رواية ظل البراق الفصل الخامس والعشرون 25 بقلم مريمة


 رواية ظل البراق الفصل الخامس والعشرون 

أحيانا لا تكون الحياة قاسية بقدر ما تكون مرهقة.

تنقل القلب بتفاصيل صغيرة، لا ترى من بعيد لكنها تنهش الداخل في صمت.

نستيقظ كل يوم ونحن نحمل فوق أكتافنا ما لم تختزه، ونمضي لأن التراجع لم يعد خيارا، ولأن الوقوف في المنتصف مؤلم أكثر من السير.

لجيد التماسك أمام الآخرين، نبتسم، نمزح، وتخفى تصدعاتنا خلف كلمات عابرة، بينما في الداخل معارك لا يسمع صداها أحد.

نخاف أحيانًا من أن ترهق من نحبهم بحقيقتنا، فنصير غرباء حتى عن أنفسنا.

ومع ذلك نستمرا

لأن في القلب شيئا عنيدا يرفض الانكسار، ولأن الأمل مهما كان هذا يظل كافيا ليبقي الخطوة القادمة ممكنة.

" رواية ظل البراق ، غير مسموح ينسخها ونشرها على أي موقع بدون أذني "

في شقة "يوسف النجار" كان الجو مشبعا برائحة الخضار الطازجة والبهارات التي تفوح من الصينية الممتلئة بالباذنجان والكوسة والفلفل وكل مستلزمات المحشى. جلست "سميه "على الأرض، وقد وضعت أمامها الصينية، وتمرغ أصابعها برفة على حواف الخضار، تلتقط قطعة. قطعة وتفكر فيها وكأنها تتحادث مع نفسها قبل أن توجه الكلام لـ "سيف" الجالس أمامها. يشاركها العمل بجدية، ويبدو وكأنه طفل يشارك جدته في تحضير الطعام، يتناول الكوسة بيده. ويراقب حركاتها بعينين مليئتين بالانبهار والفضول كانت جلستهم تثير الفضول لأي من يمر بالقرب منهم كانهما امراتان كبيرتان في السن تجلسان لتتبادلا حكايات العمر والخبرة. "

صيف" وهو يرفع قطعة الكوسة إلى يديه، نظر إليها بفضول وقال بمرح:

ها وبعدين يا سميه مرات ابنها عملت ايه ؟

سميه "رفعت الكوسة أمام عينيها، وكأنها تتمعن فيها من الداخل، ثم أمانت وجهها قليلا.

وعيناها تتأملان قطعة الخضار كما لو كانت تروي قصة.

عملت فيهم محضر وجابتلهم البوليس وحدت عيالها وفرشها، وشرشحت لهم في الشارع. "سيف" أشار با بهامه، مردفا ببراءة:

شر شحت ليهم؟ لا غلطت.

برمت "سميه " شفتيها، وعيناها تنظران إليه بعينين غاضبتين قليلا، لكنها تحملان حرارة الحكاية:

غلطت في إيه يا واد؟ بقولك كانوا حابسينها وبيضربوها وواخدين منها عيالها.

"سيف" ابتسم ابتسامة بسيطة، ثم قال بجدية :

أيوه غلطانة، شرشحت ليهم بس؟ دي كانت تنزل أوسخ شبشب عندها على دماغ اللي خلفوهم.

ضحكت "سميه " بصوت عالي :

يخربيت عقلك، والله عندك حق بس البت كانت مسكورة يا حبة عيني، يلا، المهم انها خلصت

من جوزها ابن امه ده ومن حماتها القرشانة.

" سيف " وهو يفور الكوسة بين أصابعه بعناية، سأل بفضول:

وهي راحت فين دلوقتي؟

ردت "سميه " بفرحة :

عقبال عندك كده يا واد يا سيف اتجوزت شاب زي العسل، وخلاها تكمل دراستها وأخذت

الماجستير كمان وخدها هي وعيالها وسافر برا لما ربنا رزقه بشغل حلو، واخر مرة كلمتها.

عرفت إنها مبسوطة أوى وربنا كرمها، وعايشة متستنة في بيتها مع جوزها وعيالها. قال "سيف" ضاحكا :

إيه عقبال عندك دي يا سميه ؟ عقبال عندي في إيه هو أنت بتقوليلي راحت تعمل عمرة؟ دي اتجوزت شاب ، عايزاني اتجوز شاب ؟!

تعالت ضحكات " سميه " وهي تضرب كنفه بخفة وتقول :

مش قصدي يا واد ، بحكيلك اللي حصلها زي ما سألت .

سيف أدار قطعة الكوسة بين أصابعه كما لو كان يفكر في كل تفاصيل الحكاية، وقال باندهاش

ممزوج بالفخر

البنات دماغها لسعت يا سميه يا اختي والله، البت تبقى زي الفل وشاطرة في دراستها وفي بيتها، وعارفة دينها كويس، ويتعرف تتصرف في كل حاجة وتحل أي مشكلة، وزي القمر ... أه والله هما كلهم زي القمر، وترتبط بواحد يقلل منها وهي ساكنة وتقول هيتغير هيتغير لعند لما يوريها النجوم في عز الظهر... على ايه يا اختي؟ اللي خلقه ما خلقش غيره؟ ما يغور أي حد

يقلل منها ويحسسها إنها فاشلة.

قالت "سميه " بهدوء وهي تبتسم على كلامه:

خلاص يا سيف، أهي ارتاحت ورينا رضاها....

