رواية حبل الوريد الفصل التاسع والثلاثون
_ لم يتوقف سيل دموعها ، فقد علمت بشأن الحقيقة التي تنتظرها طوال الأشهر الماضية ..
وليتها لم تعلم ، فقد تم بناء حاجز فولاذي جديد يحول بينها وبين الوصول لهذا الذي يمثل لها حبــل الوريـد ..
حاولت بقدر المستطاع أن تجعل '' قُصي '' يفقد أثرها ، ونجحت بذلك ..
فهي لا ترغب بحشرهُ في الأمر الذي يخصها أكثر من ذلك ..
نزحت دموعها بظهر كفها وهي تشهق شهقات متألمة تخرج عن صميمها ، وصوت أنينها گالمجروح العاجز عن التأوه ..
لن يرتاح بالها الليلة ، إلا بعد أرضاء والدها في قبرهُ عقب أن علمت بشأت قاتلهُ .. الذي يهنأ بالحياة بعد أن سرق منها أغلى شئ .
_ ولج لحجرتهُ وقد بدا عليه الإنهاك والأرق ..
فهو منذ ثلاثة أيام لم يعود للقصر ، وقرر الإختلاء بنفسهِ في أحد الفنادق ..
جلس على طرف الفراش لينزع عنهُ حذاؤه .. فوجد أخيه يداهمهُ بدخوله المفاجئ للحجرة ، ثم أغلق الباب وتقدم منه وهو يتسائل :
- كنت فين كل ده يامراد ؟
مراد وهو يتحاشى النظر إليه : خـير ! عايز مني إيه ؟ لو على عربيتك أهي مركونة تحت وسليمة مفيهاش خدش واحد
ريان وهو يشبك أصابعهُ خلف ظهرهُ : أنا بسأل عنك مش عن العربية
مراد : .............
_ فك ريان ذراعيهُ ثم نظر حيال أخيه بإستياء شديد ، ثم قال :
- براحتك ، مش عايز أعرف
_ أستمع ريان لصوت أبواق سيارة تقترب من محيط القصر .. فتنغض جبينهُ بفضول وهو يتحرك نحو النافذة ، أزاح الستار ونظر بتدقيق ..
لتتسع عيناه توسعًا شديدًا عقب أن رآها تترجل عن سيارتها وتندفع نحو باب القصر ..
هب من وقفته نحو الباب ليهبط الدرج في أقل من دقيقة ..
ليجد الخادمة قد فتحت الباب لتدخل هي عبرهُ ..
جابت الزوايا بأعينها وهي تبحث عن منشودها ، لتجد ريان يهبط أخر درجة من السلم وهو يتسائل بغلظة :
- كارمن هانم بنفسها هنا ! خير ياترى ؟
كارمن وهي تتجاهله ناظرة نحو الأعلى : مش جاية عشانك
_ ألتفت نحو الخادمة لتسئلها بجمود :
- فين طاهر النعماني؟
الخادمة وهي توزع نظراتها بينهم : طاهر باشا فـ .... أهه !
_ قالتها وهي تشير نحو طاهر الذي كان يخرج عن حجرة مكتبهُ ليرى من الزائر .. فاستدارت كارمن بجسدها لترمقه بإحتداد وهي تقول :
- عايزاك !
_ ظهر مراد في هذه اللحظة بالأعلى ، وبرز صوتهُ الخشن وهو يردد بفظاظة معهودة منهُ :
- هو انتي ؟ إيه اللي حدفك علينا ! أكيد مصيبة من مصايبك
ريان وهو ينظر لأخيه بنظرات جامدة وقد برزت نبرتهُ العدائية : مــراد ، أحترم نفسك !
مراد بسخرية وقد ظهرت أسنانهُ على أثر إبتسامة مستخفة : آآه صحيح ، معلش نسيت إنها تخصــك رغم كل اللي حصل
طاهر بنظرات مترقبة وهو يتجاهل حديث ولديه : عايزة إيه يابنتي؟
كارمن وهي تحافظ على ثباتها المزيف : عايزاك على أنفراد
ريان وهو يقترب منهما : مفيش الكلام ده ، قولي اللي عيزاه دلوقتي وقدامنا
كارمن : الموضوع ميخصكش ياريان ، والأفضل إني أخليك برا الموضوع
ريان وقد ضاقت نظراتهُ بفضول أكبر : لأ ، أنا جوه أي حاجة
_ أشار طاهر نحو مكتبهُ وهو يهتف بلهجة مترددة :
- أتفضلي معايا في المكتب
ريان بلهجة معترضة : بـابـا !
