رواية حبل الوريد الفصل السابع والثلاثون
_ أنتقل نحوهم بإندفاع ، خطوات توحي بوشك الهجوم .. وبعنف شديد جذب هذا البدين وهو يصيح فيه :
- خد عربيتك وامشي من هنا بدل ما تبقى ليلة كحلي على دماغك
ناني وقد دب الذعر بداخلها : مــ ... مـراد !!
_ نظر إليه الرجل بنظرات غير مدركة ، وقال بصوت متعلثم ورائحة الكحول تنبعث من فمهُ :
- إنت مين ياراجل انت !
مراد بلهجة ساخرة : جوز الست ، أمشــي بقولك
_ نظر نحوها الرجل نظرات محتقرة وهو يغمغم :
- كمان متجوزة ! غوري كتك الهم
ناني وهي تستغيث به لئلا ينفرد بها مراد : أ.. أستنى بس آ...
_ ألتفت الرجل لينصرف دون الإنصات إليها ، في حين ألتقط ذراع مراد تلك اللعينة وجذبها معه لداخل البناية وهو يقول :
- تعالي معايا ياهانم ، عايزك في حوار أسود زي الليلة اللي هتشوفيها النهاردة
ناني وهي تحاول تخليص نفسها منهُ : مراد ، أ.. أسمعني بـس
مراد وهو يشد قبضتهُ على رسغها : متحاوليش ، هعملك فضيحة بجلاجل لو سمعت حسك
_ جرجرها بطريقة حيوانية حتى وصل بها للطابق الثاني ، حيث شُقتها ..
كانت تُقدم قدم وتؤخر أخرى ، ولكنها وجدت نفسها أمام الباب ولا محالة من المواجهة ..
فتحت الباب ببطء ، ليقوم هو بدفع الباب ، ثم جذبها ودفعها بعنف للداخل ..
أغلق الباب وأوصدهُ ثم دس المفتاح في جيبهُ وهو يرمقها بتوعد ..
زحفت على الأرضية لتبتعد عنهُ ، في حين تقدم هو من الجزء المخصص لزجاجات الخمر بأشكالها ..
مازال يحفظ كل زوايا المكان .. نظرة شمولية بفم ملتوي ، ثم بدأ بسكب الخمر في كأسيين حتى ملأ نصفهما ..
حملهما وتوجه ناحيتها ليجدها واقفة على ساقيها ، فمد يدهُ لها بكأس وهو يهتف :
- أشربي ده
ناني وهي تفرك جبهتها بتوتر شديد : مش عايزة ، شاربة كتير
مراد وهو يصيح فيها بصوت جهوري : قـولت اشـربي
_ ألتقطت الكأس بأصابع مرتجفة ، وتجرعت منهُ رشفات قليلة للغاية .. في حين أفرغ هو كأسهُ على جرعة واحدة .. نظر إلى الكأس في يديها وهو يردد :
- شكلك مش عايزة !
_ ألتقطتهُ منها عنوة ، ثم باغتها بحركة مفاجئة ..
حيث قذف محتوى الكأس على وجهها لتصيب هذه القطرات الكحولية عينيها .. فصرخت بتألم وهي تفركهما ، بينما قبض هو بإنفعال ضاري على ذراعيها وهو يصيح فيها :
- عملتيلها كدا ليـــه ! ميـن وزك عليها ياو*** ، أنطقي لأحسن ورحمة الغاليين هنطقك بطريقتي ، ميـن اللي مسلطك على أختي يا *********
_ تلوت بأنين بين يديه وهو تنطق بخوف :
- أ.. أنت بتقول إيه ، آآه .. أنا مش فاهمة حاجة ، آآآه
مراد وهو يقترب بصراخهُ من أذنيها : لأ فاهمـة ياروح امك ، متستعبطيش عليا
_ دفعها بعنف ، وبدأ ينزع حزام خصرهُ عنهُ وهو يهدر :
- أكيد وحشتك أيام زمان ، أنا بقى هرجعهالك
_ فتحت نصف عين لتلمحلهُ يسحب حزامهُ من البنطال ، فشهقت بفزع وهي تصرخ برجاء :
- أرجوك يامراد ! أنا مش عارفة حاجة ، آ... آآآآآه
_ هوى على جسدها بـ ( الحديدة ) الموجودة بالحزام ، ليلتهب جسدها ويحمر فجأة أثر هذا الضرب العنيف ..
