رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والثالث والاربعون
لم يكن ظافر يومًا يضمر ما خطر ببال زكريّا… لقد جاء به إلى هذا المكان ليس كخاطف بل بدافعٍ واحد:
أن يزرع البسمة في قلب سيرين لا أكثر… ولم يخطر له قط أنّ الأمور ستنقلب إلى هذا الفتور وأنها ستغدو بالكاد تخاطبه.
وحين لاحظ زكريّا صمته تسلل إليه شعور بالتفوق فاستيقظت بداخله رغبةٌ صبيانية في الانتقام لإهانة الأمس فاختار الاستفزاز سلاحًا وقال بنبرة لاذعة:
“لولاك، لكان أبي وأمي قد تزوّجا منذ زمن… عليك أن تبتعد عن أمي في أقرب فرصة… هناك من يقول إن أمي أصبحت الطرف الثالث لأنك ببساطة لا تحبها.”
لمّا أنهى عبارته هوى كفّ ظافر بخفّة على أسفل عنقه من الخلف لا قسوة فيها بقدر ما تحمل تحذيرًا… تبدّلت ملامح ظافر وغدت نبرته صارمة:
“لن أسمح لك بترديد هذا الكلام مرة أخرى… كفّ عن ابتلاع هراءٍ منزوع القيم مما تقذفه شبكة الإنترنت واحفظ لسانك مستقبلًا.”
أدرك زكريّا أنّ ما تفوّه به لم يكن لائقًا غير أنّ نزوة الاختبار راودته؛ إذ أراد أن يتلاعب بصبر ذلك الأب الذي لم يعترف به بعد فبدا له أنّ ظافر لن يمرّر الأمر دون رد.
رفع زكريا يده يفرك بها رأسه وقال متسائلًا بنبرة مترددة:
“ألن تسألني ممّن سمعتُ هذا الكلام؟”
سأل ظافر بهدوءٍ ثقيل:
“ومن الذي قاله؟”
ابتسم زكريّا ابتسامة ساخرة وأجاب بلهجةٍ لاذعة:
“دينا… حبّك الأوّل الذي لا يُنسى.”
تحرّكت أصابع ظافر على شاشة الحاسوب الناطق يتتبّع الاسم بحذر حتى عثر على حساب دينا عبر مواقع التواصل الاجتماعي وهناك وقعت عيناه على منشورٍ لا لبس فيه يؤكّد ما قاله زكريّا.
حينها فقط أدرك ظافر فداحة الأمر وانقبض قلبه تعاطفًا مع سيرين… لقد كانا زوجين في الحقيقة غير أنّ كلمات دينا المسمومة حوّلت سيرين في أعين الآخرين إلى طرفٍ ثالث متطفل.
بينما كان الغضب يتأجّج في صدر زكريّا، وقف ظافر حائرًا كأنّ ذهنه صفحة بيضاء… لم تكن لدينا أيّ صورة في ذاكرته غير أنّ نبرة الصغير ولهجته الواثقة أوحتا له بأنّه لا يختلق حديثًا فقال ظافر مترددًا:
“أتقصد أنّها كانت تتدخّل بيني وبين سيرين؟”
أجابه زكريّا بحكمةٍ لا تليق إلا بالكبار:
“خذ وقتك في التفكير… لا فائدة من الشرح الآن فأنت أصلًا لا تتذكّر شيئًا.”
ثم لمعت في عيني الصغير فكرة ماكرة وأضاف فجأة:
“إن أردتَ أن أشاركك التفاصيل فعليك أن تناديني: أبي.”
ارتسم الاضطراب على ملامح ظافر الوسيمة للحظة ثم استعاد هدوءه المعهود وقال بثبات:
“هل أنت متأكّد أنّك تريدني أن أفعل ذلك؟”
“نعم.” أجاب زكريّا محدّقًا فيه في انتظار الرد.
أخرج ظافر هاتفه وفتح صفحة الرسائل على عجل وقال بنبرة حازمة وهو يواجهه:
“أظنّ أنّ الوقت قد حان لإبلاغ سيرين بنفقاتك في النادي.”