صمتت قليلاً، ثم نظرت له يغضب خفي، وهي تحمل الكوسة التي كانت مفترض أن تكون جاهزة

للحشي، لكنها مثقوبة بالكامل:

يا اختي عليا وعلى سنيني ايه ده يا واد؟

رفع "سيف" رأسه وقال بفخر :

إيه رأيك بقي في التقوير بتاعي ؟ الشيف شربيني يعرف يعمل كده ؟

سميه "هزت رأسها بحسره، وهي تقلب في الكوسة المتناثرة، بينما واصل "سيف" بنفس النيرة

طب الشيف حسن بنكاته وحركاته يعرف يعمل كده؟

وضعت يدها على رأسها، متحسرة على المحشي الذي بذر هباء، فقال" سيف "بحماس وهو

يضرب كف بكف

شوفتي أهو انت اعترفتي بنفسك، ماحدش يعرف يكمل كده غير سيف حبيبك.

"سميه"، بنبرة مزاح وحنان

حبك يرص يا بعيد، ده أنا هأكلك الكوسة دي فيه، تبوظ كيلو كوسة يا زفت، وعمال تدحرجني في الكلام وخلتني حكيت أسرار الحارة كلها، وأنت كل شوية ... ايوه يا سمیه با اختی... کملی

يا خالتي، وفي الآخر تبوظ الكوسة.

كانت تتحدث وهي تتمسك به من ملابسه و تجذب أذنه ، و"سيف" يضحك بشدة:

ودني يا سميه، ودني هتتخلع في ايدك يا مفترية. وبعدين ده أنا عاملك شوية تحف أثرية

ابن أختك حتى.

تنحط في المتحف مش في حلة محشي وكمان المفروض أنا عندك أهم من كيلو الكوسة، ده

ضربته "سميه " على كتفه بخفة وهي تجذبه ليجلس مرة أخري:

عشان خاطرها أنا ساكنه عليك يا ابن فیروزا

صمت للحظات حين نطق اسم والدته، وهي لحظة نادرة لم تذكر كثيرا أمامه، قال لهل بهدوء:

خالتو أنت ليه ماكنتيش بتسألي على ماما بعد جوازها ؟ طب ما فكرتيش تشوفينا حتى لما جينا على الدنيا... يمكن لو كنت بتتكلمي معاها دايما كان في حاجة الغيرت و... وما منتش محروقة

نظرت إليه بصدمة كيف عرف؟ نعم كان في السادسة من عمره وقت الحريق، لكنه كان نائها

سأله بدهشة:

وقد أغمي عليه من أثر الدخان، فلم يز شيئا على الإطلاق.

مين حكالك؟

قال لها بصوت هادئ

رقية.

صحبت نفسه عميق وقالت بأسي:

مين قالت إني ماكنتش بسأل؟ أنا يا بني من يوم ما أمك اتجوزت، وانا بحاول أوصل ليها. لما اتجوزت بعد ضغط على أبونا اللي يرحمه، هو قال لها لو هتتجوزيه انسينا، وهي وافقت على ده. واتجوزته وما كناش عارفين حتى عنوانها، بس انا فضلت اتحايل على إبراهيم يحاول يوصل العنوانها لعند ما فعلاً عرفنا هما ساكتين فين... ولما روحنا أبوك طردنا قبل ما أشوف فيروز، بس هي اتصلت عليا بعدها بكام يوم وقالتلي إنها كويسة وحامل في بنت وقتها كانت لسه حامل في رقية وفضلنا على كده تتواصل على التليفون، وكل اللي أعرفه إنها كويسة، وهو كويس معاها. لعند ما خلفت رقية، وقلت لازم أروح أزورها، وروحت وأنا على الباب سمعت ضرب وشتيمة وإهانة لأختي، ما سمعتهاش قبل كده. فضلت أخبط على الباب لما قولت بس واتصلت بابراهيم حالي، واتخانق هو وأبوك خناقة موت، وكنت ها خد أمك وأختك من عنده... بس أمك وقتها وقفت قصادنا وقالتلي أنا مش هسيب جوزي، وامشوا من هنا، وانسي إن ليك أخت. نظر لها "سيف" بصدمة:

وماما قالت كده ليه بعد اللى كان بيعمله فيها ؟

تابعت "سميه"، وهي تسترجع الألم والحنين

أنا ماكنتش فاهمه وقتها، واتصدمت منها وحاولت أتكلم معاها بس هي زعقتلي وطرتنا برا الشقة، وقتها إبراهيم زعل أوي من اللي حصل معاها ومع جوزها، وقالي أديك سمعتي اختك. ما تجيش هنا تاني، وبعدها حاولت أكلمها في التليفون الاقيه مقفول، روحت من ورا ابراهیم للبيت عندها الجيران قالولي نقلوا وما حدش يعرف راحوا فين، ومن بعدها ما أعرفش حاجة عن أمك ولا عنكم غير يوم موتها ... ومع الوقت والكلام مع رقية، عرفت ان فيروز كانت بتحكيلها كل حاجة، وحكتلها عن الموقف ده. قالت إن أبوك قبل ما يفتح لينا الباب هددها برقية وقالها لو قالت حاجة أو سابت البيت هياخد منها رقية، وهو كان يقدر يعمل ده فعلا... كان عنده علاقات كثير مع ناس مهمة وتقيله عملها إزاي ما حدش يعرف واحنا يا بني وقتها كنا لسه على قد حالنا وماشين جنب الحيط، مش حيلتنا غير سمعتنا وسيرتنا الحلوة اللي لعند دلوقتي

عايشين بيها.