لم يتوقف عن جلدها بالحزام وكأنهُ سوط من نار ..
فشل جسدها عن مواجهة هذا الهجوم المُعلن عليها .. فقط واجهتهُ بالصرخات والصيحات المرتفعة و...
....................................................................
_ خرج ريان عن حجرتها وصفق الباب بعنف ..
لقد علم حقيقة الأمر ، تلك اللعوب هي التي دبرت لكل ذلك دون شعور من '' تاج '' .. شعور غريب بالرغبة في الصراخ ، حمّل نفسهُ الوزر أيضًا .. فقد أهمل أمورها بالفترة الأخيرة ، فرك بشرتهُ بقوة ، ثم حك لحيتهُ وهو يفكر في التوابع ..
ضربت رأسه الفكرة بأن أخيهُ يعرف تلك الفتاة المجهولة ، فعلم على الفور إنه تحرك للإنتقام ..
حاول الإتصال به ولكنهُ مازال مغلقًا لهاتفهُ ..فذم شفتيه وهو يتمتم بضيق بالغ :
- طب إيه السبب ! تاج عمرها ما عملت عداوة مع حد ؟
_ لحظات تفكير مصحوبة بصمت ، ثم ردد :
- يبقى أكيد البت دي متسلطة
_ سحبهُ شيطان عقلهُ للتفكير في كارمن ، والظن إنها وراء تلك الفعلة الخبيثة .. ولكنهُ سرعان مع نفض تلك الوساوس عن رأسه ووبخ حالهُ قائلًا :
- أتجننت ولا إيه ! كارمن متعرفش تأذي أبدًا
_ تنهد وهو يطرق رأسه بخزي وقال :
- دي طفلة ! عمر تفكيرها ما يوصل لكدا
_ أبتسم بمرارة ثم قال :
- عمرها ما تفكر تأذي ، إلا انا ! أذتني أكبر أذيه
_ رن هاتفهُ ليخرجهُ من تفكيره وتحليلاتهُ ، فنظر لشاشة الهاتف ليجد المتصل '' كريم '' .. فرد عليه تلقائيًا و.... :
- ألو
كريم بحرج شديد : أنا آسف عشان بتصل في وقت زي ده ، بس....
ريان : بس إيه ؟
كريم بنبرة خالجها القلق : بصراحة كدا أنا قلقان على تاج ، حاولت أبعتلها رسالة على الواتساب بتاعها اطمن عليها لقيتها قافلة بقالها يومين .. ودي مش عادتها ، لو ينفع تطمني عليها بس !
ريان : ...........
_ بـماذا سيخبرهُ ؟
هل يسرد له تفاصيل ما وصلت إليه شقيقتهُ؟ أم إنهُ عـار علق بثوبهُ ولا يستطيع التصريح به ..
داومة دارت برأسه وهو يفكر في كيفية إبلاغهُ .. إلى أن انتبه لصوت كريم وهو يقول :
- ريان ! انت ساكت ليه قلقتني ؟ هي تاج حصلها حاجة ؟؟
ريان وهو يهز رأسهُ نافيًا : لأ محصلش ، هي بخير اطمن .. زمانها نايمة
كريم غير مصدقًا : طيب ، شكرًا
ريان وهو ينهي الحديث معهُ بعجالة : على إيه ياكريم ، تصبح على خير
كريم وقد تقوس مبسمهُ بإستنكار : وانت من أهله
_ غدى ريان لداخل الحجرة ليجد شقيقتهُ مستلقاه بإستكانه مريبة .. فاقترب من فراشها بحسيس ..
