رواية ظل البراق الفصل الرابع والعشرون 24 بقلم مريمة


 رواية ظل البراق الفصل الرابع والعشرون 

لماذا تبتلى باللقاء إن كان الفراق مكتوبا؟

لماذا تفتح لنا أبواب من نور تعرف مسبقا أننا سنخرج منها منكسري الظل ؟

أخبروني: ما الحكمة في أن تجب ما تعلم أن الزمن ليس منصفا له... ولا لنا ؟

كان مسجد الحارة ممتلكا تلك الليلة، يحمل طابعا خاصا لا يخطئه أحد.

الرمضان هيبته التي تفرض نفسها على المكان، فتجيء الوجوه منقلة يتعب الأيام، باحثة عن سكينة مؤقتة، ولو للحظات.

والترقب بعد الانتهاء من صلاة العشاء.

في الطابق السفلي اصطف الرجال في صفوف منتظمة، متقاربة تسود بينهم حالة من الهدوء

أما الطابق العلوي، فقد امتلأ بالنساء، بعضهن يحمل المصاحف بين أيديهن، وأخريات يراقبن أطفالهن في صمت، فيما كانت القلوب جميعها متجهة نحو المنبر.

بعد الانتهاء من أربع ركعات من صلاة التراويح، تقدم الشيخ "عثمان" بخطوات هادئة وثابتة. ووقف أمام الميكروفون، ثم قال بصوت واضح متزن

استغفروا الله ....

تعالت أصوات الاستغفار من الطابقين، رجالا ونساء، في تناغم خافت.

توقف لحظات، ثم تابع :

إحنا في رمضان شهر الواحد فيه بيراجع نفسه.... كل واحد فينا بيقف قدام نفسه ويسأل: أنا ماشي صح ؟ ولا تايه ومكفل ؟.

ساد صمت خفيف في أرجاء المسجد.

النهاردة هنتكلم عن اسم من أسماء ربنا، اسم لو دخل القلب صح، يهدي ويطمن ويكسر الخوف وفي نفس الوقت يخليك تخاف تعمل معصية ... اسم الله المهيمن.

كرر الاسم بهدوء:

المهيمن ....

ثم قال:

المهيمن يعني اللي شايفك مش بس شايفك كشكل لا ... شايفك بقلبك بنيتك، بخوفك، وباللي جواك حواليك في كل حالاتك وفي أي وقت. يعني الرحلة من فردية زي ما ينقول !

في الطابق العلوي، مسحت إحدى النساء دمعة انسابت دون وعي.

المهيمن يعني إنك لو لوحدك، والباب مقفول، والدنيا ضلمة حواليك، ومفيش حد شايفك وأنت متأكد إن مستحيل حد يشوفك وأنت يتعمل المعصية دي .... ربنا شايف.

لم يكن صوته يحمل تهديدا بل تقريرا لهدوء الحقيقة.

بس هو شايفك مش علشان يفضحك، ولا يكسرك هو شايفك علشان يسترك عشان تتكسف من رؤيته ليك في الوضع ده وتتوب إليه .. وهو هيقبل التوبه .. بس انت توب ..

بدت الراحة واضحة على كثير من الوجوه، فأكمل بهدوء :

في مظلوم محدش سامع صوته، وفي أم نايمة كل ليلة وقلبها وجعها على ابنها، وفي شاب بيغلط وبيضحى بعدها زعلان من نفسه، وفي حد تايه ومش لاقي طريقه.

توقف قليلا، ثم قال:

ربنا مهيمن على ده كله شايف دمعتك قبل ما تنزل سامع دعوتك قبل ما تطلع من لسانك عارف خوفك قبل ما تعترف بيه.

هر رجل مسن رأسه موافقا وهو مغمض العينين.

إحنا ساعات بنخاف من الناس نخاف من كلامهم، ومن ظلمهم، ومن بكرة... بس اللي يعرف إن ربنا مهيمن ما يخافش غير منه، وما يطمنش غير بيه.

في الطابق العلوي، ضمت امرأة يديها إلى صدرها وقد تأثر قلبها بالكلمات.

المهيمن يعني إن مفيش حاجة خارجة عن سيطرته، ولا رزق بيضيع، ولا حق بينسى، ولا دمعة يتقع من غير حساب، حقك مش هيضيع، ولا اللي ظلمك مش هيتحاسب .

ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم قال:

إحنا بنشوف جزء صغير من الصورة، لكن ربنا شايفها كلها... احنا بنشوف اللي أذانا عايش

ومبسوط بس ما بنشوفش إن ربنا مطلع على ده وهي أخد حقنا ، إمني وفين وإزاي ؟ مش بتاعتنا سلم أمرك الله وأنت هتعيش مرتاح.

تم ختم بنبرة أقرب إلى القلوب:

لو انت تعبان، اطمن

ولو خايف اطمن.

ولو غلطت ورجعت اطمن

صمت لحظة، ثم قال:

ربنا مهيمن عليك مش علشان يضغطك، علشان يحميك.

خفض صوته وهو يختم

اللهم يا مهیمن هيمن على قلوبنا بالسكينة، وعلى أرواحنا بالأمان، وعلى خطايانا بالمغفرة.

ردد بعض المصلين الدعاء خلفه، كل حسب قربه من صوته.

ثم قال بهدوء وبتساؤل:

قوموا تكمل الصلاة.. هو فين مهاب البراق ، مش باين وسط الصفوف يعني ؟

رد عليه الشيخ "مصطفى " بابتسامة :

هيصلي برا الحارة النهاردة يا سيدي ، مش هتعرف تصطاده المرة دي .

طب يوسف ؟

هذه المره رد "عامر" بمرح :

مافيش مهاب يبقي ما فيش يوسف ، الأثنين مش معانا الليلة دي يا شيخ عثمان ، هنكمل لوحدك الليلة.

