعي، وكأن شيئا لم يحدث.. وفي آخر الدرس، بينما

البنات يجمعن أشياء من، قال:

سما استئيني دقيقة.

التفتت إليه بدهشة، نظرت البنات لبعضهن، لكنهن خرجن

بقيت وحدها . لم تكن تخاف... لكنها تشعر بنقل في صدرها.

اقترب منها وقال بابتسامة تبدو رسمية:

حلك للواجب كان ممتاز هو أنت بتذاكري لوحدك؟

هزت رأسها: "أم"

قال بنبرة أرق:

- شاطرة، عارفة لو كل البنات زيك كنت أرتاح.

ثم أضاف بعد لحظة صمت

وبالمناسبة علي طول بتلبسي طرحة سوده ليه لابسة ألوان النهاردة ؟

ارتبكت و نظرت له بصدمة وقالت :

ماخدتش بالي .. عادي يعني ..

ایتم ابتسامة بطيئة، وقال بصوت منخفض

لا... واحدة بالك ، بس شكلك حلو كده.

هذا شعرت "سما" بشيء يضرب معدتها لم تكن تعرف ما هو .... خوف ؟ اشمئزاز؟ لكنها شعرت أن

هناك شيئا الكسر في الصورة التي كانت تراها فيه كمدرس.

ابتعدت خطوة وقالت بسرعة

لو حضرتك خلصت اقدر أمشي ؟

رفع راسه بحركة هادئة جدا:

امشي بس المرة الجاية ما تتأخريش... بحب البنات الملتزمات.

خرجت من شرودها على صوت فتح الباب ودخل المستر عادل وهو ينظر الجميع، حتى وقعت

ينظر لها:

عيناه على سما فابتسم ابتسامة بانت تكرهها هي وقف أمام السورة وقال بجدية وهو مازال

يلا كل واحدة تطلع واجبها الأول عشان أشوفه وبعدها تدخل في حصة النهاردة.

بدأت كل طالبة تنقذ ما أمر به، وكان المستر عادل يمر عليهم واحدا واحدا ايتفقد الواجب.

حتى وصل إلى سماء مدت له الكتاب، فلمس يدها وهو يأخذه، فسحبت يدها بسرعة وتوتر .

ابتسم هو وقال أثناء تفقده الواجب

برافو يا سماء متن هتتعاقبي على غيابك عشان جاية عاملة الواجب ومتابعة معانا.

وضع الكتاب أمامها مرة أخرى، وبدأ الحصة بالشرح المعتاد حتى التهوا من الدرس، ثم قال

بهدوء:

تبقوا مستعدين. يلا اللي عايز يمشي خلصنا.

الحصتين الجايين إجازة عشان مش هيقى قاضي بس هيبقى في امتحان بعد الإجازة عشان

الباب، إلا أنه أوقفها.

اسرعت "سما" لجمع اغراضها لتخرج قبل زميلاتها، لكنهن خرجن بسرعة ، فاتجهت مسرعة نحو

نسبت قلمك يا سما.

وقف أمامها ممسكا بالقلم، وقال:

نظرت خلفها فرأته واقفا في يده القلم، فاستلمته وقالت يخجل: - - شكراً يا مستر.

ابتسم لها وقال:

ما تغیییش تانی یا سماء الامتحانات قربت أوي وانت شاطرة، مش عايز شطارتك تقل، عايزك

تفضلي دايما شاطرة بزيادة... في جمالك كده

تدابقت من رده، فأجابت وهي ثمر من أمامه:

حاضر

لكنه أمسك يدها ليوقفها، فنظرت إلى يده بسرعة وسحبتها مبتعدة، فقال بهدوء:

قالت بتوتر :

اهد، كنت هديكي رقمي عشان لو احتجني حاجة أو سؤال وقف قصادك

رقم حضرتك مع ماما.

ابتسم ابتسامة سمجة وقال:

لا، الرقم اللي مع ماما ده رقم الشغل وما بردش عليه، لكن هديك رقمي الخاص وتتصلي عليا

اجابت بجمود، وهي تحاول الابتعاث

شکرا با مستر مش محتاج حاجة

تراجعت بجانبها ومشت بعيدا بسرعة، ودموعها تلمع في عينيها، غير قادرة على تحديد

مشاعرها أو رد فعله، لكنها حسمت قرارها أنها لابد أن تتحدث مع أحد عن ما حدث.

