رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والثامن والاربعون
ما إن وقعت عينا سيرين على المرأة في المقطع حتى ارتدّ بها الزمن إلى صورة والدتها سارة في شبابها البعيد.
في طفولتها كانت سيرين مأخوذة بسارة حدّ الإعجاب فقد بدأت أمّها مسيرتها الفنية كراقصة باليه وكانت سيرين تسرق اللحظات خفية لتشاهد تسجيلات قديمة لها وهي ترقص كأنها تكتشف سرًّا لا يخصّ أحدًا سواها.
قطع صوت سينثيا شرودها قائلًا:
«سيدتي، هل انتهيتِ؟ ما رأيك؟»
استفاقت سيرين من أفكارها وأقنعت نفسها بأنها ربما أخطأت الربط وأن زوي ليست سوى شَبَهٍ عابر فقالت بنبرة متزنة:
«أداؤها مميّز فعلًا، لكنني أفضّل التريّث قليلًا.»
أجابت سينثيا دون اعتراض:
«حسنًا، سأحتفظ ببيانات التواصل الخاصة بهم.»
«حسنًا.»
ثم أنهت سيرين المكالمة وبقيت نظراتها معلّقة في الفراغ كأن صورة قديمة أُعيد فتحها في ذاكرتها على حين غفلة.
لم تجرؤ سيرين على إعادة تشغيل المقطع… فما إن يوشك أن يبدأ حتى تنفتح بوابة الذكريات على طفولتها القاس,ية.
تذكّرت يوم أخبرت والدتها بأنها ترغب في تعلّم الباليه فضحكت سارة ساخرَة وقالت ببرود جا,رح:
«ولِمَ يتعلّم شخصٌ أصمّ مثلكِ الباليه؟ هل ستسمعين الإيقاع؟ هل ستستطيعين مجاراته؟ لا تُهيني نفسكِ وتهينيني.»
ومع ذلك صعدت سيرين إلى المسرح وانتزعت جوائز لا تُحصى بإصرارها غير أنّ سارة لم تمدحها يومًا بل كانت تكتفي بالنقد اللاذع:
«ولِمَ كل هذا الجهد؟ بعض الأشياء لا تُنال بالعمل وحده، أفهمتِ؟»
ثم ترمقها بازدراء وتضيف:
«من كان في حالكِ، فعليه أن يرضى بما رُسم له… كُفّي عن أوهام النجاح السريع… أنتِ لا تستحقين الرقص.»
ورغم محاولات القمع المتكرّرة ظلّ الباليه ملاذ سيرين الوحيد… إلى ذلك اليوم المشؤوم حين شاركت في مسابقة وطنية وأثناء استراحتها سُرقت سماعاتها السمعية فاختلطت الأصوات في أذنها مشوَّهةً بلا إيقاع فارتكبت أخطاء متتالية وأُقصيت من المنافسة.
في المنزل مزّقت سارة ثوب الباليه وألقت بالحذاء في سلة المه.ملات وهي تصرخ في وجهها:
«لا باليه بعد اليوم… وإن رأيتكِ ترقصين مرة أخرى، لكسرتُ ساقيكِ.»
حين انسابت هذه الذكريات في ذهنها، انكمشت سيرين وارتجف جسدها… كانت جراح الماضي لا تزال مفتوحة، عصيّة على الالتئام مهما طال الزمن.
في غرفة الموسيقى جلست سيرين غارقةً في دوّامة أفكارها تستعيد تعليقات سارة الساخرة التي لطالما أثقلت روحها ولم تنتبه إلى دخول أحد حتى شقّ السكون صوتٌ مألوف يناديها:
«سيرين».
انتُزعت من شرودها فالتفتت لترى ظافر أمامها… قالت بصوتٍ أجشّ لم تُخفِ فيه دهشتها:
«ما الذي جاء بك إلى هنا؟»
تحسّس ظافر طريقه حتى بلغ البيانو وجلس أمامه… حدّقت فيه سيرين مذهولة وهو يضع أصابعه على المفاتيح وبرغم فقدانه لذاكرته انساب من تحت يديه لحنٌ رقيق كأن الغريزة وحدها هي التي تقوده.
اتسعت عينا سيرين ونظرت إليه غير مصدّقة:
«أتعزف على البيانو؟»
تذكّرت كيف قد أخبرها يومًا أن عزفها صاخب فظنّت أنه لا يحسن العزف أصلًا.
وحين انتهى رفع يديه عن المفاتيح وتوقّف ثم قال بهدوء:
«ليس تمامًا.»
واصل ظافر العزف متنقّلًا بين ألحانٍ أخرى حتى أدركت سيرين بدهشة أنّ ما ينساب من بين أصابعه هو اللحن الذي ألّفته مؤخرًا… لقد حفظه من مجرّد استماعه إليه مراتٍ قليلة.
وبينما كانت أنامله تتحرّك على مفاتيح البيانو أشار ظافر إلى مواضع معيّنة، تلك ذاتها التي شعرت سيرين من قبل أنّها بحاجة إلى مراجعتها وقال بهدوءٍ واثق:
«أظنّ أنّ عليكِ تعديل هذا الجزء هنا.»
وحين صحّح مواضع الخلل بدا لها التوزيع أكثر انسجامًا كأنّ اللحن استقام أخيرًا على قدميه… في تلك اللحظة تبدّل شيءٌ في نظراتها إليه… فبعض الناس يُمنحون الموهبة فطرة أمّا هو فكان واضحًا أنّه صقلها بالاجتهاد والاعتماد على النفس.
بادرت سيرين إلى تصحيح الأخطاء فورًا وبمساعدته انحلّت جميع العقد على نحوٍ أقرب إلى المعجزة وذلك قبل موعد العشاء.
نظرت إليه وفي عينيها مزيجٌ من الدهشة وعدم التصديق وربما إعجاب وليد، وقالت:
«هل فقدتَ ذاكرتك حقًا؟»
إحنا كنسوان بنوبجى واجعين ونقاوح