طاهر بنبرة جدية : أستنى انت ياريان
مراد مقوسًا شفتيه متهكمًا : دي الحكاية فيها حكاية !
_ دخل طاهر أولًا وهي تخلفهُ ، يدور تفكيره في الكثير من الأشياء التي قد تكون أتت من أجلها ..
ولكن لم يخطر بمخيلتهُ إنها حضرت لتصفية حساب ما زال مفتوحًا بينهما ..
جلس طاهر على مقعد المكتب ثم أشار لها بالجلوس وهو يقول :
- أتفضلي أقعدي
كارمن وهي تشد قبضتها على حقيبتها الصغيرة : مش جاية أقعد ، جاية أسأل سؤال واحد بس ؟
طاهر وقد أكلهُ الفضول : سؤال إيه !؟
كارمن وقد لمعت عيناها بوميض غريب : لــيه ؟ ليه قتلتهُ وخدتهُ مني؟
طاهر وقد رمشت عيناه بإرتباك ملحوظ : إ.. إنتي بتكلمي عن مين ؟
كارمن وهي تستند بكفيها على المكتب، وبصوت واثق رددت : لأ انت فاهم كويس أوي بتكلم عن إيه؟
_ كاد طاهر يقف عن جلستهُ ، ولكنها أخرجت سلاح والدها الراحل من حقيبتها فجأة لتجبرهُ على الجلوس وهي تصيح فيه :
- أقعد مكانك
طاهر وقد ارتجفت أطرافهُ بذعر : آآ ... إيه ده ؟ إنتي مجنونة ؟
كارمن بصوت هادر ونظرات مظلمة : آآه ، أتجننت من ساعة ما حرمتني منهُ ! وحرمتني من أمي قبلهُ ! أنا هقتلك عشان أريحه في قبرهُ زي ماانت قتلتهُ
_ كانت مايسة تتحرك في بهو القصر بحركات متوترة ، وتفرك كفيها وهي تحاول إستنباط سبب زيارة كارمن المفاجئة ورغبتها في الإجتماع بشقيقها منفردين ..
بينما لم يكن ريان أقل منها بل أكثر .. يقتلهُ تفكيره حول سبب مجيئها ! مؤكد سبب خطير ما دفعها لتلك الخطوة الجريئة .. ولكن ما هو؟
قرعات جديدة على باب القصر ولكنها أكثر حدة وعنف ..
فـ انتقل ريان لفتح الباب بنفسه ، ليتفاجئ بوجود قُصي أمامه وهو ينظر إليه بتلك النظرات المريبة ، وتسائل الأخير قائلًا :
- فين كارمن ؟ أنا عارف إنها هنا !
ريان وقد أخذ موضع الهجوم : أمشي من قدام بيتي بدل ما أمشيك بطريقتي
_ آتى مراد من الخلف عقب أن استمع لهذا الصوت الذي يعرفهُ .. تجهم وجهه ، ودفع أخيهُ برويه وهو يزأر بصوتهُ :
- إيه اللي جابك لحد هنا يابجح !
قُصي وهو يخترق الداخل بنظراتهُ باحثًا عنها : جاي أخد كارمن ، بدل ما تكون العواقب مش متخيلة بالنسبة ليكم
_ صوت طلقة نارية صدح صوتها جعلت الجميع ينتفض ليتصارعو في الدخول لحجرة المكتب وقد جف حلقهم وأصبح علقمًا من هول المفاجأة ..
ليجدو كارمن تقف في وضع الإستعداد وهي تصوب فوهة السلاح نحو طاهر وتعيد عليه السؤال بصوت صارخ :
- لأ أنت اللي عملتها ، المحامي بتاعك أعترف بكل حاجة وانا سمعت صوتك بوداني ، متحاولش تنكر
طاهر بصوت متلعثم وقد فرت الدماء من جسدهُ : آ .. مش انا ! مش انا !
