رواية حبل الوريد الفصل الخامس والثلاثون 35 بقلم ياسمين عادل


 رواية حبل الوريد الفصل الخامس والثلاثون 

       _ لم تستطع زينة بعد كل تلك المحاولات الوصول للمشفى قبل أن يغادرها ريان .. 
فقد علقت السيارة الأجرة التي أستقلتها بالزحام المروري ، مما أعاقها عن الوصول مبكرًا لتلحق به .. 
وإن لم يكن زحام مروري ، فهو أيضًا انصرف عقب أن علم بحضورها.. 
فلا يرغب الإجتماع بها بأي شكل كان.. 
أستقلت المصعد الكهربي وهي تنتظر على أحر من الجمر لرؤيتهُ .. خشت أن تبصر بما لا تحبذهُ ، ولكنها لن تتراجع .. 
دلفت زينة وعلى ملامحها تعابير غريبة ، لم تقوَ على منعها من أن تطفو على سطح وجهها .. 
لاحظت كارمن ذلك منذ الوهلة الأولى ولكنها لم ترد أن تشعرها بذلك .. 
تعاملت معها بودٍ يتناقض مع هذه الغيرة التي نمت بداخلها ، فرحبت بها ترحيبًا مزيفًا وهي تقول :

- أقعدي يازينة واقفة ليه ؟ 
زينة وهي تنظر حولها باحثة عنه : سوري لو جيتلك في وقت مش مناسب ولا حاجة
كارمن وهي تتعمد إظهار حقيقة إنصرافهُ : لأ طبعا متقوليش كده ، أنا قاعدة لوحدي وانتي هتونسيني لحد ما كريم يوصل
زينة وهي تجلس على طرف المقعد : هو.. آ.. ريان فين ؟ مش قولتي موجود ! 
كارمن وهي تبتسم إبتسامة صفراء باهتة : مشي بعد ما قفلتي معايا على طول ، عندهُ meeting مهم ، وكمان هو اللي شايل المشروع كله لحد ماأقوم بالسلامة
زينة وقد احتقن وجهها بحُمرة مغتاظة : ربنا يتم شفاكي بخير 

    _ أرادت الأنوثة الكامنة بداخلها أن تثير إستفزازها أكثر ، علها تتناسى فكرة الإقتراب مما لا يخصها .. 
فابتسمت ببرود شديد وهي تردد مشيرة لزاوية الحجرة :

- في أيس كريم بالفراولة في التلاجة الصغيرة اللي هناك دي ، ريان لسه جايبهولي .. قومي خدي منهُ هيعجبك جدًا
زينة  : ريان ! 
كارمن بوداعة مزيفة : آه ، سألني نفسك في إيه قولتله هاتلي أيس كريم .. بحب أكلهُ في الشتا أوي 

     _ هبت واقفة من مكانها بإندفاع ، وقد أشتعل صدرها بحرارة شديدة من فرط كتم غيظها .. شعرت بها كارمن ولكنها منعت إبتسامة سعيدة من التسرب لمحياها .. 
ثم هتفت ببراءة :

- لسه بدري يازيزي خليكي شوية 
زينة وهي ترفع حقيبتها على كتفها : لا كفاية عليا كده ، قصدي إني متأخرة وورايا مشوار لازم أعملهُ ، عن أذنك
كارمن وهي تلوح لها بكفها السليم : مع ألف سلامة يازيزي

      _ وما أن خرجت حتى أنفجرت كارمن بالضحك الهيستيري ، مما أدمع عيناها .. ولكن أنقلبت الآية رأسًا على عقب .. 
فقد تحولت دموعها الضاحكة لأخرى باكية ، عندما نظرت لذراعها المغلف بالشاش وتحسست رأسها التي بدأت تؤلمها من جديد  .. 
والدها ، حبيبها الذي هجرتهُ .. ذكريات طفولتها السعيدة ، وكيف كانت تجلس فوق ساقي والدها ليدللها گأميرة متوجة .. كل ذلك هاجم رأسها دفعة واحدة لتنفجر ببكاء متحسر ومتألم .. مسحت عبراتها وهي تنعي حالها :

- ليه كل ده بيحصلي ! 

