رواية حبل الوريد الفصل الاربعون
_ مضت أيام وتوالت أخرى .. وما زال الإتصال بين كلاهما معدومًا منذ آخر لقاء ..
هو أبلغها رغبتهُ الجمّه في الإنفراد وحيدًا حتى يرى على ماذا ستستقر الأمور .. وهي رأت في التحايل عليه إزلالًا من كرامتها وأهدارًا لكبريائها ، في كل الأحوال عائلتهُ هي الآثمة في حق عائلتها .. وليس العكس ..
في صباح هذا اليوم الربيعي اللطيف قررت زيارة قبر والدها للمرة الثالثة منذ أن أمرت النيابة بحبس '' طاهر '' ..
وكعادتها ، سقت زرع الصبار الأخضر والزروع التي تحاوطهُ أيضًا .. ثم وضعت باقة ورود جديدة عقب أن رفعت الذابلة ، وجلست تتأمل حروف أسم '' جلال الدغيدي '' المحفورة على قطعة من الرخام ..
مسحت بأصبعها ذرات التراب عن الأسم ، ثم ابتسمت وهي تقول :
- ربنا يرحمك ياحبيبي ، يارب تكون مرتـاح دلوقتي
_ كيف لهذه الدموع أن لا تتوقف ، وكأن لا حد لها !
في كل مرة تزورهُ بها .. تذرف من الدمع الكثير والكثير ، ولا تمّل عينيها من ذلك ..
ولكن فجأة ، توقف كل شئ وتجمدت دموعها في محجري عينيها .. عندما أنتبهت حاسة الشم لديها واستنشقت عبير عطرهُ الرجولي النفاذ والذي اخترقها أختراقًا ..
ألتفتت برأسها لا أراديًا لتجدهُ بطلتهُ المهيبة يقف خلفها..
فركت عينيها لتتأكد من عدم توهمها ، ثم نهضت لتجد إنه قبالتها بالفعل ..
مرتديًا حُلة سوداء ومن أسفلها قميصًا أسود كاحل ، ونظارتهُ السوداء تحجب نظراتهُ المشتاقة عنها ..
ممسكًا بباقة زهور بيضاء ..
لم يطيل في وقفتهُ ، حيث تقدم من القبر وانحنى بجذعهُ ليضع باقة الزهور .. وهي في حالة من الشدوه ..
وقف مستقيمًا ، ثم رفع كفيهُ بإتجاه وجههُ وبدأ في قراءة الفاتحة ..
ثوانٍ وانتهى ، فـ استدار إليها وهو ينطق بجدية :
- زيارة متأخرة عن معادها ، لكن كان لازم تحصل
كارمن وهي تطرق رأسها بحزن : شكرًا
ريان متعمدًا فتح موضوعات للتحدث معها : بقالك كام يوم غايبة عن شركتك ومشروعك !
كارمن وهي تزفر زفيرًا مختنقًا من صميمها : كنت محتاجة ارتاح
_ أنحنت لتلتقط حقيبتها ، ثم اعتدلت وراحت تتحرك للخارج ليتحرك هو خلفها..
أغلقت بوابة القبور الخاصة بعائلة آل دغيدي .. ثم وقفت في موازاتهُ ، كانت ترمش بعينيها عدة مرات ، ولا تقوَ على فتح عينيها بسبب ضوء الشمس .. فأطبقتهما بتذمر وهي تردد :
- إن شاء الله من النهاردة هكون من موجودة واتابع كل حاجة من تاني
_ لاحظ ضيقها .. فنزع نظارتهُ السوداء وألبسها إياها ليحجب عن عينيها ضوء الشمس ، ثم وقف أمامهُ بجسدهُ العريض ليشكل حاجزًا دون وصول الضوء إليها ..