أما هو، فقد يقي واقفا في المكان، يراقب أثرها بنظرات مزيج من التسلية والرغبة، وقال لنفسه بتسلية

شكلك هتتعبيني معاك ياسماء بس تستاهلي التعب.

الأصعب في الحب ليس أن تحبه...

بل أن نقز له بالوجود.

وأن تعترف بأن القلب اختار، حتى وإن حاول العقل إنكار ذلك.

وريما ....

ليس الحب هو ما يريكنا

بل خوفنا من الاعتراف بأننا نحتاجه أكثر مما تحب أن تعترف.

جلست رقية على الطاولة في المطبخ، أمامها أوراق العنب وطبق المحشي، تلتف وتجهز كل

قطعة بدقة، فيما كانت نور بجانبها تحاول المساعدة.

قالت "نور" بضيق، وكأنها تكيل اللوم على نفسها وعلى اختها

ما بتريحيش نفسك أبدا... إحنا ينفطر عن خالتك وهي بتعمل الأكل لازم يعني تجهزي حاجة

وتاخديها.؟

نظرت " رقية " إليها ضاحكة، مردفة:

أخوك نفسه في ورق العنب أسيبه لنفسه يعني ؟ وبعدين، أنا ما يلحقش أساعد خالتك خالص في الفطار بسبب المطعم، مافيهاش حاجة لما أجهز وأخد معايا. يا دكتورة، لفي المحشي كويس

يا أختي، إيه اللي انت عاملاه ده؟

أمعنت" نور" النظر في إصبع المحشي الممتلئ الذي كانت رقية تمسكه، وقالت بامتعاض :

ماله ؟ ما حلو أهو ... تخين ومليان عشان يشيع الواحد يا شيخة، مش بدل الرفيع الحلو اللي

انت لافاه ده

نظرت "رقية "إليها برفعة حاجب فردت "نور "بزهق خفيف

يوووه... ما بعرفش ألف ورق عنب أنا يا رقية ده ياريتني روحت الجامعة النهاردة بدل ما انت معذباني في اللف... آه يا بختك يا بت يا هنا قولتلها غيبي النهاردة وتقعد ترتاح في بيتنا، قالت

عندي عملي .. بنت المحظوظة فانت ملك .

ضحكت "رقية"، وقالت مارحة

ده كله عشان أقولك قومي وما تعمليش ؟ طب متعملي يا نور.... اتعلمي يا ماما عشان لما يبقى

بيحب ورق العنب هتعمليه له.

ردت" نور" بتساؤل:

هو مين ده اللي يحب يعذبني ؟

غمرت "رقية" لها بخفة، وقالت:

اللي منتجوزيه با نوری

ضحكت "نور" بسخرية، وقالت:

نبقى ناكله عن حماتي بقي... لسه متعلم.

ابتسمتو رقية ، ونظرت إليها بهدوء:

هي هدي صاحبتك عندها أخ ؟

ضمت "نور" من السؤال، وردت

أن عندها أخ وأحد بس بتسألي ليه ؟

رفعت "رقية" كتفها بهدوء، وقالت:

لا عادي ... أصله متقدم ليك.

نظرت " نور" إليها بدهشة، وقالت:

مين ده المؤخذة اللي متقدم ليا؟

ابتسمت " رقية" بخفة، وأجابتها :

مروان الهاشمي عايز يتجوزك.

ارتجفت" نور" من الداخل عند سماع الاسم، وقالت بعدم تصديق:

دكتور مروان ؟ أخو هدي ؟

هزت "رقية "رأسها تأكيدا، وقالت ضاحكة:

هو بعينه.

هزت" نور "رأسها بعدم تصديق، وقالت:

لا مش معقول .

ضحكت " رقية " بخفة، وقالت:

ومش معقوله ليه يا بت؟ هو يطول أصلا ياخد نوراة البيت عندي.

ابتسمت " نور" وقالت:

مش قصدي يا رقية ... بس ما توقعتش بصراحة ما ظهرش عليه ولا لمح حتى.