كانت تحكي بخزن على أختها ووجع الذكريات، و"سيف يستمع بغضب مكتوم، ضاغطا بشدة على المقورة الحادة في يده، تأوه بوجع حين دخل ستها في يده، نظرت له "سميه " بقلق، ورأت جرخا بسيطا على يده، سحبت المقورة منه وقالت بعتاب

ليه كده يا سيف ؟؟ عورت نفسك يا بني هات البتاعة دي.

سحبها منها، وسحيت مناديل ومسحت الدم البسيط، وقال هو بمرح خفيف ليخفف عنها :

مافيش حاجة يا سميه دي تعويرة بسيطة ... يلا نكمل المحشي.

نظرت له يصمت ثوان، ثم انفجروا في الضحك مقاء قالت:

حرمت يا حبيبي حرمت انت متقعد كده زي الباشا وانا هكمل المحشي لوحدي.

"سيف"، يضيق مصطنع لكنه داخلها مسرور لأنه لن يعمل معاها:

ليه بس كده يا خالتو؟ ده عايز أساعدك حتى.. زعلتيني !

نظرت له يسخرية وهي تقول :

تلافيك طاير من جواك يا عيون خالتك قال زعلتيني

تعالت ضحكاته وهو يقول لها :

يوسف لو صحي على صوتنا هيطردنا برا شفته، وبعدها هيعلقني على باب البيت .

ردت "سميه " عليه بصوت منخفض :

هنتكلم بصوت واطي ، بس تعالى احكيلك أم عوف عملت إيه في جوز بنتها لما قفشته مع جارتهم .

"سيف" بحماس وهو يهمس لها:

قولي قولي عايز أعرف على خبايا الحارة دي .

هكذا استمر الحديث، يندمج مع ضحكاتهما، ويملأ الشقة جو من الألفة والدفء، كأنهما نسيا كل

الهموم السابقة للحظات، وانغمسوا في عالم الحارة، أخبارها وأسرارها، وبدأوا يحكون بعضهم للحكايات القديمة والجديدة، حتى اختفت آثار الحزن والذكريات المؤلمة في موجة من المرحوالضحك الذي جمع بينهما كالعادة.

خرجت "هذا " من محاضرتها، وفكرت أن تذهب لأختها " نور " لكي يذهبوا معا للمنزل ولكن

قاطع تفكيرها رنين الهاتف، نظرت به ووضعته على أذنها وهي تقول بمرح :

الهائم اللي ما بتسأل عليا.

ترددت كلمات" نهي " في الهاتف، وكانت تحمل معها حرارة المودة والاشتياق:

وحشتنيني يا هنايا والله بس أنت عارفة تجهيزات الفرح ما بتخلصش، المهم ما تيجيلي على

الكلية وتروح مع بعض أو خلصتني ؟

ابتسمت "هنا" بهدوء، وقالت:

اه خلصت یا تهی، هجيلك دلوقتي، خليك عند مكتبة تجارة عشان ده المكان الوحيد اللي

عارفاه في كليتكم.

أجابت نهي " بسرعة، وكأنها تتلهف لرؤيتها:

ماشي هروح أقف هناك وأستناك

أغلقت هنا الهاتف وهي تبتسم علي حماس صديقتها "نهي " بنت أحد أبناء حارة البزاق وكانت مع "هنا" في الدراسة ولكن في مرحلة الجامعة تفرقوا، بدأت "هنا" تمشي بخطوات ثابتة في جامعة القاهرة، تمر بالكليات المختلفة، تتفقد مبانيها الضخمة، حتى وصلت أخيرا إلى مكتبة كلية التجارة، وهناك لم تجد نهي "بعد. شعرت بنفخة خفيفة من الضجر وهمست لنفسها:

لازم تتأخر است نهي حتى لو المكان قريب منها.

رفعت "هنا" هاتفها لتتصل بها، إلا أن صوتا مألوفا جاء من خلفها، ليجعلها تتوقف عن الحركة

هنا؟ بتعملى إيه هنا؟

التفتت ببطء، فإذا "يمازن البراق واقفا خلفها، وجهه يشع القلق والفضول، فقد كان قد أنهى

محاضراته في الفرقة الرابعة قسم المحاسبة، وكان متجها للعودة، لكنه لمحها في المكان الأول

مرة، فاستوقفه الفضول ليتأكد أن كل شيء على ما يرام.

بهدوء ردت وهي لا تزال تحدق في شاشة هاتفها:

واقفة عادي، هو ممنوع أجي هنا ولا إيه؟

نظر إلى مكان آخر بعيدا عنها لكي يمنع نفسه من النظر في ملامحها التي تأسره، وأضاف بيرود لخفيف

لا مش ممنوع ولا حاجة، أنا قلقت لما شوفتك واقفة كده فقولت أسأل.

لاحظت" هذا "أنها كانت حادة في كلامها معه ، فنظرت إلى الأرض وقالت بهدوء:

منتظرة واحدة صاحبتي هنا في الكلية، وهي جاية دلوقتي.

ماشی یا دكتورة أنا واقف هناك لعند لما هي تيجي وتمشوا عشان ابقى متطمن

أوما برأسه بهدوء ورجولة، مشيرا إلى مكان يبتعد قليلا عنها:

كانت على وشك الرد لكن القطع حديثهما بصوت شاب يرتدي سلسلة وبنطلون ممزق، وضع يده.

