رواية حبل الوريد الفصل الثامن والثلاثون
_ ثمة برودة سرت في شرايين جسمها ، وتغلغلت حتى طفت على سطح جلدها فأصبح مثلجًا وخاصًة أطرافها ..
لم ترمش ، ولم تتحرك قيد أنملة ..
فقد قام هو بتفجير أشد مفاجأة قد يستطيع عقلها إدراكها .. ساد صمت رهيب ، لدرجة أن مع سقوط أبرة معدنية صغيرة ستسمع رنتها .. حتى كسر هو حاجز الصمت وهو يردد :
- سكتي ليه ؟ ماانتي كنتي زي البغبغان من شوية !
_ أجبرت عضلات لسانها التي توقفت على التحرك من جديد ، لتقول بصوت ضعيف خرج رغمًا عنها :
- إ.. إنـت كـداب
قُصي وهو يهدر بصوته عاليًا : لأ ، أنا مش كــداب .. أنا كنت ناوي أواجهك لما أمسك الدليل المادي اللي هتشوفيه وتسمعيه بودانك
_ أنتقل بخطاه نحوها حتى وقف قبالتها ، ثم نطق بصوت مسموم يشع منهُ الحقد :
- إنتي اللي سرحتي بأحلامك من جديد ونسيتي إن ليكي طار عند العيلة دي ! نسيتي عمي جلال .. أول واحد رفض وجودك مع ريـان .. ونسيتي وعدك ليا !
كان لازم أفوقك وافكرك
كارمن وهي تقنع حالها بكذب قولهُ : إنت بتكذب ، ومفيش معاك دليل واحد تقدمهولي
_ تشنجت قسمات وجهها وتحولت نظراتها لأخرى ناقمة وهي تصرخ فيه :
- كــــــداب ، أيوه كــداب .. وانا مش هصدقك .. كنت عارف إنك مش هتقدر تلبسه الجريمة حبيت تلبسها لحد من عيلته عشان تكون مقنع بالنسبالي ، بس انا مش هصدق الكذب ده
قُصي وهو يهزها هزه عنيفة : فـــوقي ، رفعت المحامي بتاع طاهر أعترفلي بكل حاجة .. طاهر اللي سلطهُ وهو في السجن إنه يتخلص من عمي جلال في نفس اليوم اللي كان جاي ياخدك فيه من المستشفى
_ جسدها مرتخي وأعصابها لم تعد تمتلكها ، حتى إنها شعرت بنفاذ مخزون طاقتها ولا تقوَ على دفعهُ عنها ..
في حين تابع هو قولهُ بصياح :
- والله أعلم حبيب القلب عارف ولا لأ ، مش بعيد يكون بيداري على أبوه زي ما كان بيداري عليه من زمان ، وانتي روحتي رميتي نفسك ليه تاني ونسيتي عهدك لأبوكي اللي راح ضحية قصة تافهه
كارمن : ..............
_ عيناها متحجرتان عليه ، ولكن شعيرات عينها الحمراء برزت بوضوح .. على وشك الإنفجار باكية ، ولكن لا تستطيع .. شيئًا ما ثقيلًا يحط على قلبها وصدرها ، ليمنع عنها حتى التنفس ..
لم يكفيه ما وصلت هي له ، فتابع مستكملًا شريط إتهاماتهُ :
- بكرة هيكون في إيدك الدليل ، رفعت بنفسه خيكون بين إيديكي .. مرضيتش يكون مجرد تسجيل بصوت رفعت وهو بيعترفلي بكل حاجة
كارمن وقد خرجت عن صمتها أخيرًا : وانا اعرف منين إنك بتقول الحقيقة ! مش بعيد تكون عامل كُل التمثلية دي
قُصي بإبتسامة مستخفة بعقلها : ممكن برضو ، أسمعي .. أنتي طلبتي مساعدتي وانا قدمتهالك على طبق دهب .. عافرت لحد ما وصلت لخيط الموضوع ، مش هسمحلك بعد كل اللي عملته عشانك تكذبيني .. بكــرة ، هيكون رفعت بين إيديكي ، معادنا بكــرة
_ أفلت ساعديها ، وسار بخطوات مملة نحو باب القصر .. بنفس الوقت كانت '' لطيفة '' تهرول إليها وعلى ملامحها مزيج من الذعر وعدم التصديق .. واقتربت منها لتقول :
- كارمن ! أنتي مصدقة الكلام ده !