غزت إبتسامة فرحة مبسمها ، ولم تمنع ظهورها إليه وهي تشكرهُ :
- شكرًا
ريان محاولًا رسم الرسمية معها : المشروع مستنيكي
كارمن وهي تتلمس نظارتهُ بحُب : حاضر ، أنا خدت النضارة دي خلاص
ريان ببسمة عابثة : دي تاني نضارة تاخديها مني ، لاحظي إن كلهم ماركات
كارمن وقد ارتفع حاجبيها بإستنكار : فدايا
ريان بتنهيدة ثقيلة : فداكي الدنيا كلهـا ياستي .. مش يلا نمشي ولا عجبك الجو هنا ؟
_ ألتفتت تلقي نظرة أخيرة على القبر ثم هزت رأسها وهي تقول :
- يــلا
_ طاقة إيجابية أقتحمتها ، عقب رؤيتها له وإن كانت للحظات وجيزة ..
طوال طريقها لم تغيب نظارتهُ التي أستولت عليها عن بصرها .. حتى وصلت لمقر شركاتها بردائها الأسود وكانت مفاجأة للجميع ، ظهورها من جديد عقب أجازة طويلة حصلت عليها ..
صعدت عن طريق المصعد الكهربي ثم توجهت ناحية مكتبها ، فوقفت السكرتيرة وهي تقول :
- نورتي الشركة ياكارمن هانم ، في ضيفة منتظرة حضرتك جوه .. صممت إنها تنتظرك جوه رغم إني بلغتها إن أحتمال حضرتك متجيش النهاردة
كارمن وقد ظهرت ثنايات وجهها بإقتضاب : مين دي !
السكرتيرة : آنسة زينة يافندم
_ زفرت زفيرًا محتقنًا من صدرها .. وظلت تتأفف بإنزعاج شديد لتهمس :
- مكنش ده وقته أبدًا
_ دخلت كارمن مكتبها بخطوات سريعة وكأنها متعجلة أو تاركة خلفها أمرًا هام ..
تجاهلت النظر إليها وتقدمت نحو مكتبها وهي تقول بإمتعاض :
- أهلًا يازينة
_ تجاهلتها ولم ترد عليها حتى.. بينما جلست الأخيرة فوق المقعد الجلدي وتركت نظارة ريان على سطح المكتب لتراها زينة .. فعرفتها منذ أن وقعت عينيها عليها ، تجهم وجهها أكثر وأكثر .. بينما صبت كارمن إهتمامها بالأوراق الموجودة على سطح المكتب ، لتقول زينة بجرأة :
- أنا جاية أقولك إبعدي عن ريان ، كفاية اللي عملتيه فيه وفي عيلته .. كفاية أوي كدا
_ تركت كارمن ما بيدها وحدقت لثواني في الفراغ ، ثم رفعت بصرها المصدوم إليها ومازالت غير مستوعبة ما قيل للتو .. فأشاحت زينة بوجهها وقالت :
- متستغربيش ، أنا بحب ريان وعايزاكي تبعدي عن طريقنا
كارمن وقد برزت إبتسامة مستخفة منها : طريقكو ! إنتي أتجننتي يازينة ؟ ريان هيبصلك انتي؟
_ ثم أشارت ناحيتها بإستنكار وتابعت :
- ده لما عرف إنك جاية المستشفى كأن في بركان جواه وقام مشي على طول !
_ ضحكت ضحكة هيستيرية ، أتقدت على أثرها زينة وهي ترمقها بغيظ شديد وهو تهتف :
- لو بعدتي عنه هنكون كويسين مع بعض ، وجودك هو اللي مخليه مش شايفني
- ولا هيشوفك ، ريان لحد النهاردة كان معايا
_ ثم نظرت نحو النظارة نظرة موحية بمغزى معين ، ورفعت بصرها نحوها من جديد وهي تقول :
- مكنتش أتصور إنك كدا ، ولا بجحة بالشكل ده
زينة وهي تضرب بقبضتها على سطح المكتب : أنا مش بجحة ، أنا متحركتش ناحيته غير لما بعدتي عنه وبعتيه وكمان كنتي عايزة تضيعي مستقبله .. أنا اللي أستاهل أكون معاه مش انتي
كارمن بصوت مرتفع وصارم : قومي أطلعي بـــره ، ومش عايزة أشوفك هنا تاني .. عمري ما توقعت تكوني شايلة كل ده جواكي
زينة وهي تواري حرجها من طرد كارمن لها : أنتي بتطرديني!