    _ شهقت شهقات مريرة وقد جف حلقها .. وتضاعف الألم عليها ليكون جسدي ونفسي ومعنوي .. 
ما مرت به في الفترات الماضية لم يكن سهلًا عليها .. 
والفاجعة الأكبر هي خسارتها لأغلى شئ بحياتها ، والدها .. 
الذي كان السند والعضد والحماية ، حتى الآن لا تصدق إنها لن تراه طيلة حياتها مرة أخرى .. 
فقد اشتاقت للمس لحيتهُ البيضاء المتناغمة مع خصلات سوداء كانت تزيد من وقاره ُ .. 
فكان يحبذ منها تلك الحركة كثيرًا ، عندما كانت تدغدغ بشرته المختبئة أسفل لحيتهُ .. 
أسندت رأسها على الوسادة فشعرت بنغزات برأسها مكان الأصابة .. لم تهتم ولم تعبأ ، فآلامها النفسية تعدت كل الآلام .. 

................................................................... 

     _ هذا هو اليوم الخامس لها بالمشفى ،  وقد قررت أن تغادرها الليلة وعدم المكوث بها أكثر من ذلك .. 
تألمت ألمًا شديدًا  أثناء تطهير الطبيب لجرح رأسها الذي ما زال قيد الشفاء ، في حين كان شقيقها بجوارها يحاول أن يخفف آلامها .. ولكن دون جدوى ، 
تأوهت بآنين مكتوم ، بينما انتهى الطبيب من عملهُ .. 
فنزع عنهُ قفازاتهُ البيضاء وهو يقول :

- ألف سلامة عليكي ياآنسة كارمن ، عارف إنك بتتألمي لكن الممرضة هتديكي حُقنة مسكنة حالًا قبل ما تمشي ، وانا كتبتلك تصريح خروج خلاص

   _ عجزت عن التفوه بأي حديث ، فأومأت رأسها بتفهم .. 
بينما تسائل شقيقها وهو يُطالعها بقلق :

- طيب في أي علاج هتمشي عليه؟ 
الطبيب : أكيد طبعًا ، الروشتة جاهزة والممرضة هتسلمهالك قبل ما تمشوا
كريم : شكرًا يادكتور
الطبيب : هستناكي ياآنسة كارمن بعد تلات أيام من النهاردة عشان نطمن على الجرح ونعمل إشاعة مقطعية نطمن بيها عليكي
كارمن بصوت ضعيف : حاضر 
الطبيب وهو يهم بالإنصراف : عن أذنكم 

    _ إنصرف الطبيب من الغرفة تاركًا إياهم .. 
بينما جلس كريم على طرف الفراش بجوارها ، ومسح على كفها بدفء وهو يردد :

- ألف ألف سلامة عليكي ياحببتي
كارمن بإبتسامة صغيرة : الله يسلمك ياكريم

     _ تنغض جبينها وهي تفكر بحيرة في هذا الأمر .. 
ونظرت حيال شقيقها وهي تسأل بفضول :

- قُصي مجاش المستشفى ولا مرة من ساعة أول يوم ! 
تفتكر إيه السبب ؟ 
كريم وقد انتبه لهذا الأمر الغريب : صحيح ! أنا كنت معتقد إنه هيرابط قدام المستشفى ومش هيسيبك 
كارمن وهي تبتلع ريقها بتوجس : أنا بدأت أقلق ! إختفاؤه ده وراه سبب أكيد! 
كريم محاولًا بث الطمأنينة بداخلها : متقلقيش أنا هنا جمبك
كارمن وهي تحرك رأسها سلبًا : ميقدرش يعملي حاجة ، أنا خايفة على ناس تانية ياكريم 
كريم  : ........... 