على كتف "مازن" قائلاً:

المعلم اللي ما بقاش يخرج معانا ولا يقعد مع الشلة والاكس قالبه عليه الدنيا، وهو منفض ليها بحجة أن علاقتهم حرام، وهو ما يقاش يعمل حاجة حرام، الاقيه واقف هنا ومروق دماغه، بس

بصراحة حقك تنفض للبت رؤي، مانت معاك القمر كله.

وغمزل" هنا" وهو يبتسم بمكر، ما جعل هنا تتجمد لوهلة وتبتعد خطوة للوراء، واضعة يدها

على فمها في دهشة وقلق.

نزع " مازن" يده الشاب بعنف وقال بجدية

غمض عينك يا بابا لخلعهالك في ايدي، واقفل يؤقك ده عشان ما سكتهوش أنا بمعرفتي

امشي من هنا يا محمد عشان ما نخسرش بعض.

نظر "محمد " " لمازن" برفعة حاجب، وأضاف بطريقته الساخرة

الام دي شكلها مهمة عند البراق بقي ؟. لا بصراحة تستاهل دي حنة وتكه.....

قاطعة "مازن " وهو يلكمه لكمتين متتاليتين، مما جعل الجميع يلتفت إليهما

ارتجفت" هنا "قليلاً، وعادت خطوة إلى الخلف وهي تضغط على يديها على فمها، وفي اللحظة

نفسها وصلت "نهى"، ووقفت إلى جوارها، غير مدركة لما حدث للتو.

نظر "مازن" إليها بعينين حمراوين، وقال لها بحزم

تاخدي صاحبتك وتمشي من هنا حالا....

رد "محمد" مستغربا وهو يضحك باستفزاز

بقي بتضرب صاحبك يا صاحبي عشان واحدة؟ ما قولنا شكلها مهمة و.....

أجاب " مازن" بعصبية مكبوتة:

قسما بالله كلمة ثانية هخرسك بطريقتي، وانت عارف مازن البراق بيخرس إزاي، فاسكت كده

وبطل كلامك الشارع اللي بيخرج منك ده.

في تلك اللحظة اقتربت فتاة من الخلف، شعرها مموج وملابسها ملتصقة، وقالت بسخرية:

كلامه فارغ ليه يا مازن بيه؟ هو قال غير الصح؟ دي بقي اللي شقلبت حالك وبقالك شهور وشهور بعيد عننا.

مسح "مازن" بيده على وجهه بعصبية، وهو يشعر بالانفعال أكثر بسبب وقوفها واستماعها لما

يحدث، فحاول أن يسيطر على الأمور :

احنا في الكلية ومش عايزين فضايح أكثر من كده والكلام يوصل للعميد، فخدي الأخ ده يا

رؤي وامشوا من وشي أفضل لينا كلنا "

تقدمت " رؤي "نحو " مازن محاولة الإستهزاء به أمام "هنا"، وقالت ببرود:

و نمشي ليه يا مازن ؟ كلامنا فيه غلط ؟

تحدث " محمد" وهو يضحك بنيرة استهزاء:

تلاقيه مش عايز المزة تسمع ماضيه اللي يشرف في الكباريهات.

ارتسم الغضب على وجه مازن"، وامتلأت عيناه بالحدة، وقال بعصبية مكتومة وهو يتقدم

نحوه :

لا مش عايزها تشوف خلقة اللي خلفوك وأنت بتتشلفط يا روح أمك.

وفي لحظة انفجر الموقف، وبدأت يد مازن تتحرك بسرعة لضرب "محمد"، ورد "محمد "على الفور بالضرب، وامتدت أيديهما في تبادل سريع للضرب، بينما الشباب المحيط بهم يحاولون بكل

قوتهم أن يفرقوا بينهما، يصرخون ويشدون على أذرعهما.

وقفت "هنا مشلولة من الرعب والدهشة، ودموعها بدأت تتساقط بصمت على وجنتيها، تشعر

بالعجز عن فعل أي شيء، فيما أمسكتها "نهي" بحنان، محاولة تهدئتها وطمأنتها، ومصدومة من

الموقف العنيف الذي وقفت فيه بلا حول ولا قوة.

استمر القتال بضراوة، وصوت الضربات يعلو حتى وصل الأمر إلى تدخل الأمن بالكلية، جاءوا

مسرعين، وطلبوا من "مازن" و "محمد" التوجه إلى مكتب العميد.

وحين وصلت" روي"، تدخلت وقالت للضابط بصوت حازم

البنت دي السبب

نظر لها مازن بغضب و أقنع رجال الأمن بأن هنا" لا علاقة لهما بالواقعة، وأنه من الأفضل ألا

يرافقهما أحد إلى العميد.

وبالفعل، قاد الأمن مازن ومحمد إلى مكتب العميد واقفا أمامه، والعميد يتفحص بطاقاتهما الجامعية بعينين صارمتين.

نظر العميد إلى محمد بغضب شديد وقال له بصوت حاد:

خامس شكوى تيجى منك خلال سنين دراستك يا أستاذ غير محاضر الغش، إنت إيه

حكايتك ؟ مش عايز تخلص كليتك ولا ايه ؟

نظر " محمد" بارتباك، وأشار إلى وجهه المتأثر بالضرب:

يا دكتور انا ما عملتش حاجة، هو اللي ضاريني ووشي قدام حضرتك اهو.

أدار العميد نظره نحو "مازن" الذي تحدث بهدوء:

أنا فعلا ضربته يا دكتور بس بسبب إنه يص لبنت بطريقة مش كويسة وكمان قال كلام

ما ينفعش يتقال.