كارمن : آه بطردك ، وبحذرك لو انتي اللي مبعدتيش .. في كل الأحوال هتكوني خسرانة
_ رفعت ساقًا أعلى الأخرى بثقة مغترة ، ثم قالت :
- أنا وريان بنتخانق وبنبعد ، لكن مسيرنا لبعض .. ريان ده وريدي ! من غيرهُ أموت ..
وهو من غيري ميقدرش يتنفس ، تقدري تقوليلي إنتي إيه بالنسباله ؟
زينة :......
كارمن : إنتي صفر على الشمال يازينة ، وكل اللي بتحلمي بيه وهم ومش هيتحقق
_ وقفت كارمن عن جلستها واستندت بأصابعها على سطح المكتب وراحت تقول بهدوء يناقض العاصفة :
- خدتي من وقتي كتير وانا عندي meeting ، شرفتي
_ هبت واقفة بتشنج أصاب عضلات جسدها ، ثم حدجتها بحقد شديد قبيل أن تلتفت للإنصراف مندفعة للخارج ..
جلست كارمن مرة أخرى بحركة بطيئة وكأن الصدمة مازالت مسيطرة على إدراكها .. رمشت وهي تفكر فيما ستفعل حيال تلك الحيّة التي تربت بين أحضانها لسنوات ، واليوم تنثر السم وتبخهُ عليها ..
دفنت وجهها بسن راحتيها وهي تهمس :
- إزاي محستش بـ ده قبل كدا ! إزاي ملاحظتش كل الحقد والغل اللي في عنيها ليا !
_ تنهدت بسئم ، ثم عادت بظهرها لتنستد على المقعد .. ومازال رأسها يدور بتفكير لا يتوقف .
..............................................................
_ كان يستعد للذهاب عن مقر شركتهُ متجهًا نحو المصحة الخاصة بعلاج الإدمان ، ليطمئن على حال شقيقتهُ التي لم يتحسن وضعها ولو بنسبة بسيطة ..
جمع المستندات الهامة ووضعها بداخل الخزينة المجاورة للمكتب ، ثم أغلقها جيدًا .. وبدأ يرتدي معطفهُ ليحتمي من هذه العواصف الترابية التي ضربت بالأجواء ..
وحين ذلك ، تلج السكرتيرة خاصتهُ وهي تردد :
- مستر ريان ، في ضيف لزيارة حضرتك بره
ريان وهو ينظر لأشياءهُ التي يجمعها من على سطح المكتب : خلي أي مواعيد لبكرة لأن عندي مشوار مهم جدًا دلوقتي
زينة : مينفعش أستنى أكتر من كدا
_ قالت زينة تلك العبارة وهي تقتحم المكتب وعلى وجهها تعابير متجهمة مختلطة بدموعها التي غزت صفحة وجهها .. ثم تابعت بصوت ممزوج بالنشيج :
- لازم أتكلم معاك في موضوع مهم
ريان وقد تبدلت ملامحهُ لأخرى منزعجة : خير ؟
_ سحبت السكرتيرة نفسها بهدوء لتخرج ، بينما تقدمت منهُ زينة وهي تشكو حالها إليه وقد غلب عليها البكاء :
- شوفت كارمن عملت إيه معايا ! بهدلتني وطردتني من شركتها
ريان وقد ظهر وكأنه لم يتفاجئ : عملتلها إيه ؟ أكيد مش من نفسها
زينة وهي تمسح قطرات دموعها بأطراف أناملها : لأ معملتش ، كل اللي قولتلها إبعدي عن ريان .. كفاية تأذيه أكتر من كدا
ريان : إيــه !
