رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والسادس والاربعون
بالنسبة لكارين بدا لها أن ما قدمه لها ظافر مجرد ورقة عادية فتساءلت في نفسها: هل هو مجنون؟
عندما عادت سيرين اقتربت منها كارين وقالت:
“زوجك وسيم جدًا لكنه غريب الأطوار بعض الشيء… حضرتُ لكِ بعض لحم المقدد المدخن وأعطاني ورقة بدلًا منه حتى طلب مني تدوين بعض الأرقام.” حاولت كارين أن تصف الموقف بطريقة لبقة قدر الإمكان دون أن تقول صراحة إن ظافر مجنون.
ابتسمت سيرين وعرفت أن كارين أساءت فهم الأمر بشأن الشيك فقد كان ظافر كريمًا معها إلى أقصى حد لكنها لم تشأ تصحيح هذا الانطباع واكتفت بالقول:
“شكرًا على اللحم. في المرة القادمة، لا تبحثي عني عندما يكون وحده في المنزل، يمكنك القدوم إليّ عند عودتي.”
أجابتها كارين:
“حسنًا.”
بعد مغادرتها شعرت كارين بالأسف على سيرين… كيف تزوجت امرأة طيبة وحنونة مثلها رجلاً غريب الأطوار وعديم العقل؟ ألم تولد سيرين وفي فمها ملعقة من فضة لتتزوج رجلًا ثريًا وسليم العقل؟
لقد عادت سيرين لتوها من زيارة نوح في المستشفى، كما أنها أجرت فحصًا طبيًا كان كل شيء فيه على ما يرام مع جنينها مما منحها شعورًا بالطمأنينة والسكينة.
توجهت سيرين إلى المطبخ فوجدت ظافر منشغلاً بالطبخ وكاد أن يحرق يديه مرات عدة فاقتربت منه وسألته:
“ماذا تفعل؟”
أجاب بلا تردد وكأن الأمر بديهي:
“الطبخ.” كان يرش السكر معتقدًا أنه ملح.
تحلقت عينا سيرين بدهشة وقالت بتأفف:
“هذا سكر، وليس ملح…”
توقف ظافر متسائلاً:
“ألم يكن الملح هنا من قبل؟”
أجابته سيرين بلا مبالاة:
“عندما كنا نحضر العشاء أنا وكارم الليلة الماضية حركنا بعض الأشياء.”
اقتربت منه مجددًا وقالت:
“سأتولى الأمر.”
لم ترغب في إزعاجه فهو أعمى ومع ذلك لم يُسلّمها زمام الأمور بل استمر في الطبخ.
قال بحزم:
“من الآن فصاعدًا، سأكون أنا من يقوم بالطبخ.”
تذكر ظافر تصرفات كارم في المطبخ فخطر له أن يستعين بأفضل طهاة البلاد لإعداد الطعام لكنه أدرك سريعًا أن سيرين لن تسمح له بذلك فابتسم مضطرًا للاكتفاء بما يستطيع فعله بنفسه.
تأملت سيرين ذلك المخلوق القبيح في القدر فارتجفت داخليًا… لو اضطروا لتناول طعام كهذا باستمرار هل سيتمكنون من البقاء على قيد الحياة؟
تنهدت وقالت بصوت منخفض:
“لا بأس، سنرسل طلبًا لعاملة مطبخ.”
لم يكن لدى هانا وقت لإعداد الطعام فهي منشغلة برعاية فاطمة أما سيرين فكانت تطبخ وتنظف المنزل بمفردها مؤخرًا واضطرت لتأجيل كتابة أغانيها مؤقتًا.
نظر إليها ظافر بنشوة منتصر وقال مطيعًا:
“حسنًا، يمكنني التوقف عن الطبخ الآن… وسنطلب طعامًا جاهزًا.”
تنهدت سيرين وشعرت بثقل الأيام العصيبة على قلبها متسائلة في صمت:
متى ستنقشع هذه الأوقات؟ ومتى سيستعيد ظافر ذكرياته المفقودة كي يعود من حيث أتى؟
توجهت سيرين إلى غرفة المعيشة وقد أثقلها الإرهاق راغبة في أن تستلقي قليلًا وفي تلك اللحظة رنّ هاتفها؛ كانت سينثيا مساعدتها الشخصية التي قالت بصوت عملي يحمل بعض المرح:
«هل انتهيتِ من إعداد أغانٍ جديدة مؤخرًا يا مديرة؟»
أجابت سيرين بهدوء:
«ليس بعد… ما الأمر؟»
قالت سينثيا بحماسة ظاهرة:
«لقد تلقّيتُ للتو طلبًا ضخمًا… اسمٌ مشهور يطلب تحديدًا شراء إحدى أغانيك الجديدة.»
عقدت سيرين حاجبيها وقالت بحدّة خفيفة:
«شراء كامل؟»
لم تُرضها الفكرة؛ فبيع الأغنية يعني التخلي عنها إلى الأبد.
أجابت سينثيا:
«نعم، وهو مستعد لدفع مبلغ مرتفع للغاية.»
قالت سيرين دون تردد:
«لا حاجة لذلك.»
فهي لم تكن في حاجة إلى المال.
سكتت سينثيا لحظة، ثم قالت:
«حسنًا، سأبلغهم بالرفض… لكن أخبريني يا رئيسة، هل تواجهين مشكلة ما؟ لماذا تأخرتِ في تجهيز أعمال جديدة؟»
كانت سيرين معروفة بإدمانها للعمل؛ فقد أطلقت ثلاث أغانٍ متتالية انتشرت كالنار في الهشيم، ونالت إعجاب النقاد والجمهور على حد سواء… وكم تمنى الفنانون الذين أدّوا تلك الأعمال لقاءها، لكنها كانت ترفض دائمًا، قائلة:
«يكفي أن يُحبّ الناس الأغاني، لا داعي لأن يبحثوا عن صانعتها.»
استعادت سيرين كلمات سينثيا ورفعت بصرها نحو ظافر الذي خرج لتوّه من المطبخ، شعره أشعث وهيئته غير مرتبة… متحفظ الملامح، يحمل وقارًا خافتًا لا يخطئه النظر… لكن ذاكرته كانت غائبة، وبصره مفقودًا، وشخصيته قد انقلبت رأسًا على عقب بين ليلة وضحاها.
أدركت سيرين وهي تتأمله بصمت أنه بات عبئًا ثقيلًا.