_ وقف ريان أمامها ليكون سدًا منيعًا ، حاول جذب هذا السلاح منها حتى لا يتأذى أحدهم دون قصد .. ولكنها أبعدت ذراعها عنه وضغطت على الزناد لتخرج طلقة أخرى وتصيب الإطار الزجاجي فتهشم لفتات صغيرة للغاية .. وصرخت فيه ليبتعد :
- أبعــد عني ، أبعد انت ملكش دعوة !
ريان وهو يرفع ذراعيه لئلا يلمسها : حـ .. حاضر بس أهدي ، أهدي وفهميني عايزة إيه وانا هنفذلك كل اللي عيزاه
قُصي وهو يحاول جذبها بلطف من هذه الأجواء المشحونة :
كارمن ! ده مش حل؟
كارمن وهي تجذب ذراعها إليها ليبتعد : متلمسنيش ، لازم يموت زي ما موتهُ .. لازم حق أبويا يرجع
ريان وقد جحظت عيناه ثم تحولت لجمرتي من النار : أنتي بتقولي إيه يامجنونة انتي ؟ خلاص ملقتيش غير أبويا تلبسيه التهمة .. أنتي زودتيها أوي أوي وانا صبرت على جنانك كتير
مايسة وهي تتحرك نحو شقيقها لتطمئن عليه : دي خلاص أتهفت في عقلها بعد ماابوها مات ، انت كويس ياطاهر ياخويا ، ولا جرالك حاجة ؟
قُصي بصوت خشن وهو يعترض على حديث تلك السيدة : لأ هي متهفتش ، أخوكي هو اللي قاتل ومجرم كمان .. قتل عمي جلال وهو اللي دبر الحادثة دي!
_ من هول ما يقع على مسامعهُ من كوارث لا تصدق ، ضحك مراد رغمًا عنهُ ساخرِا من تطور الأوضاع من حوله .. فقد أصبح أبيه قاتلًا أيضًا بجانب كونه مرتشي وسارق ومزور .. جريمة جديدة تُضاف لقائمة جرائمهُ الطائلة ، فالتفتت كارمن إليه لترمقه بتحسر وهي تقول :
- أضـحك ، أضحــك كمان
ريان : .....................
مايسة بصوت خافت : إيه الكلام ده ياطاهر ، ما تتكلم وتقول حاجة
قُصي : هيقول إيه يامدام ! ميقدرش ينكر والدليل موجود وهو عارف ده .. رفـعت
_ كاد يخنقهُ حتى يلفظ أنفاسهُ الأخيرة وهو يصيح فيه بغضب ضاري :
-أنت السبب في كل ده ! إنت الشيطان اللي ماشي وسطنا ووقعتنا كلنا في بعض .. وقعتني انا واخويا ودلوقتي بتوقعنا في أبونا ، إنت عايز إيه
قُصي وهو يخلص رقبتهُ بأعجوبة منهُ وقد سعل : أنا هثبتلك إن أبوك هو الشيطان اللي مركب أجنحة وبيطير حواليكو ومفكرين إنه ملاك .. أبعـــد عنــي
_ أخرج قُصي هاتفهُ ، وقام بتشغيل هذا التسجيل الصوتي ليسمعه الجميع ويكتشفون حقيقة هذا المخلوق الذي يعيش بينهم ..
فأنصتوا جميعًا له عدا كارمن ، التي سبحت بعقلها في دنيا أخرى .. رأت فيها حالها وهي تقف خلف القضبان عقب أن تتخلص منهُ وتقتلهُ ..
دقيقة من الصمت المريب بين الجميع ، الكُل ينظر للآخر مترقبًا أول رد فعل عقب هذا التسجيل ..
تحرك مراد من موقعه ، وتقدم من والدهُ وهو يسأل غير مصدقًا :
- إنت ! إنت عملت كدا فعلًا ؟
طاهر وهو ينكس رأسه بخزي :.......
- صرخ مراد فيه صرخة مدوية وهو يعيد حديثه : ما تنطق ، أنت اللي عملتــــها ؟
_ نظرت كارمن نحو '' ريان '' وهتفت وهي تهز ذراعهُ قائلة :
- عايزة حق أبويا ، ياصاحب الأخلاق .. يابتاع الحق
ريان : ..........