        _ لقد أدخلت الشك في نفس شقيقها أيضًا .. 
فهذا الإختفاء حتمًا له مبرر ، مُحال إنه يدبر لشئ ما ! ولكن ما هو؟ لا تستطع التوقع ! 
كل ما تخشاه هو إصابة '' ريان '' بأذى .. فهو المنشود والمطلوب ، تنهدت بثقل شديد .. 
ثم أطبقت جفنيها لتتضرع للّه في الخفاء ، بداخل أغوار صدرها  .. 

   _ أتت المربية '' لطيفة '' للمشفى ، وأحضرت معها الملابس وسائل تنظيف الوجه واليدين .. والعطر الخاص بكارمن بجانب بعض اللوازم حتى تعد حالها لمغادرة المشفى .. 
وما أن انتهت وحصل كريم على تصريح الخروج ، أصطحبها خارج المشفى .. لتذهب لقصرها . 

.................................................................... 

        _ ساعدتها لطيفة لتتمدد بجسدها على الفراش .. ثم وضعت عليها الغطاء المخملي الناعم والثقيل .. 
جلست جوارها لتمسد على رأسها برفق وهي تقول :

- سلامتك يابنتي ألف سلامة
كارمن بصوت ضعيف : الله يسلمك يادادة

    _ أشارت لطيفة نحو الزهور الموجودة بداخل المزهرية ، ثم هتفت بصوت مرح :

- شايفة الورد اللي هناك ده ، جالك النهاردة وصاحبهُ طلب مني يكون في أوضتك
كارمن وهي تبتسم بحُب : ريان ! 
لطيفة : هو في غيرهُ ! 

      _ رن الهاتف المنزلي الخاص بحجرتها ، فقامت لطيفة بالرد .. ليأتيها صوت قُصي وهي يقول :

- هاتي كارمن
لطيفة وقد تلوت شفتيها بإنزعاج من فظاظتهُ : ماشي
 
   _ أشارت بفمها وهي تقول إسمهُ ، فتغيرت ملامح كارمن وهي تقول بهمس  :

- قوليله نايمة
لطيفة بنبرة خافتة : كلميه أحسن ييجي هنا

    _ أقتنعت كارمن بوجهة نظرها ، فألتقطت الهاتف لترد بإقتضاب شديد  :

- أيوة
قُصي بصوت هادئ : حمدالله على السلامة ياأحلى كارمن
كارمن وهي تجيب بلهجة حازمة : الله يسلمك 
قُصي وهو يرمي لشئ ما : أنا بعدت اليومين اللي فاتو ومحبتش أزعجك لحد ما ترجعي بالسلامة ، عشان الفترة الجاية هتشوفيني كتير أوي
كارمن وقد أنعقد حاجبيها بعدم فهم : يعني إيه هشوفك كتير ! 
قُصي بإبتسامة مستفزة : متاخديش في بالك ، كل حاجة ليها وقتها .. المهم عايز أفكرك بحاجة مهمة
كارمن بعقل منشغل : إيه ؟ 
قُصي : بعد يومين حفل الإفتتاح ، فكرت في التأجيل لكن صعب بعد ما الدعوات وصلت للمحافظ ورجال الأعمال و... 
كارمن وهي تقاطعهُ بنفاذ صبر : ملهوش لزوم التأجيل ، خلينا ننجز عشان الوقت
قُصي : اللي يريحك
كارمن وهي تتأوه متألمة : آه ، أنا هروح ارتاح لأن دماغي وجعاني جدًا .. 
قُصي متعمدًا إظهار جزء من الحقيقة : متنسيش تاخدي حباية قبل النوم اللي كاتبهالك الدكتور
كارمن  :................... 

    _ أتسعت عيناها بصمت ، فقد علم حتى بالدواء الذي صرح به الطبيب .. بينما ضحك قُصي وهو يتخيل مشهد صدمتها ، ثم تابع :

- كل حاجة تخصك في الـ ٥ أيام اللي فاتوا عارفها بالحرف ، متستغربيش .. حتى الأدوية بتاعتك حفظت مواعيدها
كارمن وقد تأجج داخلها بضيق بالغ : مع السلامة
قُصي : الله يسلمك ياأحلى كيرو في الدنيا

     _ ضربت السماعة على الهاتف وقد اضجرت من تصرفاتهُ ومحاوطتهُ إياها بهذا الشكل .. 
يكاد يعد أنفاسها شهيقًا وزفيرًا ، تُرى ما الذي يعلمه أيضًا! .. 