ضحك " عثمان " بهدوء وقال :

كنت ناوي أصطادهم في الأربع ركعات الجايين وتسمع صوتهم ، بس لسه معانا ليالي كثير

نبقي نصطداهم في أجزاء صعبه ... قوموا الصلاتكم.

ارتسمت الإبتسامة على الوجوه واعتدلت الصفوف من جديد، وعاد الجميع إلى الوقوف، وقد حمل كل في قلبه أثر الكلمة، وشعورا خافنا بالطمأنينة.

وانطلقت الركعة التالية، فيما ظل اسم واحد يتردد في الصدور

المهيمن.

ما إن انتهت الصلاة، حتى بدأ المسجد يفرغ تدريجيا. في الطابق العلوي، خرجت النساء في مجموعات صغيرة أصوات خافتة وضحكات متفرقة، ووشوش ما زالت محتفظة بسكينة التراويح.

كانت" رقية " تسير بجوار" ناهد" و "هبة"، تخطو بهدوء وهي تشد حجابها قليلا على كتفيها. الهواء الليلي كان لطبقا، يحمل رائحة رمضان المختلطة بالبخور وعبق الشارع بعد الإفطار.

التفتت " هبة إليها وهي تسير بجانبها، وقالت بعفوية:

إنتوا هتفتحوا المطعم الليلة ولا لا؟

نظرت " رقية لها وابتسمت، كان السؤال متوقع، وقالت ضاحكة:

أبوه هنروح نفتح دلوقتي كفاية إن بقالنا يومين قافلين عشان خاطر الست ناهد كانت عاملة

حملة تنظيف .... تنضيفة العيد اللي لسه بدري عليه.

رفعت "ناهد "حاجبها ونظرت الرقية بنظرة جانبية، ثم ضربتها بخفة على ذراعها وقالت:

بدري من عمرك يا اختي هو رمضان ده بیستنی حد؟ ده بيجري جري، الواحد ما بيلحقش يفوق إلا وهو بيودعه.

ضحكت" رقبة" وقالت وهي تهز راسها:

حاضر يا ست الكل أنا غلطانة إني فتحت بوقي .

هزت "هبة "رأسها موافقة وهي تنظر أمامها الطريق:

والله عندك حق يا ناهد ده أسرع شهر بيعدي علينا، تحسيه داخل يسلم ويمشي على طول

قالت " رقية بنبرة فيها شيء من التعب الممزوج بالرضا:

يمكن عشان كده بتحبه، عارف إنه ضيف خفيف بس الشغل فيه صعب على القلب.

ابتسمت "ناهد "وقالت وهي تشد طرحتها

بس بركة يا بت يا روقا مهما تتعب هتلاقى البركة والرزق نازل عليك كده ، قولوا الحمد لله.

ردت" هية " و " رقبة "

الحمد لله.

واصلن الحديث بأصوات متداخلة ما بين كلام عن الشغل، وعن الزحمة بعد التراويح، وعن استعدادات الأيام القادمة، حتى بدأت ملامح المطعم تظهر في نهاية الشارع، مضاءة بنور خافت

ينتظر أن يفتح من جديد.

وتقدمت رقية بخطوة أسرع، وكأنها تعود إلى مكان تعرفه جيدا... مكان يحمل تعبها. ومسؤوليتها، وروتينها اليومي الذي لا يتوقف، حتى في ليالي رمضان

كان الطريق ممتدا أمامه، والأسفلت يتمع تحت أنوار الأعمدة المتباعدة، والسيارة تنساب بنيات

كانها تحفظ الطريق عن ظهر قلب، كان مهاب ممسكا بالمقود بيد واليد الأخرى مسترخية

قرب النافذة، وعقله منشغل بين الحسابات والموعد والمدينة التي تنتظره.

من هاتفه ألقى نظرة سريعة على الشاشة، ثم ابتسم قبل أن يجيب، وقال بسيرة مرحة تخفف وحشة الطريق:

والله السفرية دي كان عايزاك

جامد صوت" يوسف ضاحكا من الطرف الآخر:

ما أنا قلتلك نستنى أسبوع، لما أخلص ترتيبات افتتاح المعرض وتبقى نروح مع بعض، بس

أنت اللي دماغك ناشفة.

زفر" مهاب" بخفة وهو يثبت نظره على الطريق، وقال:

بقالي أسبوعين بأجل مع الراجل، وهو مستعجل على البيع عشان مسافر، فقلت أروح

معاه وارجع.

إسكندرية صد رد كده، أشوف المكان بعيني، ولو عجبني وينفع فعلا لمعرض عربيات أخلص

رد "يوسف" بنبرة أخوية صافية:

ماشي يا حبيبي... بس خلي بالك من الطريق.

ابتسم "مهاب" دون أن يشعر، وقال بصدق واضح

حاضر يا أخويا. أنت خلصت ولا لسه؟

جاءه صوت "يوسف "هذه المرة أثقل قليلا:

والله لسه، في حاجات كتير حاسس إنها ناقصة، ومش مطمن وحاسس إني مشر ملحق أخلصها.

تغيرت نيرة" مهاب"، صارت أكثر جدية، لكنها ثابتة:

ما تقلقش يا وحش بكرة نخلص أنا وأنت كل حاجة. وقبل يوم الجمعة المعرض هيبقى جاهز

و مش ناقصه مسمار.

صمت" يوسف "لحظة، ثم قال مبتسقا:

والله ما يقلقش وانت موجود ربنا يخليك ليا يا هوبا

ضحك "مهاب " ضحكة قصيرة، وقال بمزاح

اهي هويا دي اللي هتخليني أقفل في وشك دلوقتي يلا سلام عشان انا سابق.

