رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والسابع والاربعون
عندما عادت سيرين إلى مقاطعة سان لترافق فاطمة في أيامها الأخيرة حريصة على ألا تحمل الأخيرة أي تعب قبل رحيلها… غير أنها لم تكن تتوقع أن تتشابك خيوط مصيرها هناك بظافر وبقية أفراد عائلة نصران على هذا النحو المفاجئ.
قطعت سيرين سيل أفكارها وأجابت مساعدتها سينثيا بهدوء:
«سأُصدر الأغنية القادمة خلال عيد الميلاد.»
كانت قد فرغت من كتابتها بالفعل غير أن بعض التفاصيل الدقيقة ما زالت تقلقها، عيوبًا صغيرة لا يراها سواها لكنها تأبى أن تتغاضى عنها.
قالت سينثيا وهي تُدوّن ملاحظاتها على لوحة المفاتيح:
«حسنًا، سأُعلن الخبر على جميع المنصات الرئيسية.»
أجابت سيرين بنبرة واثقة:
«حسنًا، ليكن ذلك.»
منذ أن ذاع صيت سيرين واتسعت شهرتها اعتادت أن تعلن عن إصداراتها الجديدة عبر الإنترنت إلا إذا كانت الأغنية مخصّصة لدائرة ضيقة من أصدقائها المقرّبين وما إن يُنشر الإعلان حتى تتوالى عليها اتصالات الشركات والمغنّين طالبين التفاوض على الأسعار وشروط التعاون.
في الغالب كانت سينثيا تتولى إدارة هذه المفاوضات وتتكفّل بترتيب التفاصيل المالية والفنية غير أن استثناءً واحدًا فرض نفسه في السابق، حين واجهت سيرين ضائقة مالية أعاقت قدرتها على إدارة شركتها فاضطرت آنذاك إلى اللجوء إلى توني بحثًا عن الدعم.
أما الآن وقد زال عنها شبح العجز المالي فقد قررت سيرين العودة إلى خطتها الأولى والالتزام بقواعدها الخاصة فقد كان المبدأ واضحًا:
لا بد أولًا من التأكد من أن صوت المغني وشخصيته الفنية يليقان بالأغنية… أما المال فلم يكن يومًا معيارًا حاسمًا؛ فليس كل ثريّ قادرًا على امتلاك عملٍ من أعمالها.
وما إن أُعلن عن صدور أغنية «ساسو» في عيد الميلاد حتى تحوّل الخبر إلى حديث الساعة وتلقّفته وسائل الإعلام المحلية والدولية باهتمام بالغ.
وحين وقعت عينا دينا على الخبر سارعت إلى تكليف لورا بالتفاوض من أجل الحصول على الأغنية إذ كانت تدرك أن امتلاكها لهذا العمل قد يمهّد لعودتها دون عناء…. غير أن الطريق لم يكن سهلًا؛ إذ إن كثيرين أكثر ثراءً منها ونفوذًا كانوا قد أبدوا رغبتهم في الظفر بالأغنية الجديدة.
في الوقت ذاته كانت زوي قد أسدلت لتوّها ستار عرض الباليه كبجعةٍ رشيقة متعالية ومن ثم هبطت عن خشبة المسرح بخطوات واثقة تتهادى نحو رجل أعمال ثري يجلس في الصفوف الأمامية.
قالت بصوتٍ يفيض ثقة:
«أبي، هل تابعتَ الأخبار؟ أريد أغنية الآنسة ساسو، أريدها فورًا.»
كانت زوي جميلة تحمل في ملامحها شبهًا خفيًا بسيرين ذلك الشبه الذي لا يُخطئه النظر… وكان يانديل لورانس يميل إليها أكثر من بقية أبنائه فابتسم مجيبًا دون تردد:
«حسنًا… ما دامت ابنتي العزيزة ترغب في شيء فسأحرص على أن تناله.»
ارتسمت على شفتي زوي ابتسامة رضا متمتمة:
«شكرًا لك يا أبي.»
قال وهو ينهض استعدادًا للمغادرة:
«علينا العودة بعد انتهاء العرض، وإلا أقلقتِ والدتك.»
أجابت بهدوء:
«حسنًا.»
تشبثت زوي بذراع يانديل بينما أسرع أحد أفراد الطاقم يلف شالًا حول كتفيها وقبل أن يستقل لورانس السيارة التفت إليها قائلًا بنبرة مازحة تخفي جدًّا:
«آن الأوان لنبحث لك عن عريس عند عودتنا.»
هزّت زوي رأسها على الفور وقد ارتسم الرفض واضحًا في عينيها.
«لا أريد عريسًا… أريد أن أبقى معك ومع أمي إلى الأبد.»
ضحك ونظر إليها بعينٍ مفعمة بالحب.
«فتاة ساذجة.»
ومع ذلك وبينما كانت السيارة تشق الطريق تسللت إلى ذهنها صورة رجلٍ متمرّد، مدركة في قرارة نفسها أنه إن كان لا بد من حبٍّ أو ارتباط فلا بد وأن يكون بشخصٍ يليق بها… شخص يستحقها حقًا.
تصفّحت سيرين رسائل البريد الإلكتروني التي بعثت بها سينثيا وكانت جميعها تدور حول مفاوضاتٍ تتعلّق بالأغنية الجديدة.
قالت سينثيا بصوتٍ عمليّ هادئ:
«هناك رجل يُدعى يانديل يقول إن الطلب موجّه لابنته زوي يانديل… إنها راقصة باليه مشهورة، وتعشق أغانيك، وترغب في استخدام الأغنية كموسيقى مرافقة لعرضها… شاهدتُ بعض عروضها الفردية؛ حضورها على المسرح آسِر بحق… إلى جانب ذلك فالسيد يانديل ثريّ للغاية… أظن أنكِ قد توافقين دون تردّد.»
وأثناء حديثها أرسلت سينثيا مقطع فيديو إلى سيرين، ثم أضافت:
«سيدتي، أرسلتُ لكِ التسجيل… ألقِي نظرة وتحقّقي بنفسك إن كانت مناسبة لمعاييرك.»
أجابت سيرين باقتضاب:
«حسنًا.»
ما إن فتحت الفيديو حتى ظهرت امرأة تتحرّك بخفّة على خشبة مسرح الباليه تنساب خطواتها كأنها جزء من الموسيقى نفسها.
وفجأة اتّسعت عينا سيرين في ذهول وشدّت قبضتها على الهاتف دون أن تشعر كأن المشهد أمامها أيقظ في داخلها صدمة لم تكن تتوقّعها.