سأل العميد بنبرة صارمة:

مين البنت دي يا مازن؟

رد "مازن" بثقة :

خطيبتي يا دكتور وكنا واقفين مع بعض، وهو جيه وقف عندنا وقل أدبه، وأنا حاولت أقوله يبعد ويسكت بس هو ما بعدش، ولما زاد في قلة أدبه كان طبيعي أني أعمل كده.

أحد الشهود الشباب الذين رافقوا مازن ومحمد قال بصوت ثابت

أنا كنت قريب من مكانهم يا دكتور وفعلا الكلام اللي قاله مازن ده حصل، ومحمد هو اللي غلطان في الموضوع كله.

اکد شاب آخر كلامه، ونظر العميد إلى محمد بغضب:

أنا هبقي رحيم معاك عشان خلاص باقي كام شهر وتخلصوا رحلتكم هنا في الكلية، ومش عايز أضيع مستقبلك رغم إنه حقي بكميه المشاكل اللي بتعملها ، فهكتفي بتحذير أخير ليك، واعتذر

الزميلك على اللي حصل.

نظر "محمد" لمازن بعصبية مكبوتة، وحاول أن يخفي انفعاله، وقال يغضب مكتوم:

اسف

رد "مازن" ببرود وبلا مبالاة

حصل خير.

ثم التقت العميد إلى مازن قائلاً بنيرة حازمة

وانت يا ابن البراق اتحكم في أعصابك شوية، إحنا حتى في رمضان والصيام ساحب طاقتنا.

أجاب" مازن "بهدوء كامل:

حاضر يا دكتور

وبعد لحظة، أنهى العميد حديثه:

طب يلا على محاضراتكم واللي حصل ده مايتكررش تاني.

انسحب الجميع من المكتب، وخرجوا إلى الخارج. "مازن كان يمشي بخطوات هادئة، بينما

لحقه محمد وهمس في أذنه:

ما يتنازلش عن طاري وانت سيد مين يعرف يا صاحبي، سلام.

"تجاهل " مازن الجملة، وكل ما شغله كان التفكير "هنا" ذهب سريعا لمكان الخناقة ولكنه لم

يجدها ، قال بقلق:

هنكون راحت فين؟ أكيد روحت..... اهدي يا مازن هي ماكنش لوحدها، أيوه كان معاها

صاحبتها، والبنت دي من الحارة يعني أمان، نروح وإن شاء الله هتلاقيها هناك.

رفع رأسه ونظر حوله، ثم تابع طريقه إلى سيارته المتوقفة، وفتح الباب، جلس خلف المقود. وأدار المحرك، متجها نحو حارة البراق، وعقله مشغول بما حدث وما قد يحدث بعد ذلك.

دخلت "هنا " و "نهى "شقة" رقية، وقد بدا على وجوههما مزيج من التعب والقلق بعد ما شهدتا ما حدث في الجامعة، كانت "رقية " تستعد للذهاب إلى المطعم، وفور أن لاحظت دخولهما.

رفعت رأسها بابتسامة ترحيب دافئة، ووجهت كلامها لنهي:

أهلاً ببنت عمي فتحي السكر بـ بتاعتنا انت فين يا بت من زمان ماجتيش هنا؟

ابتسمت" نهى" بحرارة، واحتضنت رقية بلطف

مشاغل بقي يا روفا، وحشتيني ووحشتني صينية الكيكة بتاعتك.

ردت "رقية " بحب، وهي تعدل طقمها :

اعملهالك بالليل يا حبيبتي بس أنت تعالي بعد التروايح وهتلاقيها.

ثم التفتت نحو "هنا"، وبدا القلق على ملامح وجهها وهي تسأل:

مالك يا هنا؟ وشك اصغر كده ليه ؟ في حاجة حصلت معاكم ؟

نفت" نهى " بسرعة محاولة تهدئة الموقف بابتسامة خافتة:

لالا، تلاقيها تعبانة من الصيام.

نظرت "رقية" مجددا إلى هنا، فرأتها تتراجع قليلا ثم ترتمي في حضنها، وبدأت دموعها تنهمر بصوت خافت رقية قد انتابها القلق، احتضنتها بحنان وبدأت تربت على كيفها برقة

في ايه يا حبيبة اختك؟ ايه اللي حصل معاك بس... انطقي يا يت، هموت من قلقلي.

قالت " نهي " بهدوء، وهي تحاول استجماع نفسها:

اقعدوا بس انتوا الاثنين وانت يا ست هنا بطلي عياط، عشان رقية دماغها هنودي وتجيب في مشاكل الكرة الأرضية كلها دلوقتي.

ابتسمت" هنا "بخفة، وخرجت من حضن رقية بينما كانت دموعها تتوقف تدريجيا، وقالت: أنا كويسة يا رقية.

نظرت" رقية بقلق :

ولما انت كويسة، بتعيطي العياط ده كله ليه ؟ احكي اللي حصل عشان معرف يعني معرف. تبادلت "هنا "و "نهى" النظرات، وبدأتا تروي الرقية ما حدث بالتفصيل، وكل التوتر الذي عاشته

"هنا " في الجامعة.

ارتاحت ملامح "رقية"، وقالت بهدوء ويتنفس عميق

والدكتورة بتعيط ليه بقي وقلقتني عليها ؟

ردت" هذا "بصدمة وعتاب

يا رقية بقولك الخناقة حصلت بسببي ... اتخانقوا مع بعض بسبب وأنا طرف فيها.....