قُصي مزيدًا من شدة الوضع : وليه تطلبي منه حق أبوكي ، حقهُ هناخدهُ بنفسنا وبالقانــون
مراد وقد أستشعر تهديدًا صريحًا لهم : الصباع اللي يوجعني مش بعالجهُ ياقُصي ، لأ .. أنا بقطعهُ
قُصي وقد أنعقد حاجبيه بعدم فهم : قصدك إيه ياكابتن مراد !
مراد وقد اشتعلت عيناه بإحمرار : بكرة هتعرف يعني إيه ، بكرة
_ خرج مراد من هذا المحيط الذي يضمهم .. وأثناء خروجهُ دفع قُصي ليبتعد عن طريقهُ ..بينما بقى ريان مشلول بمكانهُ لا يقوَ على الحراك ..
ولم يستطع حتى النظر نحو أبيه القاتل ..
في حين قامت كارمن بدس سلاحها في حقيبتها وهي تردد بتوعد :
- حق أبويا هاخده منك ، وهوديك في ستين داهية
_ نظرت نظرة أخيرة له ، فوجدته يتهرب بعينهُ منها ..
ألتفتت وغادرت بصمت ، فتبعها '' قُصي '' بهدوء دون أن يحدثها .. فهو يعلم حجم ما تعانيه الآن ..
أخفض ريان بصرهُ بخزي ، وهمس بصوت مهزوم :
- عمر ما حد خلاني مكسوف ولساني أخرس غيرك !
كسرتنا كلنا ! إزاي طول السنين دي مكنتش شايف حقيقتك القذرة ؟
عديت كل اللي عملته وسكت عنهُ ، كمان تقـ .........
_ بتر الكلمة القاسية تلك التي وقفت على حافة لسانهُ ، وأطبق جفنيه متألمًا وهو يقول :
- ياريتني مُت ولا عرفت إنك السبب ! ياريتك كُنت أتسجنت بقية عمرك ولا كنت سرقت عمر أبوها منها !
أنا مش ابنك .. وانت متلزمنيش بعد النهاردة ، أنت مش أبويا ، مش عايز يكون في صلة تجمعنا تاني ..
أنت مُت بالنسبالي في اليوم اللي قتلت فيه جلال
_ خرج ، ليس لحجرتهُ .. وإنما خرج عن القصر كُله ، لا يريد البقاء معهُ في مكان واحد ..
بينما كانت مايسة گالتي أصابتها صاعقة كهربية ..
تنسال دموعها بصمت وتأبى أن تحدثهُ ، أبتعدت عنهُ وهي تجر ساقيها للخارج .. ظهرها محني بإنكسار ، وظلت تردد بوهن :
- حسبي ربي وهو نعم الوكيل ، حسبي ربي وهو نعم الوكيل
_ مازال جسدهُ يتعرق بصورة مفرطة ، وأقدامهُ تعجز عن حمل جسدهُ الذي ثقل فجأة ..
هوى على المقعد ، ورفع سماعة الهاتف بأصابع مرتعشة ليحدث أحدهم :
- أيوة ، أحجزلي طيارة خاصة فورًا ، لأي مكان بره مصر .. آآ اليونان ، أأه ، أي مكان بعيد الحكومة المصرية متقدرش توصلي فيه .. هحضرلك الفلوس وهجهز نفسي حالًا أهو ، سلام
....................................................................
_ صدق في حديثهُ ، وحسم الموضوع قبل أن يتصرف أحدٍ غيرهُ .. توجه مراد بنية صادقة نحو المخفر ..
وقام بتقديم بلاغ رسمي ضد والدهُ لإرتكابهُ جريمة قتل عمد راح ضحيتها '' جلال الدغيدي '' ..
وقف مراد أمام الشرطي وهو يقول بعزيمة :
- عايز أقدم بلاغ عن جريمة قتل
الشرطي وقد تخفزت ملامحهُ وهو ينظر حيالهُ بإستغراب : جريمة قتل حتة واحدة ؟
مراد بملامح مظلمة ووجه عابس : أه ، محضر ضد والدي طاهر النعماني ، لأنه قتل رجل الأعمال '' جلال الدغيدي ''
_ ظن الشرطي عقب علمهُ بهوية القاتل وصلة '' مراد '' به إنه ربما يريد الوشاية بوالده لأسباب خاصة كيدية بعيدة عن الواقع .. فشدد على عبارتهُ قبل أن يحرر المحضر وهو يقول :
- إنت عارف عقوبة البلاغ الكاذب إيه ؟
مراد بثقة : آه عارف ، ومعايا الدليل والشاهد موجود
_ فتح الشرطي أحد الدفاتر القديمة أمامه ، ثم قال وهو يدون :
- إنه في يوم..........................