_ خطى من خلف مكتبهُ ليكون في مقابلتها ، ثم قال بصوت مرتفع والغضب غامرًا لوجهه :
- مين أداكي الحق ده ! مين قالك تتكلمي بالنيابة عني؟ إنتي حقيقي مش طبيعية
زينة وهي توزع نظراتها على ملامح وجهه لتحفرها بذهنها : لأ أنا طبيعية وعايزة أحميك منها
ريان قاطبًا لجبينهُ بإستغراب : تحميني أنا ! ومن مين ؟
تحميني من روحي ! نفسي ؟
كارمن دي أنــا ، أنـــا يازينة .. مهما حصل بينا هتفضل مكانتها ليها هي!
أنا مش مصدقك بــجد !
زينة وهي تصيح فيه گالمجنونة : فيها إيه أكتر مني عشان تحبها ؟ فيها إيه مش فيا .. هـه؟
ريان وقد أرتعشت عضلات وجهه على أثر الضغط على فكيهِ : في إنها كارمــن ! دي وريـــدي
_ كاد مراد أن يغدو إليه إلا أن السكرتيرة أستوقفتهُ وهي تقول برسمية :
- مستر مراد ، أنسة زينة جوا
مراد وقد أرتخت تقاسيم وجهه شيئًا ما : كويس إنك عرفتيني
_ وتحرك من مكانهُ ليفتح الباب بهدوء جعلهم لم ينتبهو لوجودهُ .. ليجدها تقف في مواجهتهُ وتعترف له صراحة بحبها المدفون بداخلها إتجاههُ .. وقف گالصنم وهو يتابع مواجهتهم ، وفي قلبهُ نار گالحميم . :
- أنا بحــبك ليه مش مقدر ده ، وبتبعني بسهولة ليه؟
ريان وهو يشير بسبابتهُ محذرًا : أنا عمري مااشتريتك عشان أبيعك .. وحبي لكارمن أنتي عارفه بيه من زمان ، أبعدي عن سكتي عشان مفيش منها فايدة
زينة وقد أمتزج نشيج بكائها بصوتها الضعيف : بس أ .....
ريان وهو يتحرك من أمامها : عن أذنك
_ توقف عن الحراك عندما رأي أخيه يقف متابعًا جيدًا لما يحدث .. فأجفل بصرهُ وتنحنح وهو يردد :
- في حاجة يامراد جاي عشانها ؟
مراد : لأ
_ كفكفت زينة عبراتها المتأثرة بسياط حديثهُ القاسي لها .. ثم عبرت بالقرب منهم للخارج وهي منكمشة على حالها بحرج شديد من نفسها ..
بينما تابعتها عيون مراد المختنقة حتى أختفت ، ثم عاود النظر لأخيه ليقول بخفوت وكأنه يعاتبهُ :
- حتى دي أخدتها مني ؟
ريان بعدم فهم : إيـه دي ؟
مراد ببسمة ساخرة من زاوية فمهُ : ولا حاجة ، ولا أي حاجة
_ ألتفت وانصرف متحسرًا على حظهُ التعيس أمام حظ أخيه الذي غالبًا ما يكون مرتفعًا في السماء ..
في حين كان ريان يفكر في هذه العبارة المبهمة الذي لم يتوصل لأصل مغزاها ..
فلم يخطر بعقلهُ البتة إنه يقع في حُب تلك الفتاة التي أحبتهُ .. تأفف ريان وهو يفرك عنقهُ ، ثم أخرج هاتفهُ وقرر محادثتها ليتعرف على توابع ما فعلتهُ زينة من تصرفات حمقاء .. ليأتيه الرد مع أول رنة وكأنها منتظرة إتصالهُ :
- ألـو
- .. آ أزيك
كارمن وقد أفتر ثغرها بإبتسامة فاترة : كويسة
ريان وهو يعض على شفتيهِ بضجر : أنا عرفت اللي عملتهُ زينة ، وأتصلت عشان أعرفك إن ماليش علاقة بكل اللـ ......