قاطعتها " رقبة "مصححة النبرة:

ماسمهاش اتخانقوا بسببي ؟ اسمها اتخانقوا بسبب واحد عديم التربية واتربي على أيد الراجل

اللي كان واقف معالي... اسمها واحد قل أدبه وحب يستظرف ويلعب بشوية تفاهه من عنده. بس لعب مع الشخص الغلط... اسمها واحد تدخل في اللي مالوش فيه وعاكس بنت واقفة مع ابن حارة قانونها الأول، اللي يمس حريمها بنظرة، نحوله لحرمه اسمها تربي اللي مش متربي

عشان يقف عند حدودنا ويحرم بعديها ثاني.

صفقت " نهي " بحرارة، وقالت بدهشة واعجاب

یا روفا یا جامدة، قولي كمان قولي وعلمي اختك الفرفورة دي اللي أول ما شافت الضرب كان

هيغمي عليها.

تنهدت "هنا" بوجه كتيب

انتوا ليه مش فاهميني ؟ أنا ما بحبش أدخل في حوارات ولا مشاكل والنهاردة حصلت مشكلة أنا كنت طرف فيها، ومهما تقولي يا رقية، فأنا برضو كنت طرف فيها، ومازن اتخانق بسببي ....

وممكن يحصل له مشكلة في كليته.

صمتت لحظة ثم أكملت بمرارة مختلطة بالاستسلام:

وهو كمان غبي، إبده سابقة تفكيره .... كان لازم يضرب الأول، يعني. ضحكت "رقية" و "نهى" على تعبيرها، واقتربت" رقية" من "هنا" وحضنتها بحنان، وقالت

وهي تثبت عينيها في عيونها:

أنا فاهماك يا هدايا، بس يا حبيبي الموضوع مش بايدك وانت مش غلطانة في حاجة، يبقي ليه تفضلي تفكري... وبخصوص مازن تصرفه صح يا هنا ما هو مش هسيب الولد ده يغلط فيك وفيه، ويقعد يحط إيده على خده، ومن كلامك عن اللي حصل، فمازن حاول يتحكم في أعصابه ويلم الدنيا بس الولد ما سمعش الكلام فاللي حصل حصل وخلاص، وما تقلقيش مازن هيعرف يتصرف مع العميد، وبإذن الله ما فيش أي مشكلة هتحصله... فوقي انت بس، وبطلي دموعك اللي نازلة دي انت مركبة حنفيه في عيونك ولا إيه ؟ وريني كده.

ضحكت " هذا بخفة، ومسحت دموعها الأخيرة، وقالت:

بطلت يلا انزلي انت على شغلك.

قامت "رقية"، وقالت وهي تبتسم:

اه هنزل عشان ناهد فتحت من نص ساعة ... وانت يا نهي خليك قاعدة مع هنا شوية.

تمددت" نهي على الأريكة يخفة، وقالت مبتسمة:

من غير ما تقولي قاعدة على قلبها.

ضحك الجميع، وفتحت "رقية "الباب لتجد "نور"، التي كانت تخرج لتوها، ممسكة بالمفتاحوقالت:

حمد لله على السلامة.

ردت" نور" بابتسامة عريضة

الله يسلمك يا روقا ... هي هنا وصلت؟ بتصل عليها، تليفونها مقفول.

ابتسمت "رقية" وهي تشير إلى الداخل:

جوه اهي يا اختي هي ونهي ادخلي عشان أنا نازلة ... يلا سلام.

نزلت " رقية " درجات السلم بخطوات متزنة، وقد بدت ملامحها هادئة ، ما إن خرجت إلى

الشارع حتى وقعت عيناها على " مهاب" "ومالن " الجالسين أمام ورشة والدهما، وأصوات

المعدات الخافتة تختلط بحركة الحارة المعتادة.

"مازن"، وما إن لمحها، انتفض واقفا في مكانه، ومرر يده في شعره بحركة توتر واضحة، كمن

يستعد لمواجهة متوقعة لم يمهلها فرصة للكلام، وبادرها سريعا

بصي لو هتزعقي فانا ما غلطتش والله، وماكنش قصدي اعمل خناقة بس الموضوع كبر مني لغصب عني.

توقفت "رقية" لحظة أمامه، ونظرت إليه بهدوء ثابت، ثم سألته بنبرة خالية من أي انفعال: عملت ايه عند العميد؟

اعتدل "مازن في وقفته، وارتسمت على وجهه مسحة ثقة وهو يجيب:

خلصت الحوار في كلمتيين وما حصلش حاجة

أومات" رقية " برأسها بخفة، وقالت وهي تتابع سيرها دون أن تتوقف أكثر:

طب كويس ، وأبقي هدي اعصابك شوية يا ابن البراق ، سلام .

مرت رقية من أمامهما يخطوات ثابتة، لا سريعة ولا مترددة، وكأنها تعمدت أن تترك خلفها أثرًا صامنا أقسى من أي هجر. لم تلتفت لم تبطئ، لم تمنح حتى نظرة عابرة. فقط عبرت..... ومضت.

اما مهاب، فظل جالسا مكانه جسده ساكن لكن قلبه لم يكن كذلك شعر بشيء ثقيل يهبط فجأة في قلبه إحساس غامض بالخذلان لم يعرف له اسما واضحا، لم يكن ينتظر منها كلمة، ولا حتى اهتماما مباشرًا، لكنه لم يكن مستعدا لهذا التجاهل البارد، وكأنه لم يكن موجودا أصلا.