ثم هتف بصوت خفيض :
- تاج ، كريم سأل عنك
_ أنتفضت من نومتها برعب ، ونظرت لشقيقيها نظرات راجية وهي تقول :
- أوعى ياريان تكون عرفتهُ حاجة ، أ... انا مش عيزاه يعرف
ريان وهو يمسح على شعرها بحنو متألمًا لما أصابها : مقولتش ، قولت اسيبك تقولي براحتك
تاج وهي تنكس رأسها بخزي : أقول إيه ! خلاص انا مبقتش أنفعهُ .. هو يستاهل واحدة أحسن مني
ريان نافيًا قولها الأهوج : انتي مالكيش ذنب في اللي حصل ياتاج ، الحكاية كلها إنك اختارتي غلط ودي نتيجة اختيارك .. كريم كمان ميستاهلش منك دا
تاج بنظرات مندهشة : إنت اللي بتقول كدا ياريان ! ده انت أول واحد كان معارض فكرة ارتباطنا ؟
ريان وهو يعض على شفتهُ السفلى بضيق من حالهُ : كنت أناني وفكرت في مشاكلي الشخصية مع كارمن .. انتوا ملكوش ذنب في حكايتنا
_ عادت بجسدها للوراء واسترخت على الوسادة وهي تقول :
- برضو خلاص مش عيزاه ، مننفعش مع بعض
ريان متفهمًا شعورها : أنا مش هناقشك دلوقت ، هسيبك ترتاحي وصدقيني مجرد ما العلاج ينتهي كل حاجة هتتصلح
تاج : .........
_ لم تقتنع بشئ من حديثهُ ، فقط أغمضت عينيها هربًا من أضاءة الحجرة المزعجة .. وابتعدت بوجهها عنه ، حتى لا يكون هناك مجال للحديث بينهما .
...................................................................
(( قُصـــــي ))
_ هكذا تفوه بإسمهُ غير مصدقًا إنه وراء ما أصاب شقيقتهُ ، أمتعضت ملامحهُ ..
توقف عن ضربها بعد أن اعترفت لهُ تحت وطأة الضغط الجسدي التي وضعها به ..
وبعد مجهود شديد آلم ذراعهُ وكتفهُ ، جلس ملقيًا ثقل جسدهُ على طرف الأريكة وهو يكرر أسمه بشكل أكثر عدوانية :
- قُصـــــي !!
_ لم تكن '' ناني '' قادرة حتى على تحريك شفتيها للصراخ گتعبير عن هذا الألم الشديد المجتاح كافة جسدها ..
أزرق جسدها وتكونت فيه كدمات جسيمة ، بجانب التورم والإحمرار المصحوب بالسجحات التي تلوثت بدمائها ..
لقد تلقت ضربًا مبرحًا لم تتلقاه ولن تتلقاه ثانية ..
كُل شئ تم تكسيرهُ وتدميرهُ ، فُتات الزجاج متناثرة بكل مكان أثر تهشيم زجاجات الخمر .. وإطارات الصور والبراويز الصغيرة تم تدميرها أيضًا ..
أصبحت شُقتها في حالة مزدرية ، وهي كذلك ..
وضع الحزام في خصرهُ ثم توجهُ نحو الباب .. فتحهُ وانصرف عقب أن ألقى عليها نظرة أخيرة متشفية ، أفرغ بها بعضًا من حقدهُ ..
هبط قاصدًا سيارة أخيه المصفوفة على الجانب الآخر ، واستقلها منتقلًا للجولة الأخرى من إنتقامهُ .. إلى بيت '' قُصي '' ..
_ كان قُصي في طريقهُ لجراچ بنايتهُ ، عندما لمحهُ مراد فتعقب أثرهُ .. حتى صف قُصي سيارتهُ وترجل منها ، ليجد '' مراد '' أيضًا يترجل عن سيارتهُ ..
نظر إليه بإستخفاف ثم قال :
- أهلًا بخيبتها !
_ أشهر مراد سلاح '' ريان '' والذي كان في سيارتهُ .. وتوجهُ به مصوبًا فوهته نحو قُصي وهو يصيح به :
- ده انا هدفنك هنـــا !
_ بأصابعهُ الغليظة أطبق على عنقهُ ، ومازالت فوهة السلاح موجهه نحوه وهو يردد بإمتعاض :
- أنا لما اتفقت معاك كان ضد ريـان ، مش أختي ؟
قُصي متعمدًا إظهار عدم صلتهُ بالأمر : وانا مالي بأختك ؟
مراد وهو يغرز أصابعهُ في عنقهُ ليصيبهُ بالإختناق : إنت هتصيع عليــا !