كارمن وهي تقطع حديثهُ : ريان
ريان مترقبًا لقولها : نعم !
كارمن : ممكن تعزمني على سي فود ( فواكه البحر ) ، أنا جعانة جـدًا ونفسي فيه
ريان : .........
_ أولًا تسلطت عينيه في بؤرة واحدة وكأنه لا يرى ، فقط أنصب تركيزهُ على مطلبها ..
وفجأة شعر بإنه تأخر في الأجابة عليها ليسرع هاتفًا بترحيب شديد:
- تحبي تاكلي فين ؟
كارمن وقد برزت نواجذها بإبتسامة سعيدة : في مطعم الـبيت البحري على النيل
ريان وهو ينظر لساعة يدهُ : نص ساعة وأكون هناك
_ أغلقت هاتفها وتركتهُ جانبًا ، ثم نهضت مسرعة تلملم الأوراق المتبعثرة أمامها لتجمعها بملف واحد كبير .. ثم جذبت حقيبتها بعجالة وأنطلقت بخطى راكضة ، لكنها توقفت وعادت مرة أخرى لتسحب هاتفها الذي كادت تتركهُ وهي تغمغم :
- أوف ، أهـدي ياكوكي ، أهدي
_ ومن ثم إنطلاق سريع المدى خارج الشركة ومنهُ لسيارتها وبها لهذا المطعم المشهور بالأكلات البحرية ...
كان ينتظرها منذ عشر دقائق على إحدى الطاولات التي تقبع جوار النيل مباشرة ..
وما أن لمحتهُ حتى أضطربت أنفاسها وبدأت في حركة غير منظمة .. حاولت ضبط إنفعالها ، ثم خطت نحوهُ خطوات واثقة ، رآها على مرمى بصرهُ .. فنهض لإستقبالها ،
حيث سحب لها المقعد بأناقة لتجلس فوقهُ وجلس هو فيما بعد ذلك .. نظرات مطولة منهُ إليها ، ثم قطع حديثهُ وهو يقول :
- أول مرة تطلبي ناكل الأكلة دي
_ أستندت كارمن بمرفقيها على سطح الطاولة المستديرة ، ثم أبتسمت إبتسامة يشع منها الحزن وهي تردد :
- كنت بحب أكلها مع بابي جدًا ، أخر مرة كلتها معاه قبل الحادثة بشهر ونص
_ تنفست بصوت مسموع ثم قالت :
- بصراحة أنا عمري ما طبخت ولا دخلت المطبخ ، غير عشان أتعلم أزاي أعمل سي فود .. من كتر حب بابي ليها كان نفسي أعملها ليه ويدوقها من أيدي
_ ثم رنت ضحكتها الآسره وتابعت :
- والحلو في الفكرة إنها عجبتهُ جدًا ومبقاش ياكلها بره البيت رغم إني طباخة فاشلة
ريان وهو يخفض بصرهُ ليتركز على الطاولة : اللّه يرحمهُ ، ملحقناش نتعرف على بعض ، لكن شكلهُ كان راجل طيب
كارمن وقد تكونت عُقده بين حاجبيها المعقودين : جدًا ، بابي ده كان أحلى راجل في الدنيا ..
أنا عمري ما حسيت بـ يُتمي معاه ، كان الأب والأم والصديق والصاحب وكل حاجة .. تخيل لما كل حاجة تضيع منك فجأة ! الدنيا مضلمة من غيره أوي ياريـان .. أوي
_ أنصت بإصغاء شديد إليها وإيماءات وجهه متعاطفة معها تمامًا .. تركها تُفرغ طاقتها السلبية في الحديث والقص عن والدها وذكرياتها الكثيرة التي جمعتهم سويًا ..