تعلقت عيناه بطيفها وهي تبتعد يتابع حركة كتفيها، طرف حجابها الذي تحرك مع الهواء

الخفيف، ثم اختفت بين زحمة الحارة. في تلك اللحظة، شعر بأن المسافة بينهما ليست خطوات

معدودة، بل هوة كاملة لا يعرف كيف تردم.

شد فكه لا إراديا، وأدار وجهه للناحية الأخرى محاولا إخفاء ما تسلل إلى عينيه من ضيق. كان الغضب يتصارع داخله مع شعور أعمق وأوجع إحساس باللاجدوى، بأنه مهما فعل سيظل في

نظرها مجرد شخص على الهامش لا يستحق حتى سؤالاً أو نظرة.

ولوهلة قصيرة، راوده سؤال قاس

هل أصبح وجوده عاديا إلى هذا الحد؟

أخرج نفشا بطيئا، طويلا، كأنه يفرغ به صدره من ضجيج أفكاره، وحين تكلم بعد ذلك كان

صوته أقل حدة، لكنه أثقل وقفا، كان الكلمات خرجت من مكان موجوع لا يريد الاعتراف بالمه.

جلس "مازن " مرة أخرى وهو يهز رأسه بعدم تصديق، وقال متعجبا:

دي مشيت من غير ما تتعصب عليا؟ الصيام مأثر عليها ولا ايه.

التفت إليه مهاب "بضيق، وقد كان مازن قد حكى له بالفعل ما حدث في الجامعة، وقال بنبرة جادة تخفي انزعاجه

والله مأثر عليك أنت؟ وهي هنتعصب عليك ليه يا ابني هو انت غلطت في حاجة ؟ بطل

أفورة بقى.

ابتسم "مازن" بخفة، محاولا كسر الجو، وقال بمرح:

وانت ايه اللي معصبك يا حبيب اخوك مانت كنت كويس معايا من شوية.

تجاهله " مهاب" عمدا، وانحنى قليلا نحوه متحدثا بصوت منخفض حتى لا يسمعه أحد

قولت ايه للعميد عشان يسببك كده من غير أي عقاب ؟

رفع "مازن" كتفيه بلا مبالاة واضحة، وقال ببساطة

قولتله إن محمد هو اللي غلطان وبدأ الضرب، والشباب اللي معانا شهدوا بده. وخلاص

الموضوع خلص..

رد "مهاب" بهدوء، ونبرة نك خفيفة تتسلل إلى صوته:

ماشي هعمل نفسي مصدق إنك ما قولتش جملة ثانية خلت موقفك قوي في الحوار... هقوم

أروح ليوسف المعرض عشان تكمل التجهيزات.

نهض "مازن" بسرعة، ولحق به وهو يقول بنبرة مرحة:

نشكر يوسف اللي هيخليك توقف تحقيق معايا، بس خدني معاك مش عايز أروح البيت.

تحرك "مهاب" وهو يهز رأسه باستسلام خفيف، وقال بلهجة تجمع بين الضيق والمزاح:

تعالي يا آخر صبري.

اتجها معا نحو السيارة المركونة على جانب الطريق، ركباها، وما إن أدار مهاب المحرك حتى ابتلعت ضوضاء الشارع صوتهما، وانطلقت السيارة مبتعدة، بينما عادت الحارة إلى إيقاعها

المعتاد، كأن شيئا لم يحدث... لكن ما تحت السطح كان يعد بالكثير.

كان الليل قد القى بسكونه على البيت هدوء خفيف لا يقطعه سوى صوت المروحة وهي تدور

بكسل، وضوء أصفر دافئ يتسلل من أباجورة صغيرة في غرفة "مروان".

جلس" مروان " على طرف السرير الهاتف في يده يستعد لمكالمة "يوسف " المنتظرة، جاءه الرد سريقا

السلام عليكم يا دكترة .

رد "مروان" "بابتسامة وحماس :

وعليكم السلام يا يوسف باشا ، قولي الأخبار عندك إيه عشان بقالي كثير مستنى .

قال " يوسف " يمكر :

نظر "مروان " للهاتف بصدمة وقال :

الجو برد النهاردة والله، والمعرض مقلوب بالبضاعة ماتيجي تشمر وتفرض معانا .

أنت بتهزر صح ؟ يوسف وحياة ابوك أنا على أخرى .

صمت "يوسف" ثم قال بنيرة جادة أكثر مما ينبغي:

تمام ياعم ، أنت طبعا عارف إن الجواز ده قسمة ونصيب ... نور رفضت.

فقط سكون تقيل كشف كل ما حاول إخفاءه

خيم الصمت فجأة، صمت موجع، كأن النفس الحيس داخل صدر "مروان"، لم يرد، ولم يسأل

واد يا مروان أنت أغمي عليك ولا إيه؟ طب يا عم يهزرا بهزرا جهز بدلة شيك كده تليق ببنت خالتي، ومستنيكم يوم الخميس... ده او متاح عندكم...

كان الصدمة انكسرت فجأة، وصوت مروان عاد وتنفسه بشكل طبيعي عاد ، أخذ نفس عميق

وخرج صوته هذه المرة مبحوحا من الفرح

يا أخي حرام عليك، وفقت قلبي متاح إيه بس؟ ده لو مش متاح نخليه متاح يا هندسة ! ده

انت لو عايزني اجيب البيت باللي فيه وتنزل دلوقتي ونيجي هنيجي .

"يوسف" ضحك ضحكة عالية صافية، وقال وهو يهز رأسه

لا خليك زي ما انت دلوقتي ... خليها الخميس بإذن الله.