................................................................... 

      _ لا تدري كيف قضت يومان كاملان دون أن يتصل بها ريان ، أو يقوم بمجرد محاولة للتواصل معها .. 
علمت من مهندسو المشروع إنه يعمل على قدمٍ وساق ولم يهدأ أو يمل .. وكأنه نقل إقامتهُ لمحل الموقع  . 
في حين اهتمت المربية خاصتها بغذائها ودوائها منذ عودتها للقصر بناء على طلب '' كريم ، ريان '' .. 
اللذان شددا عليها ضرورة الإعتناء بها حتى يُشفى جرحها .. 

وفي هذه الليلة الدافئة ، ذات الحرارة المعتدلة إلى حد ما .. حان موعد حفل إفتتاح المشروع الأكبر في مصر .. 
أهتمت كارمن بإختيار فستان طويل رقيق من اللون الكشمير ، مُزين بفصوص صغيرة للغاية .. وتصل فتحة الظهر المثلثية لمنتصف الظهر تقريبًا ، ذي أكمام أخفت جرح ذراعها وفتحة صدر بيضاوية ضيقة .. 
لملمت المصففة شعرها للأعلى بشكل وطريقة مناسبين لئلا تؤذي جرح رأسها .. وارتدت قرطًا ماسيًا متدلي من أذنها .. 
والقليل من مساحيق التجميل وطلاء الشفاه قد وفى الغرض .. في الأساس عيناها الخضراوتان تُضئ وجهها فلا تحتاج لأية زيادات .. ولكنه الروتين الطبيعي المناسب لأجواء حفل صاخب گهذا .. 
أبتلعت قرصين من المسكن المصرح لها به حتى تقضي على أي أثر للألم الذي قد يصاحبها .. 
وبعد أن انتهت من كل شئ ، أستعدت لمغادرة حجرتها ، لتتفاجئ بوجود قُصي بحُلتهُ السوداء الأنيقة وهو يقف منتظرًا إياها أمام الحجرة .. 
أنفرجت شفتيها بذهول وهي تقول بإعتراض مستنكرة وجوده :

- إنت بتعمل إيه هنا! المفروض تكون في الحفلة
قُصي متجاهلًا حديثها لينظر لهيئتها الآسره : أنا مؤمن إنك كتير عليا ، لكن برضو بحـــبك 

     _ حدجتهُ بإزدراء قبل أن تحول بصرها عنه ، ثم مرقت من جواره وهي تتجاهل تغزلهُ بها ، ولكنهُ أمسك بساعدها ليمنعها من المُضي وهتف محذرًا :

- كارمن ، إنتي عارفة إن الحفلة والناس والضيوف اللي جايين .. كُل دول ميفرقوش معايا
كارمن وهي تسحب ذراعها منه بإنفعال : إنت بتهددني ! 
قُصي بإبتسامة باهتة : لأ ، بفكرك بس
كارمن وقد تفهمت ما يرمي إليه ، فتسائلت بنزق : عايز إيه ياقُصي ؟ 

      _ مد يدهُ يتحسس بشرتها ، ولكنها سرعان ما دفعت يدهُ عنها وهي ترمقهُ بإحتجاج .. فابتسم وهو يهتف :

- خليكي لطيفة معايا النهاردة ، لأن الأيام اللي قضيتيها في المستشفى وكل اللي حصل مخليني محتاج انفجر .. وبصراحة خايف الأنفجار ده يكون..... 