لم يضجر ، بل إنه وجد متعة شديدة في الإستماع إلى حكائات ذلك المتواري أسفل التراب ..
كان منها الطريف المضحك ، والسعيد المبهج وفي كلاهما تفاعل تفاعلًا جديًا ..
حتى وصل الطعام لطاولتهم ، فبدأ أثنتيهم بالتناول معًا بنهمٍ شديد .. وكأنها لقيمات أتت بعد جوع شديد .
...................................................................
_ وقف '' قُصي '' بسيارتهُ أمام واجهة المطعم البحري ، يأكل بناظريهِ سيارتهما المصفوفتين أمام المطعم..
ولهيب الغيرة يأكل من قلبهُ قطعًا قطعًا .. فلم يهنأ معها بشئ على الأطلاق ..
بينما هو ، يعيش أسعد لحظاتهُ معها وكأن لم يكن شئ ،
ما هذا الحُب الذي لا تدعسهُ كُل تلك المصاعب بل والكوارث التي مررن بها!! ..
وكل هذا الشر الذي يكبحهُ بداخلهُ يتفاقم حتى تضاعف ولم يعد تحملهُ مكمونًا ..
لمس هاتفهُ عدة لمسات متتالية ثم وضعهُ على أذنهُ ليُحدث أحدهم :
- النهاردة هديك الأشارة ، إما هتنفذ أو هتلغي التنفيذ .. أستنى مني تليفون
_ ثم أغلق هاتفهُ وأدار المحرك ليقود سيارتهُ قبل خروجهم .. وبالفعل كانت لحظات تفصل بين ذهابهُ وبين خروجهم ، حيث وقفن أمام المطعم يتبادلون الوداع و :
كارمن وهي تصافح كفهُ بإحتواء : ميرسي على العزومة اللطيفة دي
ريان وهو يتحسس خطوط جلدها التي أشتاقها بشغف : تحت أمرك ، تحبي أوصلك؟
كارمن بإيماءه رافضة : لأ شكرًا ، تصبح على خير
ريان وهو يسحب كفهُ بعدم رغبة في تركها : وانتي من أهلي
_ أرتبك وأعاد صياغة عبارتهُ وهو يردد :
ريان : أقصد وانتي من أهل الخير
كارمن : ........
_ أنتظر حتى أطمئن إنها غادرت بسيارتها ، ثم أستقل سيارتهُ وأتجه نحو القصر ..
قام بتبديل ثيابهُ لأخرى ، وهبط مسرعًا للذهاب إلى شقيقتهُ .. فتفاجأ برغبة عمتهُ للذهاب معه أيضًا .. وإنها تأهبت لذلك وأكملت إرتداء ثيابها و.....
- ياعمتي هطمنك عليها صدقيني
مايسة بإصرار شديد : لأ ياريان هروح بنفسي ، كفاية أوي إنك خبيت حتى عني
_ هزت رأسها بأسف شديد ، ثم قالت :
- تاج زمانها محتاجة وجودي جمبها دلوقتي
ريان مستسلمًا لرغبتها : اللي يريحك ياعمتي
_ وأصطحبها معهُ لحيث محل المصحة ، لزيارة تـاج .
....................................................................
_ كانت تقود سيارتها بإستقامة ليلًا ..
حتى وصلت للشارع الجانبي المؤدي لقصرها ، وهنا تحديـدًا ظهرت سيارة قُصي لتقطع عليها الطريق ..
تأففت بضجر وهي تلعن حظها العثر الذي أوقعهُ أمامها الآن ، ثم حلّت عنها حزام الأمان وترجلت عن سيارتها لتجدهُ يقترب منها وهذه البسمة الكاذبة لا تفارق جبينهُ ..