قال "مروان" بسرعة ولهفة:

ماشي، الخميس بأمر الله.

تكلموا قليلا، كلمات سريعة متداخلة بين ضحك وامتنان وفرحة لا تخفى، ثم أنهى "مروان" المكالمة وهو ما زال يبتسم.

ما إن أغلق الهاتف حتى نهض فجأة، وكان طاقة هائلة سرت في جسده، فتح باب الغرفة

واندفع خارجها، يهبط السلم بخطوات سريعة تكاد تتعثر من فرط الحماس.

وصل إلى الصالة، حيث كان الجد جالشا، والأب والأم، وهدي يلتفتون جميعا ناحيته بدهشة.. "مروان" صرخ وهو ينزل آخر درجة

زغرطي يا عائشة ابنك بيتجوز! نور وافقت با ولاه وافقت و هنروح لهم يوم الخميس صرخت "هدي" يفرح، واندفعت نحوه تحضنه بقوة:

ا حلف ؟! مبروك يا مارو مبروكا أنا كنت هموت وأسألها عن رأيها من وقت ما قولتلي، بس ما حباتش عشان ما أخرجهاش

الجد "هاشم " وقف، ثم فتح ذراعيه واحتضن مروان بحنان وهو يقول :

الواد اللي حيلتنا اتخطف، وعيونه بقت بتلمع أهي ... مبروك يا حبيبي، ربنا يتمم لك على خير. "

مروان" قال بصوت مرتعش من الفرح

يارب يا جدو يارب

اقترب والده "محمد" منه، واحتضنه هو الآخر، وقال بمرح:

لوح الثلج بقى بيتحمس زينا.

مروان ضحك، بينما عائشة نظرت له بعتاب وهي تشد مروان التحضنه

اخص عليك يا محمد ما تقولش على ابني لوح تلج مبارك يا حبيبي، ربنا يسعدك دايما يا رب.

مروان جمعهم جميعا في حضنه صوته خرج دافنا وملينا بالمشاعر:

الضحك انفجر في الصالة، وقال والده وهو يلوح بيده:

يارب... انا فرحان أوي ومش قادر استنى ليوم الخميس ما تيجوا نطب عليهم دلوقتي.

يا ابني هتفضحنا! انقل شوية.

"مروان" رد يمرح:

یا بابا تقل إيه بس؟ ابنك مدلوق يا حاج، والله.

عائشة قالت بمرح:

مدلوق في أي برطمان؟ عسل ولا مربي ؟

الضحك زاد، ومروان قال بضيق مصطنع

بدأنا بقى خفة دم وقلش ... إيه الربحة دي ؟

توقفوا فجأة، وانتبهوا جميعا لرائحة احتراق خفيفة.

"عائشة" صرخت وهي تجري:

البسبوسة البسبوسة الحرقت بسببك يا مروان الكلب.

الكل الفجر ضاحكا، ومروان قال وهو يرفع يديه

كنت ابنها حبيبها من شوية

الجد هز رأسه وقال بمزح:

كله إلا البسبوسة ... ولا انت عشان بقى عندك بسبوسة خاصة بيك، هننبطر على بسبوسة أمك؟

ضحكت "هدي" بقوة، ومروان نظر لجده وقال باستسلام:

يا جدو بقى انا مطلع أوضتي اخلص الشغل عشان لو قعدت هنا هيتعمل عليا حفلة.

"هدي لوحت بيدها وهي تضحك:

اهرب منصطادك على السحور ...

هرب مروان فعلا باتجاه السلم، وسط ضحكهم جميعا، بينما ظل البيت مشبقا بفرحة صافية

دافئة، كأن الجدران نفسها تشاركهم الاحتفال.

ومع عودة الهدوء تدريجيا إلى البيت، وصعود مروان إلى غرفته، ظل قلبه وحده يرفض أن

بهدا.

جلس على طرف السرير أنفاسه غير منتظمة، وابتسامة لا يعرف كيف يخفيها، ولا يريد أصلا أن يخفيها.

لأول مرة منذ زمن طويل شعر أن الدنيا تميل نحوه، لا عليه، وأن الانتظار الذي طال لم يذهب هياء

نور... الاسم الذي كان يمر في ذهنه دائما بحذر، بخوف، وبأمل لا يجرؤ على الاعتراف به، أصبحالآن حقيقة.

لم تكن مجرد موافقة على زواج، بل كانت موافقة على حياة كاملة، على شراكة على حلم كان

يؤجله داخله حتى لا ينكسر.

وهي وافقت.

الكلمات وحدها كانت كفيلة بأن تشعل قلبه فرخا، فرخا هادنا عميقا، لا صاحبا، لكنه ثابت دافئ

يشبه الطمانينة التي لا تأتي إلا بعد طول انتظار.

أغمض عينيه للحظة، وكأنه يخشى أن يستيقظ من حلم جميل، ثم فتحهما وهو يبتسم، مستعدا

لأول مرة أن يستقبل الغد بقلب مطمئن.

وهكذا، أسدل الستار على الفصل، على وقع فرحة صافية، وبداية وعد جديد لم يكتب بعد....

لكنه صار أقرب من أي وقت مضى.

عارفة إلي ملخبطة المواعيد الفترة دي ، ولكن فترة إمتحانات الله يعديها علي خير وبعدها

هنرجع لمواعيدنا ثاني والفصول هترجع تبقى أطول من كده ، ماتنسوش التصويت للفصل لأنه

بيفرق أوي ، والسلام "


تعليقات