رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والواحد والخمسون 351 بقلم اسماء حميدة


  رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والواحد والخمسون 


تباطأت السيارة شيئًا فشيئًا حتى توقفت عند مدخل فندق «سيزونز».

بقيت كوثر جالسة في الداخل لحظة تحدّق في بهو الفندق بعينين مثقلتين بالمشاعر إذ اجتاحتها موجةٌ جارفة من الانفعالات فحاولت أن تستجمع رباطة جأشها ثم نزلت من السيارة برفقة زكريّا ولحقت بهما سيرين.

ألقى زكريّا نظرة سريعة إلى ساعته؛ كان الموعد يوشك أن يحين غير أن الرجل الذي اتفق معه لم يظهر بعد…

أيعقل أنه لا يرغب في كسب المال؟ يا لها من خدمةٍ رديئة! ولو أُتيح لزكريّا أن يترك له تعليقًا في مكانٍ ما لما تردّد في منحه صفر نجمة بلا تردّد.

على الجانب الآخر لم تأخذ كوثر الأمر على محمل الجد؛ فكيف لطفل في أن يجد لها رفيقًا أوسم من ليونارد؟

التفتت كوثر نحو سيرين ونظرت إليها من فوق كتفها وقالت بصوتٍ يخالطه القلق:

«سيرين، أنا متوترة جدًا.»

تقدّمت سيرين أمسكت يدها برفق وقالت بنبرةٍ مطمئنة:

«اهدئي… أنا هنا إلى جوارك.»

طوال تلك السنوات لم تسمح كوثر لقلبها أن يفتح بابًا جديدًا؛ ظلّ موصدًا باسم ليونارد وحده ولم يكن ذلك لأنها افتقرت إلى الخُطّاب بل لأنها رفضتهم جميعًا دون تردّد مخلصةً لذكرى حبٍّ لم يكتمل.

وحين عادت من الخارج كان أول ما دفعها إليه الشوق هو البحث عنه غير أنّ الصدمة باغتتها حين وجدته مرتبطًا بامرأةٍ أخرى وها هو اليوم على وشك أن يعقد قرانه بل ويمضي أبعد من ذلك… فيدعوها لحضور زفافه… كان في وسعه أن يختار طريقًا أرحم ليُعينها على النسيان؛ كان يمكنه أن يتصرّف على نحوٍ أفضل.

ومع ذلك وبفعل كلمات سيرين المطمئنة استطاعت كوثر أخيرًا أن تُجبر قدميها على التقدّم، وتوجّهت نحو الفندق.

ما إن دخلوا البهو حتى وقعت عيناها على صورة الزفاف… هناك، بدت العروس كاميلا متألّقة في ثوبها الأبيض تقف إلى جوار ليونارد… ولم يَخفَ على سيرين ما رأته في تلك اللحظة؛ فقد فوجئت بالشبه الواضح بين كاميلا وكوثر.

تمتمت كوثر بصوتٍ خافت:

«إنها جميلة.»

انقبض قلب سيرين فأجابت فورًا:

«أنتِ الأجمل.»

بينما شدّ زكريّا على يد كوثر قائلًا بثقة:

«نعم يا أمي… أنتِ الأجمل.»

كانت كلمة «أمي» كفيلة بأن تعيد روح كوثر إلى جسدها فالتفتت إليهما، تنقّل نظرها بينهما، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة صادقة، هادئة، وكأنها تصالحَت أخيرًا مع الفكرة.

«حسنًا… فهمت الآن… هيا بنا إلى الداخل.»

وبينما كانت سيرين وزكريّا تمسكان بيديها مرّ خاطرٌ دافئ في ذهن كوثر:

*وإن لم يكن لي رفيق، فلديّ سيرين وزاك… وهذا يكفيني.*

وأثناء توجههم إلى القاعة صادفوا ليونارد واقفًا عند المدخل يستقبل الضيوف وإلى جواره والدته.

توقفت نظرات ليوناردو عند كوثر لبرهةٍ خاطفة ارتبك فيها بصره قبل أن يستعيد رباطة جأشه ويكسو ملامحه برودٍ متعمد ومن ثم قال بصوتٍ مقتضب:

«إذًا… أنتِ هنا.»

أومأت كوثر برأسها بهدوء وقالت بنبرةٍ متزنة:

«نعم… اشتريتُ ثلاجةً كهدية ستصل قريبًا… آمل أن تنال إعجابك.»

لم يُجب ليونارد بل انتقل نظره إلى زكريّا الذي كان قابضًا على يد كوثر… همّ بالسؤال غير أن والدته تقدّمت في تلك اللحظة.

قالت أوليفيا براون بنبرةٍ يغلب عليها القلق:

«كوثر، ما الذي جاء بكِ إلى هنا؟»

كانت أوليفيا تخشى أن تُعكّر كوثر صفو الزفاف فهي تعرف جيدًا مقدار ما كانت تكنّه من حبٍّ لليونارد… واليوم هو يوم زفافه؛ فهل ما زال هناك متّسعٌ لمحاولة استعادة قلبٍ اختار طريقه؟

أضافت أوليفيا بحدّةٍ مهذبة تخفي موقفًا حاسمًا:

«شكرًا على الهدية، لكن الوقت قد فات.»

وبرغم ذلك لم تتردد في قبول الهدية بامتنانٍ ظاهر.

رفعت كوثر رأسها وردّت ببرودٍ لا يخلو من الكرامة:

«ليونارد هو من دعاني… ألم تكوني على علمٍ بذلك؟»

ابتلعت أوليفيا ريقها؛ لم تكن على علمٍ بذلك وارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ خفيفة، خافضة صوتها قائلة بنبرةٍ ملتفّة:

«كوثر، نحن نحبّكِ كثيرًا… لقد قلتُ لليو هذا مرارًا لكنه عنيدٌ كالثور وأصرّ على الزواج من كاميلا… ومع ذلك يمكنكِ أن تبقي على تواصلٍ معه بعد اليوم.»

تسلّل الارتباك إلى كوثر عند سماع تلك الكلمات… ما الذي كانت أوليفيا تحاول الإيحاء به؟

وقبل أن تستوعب المعنى تمامًا تقدّمت سيرين خطوةً إلى الأمام وقالت بوضوحٍ حادّ:

«وهل تبحثين لابنكِ عن عشيقة؟»

اتسعت عينا أوليفيا دهشةً وقالت بامتعاضٍ:

«كيف لكِ أن تعبّري عن الأمر بهذه الطريقة المقزِّزة؟ الرجال في نهاية المطاف يمكن أن تكون لهم صداقات أيضًا.»

غير أنّ أوليفيا لم تنتبه إلى التغيّر الذي طرأ على ملامح سيرين ولا إلى نبرة الغضب المكتوم التي بدأت تتشكّل في نظرتها.


تعليقات