رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والتاسع والاربعون 349 بقلم اسماء حميدة


  رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والتاسع والاربعون 

كان ظافر وسيرين يجلسان على مسافةٍ تُربك الصمت، قُربٌ لا يُقاس بالأمتار بل بنبضٍ مشترك… لوهلة وهو يصغي إلى صوتها تسللت إلى أنفاسه رائحة جسدها الزكية، دافئة كذكرى قديمة لا تُنسى.

ابتلع ريقه وشعر بأن شيئًا في داخله يستيقظ على حين غفلة… ففي الآونة الأخيرة صارت أحلامه تعود به إلى ماضيهما؛ إلى تلك اللحظات الحميمة التي لم تُمحَ من الذاكرة بل ازدادت حضورًا كلما حاول القدر أن يتكالب عليه لنسيانها.

لحظة صمتٍ قصيرة مرّت كأن الزمن تردّد قبل أن يُكمل خطوته حتى قطعه قائلاً بصوتٍ أجشّ يشي بما يختلج في صدره:

«أما زلتِ لا تُصدّقينني؟»

رفعت سيرين عينيها إليه ونظرت طويلًا… راودها شعور غريب إذ لم يخطر ببالها أنه يكذب؛ فهزّت رأسها نفيًا كأنه يراها ثم قالت بنبرةٍ لينة:

«لا… أنا فقط أفكر في كم أنت رائع… رغم أنك لا ترى إلا أنك تُبصر الموسيقى بيديك… تعزف البيانو كأنك تلمس الروح بل وساعدتني في تهذيب مقطوعتي.»

ذلك الوهن الخفي في صوتها كشف له سبب الحزن الذي لمحَه لحظة دخوله؛ كانت روحها بالفعل تذبل ببطء جراء غياب شغفها.

قال بهدوءٍ حاسم كأنه يُصارح نفسه قبل أن يُحفزها:

«لأن عليّ أن أتفوّق.»

تجمّدت سيرين في مكانها وقد ارتسمت الدهشة على ملامحها، دهشة لم تكن بعيدة عن الإعجاب ولا خالية من ارتجافةٍ خفيّة كأن كلماته لامست موضعًا حساسًا في قلبها لم تكن تتوقع أن يُمسّ.

وتابع بصوتٍ خافت كأنما يستخرج الكلمات من عمقٍ موجِع:

«صرتُ أحلم بطفولتي في الآونة الأخيرة… طفولة لم أعرف منها سوى القاعات المغلقة والدروس المتلاحقة… أُعِددتُ منذ البدايات لأكون وريثًا للعائلة وكأن قدري كان مكتوبًا قبل أن أتعلم كيف أختار فلم يكن أمامي سوى أن أكبر… أن أنضج قسرًا.»

سكت لحظة واستقر الصمت بينهما ككفٍّ حانية ثم استأنف بنبرةٍ أكثر صدقًا أشبه باعترافٍ عارٍ:

«وحتى اليوم لم يتغير الأمر… إن لم أكن على قدرٍ كافٍ من القوة والتميّز، فكيف لي أن أحتويكِ… وكيف أستطيع أن أكون سندًا لكِ ولطفلك؟»

عجزت سيرين عن الرد… الكلمات ثقلت على شفتيها واكتفت بالنظر إليه وقد ارتجف قلبها تحت وطأة ما سمعته.

وفجأة ضمّها إلى صدره… احتضانٌ دافئ، صريح لا يطلب الإذن بقدر ما يعلن الحاجة ومن ثم قال هامسًا وكأن صوته يتكئ على نبضها:

«سيرين… هل يمكننا أن نبدأ من جديد؟ أنا أحبكِ كثيرًا.»

كانت تلك المرّة الأولى التي تسمع فيها هذه الكلمات الثلاث منه فشعرت أنها لا تُقال فحسب بل تُسكب في قلبها سكبًا وتترك فيه أثرًا لا يُمحى رغم عناد كبريائها اللعين فلو لم تُمحَ ذاكرته لما تجرّأ على هذا الاعتراف العاري.

منذ ريعان شبابه كان الحب يُقدَّم إليه بسخاء ينهال عليه من كل صوب حتى ألفه حدّ البلادة… لم يكن يكترث لمحبة الآخرين ولم يسمح يومًا لقلبه أن ينكشف وحتى إن أحبّ كان يُحكم إغلاق مشاعره كمن يخشى أن يفضحه ضعفه.

كانت سيرين مذهولة إلى حدّ الشلل؛ لم تدفعه عنها ولم تقاوم تلك المسافة التي ذابت بينهما. وما إن شعر باستجابتها شدّ ظافر ذراعيه حولها وفي عينيه بريق رغبةٍ متوحشة وصادقة في آن واحد فانحنى برأسه ببطء يغمض عينيه مستنشقاً زفيرها المتضطرب كأن العالم كله انكمش في تلك اللحظة أخذت شفتاه تتلمسان الطريق إلى خاصتها بحثاً عن شعور لا بوصفه قبلة بل خلاصًا.

