رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والرابع والاربعون
ابتلع ظافر الجزر المشوي مع الأرز على عَجَل فيما ارتسم الاشمئزاز واضحًا على ملامح زكريّا الجالس إلى جواره؛ إذ لم يستوعب كيف استطاع والده اللقيط أن يلتهمه كاملًا دون تردد.
ما إن فرغ ظافر من طعامه حتى قال بثباتٍ مقصود:
“أُحب كل ما تطهوه زوجتي.”
عندها رفعت سيرين عينيها نحوه ببطء وقد انعكس في نظرتها شيء من الدهشة المكبوتة.
بينما تكدّر وجه كارم حين سمعه ينادي سيرين بزوجته فمدّ يده بملعقة التقديم ووضع لظافر المزيد من الجزر وهو يقول بإصرارٍ ظاهر ناظراً إلى سيرين:
“أنتِ من طهوتِ هذا الجزر، أليس كذلك يا سيرين؟”
أجابت سيرين وقد تسللت إلى نبرتها مسحة حرج:
“نعم، هذا صحيح.”
ومع ذلك وهي تراقب ضيق ظافر المتكرر ومحاولته الحفاظ على رباطة جأشه شعرت برضا خفي يتسلل إلى نفسها… كان هذا الوجه منه جديدًا عليها تمامًا، وجهًا لم تختبره من قبل… فتناولت سيرين الطبق مرة أخرى وقدّمت له مزيدًا من الجزر المحمّص وقالت بهدوءٍ لا يخلو من الدلالة:
“كُل المزيد إن أحببت.”
ارتسمت الدهشة على وجه زكريّا وتسلّل إلى قلبه شيء من الشفقة حين لمح كومة الجزر المشوي تتكدّس في طبق ظافر.
قال زكريا بنبرة بدت مهذبة ولكنه أراد التخلص من الجزر خاصته والذي يشعره بالتقزز:
“سيدي إن كنت تحبّه، فيمكنني أن أُعطيك الجزر من طبقي.”
بدا في مظهره بريئًا غير أنّ داخله كان يعجّ بحسابات ماكرة إذ همس إلى ظافر خلسة قائلًا:
*لا تغضب مني لوقاحتي، فالرجل الذي يخلو من القسوة لا يُعوَّل عليه.*
وبينما كان زكريا يهم بتمرير الجزر المشوي سأله ظافر فجأة:
“زاك، ماذا تعلّمت اليوم في الروضة؟”
سقطت الملعقة من يد زكريّا على الفور وهي في منتصف طريقها إلى صحن ظافر.
بينما تابع ظافر وقد تعمّد إحراجه:
“يبدو أنك تحبّ الجزر أيضًا؟ سأمنحك إيّاه كلّه ما رأيك؟”
كان زكريّا على وشك الرفض لكن ظافر استطرد قائلًا:
“سيرين، هل تعلمين أن زاك—”
قاطعه زكريّا سريعًا وهو يمدّ يده إلى الطبق:
“بالطبع أعطني إيّاهم جميعًا… أنا أحب الجزر المشوي.”
أخذ زكريا الجزر دفعة واحدة دون تردّد فانبهرَت سيرين وفاطمة في آنٍ واحد إذ كان زكريّا يمقت الجزر أكثر من أي طعام آخر؛ حتى وهو رضيع لم يتجاوز ستة أشهر كان يمرض ويتقيأ كلما تسلّل الجزر إلى وجبته.
وفي تلك اللحظة بينما كانت سيرين لا تزال غارقة في دهشتها أدركت أن ظافر يعلم بوضوح أن الصغير الجالس أمامه هو زكريّا وليس نوحًا.
أما كارم الذي ظنّ في البداية أن زكريّا سيقف إلى جانبه فقد صُدم حين رآه ينحاز إلى ظافر ومع إدراكه أن ظافر مهما يكن سيظلّ والده فقد شهيته للطعام تمامًا.
ما إن فرغ كارم من طعامه حتى قرّر المغادرة فرافقتْه سيرين إلى الباب وقالت بهدوء:
“مع السلامة.”
تمتم كارم بشيء غير مفهوم وظلّ يحدّق فيها لحظاتٍ أطول مما ينبغي قبل أن يستدير ويمضي.
ولمّا ابتعد بخطواتٍ قليلة توقّفت أمامه فجأة شاحنةٌ كبيرة وانقضّ عليه منها عشرة رجالٍ أشداء ملثمين فتجمّد كارم في مكانه وقد باغته المشهد.
وعلى مقربةٍ من هناك جلس ماهر في سيارة سوداء فاخرة وأمسك هاتفه قائلًا ببرود لزعيم العصابة:
“لقنوا هذا الجاهل درسًا لا ينساه.”
كان ذلك تنفيذًا لأمرٍ سابق؛ فبعد عودة سيرين وكارم إلى المنزل اتصل ظافر بماهر وأمره بإغلاق التقاطع الذي لا بدّ لكارم من المرور به.
وفي تلك الأثناء كانت فاطمة تُثني على كارم أمام ظافر بنبرةٍ ذات مغزى:
“كارم عانى كثيرًا منذ صغره… إنه لا يدير شركة ناجحة فحسب بل يجيد الطهي أيضًا… كما أنه لا يدخّن ولا يشرب… تُرى من ستكون المحظوظة التي سيقترن بها مستقبلًا؟”
أدرك ظافر فورًا ما ترمي إليه فاطمة لكنه تجاهل كلماتها ببرود؛ إذ لم يكن واثقًا أصلًا أن كارم سيخرج سالمًا من طريق عودته.
تجاوزت سيرين كلمات فاطمة دون اكتراث إذ كانت على يقينٍ تامّ بأن كارم لا يراها إلا صديقة لا غير.
ثم التفتت إلى زكريّا الذي كان لا يزال منشغلًا بطعامه في غرفة الطعام، وسألته بفضولٍ خفيف:
“زاك، أليس الجزر مما لا تحبّه؟”
كاد زكريّا أن يبكي وهو يجيب بصوتٍ متردد:
“لكن الجزر المشوي لذيذ جدًا اليوم.”
ابتسمت سيرين وقالت برضا:
“هذا رائع! سأعدّه لك كثيرًا بعد الآن، ما رأيك؟”
كان ظافر يقف غير بعيد وقد استوقفه ما سمع… وفي تلك الليلة انشغلت سيرين طويلًا في المطبخ حتى غاب عنهما الوقت، ولم ينتبها لوجود ظافر وهو يتابعهما بصمت متعجباً من كره زكريا للجزر مثله ولمعت خاطرة بذهنه عزم على تنفيذها.