_ وبدأ الشرطي في تحرير بلاغ رسمي ..
أنتهى مراد من مهمتهُ ، وقام الشرطي بالإجراءات المتعارف عليها من أجل الحصول على أمر بالقبض على '' طاهر النعماني '' .. وبصورة سريعة ، خاصة وأن مراد أخذ حطاطهُ وأبلغهم بأن والده يستعد للهرب ..
خرج مراد عن المخفر ، ليجد كارمن وشقيقها يقتربان للدخول ومن خلفهم قُصي .. فسار نحوهم شامخًا رافعًا لرأسهُ ، حتى أن كارمن أصطدمت برؤيتهُ وظنت إنه يدبر شيئًا لأجلها ..
وقف كريم متصدرًا شقيقتهُ ، ليجد مراد يبدأ بالحديث وهو يقف قبالتهم :
- مش انا اللي اتهدد بأبويا عشان غلط ، اللي غلط يشرب تمن غلطته
كريم بلهجة جامدة : ياريت بلاش ألغاز
مراد : أنا بلغت في أبويا ، وزمان في قوة بتجهز عشان تروح تقبض عليه دلوقتي
كارمن وقد تشككت في حديثه : بلغت عنه !
قُصي بإبتسامة باهتة : لا الشهادة لله حقاني أوي
مراد ببرود يناقض النيران المشتعلة بصدرهُ : مش قولتلك صباعي أقطعه معالجهوش
_ تركهم وغادر أرض المخفر ، بينما خبأت كارمن وجهها في صدر شقيقها وهي تقول :
- كريم ، أنا لازم أتأكد إنه أتقبض عليه
كريم وهو يجذبها للدخول إلى المخفر : هنعرف كل حاجة دلوقتي ، تعالي
_ أضطر مراد لمهاتفة أخيه ، عقب أن علم من '' مايسة '' إنه غادر القصر ولم يعود من حينها ..
وبعد العديد من المحاولات رد ريان أخيرًا وهو يجيب بضجر :
- عايز إيه ؟
مراد بلهجة ساخرة : إيه ده ، مش هتيجي تتفرج على نهاية أبوك الظالم .. اللي فضل طول عمره مفضلك عليا ومديك كل حاجة وواخد مني كل حاجة .. اللي طلع أخطر من سفاح اسكندرية وإحنا مش دارين
ريان وقد أغتاظ من لهجة أخيه المتهكمة : إنت صحيح معندكش ريحة الدم !
مراد وقد انقلب صوته لآخر خشن وحازم : مش بهزر ،انا بلغتو البوليس جاي ياخد أبوك .. سلام
_ لم يكن مصدومًا من القبض على والدهُ فتلك الحقيقة لا يمكن دفنها أبدًا .. ولكن ما صدمهُ صدمة شديدة هو إن الفعل قد آتى من شقيقهُ قبل أن يأتي من '' كارمن '' ..
ترك جلستهُ أمام ضفاف النيل ، واستقل دراجتهُ النارية لينطلق نحو القصر مسرعًا ..
أين ترك قلبهُ! لا يعلم ، لن يكون هناك مجال للأختيار .. فوالدهُ هو الجاني ولا يحبذ دحض الحق وإبطالهُ ..
وبنفس الآن ، كان مراد قد وصل للقصر ، وراح يبحث عن والدهُ في كل مكان ..
حتى وجده يضب أغراضهُ بداخل حقيبة سفر كبيرة مستعدًا للرحيل ..
وقف مراد على باب الحجرة ورمقهُ بإحتقار وهو يقول :
- كمان عايز تهرب؟ ، ياجبروتك!