_ دفعهُ قُصي دفعة قوية من قواه المختزنة ، ثم حدجهُ بجراءة وهو يردد :
- أنا مش فاهم بتتكلم عن إيه ؟
_ ضرب كتفهُ بالسلاح ضربة عنيفة وهو يقول :
- أنت فاهم وانا فاهم بنتكلم على إيه ! أختي اللي سلطت عليها واحدة شمال عشان تدمن ! صحيح إنك ****
قُصي : تؤتؤتؤ ، عيـــب !
أختك بتجري ورا أخو كارمن ، يعني أخو مراتي المستقبلية
وكان لازم نلاقي حل عشان تبعد عنهُ
_ بث داخلهُ النيران وهو يصرح تصريحًا غير مباشر بوجود يد لهُ بالأمر ، فصرخ فيه بإهتياج وهو يلصق فوهة السلاح برأسه :
- يعني انت اللي وراها !
قُصي وهو يبعد بذراع مراد عنه : أه أنا ، قول لأخوك الدكر اللي كان عارف كل حاجة يبعد أختهُ عن كريم .. بدل ما انت جاي تعمل عليا راجل وعايز تقتلني
مراد وقد أصاب عقلهُ التشويش : ريان عارف؟
قُصي بضحكة ساخرة : طبعًا عارف ، يلا أقتلني .. مستني إيه
_ أمسك فوهة السلاح بشجاعة وصوبها على رأسهُ وهو يهدر به :
- يلا أضرب ، أضــــرب
_ تسمر مراد دون حركة ، بعد ما كان يغلي داخله .. شعر وكأنه تجمد من هذه المفاجأة ..
يبدو إنه كان ومازال ضيف ثقيل لدرجة إنه لا يعلم ما تخبئة حجرات قصرهم الكبير .. تجهم وجهه وأظلم وهو يسحب يدهُ للخلف ، ثم ردد متوعدًا :
- كان ليك في قصر النعماني عدو واحد بس ، بقـوا أتنين
قُصي متعمدًا الإشارة لعدم أهميته : يألف أهلًا وسهلًا ، أساسًا دورك خلص معايا .. أنت كنت مجرد وسيلة وصلت بيها للي عايزهُ مش أكتر
مراد وقد أنفرجت شفتيه بعدم تصديق : ...........
قُصي بنظرات مستخفة شملته من أعلى لأسفل : كلكم أدوار ، وانت دورك خلص بالنسبالي
_ تحرك قُصي ببطء ليترك ساحة الجراچ ، بينما وقف مراد يفكر مليّا ..
لم يكن لهُ دور مؤثر في حياة أيًا من عائلتهُ ، فقط كان وسيلة لإلحاق الضرر بأحدهم حتى وإن كان ذاك الذي يكرهه بشدة ..
.......................................................................
_ هذا الصباح المشمس والجديد ، شجعها أن ترتدي ثوبًا كلاسيكيًا ربيعيًا يتناسب مع حلول فصل الربيع ..
كان داخلها متحمس للغاية لرؤيتهُ ، بعد أن غابت عن مشروعها والموقع أيام عدة ..
وصلت لأرض الموقع لتقع عيناها على كُل العاملين بقدمٍ وساق .. العمال والمهندسين .. أبتهجت لرؤية حلمها يتحقق على أرض الواقع .. وترجلت عن السيارة لتتأمل المكان بنظرات شاملة ، وبأعين متصيدة مترقبة كانت تبحث عنه في وسط كل المتواجدين ..
ولكنها لم تجدهُ ، حتى رآها كبير المهندسين وخطى نحوها وعلى مبسمهُ التفاؤل .. حتى وقف قبالتها يرحب بها و :
- أهلًا وسهلًا يافندم ، نورتي الموقع
كارمن بإبتسامة مجاملة : ميرسـي ، آ... هو ريان لسه مجاش؟
- لأ لسه يافندم ، أعتقد ممكن يعتذر النهاردة
كارمن وقد برز الضيق على سطح وجهها : ليـه ؟
- الحقيقة ريان بيه مش متأخر عن المشروع ، لكن سمعنا من مكتب السكرتارية تبع الشركة إن في إجتماع مهم النهاردة وممكن ميجيش
_ تطاير شعرها على أثر نسمة ربيعية لطيفة ، فوضعتهُ خلف أذنها وأجفلت أبصارها وهي تقول :
- okey , thank you
_ رن هاتفها فأخرجتهُ من حقيبتها أثناء حديث المهندس وهو يقول :
- ياريت حضرتك تتفضلي معايا بنفسك عشان تطلعي على آ ....