رد "يوسف" بسرعة

ماشي يا عم تروح وتيجي بالسلامة.

أغلق "مهاب" الهاتف، وأعاده إلى مكانه، تم شد قبضته قليلا على المقود. عاد الصمت يملأ السيارة، إلا من صوت المحرك المنتظم أمامه كانت الطريق إلى الإسكندرية طويلة، لكن رأسه كان ممتلكا بخطط أقصر.... وبأشياء يعرف أنه لا يهرب منها مهما ابتعد.

أغلق " يوسف " المكالمة، وأنزل الهاتف يبطى، ثم رفع رأسه وأدار بصره في المكان من حوله.

كانت المعرض تعج بالحركة أصوات تحريك المعدات تختلط بدق المطارق، وهدير الأجهزة لا يتوقف، والرجال يعملون بجد واضح، لكن بروح خفيفة لا تخلو من الضحك والمزاح.

تنهد" يوسف " وهو يضع يده على بطنه، ثم قال بصوت عال نسبيا، بنيرة أقرب للشكوى منها للأمر:

انا جوعت يا رجالة... إيه رأيكم تطلب حواوشي وشوية مخلل؟

توقفت بعض الأيادي عن العمل الثوان، والتفتت له الوجوه وارتسمت ابتسامات تلقائية على معظمهم. لم يكن يوسف صاحب عمل تقليديا، بل واحدا منهم، يشاركهم التعب ويعاملهم كرفاق لا كعمال.

ضحك عم محمد، وهو أكبرهم سنا، ومسح جبينه بطرف كفه وقال:

يا معلم احنا لسه فاطرين من كام ساعة هات لنفسك بالهنا والشفاء إحنا تمام "

نظر له "يوسف" بطرف عينه، ورفع حاجبه بتصنع، وقال :

من كام ساعة ؟ عدي ساعات كثير ياعم محمد ، وأنا هموت من الجوع.

وصمت لحظة، ثم أردف وهو يشير بيده

وبعدين أنا بقول هجيب لينا كلنا يبقي هجيب لينا كلنا يلا بس خلصوا اللي في إيديكم عبال

لما الأكل يوصل.

أدار "يوسف" رأسه يبحث بعينيه عن حسن، وما أن وقعت عليه حتى قال:

يا حسن ، تعالي .

رفع "حسن" رأسه من على السلم، وقال ببساطة شديدة:

مش هروح

اتسعت عينا "يوسف" بدهشة مصطنعة وقال وهو يقرب منه خطوتين

- نعم ؟!

ثم أكمل بتهكم خفيف

هو أنا قلتلك روح أصلا؟ أنا اللي هروح يا أخويا، ما تقلقش.

ضحك " حسن"، لكن يوسف لم يتركه، بل أشار بيده إلى أعلى:

عايزك تطلع الدور اللي فوق تلف عليه حنة حتة، وتشوف ناقصنا إيه بالظبط، وترجع تقولي.

هر" حسن "رأسه بطاعة مرحة، وقال:

أو امرك يا معلمي .

سار من أمامه، فوقف "يوسف" مكانه لحظة، تم ضرب كفا بكف، وقال بصوت مسموع

- معلمي ؟!

هز رأسه ضاحكا وأضاف:

إحنا لو فاتحين لخماره مش هنبقی کده

ضحك بعض الموجودين، بينما تحرك يوسف خارج المكان، وخطواته تنباطاً قليلا مع انتقاله إلى الشارع، كان الجو ليليا هادئا، والأنوار المعلقة بين البيوت تلقي بظلال خفيفة على الأرض.

وصوت المصلين العائدين من التراويح ما زال يتردد في الخلفية.

مشي بضع خطوات، ثم توقف فجأة، وكأن فكرة باغتته، وقال بصوت منخفض:

استنی...

قطب حاجبيه قليلا، ثم تمتم:

نسبت اكلم مروان زي ما رقية قالتلي.

ظل واقفا ثواني، ثم انفرجت شفتاه عن ابتسامة جانبية ماكرة، وقال وهو يهز كتفيه بلا مبالاة:

وايه يعني لما نسيت ؟

ضحك بخفة وأضاف:

أسيبه يتاسع شوية وبكرة ولا بعده أبقى أكلمه.

استأنف السير، وكانت رائحة الحواوشي قد سبقته قبل أن يرى العربة الدخان يتصاعد، والناس متجمعة، وصوت البائع يعلو وسط الضجيج، اقترب أكثر و دندن وهو يسير بصوت خافت لكنه

مليء بالسخرية

اه من الحب ونار الحب وليل الحب على العشاق

جينا تحب لقينا الحب ده حيرة وملامة وأشواق.

واستمر في طريقه وهو يدندن بمرح، كأن الدنيا في تلك اللحظة لا تشغله إلا بجوعه ... وبمزاجه.

وبأشياء يؤجلها عمدا، وهو يعلم تماما أنها ستعود لتطارده لاحقا.

خرجت" هذا من بين زحام الشوارع الصغيرة، وهي تتقدم نحو صيدلية تعمل بها "نور".. ما أن اقتربت من الباب حتى دفعته بلطف ودخلت فاستقبلها "نور" وابتسامة تملأ وجهها، بينما يقف

الدكتور أحمد خلف المنضدة:

الصيدلية نورت يا دكتورة.

ابتسمت" هنا" بجمود هادی، متجهة نحو نور

- شكراً يا دكتور.

نظرت لها "نور بخفة، وابتسامة مرحة على شفتها:

جاية ليه يا فردة وسايبة مذاكرتك كده؟.

"هذا تنهدت قليلاً وقالت وهي تقترب منها :

زهقت وما بحبش أقعد لوحدي.... سما كانت مونساني والله بس راحت بيت جدها، فکرت

أروح عند خالتك بس قولت أجي أخدك وتروح تقعد عند رقية.