كارمن وهي تبتلع ريقها بتخوف : إنتي شايفة إيه ؟
لطيفة وهي تنكس رأسها بحزن : من زمان وانا عارفه إن طاهر راجل مش تمام ويعمل أي حاجة عشان مصلحتهُ
_ تركتها كارمن واقفة وتجاوزتها لتصعد للأعلى ..
هاجمتها أسوء الذكريات من جديد ، ذكرى تلقي خبر وفاة والدها .. وذكرى جنازتهُ ودفن جثمانهُ أسفل التراب ..
قادتها سيقانها إلى حجرة والدها ..
غدت للداخل ولم تفتح الإضاءة ، فقط تنعمت برائحتهُ وعبقهُ الذي ما زال منتشرًا في الأرجاء ..
ترقرقت دموعها ، وانسابت گخيوط الحرير على وجنتيها ..
شهقت بصوت يُفطر القلوب ، گطفلة فقدت أغلى دمية لها ..
الكثير من الوقت مر عليها وهي بتلك الحالة ،
حتى حضر شقيقها ، وأبلغتهُ لطيفة بما حدث ..
أراد أن يُكذب هذا الحديث وإن كان صدقًا ، يهرب من واقع فُرض عليه أن يعايشهُ ..
دلف للحجرة وهو يستمع لصوت بكائها الذي آلم قلبهُ ، ضغط على زر الإضاءة .. ليجدها تنام متكورة على نفسها ، گجنين في رحم أمهُ ، خطى نحوها ليجد شعرها ملتصق بوجهها المغمور بالدموع .. جذبها إليه وهو ينزح شعرها وبقايا الدموع الملصقة على جلدها ، ثم ضمها لصدرهُ وهو يشعر بكامل العجز ..
تحشرج صوتها وهي تقول من بين بكائها :
- أبوه هو اللي قتل بابي ! هو اللي حرمني منهُ
كريم : .........
كارمن وهي تتابع بصوت متألم : أزاي هنبص في وش بعض تاني ؟ إزاي ياكريم
كريم بصوت ضعيف : تاني ياكارمن ! تاني هتحمليهُ هو الذنب!
كارمن : .............
كريم وقد أتقدت عيناه بغضب : لو فعلًا هو ، يبقى بينا وبينه المحكمة
كارمن وهي تهز رأسها بنفي : لأ ، لأ
_ أبتعدت عن شقيقها ليكتشف إحمرار عينيها المخيف ، ثم هتفت بلهجة قاطعة :
- أنا مش هسلمهُ للبوليس
كريم وقد ضاقت عينيه بتخمين : مش فاهم !
كارمن وهي تنزح دموعها لتتحول ملامحها لأخرى أشد بأسًا وقوة : هتعرف بعدين !
_ نهضت عن الفراش ، وراحت تخرج تاركه إياه منفردًا ، ثم ذهبت حيث حجرتها .
بينما جلس كريم متصلبًا في مكانهُ .. عاجزًا عن التفكير ، فيما يفكر وماذا سيفعل لا يدري ..
كل ما يدريه هو نشأة جدار جديد يحول بينه وبين الوصول إليها .. وبين شقيقتهُ وحبيبها الوحيد .
....................................................................
_ لم تنام .. وبدا ذلك على عينيها المرهقتين واللاتي أُصيبتا بإحمرار شديد ..
تواجدت في حجرة مكتب والدها منذ التاسعة صبيحة اليوم ..
وعلى مدار ثلاث ساعات جلست بمفردها وقد منعت أي شخص من الدخول إليها أو التواصل معها ..
تجرعت أخر رشفة من مشروب القهوة بالحليب ، ثم توجهت نحو الهاتف الخاص بالمكتب ورفعت السماعة و :
- أيوة ، قُصي وصل ولا لسه ؟ لسه !
طيب أول ما يوصل بلغيني فورًا
_ ثم وضعت السماعة ، وجلست على المقعد الجلدي الأسود بأريحية .. حتى غاصت فيه ، رفعت رأسها للأعلى وحدقت في السقف لدقائق ..