_ بتر كلمتهُ عقب أن رآها تبتسم وهي تنظر لشاشة هاتفها .. تنحنح بحرج وهي تبتعد لتجيب على الأتصال و :
- ألـو
- صباح الخير يافندم ، مع حضرتك سكرتيرة مكتب ريان بيه
_ أكفهر وجهها وهي تنظر لشاشة هاتفها حتى تتأكد من صحة رؤيتها لأسمهُ ، فوجدت بالفعل هو رقم هاتفهُ ..
أعادت الهاتف مرة أخرى على أذنيها لتجدها تتابع :
- حضرتك معايا يافندم ؟
كارمن بنبرة مقتضبة : أيوة ، خيـر؟
- أنا متصلة أبلغ حضرتك بناء على أمر من ريان بيه إن في إجتماع مهم وحضرتك مدعوة لحضورهُ بعد ساعة
كارمن وقد تقوست شفتيها بإستنكار : واشمعنا انتي اللي تقوليلي؟
- أفندم!
كارمن وهي تضبط إنفعالاتها : ولا حاجة ، بلغيه إني هكون موجودة في المعاد
- تمام يافندم
_ أغلقت هاتفها وقد أختنق صدرها بسبب هذه الطريقة التي دعاها بها .. وكأنه غريب عنها،
تنفست بصوت مسموع لتتذكر إنها تركت المهندس المسؤل واقفًا بمكانهُ بعد أن تركتهُ بهذا الشكل المحرج ، فعضت على شفتيها بحرج وانتقلت نحوه وهي تردد :
- آآ I, m sorry بجد ، مخدتش بالي
- ولا يهم حضرتك يافندم
كارمن وهي تنظر لساعة يدها الذهبية : طب انا ورايا اجتماع انا كمان ، عن أذنك
- أتفضلي
_ تركت ساحة الموقع ، وانطلقت بسيارتها نحو '' شركات آل نعماني '' .. هي تتآكل شوقًا لرؤيتهُ ، ولكنها تمنع هذا الشوق من الطفو على السطح حتى لا يظهر إليه ..
فهذا الشكل الذي طلبها به أثار حنقها عليه .. ولكنهُ أيضًا أراد أن يصيبها باللوعة بعض الشئ ..
بعد إنهاء السكرتيرة للمكالمة ، أعطت الهاتف إليه وهي تردد ببسمة مهذبة :
- قالتلي إنها جاية
_ تحرك ريان بمقعدهُ يمينًا ويسارًا وهو ينفث بالغليون الخاصة به .. يفكر في رد فعلها عقب أن طلبها بهذا الشكل .. أبتسم متخيلًا شكلها وهي تتمرد بطفولة ..
ثم رفع بصرهُ نحوها وهو يقول :
- شكرًا ، أتفضلي انتي
_ مد يدهُ يمسك بفنجان القهوة ، تجرع رشفة واحدة ولكنها لم تروق له .. فأكفهر وجهه وهو يتركها ، ثم نظر لساعة يدهُ ، سينتظرها ساعة كاملة بداية من اللحظة .. ستمر گسنة .. ولكنه في نهاية المطاف سيراها بإنفراد أخيرًا ..
وصلت كارمن وعلى وجهها ملامح الجدية وبعض من الحدة .. أستقبلتها السكرتيرة بترحيب شديد ، بينما رمقتها كارمن بنظرات متفحصة وهي تغمغم بصوت مسموع :
- هي دي بقى ! مش حلوة أصلًا
_ فتحت لها باب غرفة المكتب الخاصة بريان ، لتدخل هي بشموخ رافعة رأسها لأعلى ثم أوصدت الباب .. نظرت له بزاوية عينها ، ثم أدارت بصرها عنه وهي تتسائل برسمية :
- المفروض يكون الإجتماع بدأ من دقيقتين
_ أنتقل ريان بخطواتهُ نحوها ، ووقف منتصبًا أمامها وهو يضع يديه في جيب بنطالهُ ، ثم هتف :
- لسه فاضل ساعة كمان ، وهتقضيها معايا
كارمن وقد تحولت أبصارها عليه بإستغراب : نعـم !