    _ بتر عبارتهُ قبل أن يفسد الأجواء أكير بحديثهُ .. وأجبر ثغرهُ على رسم بسمة مزيفة وهو يتابع :

- قلقان تزعلي مني النهاردة

         _ خطى كريم صوب حجرة شقيقتهُ ليكتشف وجودهم أمام باب الحجرة .. فتنغض جبينهُ بضيق وهو يقترب ليقول بسخرية :

- هي الحفلة اتنقلت عندنا في القصر ولا إيه ؟ 
قُصي بأعين عالقة عليها : لأ ، بس جيت أخد كارمن معايا
كريم بلهجة معترضة وقد ارتفع صوتهُ قليلًا : لأ ، كارمن هتيجي معايا
قُصي  : ............ 

       _ كانت نظرات قُصي لها موحية لدرجة تكفي ، حتى تتفهم إنه صادقًا أشد الصدق في تهديداتهُ بإفساد الليلة .. 
فأحنت بصرها وهي تقول :

- معلش ياكريم ، ممكن تسيبني أروح معاه وهنبقى نروح سوا ؟
كريم وقد ارتفع حاجبيه بعدم تصديق : إيـه ! أنتي موافقة؟ 
كارمن وهي تبتسم بسمة خالية من المعاني  : عشان هنستقبل المحافظ سوا زي ماانت عارف .. يلا ياقُصي

       _ حاولت أن لا تعطي الفرصة لشقيقها للإعتراض ، فسارت بتعجل رغم إرتدائها لحذاء عالي .. 
ومن خلفها قُصي ناظرًا برغبة شديدة لظهرها العاري ، أبتسم بعشق وهو يراقب حركتها البطيئة .. حتى أنتهى الدرج وخطت نحو باب القصر .. 
فسبق خطاها ليفتح الباب ، وما أن تحركت للخارج حتى كادت تسقط أثر إلتواء قدمها بهذا الحذاء ، ولكنه أمسكها سريعًا وهو يتحسس ظهرها قائلًا :

- حاسبي ! 
كارمن وهي تدفعهُ عنها : Thank you  ( شكرًا ) 
 
     _ تحركت نحو سيارتهُ ، لتجدهُ يفتح الباب الأمامي لتستقل المقعد .. وما أن جلست حتى وجدت شقيقها يظهر من خلف الباب ويشير لها معبرًا بإنه سيكون خلفهما مباشرة .. فأومأت رأسها بتفهم ، لتجد السيارة تتحرك بها إلى خارج محيط القصر .. 

         _ أمتلأ المكان برجال الأعمال وزوجاتهم ، وذوى المكانات الرفيعة في المجتمع .. والمستثمرين أيضًا ، كما أكتظت القاعة بوجود الكثير من وسائل الإعلام المختلفة المرئية والمسموعة والمقروءة  ( التلفاز ، الإذاعة ، الصحف ، الوسائل الإلكترونية ) لتغطية الحدث الأهم  .. 
وحين وصول سيارة قُصي ، تهافت عليهم المراسلين والمصورين .. لتصوير لحظة وجود أصحاب المشروع  ، وأحد أهم الشركات بهذا المجال  ( KM ).. 
في حين سحب قُصي كارمن بشكل لبق ودخل بها القاعة وأمام عينيه صورة لا تفارق خيالهُ وطموحاتهُ .. وهي دخولهُ معها گعروس متوجة له .. 
أبتسم وهو يصافح الجميع ويتلقى التهنئات بمناسبة الإفتتاح ، إلى أن حضر المحافظ ومعاونيه .. 
فتم إستقبالهم إستقبالًا لائقًا بهم ، وسارت الأجواء بشكل هادئ وجميل للغاية .. إلى أن شعرت كارمن بوغزات خفيفة برأسها ، فتنغض جبينها وهي تمنع الألم من التسرب على صفحة وجهها ولكنها لم تقوَ .. 
لاحظ المُتيم بها ذلك ، فالتفت إليها وهو يسأل بإهتمام  :

- مالك ؟ 

     _ أحتضن وجهها بحميمية زائدة وهو يتابع سؤالهُ المتلهف :. 
- إنتي كويسة ، تحبي أوديكي البيت؟ 
كارمن وهي تننزع وجهها منهُ  : كويسة ، عن أذنك أوعى 