"نور" ضحكت وملامحها متألقة بالمرح:

روحي أنت أنا زي ما أنت شايفة كده عندي شغل مش عاطلة زيك .

"هنا "مدت يدها لتقترب من "نور"، ونظرتها تحمل إصراراً خفيفاً:

ما صاحب الصيدلية موجود أهو يكمل هو الشغل، وبعدين أنت اشتغلتي من بعد العصر

للمغرب، ومن بعد الفطار لعند دلوقتي كفاية.

"نور" ضحكت بخفة، وخيطت يدها على رأس هنا:

لسه الشيفت بتاعي ما خلصش.... قدامي ساعة كمان يا تقعدي معايا هنا، يا تروحي الرقية.

"هنا" رفعت حاجيها، وبدت مضطرية قليلاً، ثم نظرت نحو الدكتور أحمد وقالت:

دكتور هو حضرتك محتاج نور الساعة الباقية من الشيفت بتاعها ده ولا أخطفها وتمشي ؟

"نور" أمسكت يدها بحركة مفاجئة، محاولة لفت انتباهها، لكن "هنا" تجاهلتها، ودكتور أحمد

ضحك وقال وهو يعيد ترتيب الأدوية

لا ياستي الخطفيها وامشي كفاية عليها كده النهاردة وأنا مراتي جاية بعد عشر دقايق مترتب

معايا الأدوية.

قالت "نور " بهدوء :

أنا ممكن أكمل الشيفت بتاعي يا دكتور لعند لما زمايلي يوصولوا ويستلموا مني.

لا يا دكتورة ، توكلي أنت على الله ، أنا هنا لعند لما هما يوصلوا.

"هنا " تبسمت بحماس، وأخذت "نور" من يدها لتسير نحو الباب

بلا بلا احنا يا نور

"نور" نظرت إليها بابتسامة مختلطة بالدهشة والحماس، وأخذت حقيبتها، وقالت بأدب واحترام

شكراً يا دكتور... عن إذلك.

خرجوا من الصيدلية، و"هنا" تتجه نحو "نور"، والضحكة تتلألأ في عينيها:

اسكريني بقي عشان هريتك من القوقعة بتاعت الأدوية دي.

نور "صحكت، وهي تهز رأسها بخفة:

بتتريقي على قوقعة الأدوية؟ بكرة تبقي في قلب الأدوية والدم والعمليات.

"هنا" ضحكت بمرح، وهي تخطو بسرعة:

يارب يا اختى يارب يلا بسرعة نروح الرقية.

وهكذا، ومع كل خطوة يملؤها حماس وخفة شعرت هنا أن اليوم بدأ بمغامرة صغيرة، متجهة مع نور نحو مطعم رقية ضاحكتين، متحدثتين عن كل شيء وأي شيء، دخلت "هنا" و "نور " المطعم، فاستقبلتهن "رقية "بابتسامة واسعة، تعلو وجهها ضحكة صافية

يا مرحب بالحبايب أكيد الاخت هنا مش عارفة تقعد في البيت لوحدها، فراحت للاخت نور

وخدتها من شغلها، صح ؟

ضحكت " هنا ونور" في نفس اللحظة، ونظرت "نور" الرقية وهي ترد بخفة

كأنك كنت معانا ده اللي حصل فعلا، هي جاتلي واخدتني من الشغل.

"هنا" رفعت حاجبها، وابتسامة ماكرة ترتسم على شفتيها

الحق عليا يعني إلى جيت اخدتك..... المرة الجاية هاجي لوحدي هنا، واسيبك وسط المراهم والمضاد الحيوي، يا سرنجة.

"نور" ضحكت وخبطت يدها على كتف هنا بخفة:

أنا سرنجة يا مشرط!

كانت " هنا " على وشك الرد لكن رقية" رفعت يدها بحركة حازمة وابتسامة محايدة، وقالت

بابتسامة مختلطة بالمرح والانضباط:

بس يا أطفال .... انتوا جايين تعملوا قلق هنا؟ العدوا في مكان عايزين نشتغل.

تبادلوا النظرات بخفة، ثم ذهبوا وجلسوا جنب هية التي كانت منشغلة بتقطيع البطاطس.

فانضموا إليها وساعدوها بابتسامات ومرح يملأ الجو.

وبعد وقت قليل دخل المطعم الشاب عيونه تتجول في المكان كانه يبحث عن شيء أو عن أحد، ووقف عند الكاونتر يطلب طلبه من ناهد التي لم تفارق حدة نظره لهنا ونور.

قال " الشاب " بغمزة وهو ينظر لهم :

المزز دي بتأكل فول زينا كده ، بالهوي على الحلاوة يا جدعان.

نظرت له "رقية" بصدمة وارتسمت على وجهها ملامح الحزم فرفعت حاجبها وقالت بصوت

صارم وهو تنظر له:

تاخد بعضك وتمشي بكرامتك ولا أقل منك، وبرضو همشيك

" الشاب "ابتسم ابتسامة مستفزة، وأجاب بجرأة

فرسة ، والله فرسة ! وأنا أقول كله بيحب يجي هنا ليه؟ طلع عشان يملوا عينهم بجمال

الوحوش اللي هنا .

ارتفع صوت "ناهد" على الفور، يصوت حاد:

جرا ايه يا جدع ؟ انت شارب وهي تتسطل علينا ولا إيه؟

ضحك "الشاب " بطريقة ساخره وقال:

لا يا حجة، أنا جاي أشوف الحلويات اللي عندكم دي.... الا الحلويات دي مرتبطين ولا تعمل

تبادل أرقام ؟

كان "نور" تريد التدخل، لكنها لم تستطع مع رقية التي أومات لها لتبقى صامتة.