ريان بنظرات عابثة : زي ما سمعتي ، الأجتماع لسه بعد ساعة
كارمن وهي تتأهب للمغادرة : يبقى همشي لحد ما آ...
ريان وهو يضع سبابتهُ على شفتيها لتصمت : ششش ، إنتي محبوسة هنا ٦٠ دقيقة كاملين ، عشان احاسبك على اللي حصل امبارح حاجة حاجة
كارمن وقد زاغت عينيها بذهول : هه ، تحاسبـني !
_ تقدم خطوة منها ، فعادت للخلف .. أقترب أخرى فابتعدت مرة أخرى ..
حتى وجدت نفسها محاصرة بين الجدار وبين ذراعيه اللذان تثبتا على الجدار .. وبينهما سنتيمترات قليلة للغاية ، أخفض بصره نحو شفتيها ، ثم ردد بهمس ألتقطتهُ أذنيها :
- بقى عايزة تتجوزي !
كارمن وهي تهز رأسها بالسلب : لأ مـ مش ـش ......
ريان مستمتعًا بتورد وجهها للغاية : مش إيه ؟
كارمن وهي ترمش عدة مرات بإرتباك أثر أنفاسهُ الدافئة : قـصدي إنه فاجئني ، آ أنا مش عايزة آ ......
_ كُل الكلمات هربت فلم تعرف طريقها للسانها .. إزداد توترها لقربهُ الشديد .. حتى إنها لم تدفعهُ ليبتعد ، بل حبذت هذا القرب الدافئ ، كادت تهيم بعالم آخر ولكنها جاهدت للتحكم في عاطفتها التي فاضت عن فؤادها ..
أستمعت لصوتهُ وهو يردد :
- حقي أعاقبك ، بعد ما سكتي عن كلامهُ أمبارح
كارمن وقد أتسعت عيناها بذهول : تـ .......
_ أبتلع صوتها بداخل فمهُ وهو يُقبل شفتيها بنهم ..
ليست قُبلة عابرة ، وإنما عميقة .. قُبلة طويلة سحبت أنفاسهم معها ، سبحت في أنغام ساحرة جال بمخيلتها إنها تستمع إليها الآن .. وتخيلتهُ يقف وسط ساحة تزينت بالشموع وأوراق الورود .. ورائحة ثمار الخوخ أخترقت أنفها وكأنها تشتهيها ..
أبتعد عنها فتنفست بمعدل سريع وكأن أنفاسها كانت مقطوعة ، تقابل زفيرهما سويًا من فرط إنعدام المسافات .. أبتسم بسعادة ومازالت عيناه مغمضتين .. ثم همس :
- أنا بقول مش لازم إجتماعات النهاردة !
_ فتحت عينيها أخيرًا ، وتوهجت بشرتها بسخونة مستحية من فعلتهُ .. أجفلت بصرها وهي تحاول التحرك من أمامهُ ، ولكن مازال ذراعيه يمنعان عنها ذلك .. فرمشت وهي تقول بصوت متقطع :
- سيبني أعـدي !
ريان بخبث مغلقًا نصف عين : أنتي عايزة كدا ؟
_ توردت وجنتيها أكثر وهي تخبئ وجهها بين راحتي يدها .. فضحك بشدة وهو يحاوطها بذراعيهِ .. محتضنًا إياها بعناق شديد ، حبذ لو إن عظامها تتهشم بين ذراعيه ولكنهُ كان بها رفيقًا .
......................................................................
_ هذه هي أسعد ليالها وأفضلهم ، منذ رحيل حُبها الأول عنها ووفاتهُ .. تعدت أعتاب قصرها وهي تبتسم بسعادة شديدة ، فقد حظيت بوقت معهُ لم تحظى به منذ أكثر من ثمانية أشهر كاملة ..