ضحكت "رقية" وقالت:

- ويظهر عليه إزاي ؟ التلميح ده شغل العيال ... الرجالة بتتقدم على طول الحب مش محتاج

تلميح في المداري يا نور الحب محتاج شجاعة، والبطل يدخل البيت من بابه والراجل أول ما

حس بحاجة من ناحيتك جاي يتقدم على طول.

توقفت" نور" عن كلمة حب ! وقالت بزهول :

حب ؟ كلمة كبيرة دي يا رقية ؟ ده أحنا ما تعرفش بعض اصلا؟

قالت " رقية " بهدوء :

وهو طالب فرصة منك للمعرفة دي ، وعايزة أقولك إن الحب مش يطول المدة اللي هتقضوها مع بعض ولا بكم الكلام اللي هتقولوه ، بس أكيد مش هتجوزك جد ما تعرفهوش ولا بتحبيه يا نور، هو عايزة يحي يتقدم وتقعدوا مع بعض وتتكلموا في إطار شرعي يناسبكم ، ارتحتي

وقليك اتطمن كملي .. مارتحتيش يبقي مع السلامة ابن الهاشمي يشوف عروسة ثانية .

ابتسمت "نور " وقالت بهدوء :

أنا ما يخبيش حاجة عنك وأنت عارفة كده ، بس أنا ما قولتش ليك أني لما يشوفه يتطمن ، آه ما شفتوش غير كام مرة .. بس بتطمن يا رقية . مش عارفة اوصفلك بس مافيش كلمة تعبر غير

إني بتطمن ..

نظرت لها " رقية" بفرحة وهي تري لمعه عيون اختها وقالت بمرح:

هزت "نور " رأسها وقالت :

يبقي أقول للي بيطمن أختي أنها موافقة ويقدر يجي عشان نشوفه ، صح؟

ضحكت رقية بصوت عالى وقالت بتأكيد :

أمممم ماشي يجي وتشوف ، بس علي كده اتعلم أعمل محشي يعني ؟

لا أبقوا كلوا عن حماتك بقي لسه هتتعملي ؟

- تعالت ضحكاتهم، وصمتوا لثواني حتى قالت " نور" لرقبة بتساؤل :

رقية لما بتشوفي مهاب بتحسي بايه ؟

نظرت لها " رقية " بهدوء ، ماذا تقول لها؟

أتقول أنها تغض بصرها عنه بسرعة البرق، فإذا ما التقت عيناه بعينيها، كادت تنسى اسمها، ويملا

وقالت ببساطة وهو تغمز وتذهب تجاه المطبخ :

قلبها العشق الذي ينهشها من الداخل كأنه محكوم عليه بالدفن داخل صدرها، تنهدت بعمق

يتطمن ..

كان مكتب محسن المهدي غارقا في هدوء ثقيل، يقطعه أزير المكيف وصوت عقارب الساعة

المعلقة خلفه. جلس خلف مكتبه الواسع، يضم أصابعه فوق سطح الخشب المصقول، وعيناه

مثبتتان على حاتم عثمان الجالس امامه بارتخاء مستفز.

قال "محسن" بنبرة ضيق لم يحاول إخفاءها، وهو يميل قليلا إلى الأمام

- عايزين نخلص من الشحنة دي يا حاتم ؟ إنت من أول رمضان بتقول هتخلص، ولا بتخلص ولا

بتسيبني اخلصها بمعرفتي

اعتدل "حاتم "في جلسته، ثم وضع ساقا فوق الأخرى بتكاسل، وكأن الأمر لا يعنيه كثيرا، وقال: ما تهدی یا محسن في إيه ؟ ما إنت عارف الشغل في رمضان بيبقى واقف بسبب الحركة الكثير مش عايزين العيون تبقى علينا عايزني إزاي أدخل شحنة هيروين في الأيام دي ؟ وأمتى أصلا، والبلد صاحبة ليل نهار؟

شد و محسن فكه، وزفر بحدة، ثم قال بلهجة حاسمة:

مش شغلي يا حاتم، أنا عملت شغلي وجبتلك الصفقة على طبق من ذهب، وانت فتحت صدرك اوي وقلتلي هدخلها بسهولة وعلاقاتي كثير وبتاع فين بقى ؟ إنت عارف لو عاصم ولا فريد

شفوا خير إندا شغالين لصالحنا احنا الاثنين بعيد عنهم. هيحصل ايه ؟

لوح "حاتم" بيده بلا مبالاة، وكأن الحديث لا يستحق كل هذا القلق، وقال:

ولا يقدروا يعملوا حاجة دول بق على الفاضي، وعايزك تطمن كده، أنا هدخل الشحنة كمان

أربع أيام هتبقى موجود ولا هتبعت حد من رجالتك ؟

استقام" محسن" في مقعده، وحدق فيه بنظرة جادة لا تقبل النقاش:

لا رجالة مين؟ أنا هبقى موجود بنفسي دول عشرة مليون مش عشرة جنيه.

ضحك " حاتم" ضحكة قصيرة، ثم قال وهو يهز رأسه

ماشي يا باشا، تشرف وتنور، بس قولي صحيح ؟

نظر إليه "محسن" باستفهام صامت فعال "حاتم " قليلا للأمام، وعمر وهو يشير بطرف عينه

ناحية باب المكتب:

ألا السكرتيرة الجديدة دي صاروخ .... ما تنقلها في شركتي وتعمل فيها معروف؟

انفجر " محسن ضاحكا، وأسند ظهره إلى الكرسى، ثم قال:

خدها وانت ماشي لو عايز بس اوعى سمر تقفتك.

تعالت ضحكات "حاتم "، ثم قال بثقة:

لا اطمن يعرف أحافظ على نفسي كويس يا باشا. همشي أنا يقى عشان ألحق أظبط معاها .... اقصده على الشحنة

غمز له "محسن " وهو يلوح بيده قصدك وصل يا حبيبي. مع السلامة.

ما إن أغلق الباب خلف حاتم حتى تلاشي آخر أثر للضحك عن وجه محسن، عاد الصمت يهبط على المكتب بثقل، صمت يعرف جيدا ويلازمه في كل مرة تطرح فيها صفقة جديدة على الطاولة. أسند كفيه إلى سطح المكتب، وحذق في الفراغ أمامه بعينين شاردتين، كانهما لا تربان الجدران ولا الاثاث بل مسارا طويلا من السنوات القذرة التي عبرها خطوة خطوة.

أكثر من عشرين عاما وهو يغوص في هذا العالم عالم المخدرات والهيروين، يعرف دروبه الخلفية كما يعرف اسمه، ويحفظ وجوه رجاله وأسماء من خانوا ومن سقطوا. هذه الشركة لم

تكن يوما سوى واجهة أنيقة، بدلات رسمية مكاتب فاخرة، واجتماعات تدار بابتسامات محسوبة، تخفى تحتها تجارة فاسدة لا يجرؤ على ذكرها أحد يصوت عال، كان اسمه لامعا بين رجال الأعمال، وسمعته أقوى بين رجال الأعمال الفاسدين تحديدا، نصفهم تقريبا يسيرون في الطريق نفسه، ويتعاملون معه باعتباره واحدا من الكبار.

ومع ذلك .....

لم يتعود الخوف.

في كل صفقة، كان القلق يعود كما لو كانت الأولى الإحساس نفسه الذي يضغط صدره، ذلك النقل الذي لا يزول مهما ادعى الثبات أمام شركاته. يعرف جيدا أن خطوة واحدة خاطئة كفيلة بإسقاط كل شيء: الشركة الاسم، النفوذ، وحتى حياته. يعرف أن النفوذ لا يحمي دائما، وأن

العلاقات لا تصمد أمام خطأ واحد في توقيت سيئ.

مرر يده على وجهه ببطء، ثم نهض من مقعده واتجه نحو النافذة. نظر إلى الشارع من أسفل. حركة الناس العادية، وجوه لا تعرف شيئا عما يدور خلف هذه الجدران ابتسم ابتسامة باهتة

أقرب للسخرية من نفسه.

بعد كل هذه السنوات... ما زال يخاف.

وما زال يدخل كل صفقة وهو يشعر أنها قد تكون الأخيرة.


تعليقات