ثم اعتدلت وأمسكت بهاتفها لتتصل بأحدهم :
- أيوة ياسامح ، عرفت هو فين !؟
إزاي يعني هيكون راح فين من امبارح ؟ وبعدين مش انا موصياك عينك تفضل عليه ! ولا أصل ولا فصل .. أقفل
_ ثم أغلقت الهاتف وألقتهُ بعدم إهتمام على سطح المكتب .. والآن ، تستمع لصوت عقارب الساعة وهي تتحرك .. ومازالت عيناها مسلطة على عقرب الثواني وهو يعد ببطء ، حتى ولجت إليها السكرتيرة الخاصة بها بعد أن قرعت على الباب ، لتقف بين يديها وتهتف برسمية :
- كارمن هانم ، أنا بلغت البشمهندس رأفت بمعاد الإجتماع اللي هيكون في مقر شركة النعماني بعد ساعتين زي ما أمرتيني
كارمن وهي تستند بمرفقيها على سطح المكتب : بلغي كمان المهندسين بتوعنا .. الأجتماع ده يخص المشروع وانا حابة يكون كيان km الممثل للمشروع كلهُ موجود
السكرتيرة وهي تحني رأسها بتهذيب : حاضر يافندم ، عن أذنك
_ غادرت المكتب ، لتكون بمفردها مع عقارب الساعة مرة أخرى .. فكرت كارمن ، هل ما تفعلهُ للهروب من مواجهتهُ صحيح ؟ .. فهي تعمدت أن يكون كبير القسم '' رأفت الجبابري '' وبعض المهندسين حاضرين بالإجتماع فتفوت عليه فرصة الإختلاء بها ..
وقفت عن جلستها وراحت تجلس على المقعد المقابل للمكتب .. ثم نظرت لهذا الكرسي الفخم الذي كان يملؤه '' جلال الدغيدي '' شخصيًا قبل وفاتهُ .. تخيلتهُ جالسًا من فوقهُ ، فظهر شبح إبتسامة حزينة على مبسمها وسرعان ما اختفت .. لتجفل بصرها وتهيم وحدها من جديد .
.....................................................................
_ تم إعداد غرفة الإجتماعات لإستقبال هذا الجمع في شركة '' النعماني '' ، حيث مناقشة التجديدات التي ستتم في المشروع ومتابعة سير برنامج العمل ..
وقف ريان وسط غرفتهُ وهو يدس هاتفهُ في جيب بنطالهُ عقب أن أطمئن على حال شقيقتهُ عبر الهاتف وواعدها بزيارتهُ لها الليلة .. زفر أنفاسهُ المختنقة داخلهُ وهو يفكر في أمر أخيه أيضًا ، فقد أختفى منذ تلك الليلة التي تم وضع تاج فيها بالمصحة .. ومنذ حينها وهو لا يدري شيئًا عنهُ ، حتى إنه أستعار سيارة والدهُ بدلًا من سيارتهُ التي بقيت مع أخيهِ لحين عودة '' مراد ''
تأهب ريان لمغادرة الغرفة ، ليأتي المسؤل عن إعداد الإجتماع ليبلغهُ :
- مستر ريان ، في وفد حضر من شركة KM لحضور الإجتماع ، هل عند حضرتك علم بده ؟
_ تقلص وجهه وانعقد ما بين حاجبيه بذهول ، ثم قال بإستغراب :
- أنا معرفش إن في حد جاي غير كارمن هانم؟! ومحدش بلغني بغير كدا
- طب أوامر حضرتك إيه دلوقتي ؟
ريان وهو يفكر في سبب حضورهم : أكيد هنخليهم يحضرو ، دول ضيوفنا
- أمر سيادتك
_ أنحنى بتهذيب وهو ينصرف ، بينما أتجه ريان نحو مكتبهُ ليهاتفها في مكتبها حتى يسأل عن تفسير لما يحدث .. فجاءهُ الرد :
- وصليني بـ كارمن هانم من فضلك .. لسه ماشية من شوية ! طيب شكرًا
_ أغلق الهاتف ثم قرر مهاتفتها على هاتفها المحمول ، ولكن أتاه الصوت الأنثوي بـ :
- الهاتف المطلوب مغلق أو غير متاح ، لإرسال رسالة صوتيـ.....