      _ كادت تنصرف لتبتعد عن محيطهُ ، ولكنها لمحت إقتراب أحد رجالهُ منه ليبلغهُ بشئ ما .. فاقتربت منهُ لتستمع إلى  :

- لسه واصل حالًا ، تحب نمنعهُ يدخل ! 
كارمن بفضول شديد وهي توجه سؤالها لقُصي : هو مين ده ! 
قُصي : أمشي انتَ

     _ ألتفت قُصي وقد تبدلت تعابير وجهه لأخرى ألتهمها الغيظ ، ليتسائل بصوت حاد :

- إنتي اللي قولتيله ييجي ! جيباه قدامي هنا ؟ ده انتي لو قاصدة إني أرتكب جناية مش هتعملي كدا ! 
كارمن وهي ترمش عينيها بتوتر : ريــان ؟ 

     _ لمح قُصي هذا الطيف الذي يقترب منهم ، فعلم إنه هو بتقدير زاوية عينيه لطولهُ الفارع .. 
فابتسم بتزييف وهو يقول بصوت حازم :

- إضحكي بدل ما أطربق القاعة دي على دماغنا كلنا ، أضحكي 

      _ حقًا زرع الخوف بداخلها بإتقان شديد ، فامتثلت لأوامرهُ وهي تفتح فمها بإبتسامة عريضة .. دون أن تلتفت ناحية '' ريان '' .. 
شعر ريان بوجود أمر ما في ضحكتها المفاجئة تلك ، ولكن بنفس الوقت أختنق داخلهُ وهي تضحك بوجه هذا البغيض إليه .. فتوقف فجأة بعد أن وقف بموازتهم وهو ينطق بتهكم :

- عيب والله ، أكون شريك بـ خمسين في الميا من المشروع ومتجيش ليا دعوة لحفلة زي دي
قُصي وهو يلتفت لمواجهتهُ : ياأهلًا ، ضيف تقيل هلّ علينا
ريان بإبتسامة باردة : أهلًا بيك ياغالي 
قُصي متصنعًا الهدوء : دي حفلة تخص شركات km ، إيه حشرك فيها يانعماني ؟ 
ريان : أنا كدا من صغري ، حشري
كارمن وهي تبتسم بتصنع : الناس بتبص علينا ، وشوية وهنلاقي الصحافة هنا .. ياريت كفاية كلام بايخ
قُصي بجدية : البايخ هو وجودهُ هنا
ريان بلهجة ممتنة : ربنا يخليك تسلم

     _ إستدار قُصي ليواجه كارمن ، ثم وضع كفهُ على ظهرها وهو يقول :

- حياتي ، روحي أظبطي شعرك عشان ميأذيش الجرح
كارمن وقد شعرت برغبتها في التنفس بحرية : okey ، عن أذنكم

       _ غار على جسدها الذي تلمسهُ قُصي بحرية ، بينما بقيت هي عاجزة عن التصرف في حضرة فجأتها .. 
في حين تحركت كارمن صوب الحمام ، لتتركهم واقفين في مواجهة بعضهم البعض .. 
أخرج ريان مظروف بني اللون من جيب سترتهُ الكحلية الأنيقة ، ثم بسط ذراعهُ إليه به وهو يقول بنبرة عدائية  :

- لما تحب تراقبني ، أختار حد خبرة

      _ أثارهُ الفضول ليتفحص ما بداخل المظروف .. فوجد بداخلهُ صور مُلتقطة لهُ مع مراد ، تلوى ثغره بعدم إكتراث وهو يقول :

- طلع فاشل ! بس مش مهم .. ملحوقة
ريان مشيرًا بسبابتهُ وبصوت متوعد نطق : أنا بحذرك ، إبعد عن طريقي أحسنلك
قُصي بسؤال مباغت : إنتي اللي حرقت المخزن ؟! 
ريان بثقة شديدة ، ولم يهتز له عضلة واحدة : آآه ، أنا
قُصي بإبتسامة ساخرة : تاني مرة كارمن تقع في سكتك !؟ وكانت هتكون ضحيتك

    _ أقترب منه خطوة ثم همس : 