تقدمت "رقية" من مكانها، وقفت أمامه بعينين ملتهيتين ووجه جامد مسكنه من ملابسه يعنف وأخرجته من المطعم وهي تقول :

قسما بالله لو ما مشيت من وشي دلوقتي ، همشيك أنا بمعرفتي وبالأسلوب اللي يليق بواحد

صابع زبك .

ابتسم الشاب بسخرية وأخذ خطوة للأمام:

مش باقي كمان غير شوية حريم ما لهمش راجل، وأبوهم سايبهم هما اللي يعلوا صوتهم علينا،

ده تلاقي ابوكم سابكم وطفش من قلة أدبكم.

تجمع الناس من حولهم سريقا، واصطف الرجال في استعداد واضح للدفاع عن ابنة حارتهم.

وفي تلك اللحظة. كان مازن وعبد الله قادمين من خارج الحارة، وما إن اقتربا من المطعم ورايا هذا التجمع حتى أسرعا في خطواتهما، ثم توقفا في مكانهما حين وصلهما كلام الشاب، اشتعل الغضب في عيني مازن وكاد يتقدم باندفاع ولكن قبل أن يقترب منه ، نظرت رقية للشباب

بعصبية، وعيونها تلمع يغضب وهي تقول :

- وهما نفس الحريم اللي هينزلوا شيشيهم على دماغ اللي خلفوك دلوقتي يا عرة الرجالة.

رفعت رقية حذاءها سريعا وهي تقترب منه وضربته على رأسه ضربة قوية، ثم تبعتها بركلة في بطنه، فسقط على الأرض صامنا. لم تتوقف، وواصلت ضربه بكل قوة ، بينما كان الحشد يبتسم.

مستمتعا يفعلتها .

اقترب "مازن" من الشاب مسك ذراعه وسحبه من تحت رقبة، صوته مرتفع:

- ده انت ليلة أبوك سودها انت جاي تتهجم على ستات حارتنا يا عيل يا.....

ظل يصرخ ويشتمه، بينما "رقية" تنظر له بهدوء قاتل:

سيبه يمشي... هو عرف مقامه.

مازن " بصوت غاضبة

- يمشي مين؟ مش قبل ما عامر البراق يعرف.

"رقية " نظرت له بعينين جامدتين، وقالت:

ما حدش هيعرف حاجة يا مازن، ولا عمي عامر ولا مهاب، ولا يوسف... خلاص قضينا

الخناقة سببه بقي عشان خاطري.

تراجع "مازن" عن الشاب، ويده مازالت مشدودة على كتفه:

عشان خاطر أختي بس هسيبك دلوقتي ... بس قسما بالله لو لمحتك في حارتنا تاني، ما هتطلع

منها على رجليك، يلا غور من هناء

الشاب نهض ببطء، وعينيه مليئتان بالغضب، وهو يعرج مبتعدا:

مش هسيبكم والله... ما هسيبكم!

رفعت رقية صوتها قليلا، ونظرت إلى رجال الحارة الذين التقوا حول المكان، وقالت بامتنان واضح

شكرا يا رجالة ... تعبتكم وعملتلكم دوشة.

تقدم رجل مسن يتكئ على عكار خشبي، وعلى وجهه ملامح وفار وخبرة، ولوح بيده كأنه ينهي الحديث:

تعبك راحة يا ست البنات ربنا يحفظكم يا بنتي يالا يا رجالة كل واحد يرجع شغله ويشوف حاله

تحرك الحشد من أمام المطعم، يضحك ويصفق على قوة رقية وشجاعتها، بينما عاد الهدوء تدريجيا، وعاودت رقية، ناهد وهبة، ونور ترتيب الطاولات وكان شيئا لم يحدث، لكن قلب كل

منهم كان لا يزال يرفرف من شدة المشهد...

التفتت "رقية " إلى أخواتها، فوجدت العيون دامعة، والوجوه متوترة اقتربت منهما فورا. وضمت نور وهنا إلى صدرها وهي تقول بنيرة دافئة تحاول أن تخفى القلق:

بتعيطوا ليه يا حبايب رقية ؟ ايه اللي حصل بس لكل ده؟

مسحت "نور "دموعها بطرف كمها، وقالت بصوت مكسور

احنا عمل الك مشكلة يا رقية.

وأكملت "هنا"، وهي تحاول التماسك لكن صوتها خانه:

اتخانقتي بسببنا، وسمعتي كلام وحش من واحد مش متربي.

شد تهما رقبة أكثر إلى حضنها، وقالت بصدق حازم

اللي مش متربي بيجي عندنا ويتربى يا بت امسحي دموعك دي واحمدي كده. أنا عايزاكم تبقوا وحوش مع اللي يجي عليكم ، مش من كلمتين تعيطوا . ده انتوا أخت رقية المهدي.....

منخيب ولا ايه ؟.

انقلت ضحكة خفيفة من "هنا" وتبعتها "نور". ثم تعانقنا معها بقوة.

من خلفهما، قالت" ناهد " وهي تهز رأسها بعصبية:

حرق دمنا ... الله يحرق دمه البعيد.


في تلك اللحظة، اقترب "مازن " وهو ما يزال مشدود الأعصاب، وقال بنبرة اعتراض:

پس ماکنش لازم نسيبه يا رقية.

نظرت إليه " رقية " بحدة خفيفة وقالت:

أنت دماغك حجر ليه ؟ خد اللي في النصيب وخلاص، هنحنطه عندنا يعني ؟

كان "عبد الله" وقتها يعيد ترتيب الكراسي التي سقطت فالتفت إليهم وقال ضاحكا:

وماله .... تعمل متحف لضحايا شبشب الست رقية.

