رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والخمسون 350 بقلم اسماء حميدة


  رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والخمسون 


كان جليًّا أن زكريّا يضع ظافر في مأزقٍ لا يُحسَد عليه ولم يَخفَ ذلك على فاطمة لحظةً واحدة.

وحين همّت برفض العرض باغتهم ظافر بقوله الهادئ الواثق:

«نعم، سأذهب للصيد هذه الليلة.»

فوجئت السيدات جميعًا وتسرب الاستفهام إلى صوت سيرين وهي تقول:

«لماذا فجأة؟»

أما فاطمة فلم تُخفِ دهشتها؛ فالشتاء في ذروته، والجليد الذي يغطي سطح النهر لا تقل سماكته عن اثنتي عشرة بوصة… كيف له أن يصطاد سمكًا في مثل هذه الظروف؟ وحتى لو أراد المراوغة كان الأولى أن يختلق عذرًا أكثر معقولية.

غمغمت سيرين ساخرة دون صوت:

“المال في مثل حالته يكاد أن يفتح الأبواب المستحيلة”.

وعند العاشرة مساءً وصل ظافر إلى باب المنزل، يحمل بين يديه سمكًا طازجًا تفوح منه رائحة النهر… سمك الشبوط بعينه ذاك الذي تعشقه فاطمة.

ناول ظافر السمك إلى سيرين فما كان منها إلا أن أسرعت إلى المطبخ تُعدّ حساءً دافئًا من مكوّناتٍ طازجة واحتفظت ببعض السمك جانبًا لتشاركه مع الجيران لاحقًا… لم تشغل سيرين نفسها بكيفية حصول ظافر على السمك؛ فالناس في نهاية الأمر لا يترددون في المساعدة متى كان المقابل المالي حاضرًا… غير أنّ فاطمة امتنعت عن تناول الحساء وسألت بنبرةٍ متحفّظة:

«هل هو من اصطاد السمك حقًا؟»

أجابت سيرين بهدوءٍ صريح:

«ولنكن أدقّ لقد دفع لشخصٍ ما ليتولى الصيد.»

هزّت فاطمة رأسها في رفضٍ واضح وقالت:

«لا أريد أن أكون مدينة له بشيء.»

وضعت سيرين الوعاء جانبًا واقتربت منها تحتضنها برفق، وقالت مبتسمة:

«أنتِ تُفرطين في التفكير… هو يقيم في منزلكِ كل يوم فما الضرر في أن يشتري لكِ بعض السمك؟»

كانت سيرين تدرك تمامًا سبب قلق فاطمة؛ فقد خشيت أن تتأثر هي نفسها بتفصيلٍ بسيط كهذا وأن ينشأ في قلبها امتنانٌ لا تريده ولا تسعى إليه.

وبعد أخذٍ وردّ نجحت سيرين أخيرًا في تهدئة مخاوف فاطمة فاستسلمت الأخيرة بابتسامةٍ خفيفة ومدّت يدها إلى الحساء وقد بدت مستعدة لتقبّله أخيرًا.

قالت فاطمة وقد ارتسم على وجهها رضا لم تألفه من قبل:

«هذا السمك هو الأطيب حقًا… طازج بلا تلك النكهة النفّاذة التي اعتدناها.»

لم تكن فاطمة قد تذوّقت نعمة كهذه من قبل ففي الماضي لم يخطر ببالها يومًا أن تُرزق في أواخر عمرها بابنةٍ وأحفاد يجلسون إلى جوارها يشاركونها الدفء والأنس… وبعد أن فرغت من نصف طبق الحساء نهضت ببطء ثم آوت إلى فراشها.

أمسكت سيرين يد فاطمة برفق وشعرت في تلك اللحظة بمدى ما فعله الزمن بجسدها وكيف مضى مسرعًا لا يلتفت.

في أعماقها لم تستطع سيرين أن تتخيّل الحياة من دون فاطمة… فإذا رحلت، ماذا سيتبقّى لها؟ وأيّ طريق ستسلكه بعد ذلك؟

كانت هناك مقولة قديمة تقول إن الوطن هو حيث يكون الوالدان وفاطمة كانت أمّها بكل ما تحمله الكلمة من معنى… فهل يعني رحيلها أن تفقد وطنها أيضًا؟

وقف زكريّا عند باب الغرفة بتردّد ثم ناداها بهدوء:

«أمي.»

وضعت سيرين يد فاطمة تحت الغطاء بإمعان ثم خرجت إليه قائلة:

«ما الأمر؟»

قال:

«سأذهب غدًا إلى منزل كوثر… لقد طلبت مني أن أرافقها إلى حفل زفاف السيد ليونارد بعد غد.»

في الحقيقة كانت كوثر تخشى حضور زفاف ليونارد بمفردها غير أن كبرياءها دفعها إلى الذهاب رغم ذلك… ربما كانت تأمل أن تُطفئ ما يذكرها به في قلبها حين تراه يتزوّج امرأة أخرى رؤية العين.

تنهدت سيرين ثم ضربت جبينها بخفة وقد تذكّرت الأمر:

«آه كدت أنسى… حسنًا، سنذهب إلى منزلها غدًا معًا.»

أجاب زكريّا بإيجازٍ مطمئن:

«تمام.»

في صباح اليوم التالي وقبل أن تغادر أوصت سيرين هانا أن تعتني بفاطمة عنايةً تامّة وأن تتصل بها فورًا إن طرأ أيّ أمرٍ غير معتاد… كما أبلغت ظافر بأنها ستتوجّه مع زكريّا إلى المدينة.

وما إن غادروا المنزل حتى بادر ظافر إلى الاتصال بشخصٍ ما، طالبًا منه أن يقوده إلى هناك هو الآخر.

كان اليوم أحدًا… وقد تأنّقت كوثر بفستان سهرة رائع بينما خرج زكريّا من غرفة القياس مرتديًا بدلةً أعطته وقار أبيه… فاتسعت عينا كوثر ولمعتا إعجابًا ومن ثم قالت بحماس:

«يا إلهي! تبدو فاتنًا! زاك، تعالَ لأقرص خدّيك.»

قطّب زكريا حاجبيه في امتعاضٍ وقال:

«كوثر، هلّا تصرّفتِ بما يليق بعمركِ؟»

ابتسمت سيرين لما دار بينهما من مرحٍ خفيف ثم قالت:

«حسنًا، حان وقت الرحيل.»

توقفت كوثر عن مضايقته واستقلّ الثلاثة سيارةً خاصّة أقلّتهم إلى فندق «سيزونز» حيث كانت الأمسية بانتظارهم.


تعليقات