_ أغلق المكالمة ، وبدأ يشعر بالريبة !
هناك أمرًا ما لا يعرفه .. تلوت شفتيه بإستنكار ثم تمتم :
- ياترى هتفجأيني بإيه النهاردة ياكارمن !
_ حضرت ..
ولكنها توجهت مباشرة لحجرة الإجتماعات ، كانت الطاولة المستطيلة ذي مقعدين مترأسين من الجانبين .. ترأستهُ ومن حولها فريق عمل شركة '' KM '' ، بينما بدأ مديري شركة النعماني ومهندسوها بالوفود متتابعين ..
وهنا ، يدخل ريان عقب علمهُ بوجودها المفاجئ وسط المتواجدين .. وعلى وجهه علامات إستفهامية كثيرة ، تحاشت هي النظر إليه ، بينما تجاهل هو تعابير وجهها الناطقة وجلس مترأسًا المقعد الآخر ..
نظر ريان حيال '' رأفت '' وكأنه يسألهُ ما خطبها ، ولكن قوس الأخير شفتيه گتعبير عن عدم علمهُ ..
أنخفضت الإضاءة وبدأت شاشة العرض بالتشغيل ، لتعرض صور ملتقطة لأرض المشروع بعد وقبل التنفيذ ..
أشار المهندس للشاشة ثم هتف :
- لحد دلوقتي نفذنا ٢٠ % من المشروع في وقت قياسي ، شغالين على ورديتين وبعد إنتهاء ٥٠ % هنشتغل على ٣ ورديات متتالية ..
_ عيناها الحزينة تلك يعرفها ، مؤكد حدث شيئًا بها ..
وبالرغم من خفوت الإضاءة إلا إنه يلمح هذا الوميض المعلن عن وشك البكاء ..
يااللهي ! متى ينتهي هذا الإجتماع السخيف حتى يُحدثها فيعلم ما أصابها !؟
ساعة إلا ربع الساعة من الحديث والمناقشات بين كل أطراف الإجتماع ..
اليوم رأى لها وجهًا جديدًا لم يعتاد عليه منها ، وجه سيدة أعمال نشيطة وقوية ، قادرة على خلق الأفكار والإبداع فيها .. ورغم هذا الحزن الذي يخيم على ملامحها إلا إنها أدعت الثبات وهي تتحدث بشجاعة أثناء المناقشة الجماعية ..
أنتهى وبحمد الله ، وقف ريان يصافح الوفد الذي حضر من الشركة .. إلى أن أقترب منها على غفلة وهو يقول :
- بعد أذنك يابشمهندس عايز كارمن هانم في كلمة
رأفت وهو ينسحب من وسطهم : طبعًا طبعًا .. عن أذنكم ، يلا يامهندسين
_ أصطحب المهندسين معه ليتركهم سويًا..
فشعرت كارمن بمدى عُسر تلك اللحظة وصعوبتها ، تأبى مواجهته .. أو سرد ما حدث عليه ، فقد قررت إعتبارهُ خارج الموضوع ، أنصرف الجميع وبقت بمفردها معه ..
نظرت حولها بإرتباك وهي تقول :
- sorry .. أنا لازم أمشي
- ريان مدققًا البصر عليها وهو يجلس بجوارها :مالك ياكارمن ، إنتي فيكي حاجة!
كارمن وهي تهز رأسها بنفي : لأ مفيش
_ مد يدهُ ليلمس وجهها بحُب وهو يقول :
- لأ في ، إنتي هتخبي عني ؟
_ أبعدت وجهها للخلف حتى لا يلمسه بأصابعهُ فتخور قواها بلحظة واحدة .. أمتعض وجهه وهو يحدجها بعدم فهم :
- لا مش مصدقك ، من امبارح للنهاردة تتغيري في لحظة كدا! في حاجة إنتي مخبياها عني
كارمن وهي تشيح بوجهها عنه : مفيش
_ رن هاتفها رنينًا مهتزًا ، فالتقطتهُ عن سطح الطاولة لتجد أسم قُصي ينير الشاشة ..
