رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والثاني والخمسون 352 بقلم اسماء حميدة


  رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والثاني والخمسون


وبما أنّ كوثر ابنة الرئيس التنفيذي فقد افترضت أوليفيا في حساباتٍ باردة أن استمرار ليونارد على صلةٍ بها سيعود عليه بالفائدة لا محالة.

غير أنّ سيرين التقطت مقاصد أوليفيا سريعًا وما إن تبيّنت نواياها حتى زال عنها أيّ حرصٍ على المجاملة أو إظهار الاحترام بل لم تُبالِ حتى بوجود ليونارد إلى جوارهن فقالت بلهجةٍ ساخرة لا تخلو من الحدّة:

«آه، فهمت الآن… أنتِ أمٌّ مخلصة حقًا… ابنكِ مقبلٌ على الزواج وأنتِ تساعدينه في البحث عن عشيقات! وهل تعلم زوجة ابنكِ المستقبلية بهذا الكرم العاطفي؟»

ومن دون أن تنتظر ردّ أوليفيا واصلت سيرين بنبرةٍ قاطعة:

«كوثر ليست متعلّقة بابنكِ حدّ الهوس… هي هنا فقط لحضور حفل الزفاف لترى بعينيها أيّ امرأةٍ تراها عائلتكم جديرة بأن تحلّ محلّها.»

ثم التفتت بنظرةٍ باردة إلى ليونارد وقالت:

«سيد ليونارد، أستطيع الآن أن أفهم تمامًا من أين استمددتَ طباعك… إن كنتَ ستقف صامتًا بينما تقول أمّك مثل هذا الكلام، فهل أنت حقًا جدير بلقب محامٍ؟»

قبل مجيئها إلى هذا الحفل لم تكن سيرين قد رأت الوجه الحقيقي لأوليفيا؛ كانت تظنّ أن ليونارد وحده هو من يفتقر إلى القلب.

تحت وقع كلماتها التفت ليونارد إلى والدته وقال بحزم:

«أمي، كُفّي عن قول ما تشائين… كاميلا هي المرأة الوحيدة التي سأبقى معها، وهي وحدها من سأحب.»

وقفت كوثر خلف سيرين وفجأةً داهمها شعورٌ مرير بأنها كانت ساذجة في الماضي إذ عاد إليها بخزيٍ ثقيل ذلك المشهد القديم في فندقٍ متواضع حين كان ليونارد يحتضنها ويهمس بثقةٍ كاذبة:

«أقسم أنكِ الوحيدة في حياتي… سأحبكِ وحدكِ يا كوثر.»

شدّت على نفسها تحاول ألّا تسأله، ألّا تبوح بما كان يعتمل في صدرها في تلك اللحظة، وكأن الصمت أرحم من الحقيقة.

هناك كانت أوليفيا—على الدوام—تميل إلى ليونارد مهما بلغ خطؤه إذ رمقت سيرين بنظرةٍ غاضبة وتمتمت بصوتٍ خفيضٍ مقيت:

«ابني رجلٌ مميّز؛ وما الضير أن تكون له بضع نساء؟ كل رجلٍ في مكانته اليوم لديه أكثر من واحدة… قد يرى البعض في ذلك ظلمًا فمن سيقبل بامرأةٍ مستهلكة بعدما تركها ليو؟»

كانت أوليفيا قد أدركت أن كوثر وليونارد ذهبا يومًا إلى فندقٍ واحد… وأن ما بينهما قد تجاوز الكلام… بينما اشتعل غضب سيرين عند كلمة «مستهلكة» فتقدّمت خطوة وأمسكت بالكلمة من فمها قبل أن تهرب وقالت بحدّةٍ باردة:

«ماذا قلتِ؟ أعيديها.»

أسكتت أوليفيا نظرات سيرين القاطعة في الحال فأردفت سيرين بتحذيرٍ لا يقبل التأويل:

«أحذّركِ الآن: إن سمعتُ منكِ كلمةً واحدة أخرى تمسّ الكرامة، فسأمزّق فمكِ إربًا.»

ارتبكت أوليفيا والتفتت مذعورة إلى ليونارد:

«ليو، انظر إلى نوعية الأشخاص الذين دعوتهم!»

لكن ليونارد كان قد بلغ حدّه إذ قال بصرامةٍ واضحة يغالب غضبه:

«أمي، كفى. أنتِ وأبي يجب أن ترتاحا.»

جاء صوته حادًا… وكان غضبه هذه المرّة حقيقيًا.

غير أنّ أوليفيا أبت أن ترحل؛ فإن لم يدافع عنها ليونارد فهي أقدر الناس على الدفاع عن نفسها فقالت بوقاحةٍ صارخة:

«وهل قلتُ شيئًا خاطئًا؟ كوثر أقامت علاقةً حميمة مع ليو بالفعل، فبمَ تسمّونها إن لم تكن امرأةً مُستهلكة؟ ثم لنكن صريحين… لو لم تكن غنية فمن ذا الذي قد يرغب بامرأةٍ مثلها؟»

توجّهت الأنظار إليهم وتضخّم شعور أوليفيا بالانتصار وبدا جليًا أنها لا تُبالي بإثارة فضيحة في يوم زفاف ابنها.

ثم أردفت وقد ازداد صوتها لذعًا:

«كوثر، أنتِ في الثامنة والعشرين الآن، أليس كذلك؟ بلا حبيب، وبلا رجل في حياتك… لا بد وأن فيكِ خللًا ما… لا عجب أن ابني العزيز ليو تخلّى عنك.»

هنا… وحدث ما لم يكن في الحسبان إذ رفعت سيرين يدها وصفعت أوليفيا صفعةً مدوّية أطاحت بها أرضًا… لم تتوقّع أوليفيا ذلك مطلقًا… وإذا بصرخة حادّة انطلقت منها وهي ترتطم بالأرض وقد تبدّد غرورها في لحظة كما يتبدّد الغبار تحت وقع الضربة.

أسرع ليونارد على الفور ليساعد أوليفيا على النهوض وقال بنبرةٍ مستنكرة:

«سيرين، كيف تجرؤين على ضرب امرأةٍ مسنّة؟»

ثم استدار نحو كوثر وحدّق فيها بحدّة:

«كوثر، أتيتِ إلى هنا فقط لتفسدي زفافي، أليس كذلك؟»

ارتجفت كوثر في مكانها… كانت كلمات أوليفيا تتردّد في صدرها كأشواكٍ مسمومة تغوص عميقًا في القلب… أرادت أن تدحضها، أن تصرخ بالحقيقة لكن لسانها انعقد ولم تعرف من أين تبدأ.

في تلك اللحظة تقدّم زكريّا ووقف أمامها كدرعٍ صغير يتحدّى عاصفة ومن ثم قال بصوتٍ عالٍ لا يخلو من غضبٍ طفولي صادق:

«لا يحقّ لكِ أن تتنمّري على أمي! من قال إن لا أحد يريد أمي؟ أبي هو أقوى رجلٍ في المدينة!»

أمي؟

كانت تلك الكلمة كافية لتمزّق القناع الذي اعتاد ليونارد ارتداءه… ذلك الهدوء المصطنع، وذلك التماسك البارد تشقّقا أخيرًا وأخذ يحدّق في كوثر بذهولٍ صريح كأنه يراها للمرة الأولى غير قادر على استيعاب ما سمعه للتو.


تعليقات