طاهر وهو يسحب حقيبتهُ ليخرج بها : مراد يابني ، خلي بالك من عمتك وأختك .. أنا مش هاغيب كتير
مراد بضحكة ساخرة : أختي ! ما ضاعت زي حجات كتير ضاعت .. تاج بتتعالج في مصحة للإدمان ، مبروك .. بنتك كانت بتعاطى هيروين pure ( خام )
طاهر وقد أتسعت عيناه عن آخرها : إيــه ! بس ريان قالي إنها مسافـ .....
مراد : عايزه يقولك إيه ! بنتك في مصحة ؟
طاهر : .......
_ تتوالى الصدمات على عقلهُ ، ويشعر بسحابة تغيم على عينيه من فرط ما تلقاه تلك الليلة المشؤمة ..
قطع مراد تفكيره وهو يردد بصرامة :
- مش هتهرب ، البوليس في السكة .. وكل واحد لازم ياخد حقهُ
_ أصبح صوتهُ گالفحيح وهو يتابع بنبرة مسمومة :
- وهرفع عليك حجر ، وهاخد كل نصيبي اللي أخدته مني وأديتهُ لأبنك الحيلة .. خلاص يانعماني ، إنت بتنهار
_ ظهر صوت صافرات سيارات الشرطة وهي تقترب من القصر ، فدب الذعر بداخل طاهر الذي أسقط حقيبتهُ رغمًا عنه .. وحاول تجاوز إينه للمرور عسى أن يفر هاربًا ، ولكن كان مراد گالحاجز أمامه ..
يحول بينه وبين الهرب حتى يتم القبض عليه ..
كانت كارمن وشقيقها وقُصي أيضًا .. يراقبان مشهد خروج '' طاهر '' من القصر مكبلًا وسط أفراد الشرطة ..
حتى أن ريان حضر في تلك اللحظة التي كان أبيهِ يصعد لعربة الشرطة .. ترجل عن دراجتهُ ووقف جوارها ينظر إليه بخزي ، فقد طاله الدنس وعائلتهُ برمتها ..
عقب فعل أبيه المشين ،
نظرت كارمن حيالهُ ، فـ اكتشفت كم أن المسافات بينهما تباعدت لتكون بآلاف الأميال .. وكم أصبحا گغريبين عابرين في طريق أمتلئ بالأشواك ..
نكس كل منهما رأسهُ .. في حين قاد ريان دراجتهُ من جديد ، حتى ينصرف من أمامها هاربًا من مواجهتها ..
كُل ذلك ومايسة تقف في شرفتها ، تنظر لحال شقيقها الشقي الذي عاش بين المؤمرات طيلة حياته والتي انتهت بقتل أحدهم .. أخفضت بصرها وهي تنزح عبراتها قائلة :
- للّه الأمر من قبل ومن بعد
_ وتركت الستائر تغطي الشرفة لتدخل هي للداخل .
.......................................................................
_ صباح يوم آخر ، وبعد يومان مستمران من التحقيقات وشهادة الشهود والقبض على '' رفعت '' ..
وتحديدًا أمام هيئة النيابة الموقرة ، وقفت كارمن في إنتظار خروج المحامي الخاص بها ليبلغها بشأن المستجدات ..
كانت تنظر بعيون متشوقة حولها ، عسى أن تراه يحضر ..
ولكنه لم يأتي .. أجفلت بصرها بإختناق شديد ، لتجد المحامي يخرج عن الحجرة ويتقدم نحوهم ..
فقطعت هي المسافات نحوه وفي أعقابها شقيقها الذي سرعان ما تسائل :
- هـا يامتر ؟ طمنا
المحامي : حبس ١٥ يوم ومراعاة التجديد في المعاد
كارمن وهي تفرك كفيها بتحمس : تفتكر هيكون الحكم في صالحنا ؟
المحامي بثقة شديدة : طبــعًا ، ده قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد ، وأقل حاجة لو القاضي رحيم شويتين ١٥ سنة أشغال شاقة
كريم بتنهيدة مرتاحة وقد أزال حملًا عن عاتقهُ : الحمد لله
_ رأتهُ يخرج بصحبة المجند ، فأشاحت بصرها متأهبة للرحيل ، ولكنهُ أستوقفها بصوته :
- أستنى يابنتي !
كارمن بلهجة فجة : أنا مش بنتك
طاهر بصوت خالجهُ الندم : ريان ملهوش ذنب ياكارمن ، ابني حبك بجد متسيبهوش ، أنا عارفهُ .. هو أبيض ونضيف زي أمه اللّه يرحمها ، صدقيني يابنتي .. وسامحيني
كارمن : ............