هبت واقفة بإندفاع وهي تقول :
- عن أذنك
_ لمح أسم '' قُصي '' على شاشة هاتفها ، فـ أحمر وجههُ بغضب أعمى .. شعر إنه الأضحوكة خاصتها ، وإنها تتلذذ بالتلاعب معهُ ، أو أعجبتها لعبة المطاردة وهو يلاحقها ، وقف يمنعها من المرور وهو يغرز أصابعهُ في ساعدها المصاب ليقول من بين أسنانهُ المغلقة بإطباق الفكين :
- إنتي بتلعبي معايا ! بتتسلي ..
عجبتك لعبة إنك تتقلي عليا وانا أفضل أجري وراكي؟ صح
كارمن وهي تهز رأسها بالرفض : مش صح
ريان وقد أشبه صوتهُ الزئير : لأ صـح ، حبيتي كوني ضعيف قدامك .. لكن انا عمري ما كنت ضعيف ، لو اتمسكت بيكي فده عشان كنت مخلص ليكي ..
لكن من هنا ورايح مفيش من ده ، من النهاردة .. لأ من دلوقتي ، هثبتلك إني أقوى حتى من حبك اللي أتزرع جوايا
_ مازال هاتفها يرن مرارًا وتكرارًا بأسمهُ ، وهي تنتظر تلك اللحظة منذ الأمس ..
لم تظهر شعورها بألم ساعدها المصاب الذي ضغط عليه ، وظلت مُظهرة بأس كاذب ..
رمقها بإحتقار ثم ردد :
- أنا كرهتك ، وانتي جيبتي أخرك معايا .. بكرهـــك ياكارمن، بكرهـــك
_ تنحى بجسدهُ حتى تمر وتتركهُ ، وهو يصيح بإنفعال :
- مش عايز أشوفك قدامي ، أمشــي ، مش عايــزك
_ لا يعرف أسم أو تعريف لهذه النظرة التي رمقتهُ بها ، هل هي عتاب أم إستعطاف ؟ ربما ندم !
تحركت وهي تجر ساقيها جرًا.. حتى خرجت عن الحجرة ، وفور خروجها أستمعت لصوت أشياء تسقط وتتهشم ، فوقفت فجأة وهي تطبق على عينيها بقوة .. ثم همست :
- أنا أسفة ، حقيقي أسفة .. سامحني !
_ تحركت من جديد لتغادر هذا الصرح النعماني ..
وعقب أن خرجت من بوابات الشركة ، أتصلت به فورًا لتسأله بصوت حاد :
- إنت فين من الصبح ؟ خليك عندك أنا جيالك .. أبعتلي مكانك وانا جاية
_ أغلقت هاتفها ودستهُ في الحقيبة الصغيرة ، ثم استقلت سيارتها وقادتها مسرعة .. وما زالت عيونهُ تراقبها ، جفتّ دموعهُ فلم يكن هناك المزيد منها ، وتأمل اختفائها وهو يقول :
- أنا أسف لنفسي جدًا ، لأني تهاونت .. لأني خلقتلك أعذار بعد ما بعتيني ، وقولت إنك الضحية والخسرانة الوحيدة في كل اللي حصل !
لكن خلاص ، مش هسمح تكسريني وتعصري قلبي تاني .. وتمشي وتعدي وكأني مطب عابر في الطريق .. مش هسمـح.
....................................................................
_ ظلت تنظر لساعة يدها وهي تنتظر حضورهُ مستندة على مؤخرة سيارتها.. هزت ساقها بإنفعال ، ثم عقدت ذراعيها سويًا وهي تشعر ببرودة الأجواء الليلية في هذه المنطقة الأشبه بالصحراء التي تقف بها ..
لمحت أضاءة تقترب عليها ، فدققت نظرها لتجد سيارة قُصي مُقبلة عليها .. فـ استقامت في وقفتها وتحسست حقيبتها الصغيرة التي تحوي '' سلاح '' والدها الراحل.. أبتلعت ريقها بتوتر حتى وقفت السيارة ليترجل منها قُصي ..
حدجها قُصي بإستخفاف ثم انتقل بخطاه لباب السيارة الخلفي .. فتحهُ وجذب شخصًا من الداخل بشكل عنيف ، لتتقدم منهم هي بركوض ..
تأملت هذا الشخص في هذه الظُلمة ، لتكتشف إنه '' رفعت '' .. المحامي الخاص بـ طاهر ،
تنفست بمعدل سريع ، وتحرك صدرها بحركات تنفسية متسارعة .. منتظرة حديث أحدهم ، لينطق قُصي :
- الدليـــل !