انفجر الجميع ضحكا، فقالت "رقية " وهي تهز رأسها :

مقبولة منك يا هندسة اقعدوا بقى ومعملكم أكل.

قال "مازن " وهو يفرك يديه وينظر لهنا :

ماشي تقعد وناكل أصل جوعت من المجهود اللي عملته.

نظرت "هنا " له بضيق وقال الرقية :

هنمشي أنا ونور نروح عند خالتك.

ردت "رقية بهدوء وهي تنظر إليهما نظرة تحذير محبة:

ماني، روحوا... كده كده هنتسحر عندها كلنا، بس أوعوا تحكوا اللي حصل هناء سمية ما بتسكنش.

قالت "نور "ضاحكة وهي تلوح بيدها

ماشي يا حبيبتي... بلا، مع السلامة.

وقتها قال "عبد الله" وهو يلتقط مفاتيحه

تعالوا أوصلكم، أنا كده كده مروح.

خرجوا من المطعم، وبقي مازن واقفا ينظر في أثرهم، ثم تنهد وقال لرقبة بصوت منخفض:

والحارة ما بتسكنش، واللي خايفة انهم يعرفوا ميعرفوا، وهيجيبوا الواد ده ثاني ويعلقوه في

قلب الحارة، وابقى قولى مازن قال.

رمانته" رقية " بضيق وقالت:

اسكت أنت بس، وماحدش هيعرف أنا مش عايزة مشاكل.

لوح "مازن" بيده، ومد يده إلى طبق أمامه وأخذ خيارة وقضمها، ثم قال بنيرة ماكرة:

هسکت، پس هو مش هیسکت یا مرات اخويا

تعالت ضحكات ناهد وهبة، فقد التقطنا الهمسة بوضوح، وكذلك رقية التي توقفت فجأة.

ونظرت إليه بصدمة، وقالت في سرها:

مرات أخوه ؟! يا لهوي عليا وعلى العينة المجنونة دي.....

أمسكت "رقية" سكينا كانت أمامها، ولوحت بها في الهواء وهي تقول بجدية مصطنعة:

طب قوم امتي.... قوم امتي من وشي بعد الكلام ده. أنا مش ناقصة جنان.

نهض " مازن" بسرعة وهو يرفع يديه باستسلام، وقال بخوف ممزوج بالضحك:

اهدي بس.... أحسن السلاح يطول | همتي، همشي.

وهو يبتعد قال ضاحكا:

مطلع على عيالك اللي بتعمليه فيا وفي أخويا ده.... بس الصبر.

خرج مسرعًا، فضربت رقية كما بكف، ونظرت إلى ناهد وهبة اللتين كانتا تضحكان بشدة، وقالت

باستسلام ساخر

جاي على هواكم قوي يا أختي إنت وهي .... يلا نشوف شغلنا بقى اللي وقف ده.

وعاد المطعم إلى صحبه المعتاد، لكن أثر ما حدث ظل معلقا في الهواء.... كحكاية جديدة ستروي

في الحارة، حتى وإن حاولت رقية دفنها.

انقضى الليل بكل ما حمله من صحب ومشاعر متشابكة، كأن الحارة ابتلعته في صدره وقررت أن تستيقظ على صفحة جديدة.

جاء الصباح هادئا على غير عادته، شمس خجولة تتسلل بين البيوت المتلاصقة، تلمس الشرفات الحديدية وتنعكس على شبابيك لم تفتح بعد كأن الحارة نفسها ما زالت تفرك عينيها من أثر

السهر.

عاد" مهاب" من الإسكندرية قبيل الفجر بقليل، الطريق أنهكه، والتفكير أنقل رأسه أكثر من المسافة. دخل الحارة والسيارة تشق السكون، أطفأ المحرك أمام البيت، وصعد درجات السلم بخطوات بطيئة. لم يتبادل سوى نظرة سريعة مع البيت النائم، تم أغلق على نفسه الغرفة واستسلم للنوم فور أن لامس السرير نوما عميقا يشبه الغياب.

وفي الجهة الأخرى، كان يوسف قد قاوم التعب حتى آخر خيط من الليل، ظل في المعرض يراجع التفاصيل واحدة تلو الأخرى، كان الافتتاح معركة لا تقبل الخطأ، ومع أول أذان للفجر. أغلق الأبواب أخيرا، عاد إلى بيته، ولم يمهله الإرهاق حتى يبدل ملابسه نام كما هو، تاركا راسه مثقلا يضجيج اليوم الذي لم يأت بعد.

في التاسعة صباحا، بدت الحارة ساكنة على غير عادتها. لا أصوات مشاجرات، ولا ضحكات اطفال، فقط حركة خفيفة متناثرة هنا وهناك بعض اصحاب المحال فتحوا أبوابهم على مهل رفعوا الأبواب الحديدية بنصف حماس، جلسوا على الكراسي الخشبية أمام محلاتهم ويتبادلون

كلمات مقتضبة.

ورشة "عامر البراق " كانت مفتوحة كعادتها، بابها مرفوع، والمكان ينبض بالحركة دون صخب أو توتر.

وقف عامر داخل الورشة، يراقب العمل بعين خبيرة وهادئة، عين رجل اعتاد المكان وأهله.

كان " عبد الله "منشغلاً بإصلاح سيارة، يديه مغمورتين بالزيت وملامحه غارقة في التركيز، بينما يقف "زياد" إلى جواره يناوله الأدوات ويعلق ماركا بين الحين والآخر.

قال " عامر "بابتسامة وهو ينظر إليه:

ايه يا عبد الله، هو انت بتصلح العربية ولا بتدهنها، الزيت زيادة عن اللزوم؟

ضحك " عبد الله " دون أن يرفع رأسه:

سيبني يا عمي، دي عربية مدلعة تحب المعاملة الخاصة وخصوصا الزيت.