تمايلت بجسدها وهي تدور في حلقات حول نفسها ، تردد أحدى الأغنيات الأجنبية الشهيرة .. وقفت عن الحركة وراحت تسرح في عينيه العاشقتين لها .. فابتسمت من جديد بخجل .. وتحركت نحو الدرج ، ولكنها توقفت عندما وجدت لطيفة في طريقها .. فتفحصتها وهي تتسائل :
- مالك يادادة ؟
لطيفة وهي تطرق رأسها بحزن : كام نفسي منكدش عليكي وانتي جاية مبسوطة يابنتي ، بس قُصي في المكتب جوا من ساعة ما جه .. ومش طايق دبان وشهُ
كارمن وهي تطرد زفيرًا مختنقًا من داخلها : أوف ، أنا جاية مبسوطة ومش عايزة حاجة تنكد عليا .. وزعيه يادادة
لطيفة وهي تكتف أصابعها سويًا وتقول بضجر : مش هينفع يابنتي ، ده هزئني لما حاولت أمنعه يدخل المكتب .. تصوري واحدة في سني تتهزأ كدا ؟
كارمن وقد أثارتها عبارة المربية خاصتها : هي وصلت بيه لكدا ، مـاشي . أنا هتصرف معاه وحقك عليا يادادة .. معلش طلعيلي شنطتي فوق
_ تناولت حقيبتها لتضعها بحجرتها ، بينما انتقلت كارمن لحجرة المكتب بخطوات متسرعة .. فهو أهان شخصًا عزيزًا عليها ، هي بمثابة الأم التي راعتها منذ الصغر ..
دخلت للحجرة فوجدت أثرًا عظيمًا لدخان سجائره التي ملأت الحجرة .. فأطبقت جفنيها بتذمر وراحت تفتح إحدى النافذات المطلة على حديقة القصر عسى أن تطرد هذه الأبخرة النيكوتينية .. وأردفت بلهجة منزعجة :
-إنت ازاي تزعل دادة لطيفة وتطول لسانك عليها !
قُصي ببرود ما يسبق العاصفة : غلطت في مين يعني ! حتت خدامة فاكرة إن ليها سلطة هنا في القصر ، وقفتها عند حدها
كارمن وهي تشير بسبابتها محذرة : إياك تتمادى في حقها مرة تانية ، دي مش خدامة ولا هتكون
_ لاحظت جلوسهُ على المقعد الخاص بوالدها ، فتوهجت عيناها وهي تقول بحدة :
- قوم من على الكرسي بتاع بابي اللّه يرحمه
_ نهض قُصي عن المقعد المتأرجح ، وقام بإطفاء سيجارتهُ بالمنفضة ..
أستقام في وقفتهُ ، قبل أن يتحرك نحوها .. بينما بقيت هي مكتفة ساعديها أمام صدرها وتهز ساقها اليمنى بضجر ..
بقى على مسافة قريبة منها وهو يقول :
- كنتي بتعملي إيه عندهُ ؟
كارمن بهدوء : متسألش عن حاجة متخصكش
قُصي وهو يتعمد إظهار علمهُ بكل شئ : طالما الإجتماع اللي انا مش فاهم سببه أصلًا أتلغى ، ليه فضلتي ساعتين ونص في مكتبهُ
كارمن وقد أتسعت عيناها بصدمة : أنت كمان حاطط عيونك في شركتهُ ، لااا .. إنت زودتها أوي
_ قبض على معصمها بغيظ دفين ، ثم صاح فيها والشر يتطاير من عينيه الواسعتين :
- إنتي اللي زودتيها أوي معايا ، وانا صابـر .. صابـــر ، بس خلاص مفيش صبر تاني
كارمن وهي تنتزع معصمها منه : أبعد أيدك متلمسنيش ، واتفضل أطلع بره قصـري
_ قالتها وهي تشير نحو باب المكتب ، ثم تحركت لتتركهُ وحيدًا .. ولكنه قال بصوت أجش ونبرة مرتفعة :
- شكلك حبيتي أحضان العيلة اللي معملتش فيكي غير كل وحش .. الأول موتو أمك ، ودلوقتي قتلو أبوكي
_ تصلبت ساقيها وهي مازالت مولياه ظهرها ، كلماتهُ الموحية تلك لا تأتي من العدم أو الفراغ ..
وقفت تتأمل ما قالهُ وعقلها مشلول ، حتى تابع مؤكدًا :
- اللي انتي بتحبيه ولسه معاه ، أبوه هو اللي قتل عمي جلال .. أبــوه هو السبب في كل اللي إحنا فيه دلوقتي !
سمعتي .. هـو ياكارمن ، طاهــر هو اللي قتل جلال الدغيدي
كارمن : ..............................................
.............................................................................