كارمن : ...........
_ أخرج قُصي هاتفهُ ، ثم عبث به وهو يقوم بتشغيل أحد التسجيلات التي قام '' رفعت '' بتسجيلها بناء على أمر '' قُصي '' .. ليظهر صوت طاهر :
(( أنا لما سيبت ريان يشاركها ومعارضتش تصرفه هو إني ندمت يارفعت ، ندمت لما خدت منها أبوها .. لكن مكنش قدامي حل تاني قبل ما كل حاجة تظهر واروح في داهية أكتر ما كنت رايح .. قولت ريان هو اللي هيعوضها ، حبها ليه هينسيها غياب أبوها ، يمكن أكون كدا بكفر عن ذنبي ))
_ لا يوجد لها أي رد فعل ، وكأنها تبلدت وتجمدت أمام تلك الحقيقة البازغة بزوغ الشمس ..
هو الفاعل ! .. والآن لا يحق لها الإنكار ،
كانت نظرات قُصي لها نظرات ذات مغزى مريب ،
أنتقل بنظرهُ نحو '' رفعت '' الواقف بإرتجاف أمامهم ..
زاغت نظرات '' رفعت '' بخوف شديد .. حتى إن داخله يرتجف، وهو عاجز عن تخمين رد الفعل ، عقب أن صرح تصريحات خطيرة قد تودي بحياتهُ ..
ضرب قُصي على كتفهُ وهو يردد بصوت خشن :
- ما تتكلم ياسبع الرجال
رفعت وهو ينكس رأسهُ بخيبة : طـ... طاهر هو اللي قتل أبوكي .. هو اللي أجر ناس عشان آ .....
كارمن : .......
قُصي وهو يلكزهُ في ذراعهُ : ما تكمل !
رفعت : أجرهم عشان يلعبوا في فرامل العربية ، ده اللي اعرفه
_ رأى رفعت ظلامًا مخيفًا ظهر في عيني كارمن ، جعله يرتجف بشدة من عقابها له .. وسرعان ما نطق بصوت متلعثم :
- بس والله العظيم ما كنت اعرف ، أنا عرفت بعدها لما طاهر خلاني أسحب مبلغ كبير من حسابهُ في البنك واسلمهُ بحجة الشغل لواحد تاني حتى معرفش أسمهُ ، أنا سكت عشان طاهر هددني و......
_ أنقضت على وجهه بأظافرها لتنغرز في بشرتهُ ، مكونة خدوش غائرة وسحجات ظفرية عميقة أنسالت على أثرها دماؤهُ ..
حاول قُصي أن ينزع كفيها عن وجههُ ، ولكنهُ عجز أمام شراستها الهجومية .. حتى رفعت ذاتهُ لم يستطع تخليص وجههُ الذي تشوه بفعل أظافرها ..
وحينما أبتعدت عنه أطلقت صرخة قوية ، خرج معها كُل هذا الضعف ليتحول لقوة ..
لم يتمكن قُصي من ردعها ، فقد كانت في حالة هياج عصبي شديد ..
حتى إنها دفعتهُ بعنف وركضت نحو سيارتها ، أستقلتها وأدارت محركها ..
لم يستطع قُصي اللحاق بها أو منعها ، فقد أغلقت زجاج السيارة والباب أيضًا ..
قرع على الزجاج وهو يصيح :
- أفتحي ياكارمن ، أستني هنا رايحة فين .. كـــارمن أفتحي
_ تجاهلتهُ وسارت مُحدثة خلفها غبارًا كثيفًا .. فتحرك قُصي نحو سيارتهُ ليلحق بها مسرعًا ، ولم يعير رفعت أي أهتمام وهو يقول برجاء :
- أستنى ياقُصي باشا ، خدني معاك انا معرفش حاجة هنا .. أستنـــى
_ سار غير معنيًا به ، فركض رفعت خلف السيارة عدة أمتار علهُ يلحقهُ .. ولكن دون جدوى ،
فقد كان الأهم لديه هو اللحاق بها قبل أن تتصرف وهي في حالتها العصبية تلك و ..............................
.........................................................
...................................................