تدخل زياد ضاحكا:

أمال لو مش مدلعة كانت عملت ايه ؟ بتصلح فيها بقالنا يومين وهي تقلانه علينا.

هر "عامر" رأسه وهو يقترب منهما:

عشان عيال عايزين كل حاجة بسرعة الصاروخ ، براحة على العربية وخفوا زيت شوية ، الزيت الكثير غلط ، واشتغلوا بضمير يا حبيبي أنت وهو ، أنتوا مش عارفين شعار الورشة ولا إيه؟

رفع عبدالله رأسه مبتسما:

اللي يتربى في ورشة البراق لازم يطلع ضميره صاحي.

ضحك عامر وقال:

أيوه كده اسمع الكلام الحلو اللي يشرح القلب ده ، اصبروا عليا وأنا هربيكم.

ثم أشار بيده نحو زياد:

وانت با زیاد خليك واقف معاه، ما تسيبوش لوحده ده لو سرح شوية ينسى الدنيا كلها. وممكن يولع لينا في العربية.

رد "زياد" سريعا

أنا مراقبه يا حاج ده حتى لو عطس أعرف.

قال "عبد الله " وهو يرفع حاجبيه:

لا مؤاخذة يعني هو أنا واقف ولا في لجنة امتحان؟

ضحك عامر وهو يتراجع خطوتين

مش امتحان ده شغلنا وكيفنا اللي يشتغل وهو مروق دماغه يطلع شغله مظبوط.

توقف عامر عند باب الورشة قليلا، نظر إلى الحارة، وعيناه تتجولان بين المازة وأصحاب المحال

وفي تلك اللحظة، وقعت عيناه عليها.

كانت" ناهد" تسير بخطوات هادئة، حقيبة السوق بين يديها وملامحها هادئة تمشي وكأن الطريق يعرفها كما تعرفه.

ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه "عامر" دون أن يشعر، ثم ناداها بصوت دافئ قريب من القلب:

ناهد

ترك الاسم يخرج وحده، بلا زيادة، كأن نداءه كاف بكل ما يحمله من معنى.


وقفت "ناهد" مكانها وأغمضت عينيها للحظة قصيرة، كأنها تحاول أن تسكت شيئا قديما

استيقظ فجأة في صدرها، كانت تمشي مسرعة، كعادتها كلما اضطرت للمرور من هذا الشارع. منذ سنوات طويلة لم تمر من أمام ورشة عامر وهي مفتوحة دائما تختار الطريق الأطول، لا

لشيء إلا كي لا ترى، ولا تتذكر ولا يعود ما دفنته بصعوبة.

جادها صوته هادنا هذه المرة، بنادي اسمها للمرة الثانية.


رغم سنوات العمر التي مرت عليه بقيت فيه لمحة الشباب واضحة جسده المنتصب اهتمامه

فتحت عينيها، واستدارت نحوه

بملابسه، نظافة هندامه، ونظرته الثابتة التي لا تشي أبدا بأن هذا الرجل في الستين غصبا عنها.

لمعت عيناها، لكنها تداركت نفسها سريعا، هزت رأسها كأنها تطرد الذكريات من قلبها، وقالت

بابتسامة هادئة متماسكة:

صباح الخير يا حاج عامر.

نظر إليها مبتسقاء ابتسامة واسعة دافئة.

صباح الفل يا ست الناس .... الشارع نور بطلتك فيه.

وقبل أن ترد، جاء صوت "عبدالله "ضاحكا:

اه والله يا عم عامر ناهودة دي قمراية الحارة.

رفع "عامر" حاجبه بنظرة تحذير خفيفة، بينما ضحكت ناهد من قلبها وقالت بحنان

ربنا يخليك يا عبد الله، ما روحتش جامعتك ليه ؟

رد" زياد " وهو يتدخل مبتسما:

كنسلنا النهاردة عشان ترتاح، فعم عامر نزلنا الشغل .... يرضيك كده يا تاهد؟ شباب زي الورد

يشتغلوا وهما صايمين ؟

ابتسمت "ناهد "الزياد، فقد تعرفت عليه من كثرة رؤيته في الحارة، ومن زياراته المتكررة

للمطعم مع عبد الله، قالت بمرح:

نصيبكم بقى يا ولاد... اشتغلوا دلوقتي، وأنا في السحور مظبطكم في الأكل، أنت وعبد الله.

قال عبدالله وزياد معا بحماس

هو دها

ضحك " عامر" وقال بجدية مصطنعة:

خلصتوا دلع ؟ يلا يا أبطال، كل واحد على شغله.

دخلا الورشة فوزا، ويقي "عامر" وافقا ينظر إلى "ناهد"، أشار بيده إلى الكرسيين والترابيزة

الموضوعين أمام الورشة وقال بهدوء:

تعالي اقعدي يا ناهد... في موضوع مهم لازم أعرفه.

تلفتت حولها بارتباك وقالت:

موضوع إيه؟ أنا مستعجلة خليها وقت تاني.

وكانت على وشك أن تمضي، لكن صوته جاء حازما :

قولت هتقعدي يا ناهد إيه شغل العيال ده؟ تعالي اقعدي.

توقفت نظرت إليه بضيق خفيف، ثم تقدمت وجلست على الكرسي، وضعت شنطة السوق على

الأرض بجانبها.

نظر إليها محاولا ألا يطيل النظر في ملامحها، وقال بمكر خفيف ماشية من الشارع النهاردة عادي، والورشة مفتوحة؟ ما مشيتيش ليه من الشارع الثاني الطويل اللي بتتعبي نفسك وتمشي

منه كل يوم ؟

رفعت حاجبها بدهشة، فقد أدركت أنه يعلم، قالت بهدوء:

ما يتعبش نفسي ولا حاجة الشارع بيبقى هادي ويحب أمشي منه. بس النهاردة في ماسورة

مية مكسورة، والشارع كله غرقان

هز رأسه:

اه عارف كلمت صنايعية يصلحوها النهاردة.