- بس ساعتها ، والله ما كنت هسيبك تتنتفس تاني
ريان وهو يكز على أسنانهُ بضيق مكتوم : أنا بـ..... 
كارمن : أنا جيت

     _ قالتها وهي تقف في المُنتصف بينهم ليبتعد كلا منهما عن الآخر ، ثم ابتلعت ريقها بتوتر وهي تردد :

- كريم فين ؟ 
قُصي وقد علقت نظراتهُ المتحدية على ريان : معرفش ، أعتقد هيكون مع المحافظ

      _ أقترب أحد المراسلين بصحبة رفيقهُ منهم ليلتقط صور مفاجئة لجمعهم الثلاثي .. في حين بدأ أحدهم في المبادرة بالحديث :

- أمتى المشروع هيكون حقيقة على أرض الواقع ياكارمن هانم ؟ 
كارمن وهي ترسم بسمة ملجلجة : قريب جدًا هيكون جاهز ، وهيبقى واحد من أكبر المشروعات الإسكانية في مصر 

      _ أنتقل المراسل ببصره ليتفحص ثلاثتهم بنظرة متفحصة ، ثم تسائل بفضول :

- من فترة كان في مشاكل كبيرة جدًا بين كارمن هانم وريان بيه ، هل ده مأثرش على المشروع والشراكة اللي بينكم
ريان مبادرًا بإجابة جادة : بالعكس ، الموضوع كان سوء تفاهم .. ولا إيه ياكارمن ؟ 
كارمن وهي تهز رأسها بالإيجاب ونظراتها تتبادل بينهما  : أها

      _ أستمع ريان لهذه الموسيقى الكلاسيكية الرقيقة ، ثم ابتسم وهو ينظر نحو المراسل قائلًا :

- وعشان كدا أنا بطلب من كارمن هانم تشاركني الرقصة دي ، هكون سعيد جدًا 

       _ وسرعان ما تسحب كفهُ ليمسك بكفها المثلج ويسحبها بهدوء نحو المنتصف ليبدأ بالرقص .. كانت حركة مباغتة جعلت قُصي عاجزًا عن التصرف الفوري .. 
بينما ارتبكت كارمن بشدة خوفًا من بطش '' قُصي '' وتصرفاتهُ الهوجاء بعد تصرف ريان .. 
 زاغت أنظارها على المحيطين وعلى قُصي الذي بدا گفوهة بركان حميم .. فدب الذعر داخلها رغم إنها تحاول إخفاء هذه الحالة .. قربها منهُ وهو يلف ذراعهُ حولها وقربها إليه بحميمية .. 
 فـ سحبت نفسها لتكون على مسافة محدودة منهُ .. ولكنه جذبها من خصرها وهو يلصق نهديها بصدرهُ.. فأسندت كفها على صدرهُ، والآخر على كتفهُ .. 
فلمست أنفاسهُ المتوهجة جبهتها لتقشعر، فـ أطبقت جفنيها وهي تهمس بصوت ضعيف متأثر بقربهُ الشديد :

- آ.. ريان ، أبعد ! 
ريان ببسمة عابثة : ليه ؟ خايفة من تأثيري عليكي!؟
كارمن بإرتباك  : آ..... 
ريان : شــشــش  ..... 

    _ بدأت الآلات الموسيقية في تبادل أدوارها لتشتعل القاعة بأصواتها الرنانة والعذبة وخفتت الأضاءة لتكون الأجواء أكثر جمالًا .. وبدأ ريان بتحريك كارمن بالحركة الهادئة والدائرية مع حركة الأنغام الساحرة ، والعيون كُلها مسلطة عليهم . 
أرادت أن تنعم بهذه اللحظة بقربهُ ، ولكن خوفها من تهديدهُ ووعيدهُ ينغص عليها لحظتها السعيدة معهُ .. 
أستشعر هو ذلك من نظراتها وعيناها المفضوحتان ، فقال برغبة في طمئنتها  : 

- متخافيش  ، وانتي معايا في حماية

     _ رفعت بصرها لتتقابل عيناها بعينيه بنفس الوقت الذي تسلل فيه كفهُ بدون عمد لتلمس عُري ظهرها .. 
فأمتعض وهو يقول :

- ماشاء الله الفستان حشمة جدًا ! عشان كدا ميتلبسش تاني
كارمن وقد اشتاقت لغيرتهُ عليها : ..... 