ما إن سمع زكريّا ذلك حتى تبدّل حاله وسرى القلق في عروقه وبالرغم من أنه كان قادرًا على التبرير لكنه في نهاية الأمر طفل… فلو علمت سيرين أنّه قصد مكانًا كهذا وأنفق المال هناك لغضبت بلا شك فتمتم بغيظ:
“كنت أعلم أنّ لديك نوايا خفيّة.”
قبض ظافر على كتفيه من الخلف ورفعه قليلًا وقال بلهجةٍ ساخرة:
“هل ما زلتَ ترغب أن أناديك: أبي؟”
لم يجب زكريّا سوى بابتسامةٍ ساخرة.
تابع ظافر بهدوء:
“والآن أخبرني، ماذا كنت تفعل هناك؟”
هزّ زكريّا رأسه رافضًا وقال بعناد:
“إنّه سرّ لا أستطيع إخبارك به… وعلى أيّ حال لم أفعل شيئًا خاطئًا.”
لم يُلحّ ظافر بالسؤال وترك الصمت يتولّى بقيّة الحديث.
في المطبخ كانت سيرين توشك على الإنتهاء من إعداد الطعام فخرجت قليلًا وقالت بهدوء:
“زاك، من فضلك اطلب من هانا أن تُحضر جدّتك إلى العشاء.”
استغلّ زكريّا الفرصة وتحرّر من قبضة ظافر ثم صعد إلى الطابق العلوي ليُبلغ فاطمة.
بعد عشر دقائق خيّم التوتّر على غرفة الطعام… كانت فاطمة قد استدعت كارم على وجه الخصوص وقد بدا واضحًا أنّها لا ترى وجود ظافر ضروريًا في المنزل… فرتّبت جلوس الجميع بعناية مجبرة سيرين على الجلوس إلى جوار كارم تاركةً ظافر في مواجهتهما.
قال كارم بنبرةٍ مهذّبة:
“كيف حالك الآن يا فاطمة؟ هل تشعرين بتحسّن؟”
ابتسمت فاطمة ابتسامة وديعة وأجابت:
“أنا أفضل كثيرًا.”
أومأ كارم ببشاشته المعتادة وقال:
“هذا أمرٌ يسرّني.”
وبما أن زكريّا قد همس لظافر من قبل بأنّه ابن كارم فساور ظافر حرجٌ ثقيل واختار أن يُنهي طعامه على عجل متجنّبًا الحديث… جلس ظافر صامتًا إلى الطاولة تحاصره النظرات وشعورٌ بالعزلة لم يحتج إلى كلمات.
حرصت سيرين على أن تضع الجزر في طبقي زكريّا وظافر ثم قالت بنبرة لا تقبل الجدل:
“تناولا طعامكما.”
ما إن وقعت عينا زكريّا على الجزر حتى تبدّل لون وجهه وتمتم متوسلًا:
“أمي…”
قاطعته سيرين بحزم هادئ:
“أنهِه.”
تنهد الصغير وقال مستسلمًا:
“حسنًا.”
بدأ زكريا يأكل ببطءٍ متعمَّد ثم دسّ قطعة الجزر خفيةً تحت الأرز وعلى مقربةٍ منه فعل ظافر الشيء ذاته دون تردد؛ ولو لم يكن فاقد البصر للاحظ مراقبهما _كارم_ بسهولة أنه استعار الحيلة نفسها من ابنه.
لم يَفُت هذا التشابه على كارم فاستوقفه تواطؤ الأب والابن الصامت وأثار في نفسه غيرةً مكتومة.
أمّا سيرين فبقيت غافلة عن المشهد تبتسم وتشجّعهما قائلة:
“كُلا المزيد.”
وفجأة قال كارم بنبرةٍ تحمل مكرًا خفيفًا:
“سيد ظافر، أليس الجزر من الأطعمة التي تفضّلها؟ لِمَ أخفيتها إذن؟”
في تلك اللحظة شعر ظافر ببرودةٍ مباغتة تسري في أجواء المكان وكأن قشعريرةً انزلقت على طول عموده الفقري مُدركةً قبل عقله أن مزاج سيرين قد تغيّر.