«أمي… سيدي…»

اخترق الصوت المشهد كحدٍّ بارد.

انتفضت سيرين فجأة حالما استعادت وعيها ودفعته عنها وقد ارتبكت أنفاسها تقفل على ساقين من هلام ومن ثم خرجت من الغرفة على عجل، تحاول أن تُخفي ارتعاش صوتها وهي تقول:

«زاك، لقد عدت.»

كان زكريّا يصعد الدرج وحقيبة ظهره تتأرجح على كتفه فلمح سيرين وظافر يخرجان من الغرفة تباعًا فساوره إحساس غامض بأن شيئًا ما كان على وشك الحدوث شيء لا يُقال… شيء لم يستطع أن يُسمّيه فاكتفى بالقول:

«أجل.»

ثم نزل الثلاثة إلى الطابق السفلي بينما بقي في الهواء أثرٌ خفيّ، ثقيل… أثر شغفٍ لم يكتمل لكنه لم ينطفئ على الأقل من جانب ذلك العاشق الذي يعاني للآن من حماقة أفعاله بالماضي.

أشارت سيرين إلى فاطمة وهانا في إيماءةٍ عابرة ثم واصلت سيرها.

بينما كان زكريّا يسير بمحاذاة ظافر يراقبه بنظراتٍ متحفّزة ثم انحنى نحوه هامسًا:

«قل لي، ماذا كنتم تفعلون في غرفة الموسيقى؟»

رفع ظافر حاجبه في فتورٍ متعمَّد وقال بنبرةٍ لا تخلو من استفزاز:

«وهل أنت غاضب؟»

حدّق زكريّا فيه بعينين تشي بغيرةٍ صريحة وقال بحدة:

«أفصح عن الحقيقة! هل تنمّرتَ عليها؟»

لم يخفَ على ظافر انزعاجه فتعمّد أن يزيده اشتعالًا وقال ببرودٍ ساخر:

«وهل هذه هي الطريقة اللائقة لطرح الأسئلة؟»

زفر زكريّا غيظًا ثم قال بنبرةٍ حازمة وهو ينطق اسمه كاملًا:

«ظافر نصران، من الأفضل لك ألا تتنمّر على أمي وإلا فلا تلومنّ إلا نفسك على ما سيحدث لك.»

كان لوقع الاسم كاملًا أثرٌ فوري؛ إذ تجمّد تعبير ظافر واكتسى وجهه ببرودةٍ مفاجئة… وبحركةٍ خاطفة من ذراعه رفع زكريّا عن الأرض ففقد زكريّا إحساسه بالجاذبية وراح يتخبّط وهو يصرخ:

«أنزلني! أيها المتنمّر الكبير!»

كاد ظافر أن يلقّنه درسًا لا يُنسى غير أنّ سعال فاطمة شقّ الهواء في تلك اللحظة،ذ فارتخت قبضته على الفور وأطلق سراحه كما يُفلت طفلٌ مذنب حين يستشعر حضور الكبار عندها فقط أدرك زكريّا أن لهذا الوغد شخصًا يخشاه حقًا إذ كانت فاطمة بمثابة أمٍّ ثانية لسيرين وهذا وحده كفيل بأن يجعلها حماة ظافر ويبدو أنّ سنّة الحياة جرت على أن يهاب الأصهار حماتهم ولم يكن ظافر استثناءً من هذه القاعدة العريقة.

لمعت في ذهن زكريّا فكرةٌ سريعة فاندفع نحو فاطمة بخطواتٍ خفيفة وفتح حقيبته على عجل ثم قال بصوتٍ حنونٍ ماكر:

«جدّتي، كيف حالكِ هذه الأيام؟ أشتاق إليكِ كلما ذهبتُ إلى المدرسة.»

كان لمجرد رؤية الصبي وقعُ الضوء على قلبها فأشرق وجهها بابتسامةٍ دافئة وقالت:

«أنا بخير يا صغيري، وأشتاق إليك أنت أيضًا.»

استطرد زكريّا ببراءةٍ ماكرة:

«ألم تقولي إنك تفتقدين سمك الشبوط منذ أن كنتِ في بلدتك حين كنا في الخارج؟ لقد أخبرني السيد ظافر أنه سيصطاد لك هذا السمك من النهر الليلة.»

بدت الدهشة على ملامح فاطمة حين علمت أن ظافر وزكريّا كانا يتبادلان الحديث في هذا الشأن؛ إذ كانت تظن أن ظافر لم يكن سوى يمازح الصبي ويُضايقه.

قالت مترددة:

«لكن النهر متجمّد، أليس كذلك؟»

أجابها زكريّا بذكاءٍ لا يخلو من الدهاء:

«لا بأس، قال السيد ظافر إنه يستطيع أن يحفر حفرة ويصطاد منها.»

وعلى مقربةٍ منهما وقف ظافر عاجزًا عن الكلام وقد عقده هراء زكريّا الماكر، لا يدري أكان الصغير يسخر منه أم يجرّه إلى مأزقٍ لا فكاك منه؟!


تعليقات