        _ أنفتحت الأضواء ، فانتبه كلاهما لينظرا نحو المسرح الصغير المصفوف عليه الآلات الموسيقية وعازفيها .. 
ليجدو قُصي واقفًا متأهبًا للحديث في مُكبر الصوت  '' ميكروفون  '' .. ذم ريان على شفتيه بعد أن كشف حيلة قُصي لإنهاء رقصتهم .. بينما بدأ قُصي الحديث و  :

- حابب أشكر كُل الحضور ، لمشاركتكم بفرحة شركات km 

   _ بدأ التصفيق من الجميع ، أثناء أقترابهُ بخطواتهُ نحو المنتصف ليكون أقرب ، مد يدهُ إليها .. فأصابها الحرج الشديد واضطرت لوضع كفها على كفهُ ليحتل أصابعها بين قبضتهُ وهي تنظر نحو ريان .. 
ثم نظر للحضور من جديد وهو يقول :

- شريكتي الغالية ، كارمن الدغيدي .. أكتر إنسانة وقفت جمبي في حياتي ، المشروع كان فكرتها ولما عرضتهُ عليا أنت رحبت بيه جدًا.. وحتى بعد مشاركة شركات النعماني ده مأثرش على نجاح المشروع

      _ نظرات بلاهة أمتلئ بها وجهها وهي تستمع لحديثهُ الغريب ، بينما كان ريان متفهمًا لما يحدث من حولهُ ، هو يحاول أن يضغط على أعصابهُ ويثير غيرتهُ ليخرج عن التصرفات المألوفة .. ولكنه جاهد ليحافظ على توازنهُ الإنفعالي ، تابع قُصي قائلًا  :

- وبمناسبة الإحتفال ده ، هخلي الفرحة إتنين .. 
وقريب جدًا هتسمعوا خبر يفرحكم ، خبر أتأخر كتير .. لكن جه وقتهُ

      _ نظر حيالها بهيام شديد ، ثم قال  :
- إرتباطي الرسمي وجوازي من كارمن الدغيدي ، هيكون أقرب ما يكون

        _ جحظت عيناها بعدم تصديق ، لقد حشرها بين القوس وسهمهُ .. فأصبحت قاب قوسين أو أدنى ، ولكن الصدمة الحقيقية كانت لهُ هو  '' ريان  '' .. 
كادت عينيه تخرج عن محجريهما من شدة إتساعهما .. 
فـ تصريحهُ الخطير هذا يعني إنه يدس شيئًا ما .. 
تُـرى ما هو ؟ لا يفهم أحد سبب تفجير خبر گهذا .. 
وبدأ الجميع في تقديم التبريكات والتهنئات ، وهي مازالت غير مدركة ما يحدث .. 
وقف '' ريان '' يراقب ما يحدث بدم بارد ، منتظرًا بصبر إنتهاء هذه المهزلة .. لينفض الجمع من حولها ويستطيع التحدث إليها .. في حين كان عيناها تسترقان نظرات إليه وكأنها تبلغهُ بعدم صدق هذه التراهات .. 

وسط أوج تركيزهُ مع هذا المشهد السخيف شعر بإهتزاز هاتفهُ ، فتحسس سترتهُ وهو يبتعد عنهم ليجد أسم '' رجب '' يضئ شاشة الهاتف ، فأجابهُ سريعًا وهو يتسائل  :

- هـا يارجب  ، عرفت صور البرشام اللي بعتها بتاع إيه؟ 
إنت بتقول إيـــه !  مخدرات إيه ياراجل ياخرفان انت ؟ إنت متأكـد !! .. مش ممـــــكن !! ........................................ 
.........................................................................

تعليقات