طيب كويس... أقوم أنا بقى.

لا إله إلا الله هو أنا هاكلك؟ ما تقعدي لسه ما خلصتش كلامي.

قالها باستغراب واضح من إصرارها على الرحيل، فعادت تجلس وقالت: -

ماشي يا حاج ... قول كلامك.

تنهد، ثم نظر إليها نظرة جادة:

احكيلي اللي حصل امبارح في المطعم... بالتفصيل.

اتسعت عيناها :

إنت عرفت إزاي ؟

ابتسم بسخرية خفيفة:

حد قالك ان عامر البراق عجز وما يقاس عارف اللي بيحصل في حارته ؟

قالت بسرعة:

لا والله يا معلم .... ربنا يخليك بس استغربت، أصلك ما كنتش موجود وقتها.

رأسه أخفى ما شعر به، وقال: طيب احکیلی

كلمة معلم أعادت إليه ذكريات بعيدة، حين كانت تمر من هذا كل صباح وتقولها بابتسامة. هز

قضت عليه ما حدث، كلمة كلمة، حتى انتهت وقالت:

وبس رقية ظبطت الواد هي ومازن والموضوع خلص بالله عليك ما تعملش حاجة تاني، ولا تعرف رقية اني قلتلك.... هي منبه علينا ومش عايزة مشاكل، وأنت عارفها ما بتحبش أسمها

يتقال في حوارات.

صمت لتوان، ثم قال:

بتحبى رقية قوى يا ناهد.

قالت دون تردد

دي بنتي اللي الدنيا جابتهالي... واختي اللي بتسند على كتفها.

رأت في ملامحه ما أخافها، فقالت بسرعة:

عشان خاطري ما تعملش حاجة في الواد.... خلاص الموضوع انفض.

قال بهدوء

خاطرك غالي يا ناهد مش هعمل حاجة.

اخلف.

ضحك

والله ... كفاية عليه إن شبشب واحدة است علم على قفاه.

قالت بفخر:

ومش أي ست... دي ست البنات كلهم. هقوم أنا بقى عشان ما أتأخرش.

ابتسم:

ماشي يا ناهد.... پس ابقي طلي علينا الشارع والورشة بينوروا بيك.

قالت بغصة:

ان شاء الله يا حاج ... مع السلامة.

حملت حقيبتها ومضت، وهي تقول في داخلها:

كان نفسي أنور حاجة ثانية يا عامر، بس النصيب.

كانت ناهد تسير الآن بخطوات ثابتة، لكنها من الداخل لم تكن كذلك صدرها يعلو ويهبط بسرعة لم تعتدها، ويدها تضغط على حقيبة السوق كأنها تتشبث بشيء يمنحها توازنا، لم تكن المواجهة في حسبانها، ولا صوته حين ناداها، ولا نظرته التي لم تتغير رغم كل هذه السنوات. نفس

النظرة .... نظرة الرجل الذي أحبها يوما ولم يكف.

تذكرت نفسها قديما، وهي تمر من هنا كل صباح، تبتسم له وتلقى التحية، وتكمل طريقها وقلبها أخف من الريح. وتذكرت اليوم الذي تغير فيه كل شيء، حين تدخلت الظروف، والناس

والخوف والواجبات، فصار الحب عبنا بدل أن يكون ملاذا.

لم يكن أي منهما برينا تماما، ولم يكن أي منهما مذنبا وحده. كانت قصة ناقصة، بترت قبل أن

لكتب نهايتها، فظلت معلقة في الهواء. تؤلم كلما تذكراها.

اختفت من أمامه، وبقى واقفا ينظر في أثرها، يتمتم بصوت خافت لا يسمعه أحد:

قلبي اللي بينور بطلتك يا ناهد... مش ورشتي بس.

أنزل رأسه قليلا، وزفر نفشا طويلا مثقلا، نفس رجل تعلم طوال عمره أن يكتم أن يظهر الصلابة حتى وهو يتأكل من الداخل. عامر البزاق، الذي يعرفه الجميع قويا مسيطرا، صاحب كلمة، لم يكن أحد يتخيل أن هذا القلب الذي صمد أمام السنين والتجارب والخذلان، ما زال يرتجف عند اسم امرأة واحدة.

ناهد

اسمها وحده كان كافيا ليعيد ترتيب ذاكرته من جديد، ليقلب صفحات حاول جاهدا أن يغلقها.

سنوات طويلة مرت وهو يراها من بعيد، أو يسمع عنها دون أن يقترب. كان يتعقد الانشغال. يدفن نفسه في العمل، في الورشة، في الناس، في المسؤوليات، حتى لا يترك لنفسه فرصة التفكير فيما كان، ولا فيما كان يمكن أن يكون.

رفع رأسه قليلا، فوقع بصره على الشارع من جديد. قال في نفسه بسخرية موجعة:

كبرنا ... وكل واحد فينا خد مكانه في الدنيا، إلا اللي بينا فضل واقف مكانه.

كلاهما كان يعرف الحقيقة نفسها، ولم يجرؤ أي منهما على قولها:

أن الحب لم ينته، لكنه تعب.

وأن الصمت لم يكن نسيانا، بل محاولة للبقاء.

وهكذا ظلت قصتهما، حكاية حب مؤجلة، لا تموت ولا تولد من جديد تعيش بين نظرة مسروقة. وشارع طويل، وورشة تفتح أبوابها كل صباح ... وقلبين يؤلمهم العشق كلما التقياء


تعليقات