رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والخامس والاربعون
في صباح اليوم التالي نهضت سيرين بشغفٍ لتحضير دقيق الشوفان بالجزر لكنها فوجئت بعدم وجود حبة جزر واحدة في المطبخ… فتّشت طويلاً وبإصرار غير أن الجزر كان قد اختفى كأن يدًا خفيةً امتدّت فمحته من الوجود لذا لم تجد بدًّا من التخلي عن فكرتها واللجوء إلى مكوّناتٍ بديلة.
في الوقت ذاته غادر ظافر المنزل في ساعة مبكرة مدّعيًا أنه متجه إلى المستشفى.
وفي قبوٍ تكتنفه الإضاءة الخافتة فتح كارم عينيه ببطء ليجد نفسه موثقًا بإحكام إلى كرسي… الدم يسيل من جبينه وجسده مثقلًا بجراحٍ مؤلمة متناثرة في سائر أنحاء جسده.
قطع الصمتَ صوتٌ آتٍ من الطرف الآخر للغرفة:
“سيد ظافر، إنه عنيد لقد أحضرتُ خمسة عشر رجلًا وقد أُصيبوا جميعًا… احتجنا إلى جهدٍ كبير للسيطرة عليه”، قال ماهر وهو يرفع تقريره.
رفع كارم نظره بصعوبة نحو مصدر الصوت فوقع بصره على ظافر جالسًا قبالته بملامح جامدة لا تحمل أدنى اكتراث… وحين لاحظ ماهر استعادته للوعي بادر قائلًا على عجل:
“لقد أفاق.”
في تلك اللحظة أدرك كارم أن رجال ظافر هم من دبّروا الاعتداء عليه في الليلة الماضية… فلم يكن أحدٌ سواه على علم بزيارته، ولا عدوه الخارجي يملك مثل هذه القوة والتنظيم.
في الأونة الأخيرة قد اعتاد كارم الحياة الهادئة أكثر مما ينبغي حتى غفل عن الحذر وجاء بلا حارسه الشخصي… فدفع ثمن ذلك الآن.
ابتسم كارم ساخراً، وقال بنبرةٍ تنضح بالتحدي:
«ظافر، أحقًّا تظن أن سيرين ستقبلك إن خطفتني؟ لو كانت ترغب في العودة إليك لما أنجبت أبناءً مني أصلًا».
ارتسم الضيق على ملامح ظافر فأجابه ببرودٍ ثقيل:
«أأنت واثق من ذلك؟ وماذا لو غادرتَ هذه الحياة يا صديقي اللدود؟»
قال كارم بهدوءٍ أشد وقعًا من الصراخ:
«ستزداد كرهًا لك إن قتلتَ والد أبنائها».
كان كارم رجلًا يعرف جيدًا أين يطعن ليصيب القلب مباشرة وقد أصابت كلماته وتراً بالغ الحساسية في صدر ظافر.
ومع ذلك لم يكن ظافر مستعدًا لتركه ينجو لذا أومأ بيده فانقضّ رجاله على كارم ينهالون عليه ركلًا بلا رحمة… شدّ كارم على شفتيه بقوة مصممًا على الصمت رافضًا أن يمنحهم صرخة انتصار.
راقب ماهر المشهد بإعجابٍ؛ فلو لم يكن كارم خصمًا يسعى وراء سيرين لكان جديرًا بأن يُسمّى رجلًا بحق… وحين انهار جسد كارم أخيرًا نهض ظافر وقال بلهجةٍ قاطعة:
«ألقوه قرب أقرب صندوق قمامة… فليحكم الله إن عاش أم مات».
فمهما بلغ تجبّر ظافر لم يكن قد تجاوز قط حدّ قتل إنسان بيده.
أجاب أحد الرجال فورًا:
«أمرك سيدي».
عاد ظافر إلى المسكن الخاص الذي أعدّه له ماهر وما إن أغلق الباب خلفه حتى قصد الحمّام كأنه يسعى إلى محو أثرٍ عالقٍ لا في جسده وحده بل في ذاكرته أيضًا فقد اغتسل طويلًا محاولًا أن يبدّد رائحة الدم التي التصقت بيديه وثيابه وكل ما بقي منها من أثر كارم… وحين فرغ من تبديل ملابسه كان الفريق الطبي بانتظاره في الخارج لإجراء الفحوص اللازمة.
ورغم أن بصره لم يزل مثقلًا بالضعف فإن عزيمته على استعادة ذاكرته كانت أشدّ صلابة إذ لم يعد متقبلاً أن يعرف ماضيه مع سيرين عبر روايات الآخرين أو شذرات ناقصة.
قال الطبيب بعد فحصٍ دقيق:
«سيد ظافر يبدو أن الدواء الذي تناولته مؤخرًا بدأ يُظهر تأثيره إذ صارت الذكريات تعود إليك على فترات متقطعة».
ثم أضاف بنبرة مطمئنة:
«ستحتاج إلى جلسة علاج واحدة أسبوعيًا خلال المرحلة المقبلة، ومن المهم أن تحافظ على هدوئك بعد كل جلسة…. أعتقد أنك ستستعيد ذاكرتك كاملة في وقت ليس ببعيد».
عاد ظافر إلى المنزل بعد انتهاء جلسة العلاج وكانت الساعة تقترب من الرابعة مساءً لكنه لم يجد سيرين قد عادت بعد.
في تلك اللحظة طرقت جارتهما كارين من المنزل المجاور الباب، وناولت ظافر طبقاً به قطع من اللحم المقدد المدخن محلي الصنع… وقالت بابتسامة ودودة:
“سيد ظافر هذا من صنع يدي، تفضل.”
كان ظافر على وشك الرفض لكن كارين أضافت بدهشة:
“سيد ظافر، هل التقينا من قبل؟ تبدو مألوفًا كأنك شخصية مشهورة.”
توقف لحظة وهو يستحضر صورة جاسر الذي ظهر مؤخرًا على التلفاز ثم رد ببرود:
“لا أظن أننا التقينا من قبل.”
بعد ذلك أخرج شيكًا وناوله لكارين قائلاً:
“شكرًا لكِ على الطعام، حددي المبلغ كما تشائين.”
نظرت كارين إلى الشيك بدهشة واضحة فيما التزم ظافر الصمت وأغلق الباب سريعًا إذ لم يكن بمقدوره الإفصاح عن هويته الحقيقية في هذه المرحلة، كما أنه منشغلاً بتأسيس شركته الجديدة ويحتاج إلى الوقت فلن يضيعه هباءً في حديث نسائي لا طائل منه بينما شعرت كارين بالإحباط من موقفه ورفضت تقبل الشيك.