حتى أصبح أمامها لا يفصل بينهما سوى أقل من نصف متر تقريبًا .. وبصوت هادئ ونظرات باردة أطلق كلامًا :
- مكنش ينفع يعدي اليوم من غير مااشوفك وأسألك سؤال
كارمن بلهجة محتفظة بالجمود : سؤال إيه؟؟
قُصي متفحصًا رد فعلًها بتأهب : هتنفذي وعدك ليا أمتى ؟
كارمن وقد جأرت بصوتها وهي تردد : sorry , أنا نقضت وعدي ليك وسحبتهُ
قُصي متصنعًا الذهول : يعنــي .. ؟؟
كارمن وهي تنصرف ببصرها عنهُ : يعني أكيد متقبلش على رجولتك تتجوز واحدة مش عايزاك ..
وعدي ليك كان في لحظة عمى مني ، فكرت بس في إنتقامي وحق أبويا .. مفكرتش أبدًا إني هتحط في الموقف ده دلوقتي
_ وبلمح البصر كان قد خطف ساعدها ليطبق عليه بعنف وهو يقول من بين أسنانهُ الملتصقة :
- وانا مفكرتيش فيا ، مفكرتيش في اللي بيحبك زي المجنون .. مفكرتيش في لحظة تهور ممكن يعمل إيه ؟
كارمن وهي تغرز أظافرها بأصابعهُ ليتركها : ١٠٠ مرة أقول متحطش إيدك عليا
قُصي مستكملًا : مفكرتيش إني ممكن أقبض روحه في ثانية؟ هـــه !
كارمن وقد كشرت عن أسنانها وهي تتوعدهُ بجسارة : ده انا أقتلك ، ومش هخليك تلحق تفرح بإنتصارك
قُصي وهو يدفع ذراعها بعيدًا : يبقى أحلى موت لو على أيدك
كارمن بنظرات محتقرة : إنت مريض !
قُصي : صح ، أنا مريض فعلًا
_ قالها وتحرك بظهرهُ لسيارتهُ ..
قادها بإتجاه الخلف ليعود حيث أتى ، بينما بقيت هي تحك ساعدها بإنزعاج شديد .. حتى أختفت إضاءة سيارتهُ ، فهتفت بإنفعال :
- ربنا ياخــدك
_ گالعمى المُغيب سار بسيارتهُ وسط جموع من السيارات على الطريق السريع ..
يبدل طريقهُ يمينًا ويسارًا گالثمل ، حتى أتاه إتصالًا .. فأجاب عليه ليقوم بحزم قاطع :
- نفذ دلوقتي حالًا ، مش عايز خيط وراك
_ ثم أغلق الهاتف وقذفهُ ليسقط بأرضية السيارة .. وتمتم بزئير :
- ياأنا ، ياأنتم !
_ وصل ريان أخيرًا أمام المصحة ..
ليتفاجئ بوجود حشد من رجال الشرطة والأمن تحيط المكان وتمنع دخول حتى هرّه ( قطة ) ..
أصابهُ شعور بالقلق مصحوب برغبة شديدة في القئ ..
وأحس كأن أطرافهُ أنفصلت عنهُ ، ترجل عن السيارة بتردد .. بينما ترجلت مايسة وهب تضع كفها موضع قلبها لتقول :
- ألطف يارب ، إيه اللي بيحصل هنا ياريان ؟
ريان وقد زاد خوفهُ : مش عارف ياعمتي !
_ تقدم نحو هذا الحشد ، ولكن منعهُ أحدهم من العبور وهو يردد برسمية شديدة :
- ممنوع ياأستاذ
ريان وهو يشير نحو الداخل : أختي بتتعالج جوا ولازم أدخلها
المجند وهو يقف حائلًا أمامهُ : لما السيد رئيس المباحث يخرج من جوا إستأذنهُ
ريان وهو يتسائل بتخوف شديد : طب إيه اللي حصل لكل ده؟
- في هجوم مسلح حصل على المصحة ، وبيقولو كانو قاصدين حالة بعينها بتتعالج جوا وخطفوها ومشيوا
ريان وقد أنفتحت عيناه عن آخرهما : ..........................
..............................................................