المجند وهو يسحبهُ : يلا يامتهم
_ أطبقت جفنيها وهي تتضور بتألم ..
هي تحبه أكثر من أي شئ ، ولكن حبها وعشقها الأول لوالدها الراحل .. لن تُحملهُ الوزر ، فلقد سقط كلاهم ضحية لعداء قديم ليس لهم به صلة ..
وضع كريم ذراعهُ حول كتفها ، وسار معها.. حتى وصل بها لسيارتهم .. كادت تأخذ محلها في المقعد الأمامي ولكنها لمحتهُ من ظهرهُ يقف مع المحامي الموكل للدفاع عن والدهُ .. عرفتهُ وحتى إن كان من ظهرهُ .. خفق قلبها لرؤيتهُ وأرادت سريعًا أن تحبو إليه گطفلة صغيرة تحبو نحو والدتها ..
نظرت لشقيقها وكأنها تستأذنهُ ، فحرك رأسهُ بـ إيماءه خفيفة لتذهب ، وسريعًا ما تحركت نحوهُ ..
أقتربت بتوتر ظاهرًا وبقوة للعيان ، وعندما رأى ظلها من خلفه أضطربت ملامحهُ وحاول إيجاز حديثهُ مع المحامي ..
حتى وجدها بالفعل أمامهُ ، فـ ارتخت عضلات وجههُ وأجفل بصرهُ وهو يردد :
- عارف إن مفيش أمل ، لكن بنعمل اللي علينا .. ومتشكر جدًا على مجهودك
_ صافحهُ ثم أنصرف '' المحامي '' ، بينما بقيت نظراتهم الناطقة هي السائدة بينهم ..
إلى أن بدأ هو الحديث قائلًا بخزي :
- مش عارف أقولك إيه !
كارمن وقد أطرقت رأسها بحزن جلي : أنا أسفة ، مكنتش عايزة الوضع يوصل لكده
ريان بإبتسامة ساخرة : المفروض إحنا اللي نعتذرلك ، في النهاية أبويا اللي من دمي هو اللي قتل أبوكي .. واتهاماتك لينا گعيلة طلعت كلها في محلها
_ تنهد وهو يرفع كفهُ ليمسح به على شعر رأسهُ .. ثم قال وهو يستعد للرحيل :
- عن أذنك
- ريــان !
_ قالتها وهي تضع كفها على ذراعهُ ، فـ اقشعر بدنهُ على أثر ذلك ونظر حيالها بصمت لتتابع هي :
- كل اللي حصل ملناش ذنب فيه ، بابي مـ .....
_ أبتلعت ريقها بمرارة ثم تابعت :
- بابي مـات ، وباباك هيدفع تمن غلطهُ ..
خليك جنبي متبعدش ، أنا محتجالك .. أنا لسه بحبك ياريان
ريان :.......
_ داعب أصابعها بين كفهُ ثم قال والبسمة الباردة تعلو شفتيه :
- مبقاش ينفع ، في حقيقة بقت زي العار هتطاردنا طول حياتنا .. تفتكري ولادنا لو سألونا فين جدو !
هنقولهم إيـه ؟ جدو التاني قتلهُ ؟
_ سمحت لعينيها بإطلاق هذا الكمّ الذي كبحتهُ طويلًا .. وسالت الدموع سيل المياه الجارية ..
وتحشرج صوتها وهي تقول :
- الحقيقة اللي بتكلم عنها راحت لحالها ، أنا رجعت حق أبويا بس معملتش حاجة غلط عشان تعاقبني
ريان نافيًا عن ثوبهُ هذا الإتهام : أنا مش بلومك ولا بعاقبك ، إنتي عملتي الصح وانا اللي كنت غلط .. لكن بفكر في مستقبلنا ياكارمن
كارمن وهي تحتضن كفيهُ وكأنها تعانقهما : أنت المستقبل ده ، حياتي مش هتكمل من غيرك .. قول إنك هتفضل معايا مهما حصل ، مهما كانت النتيجة .. كفاية تكون موجود جمبي ، صدقني كفاية ................................
......................................................................................
