رواية جريمة مدبرة الفصل الثالث بقلم احمد المغازي
وبعد ما خرج بصيت لفارس وسألته عن التليفون، وزي ما كنت متوقع القاتل خده.. وبعد ساعات قليله وصل فريق الطب الشرعي والجنائي، اللي قاموا بدورهم على أكمل وجه، ولما سألت ايناس عن تفسيرها للي حصل قالت:
-للأسف يافندم حتى الخيط اللي كنا ممكن نمشي عليه اختفى بمجرد مالجمال والحيوانات اخفت أثر الأقدام.. لكن في آثار لعجل عربية على المدق اللي هناك ده.. والوقت ده معروف إن مفيهوش حركة بسبب إنعدام الإضاءة، والمكان زي ما حضرتك شايف كده ملوش معالم، واضح إن القاتل ذكي وعارف هو بيعمل ايه وازاي يخفي الادلة.
-طب إزاي قدر يستدرج المجني عليه لمكان زي ده؟
-اكيد جابه هنا متخدر.. وبعدها كتفه ورمى عليه بنزين وحرقه.. لأن لسه بقايا البنزين على الأرض.
ولما انتهيت معاها وبصيت لدكتور ياسر أتكلم وقال:
-من الواضح إن القاتل حط شريط لاصق على فم المجني عليه قبل الوفاة، وده واضح من آثار التهيّج حوالين الشفايف ومن بقايا المادة اللاصقة اللي لقيناها على الجلد. الفحص الأوّلي بيأكد إن الشريط اتثبت بإحكام، وده منع المجني عليه من الاستغاثة.. وربما يكون اتخدر قبل الوفاة والشريط كان مجرد أداه تخوفًا من استيقاظة في أي وقت، ودي حاجة ميفكرش فيها غير شخص عارف هو بيعمل أيه كويس.. التقرير النهائي بعد التشريح هيحدد حاجات كتير.
-تمام وياريت يكون في أسرع وقت.
وقبل ما ارجع لمكتبي طلبت من فارس يتابع تحركات فتحي الفترة الأخيرة، وطلعت إذن لشركة الاتصالات لمعرفة سجل مكالمته هو وعزام. ويمكن كمان يكون القاتل تواصل معاهم وده سبب خوفهم وبعدهم عن بعض في الفترة الأخيرة.
وبعد مرور خمس أيام.. كان تقرير الطب الشرعي النهائي على مكتبي.. ولما سألت دكتور ياسر عن علامات المقاومة وهل في سبب تاني للوفاة غير الحرق قال:
-بالنسبة لسبب الوفاة، الفحص المعملي أثبت إن المجني عليه مات نتيجة الحرق المباشر. فيه علامات واضحة لحروق من الدرجة التالتة في أجزاء كبيرة من الجسم، ودي اتسببت وهو حي، لأننا لقينا آثار استنشاق دخان واتساع في الشعب الهوائية، وده معناه إنه كان بيتنفس وقت ما النار اشتعلت فيه. كمان، مفيش أي إصابات تدل على مقاومة شديدة، وده غالبًا بسبب إن المجني عليه كان مكمّم ومقيد قبل عملية الحرق.. والمادة اللي لقيناها في دمه بتأثر على الحركة والوعي، وبتخلي الضحية شبه ميت وهو عايش.. يسمع بس مش قادر يقوم، يشوف بس مش قادر يهرب. ودرجة تفحّم الجثة تشير إن النار استمرت لفترة كافية لإحداث الوفاة بسرعة نسبيًا، لكن برضه المدة كانت كافية تسيب آثار تدل إنه كان واعي في اللحظات الأولى قبل ما يفقد الوعي تمامًا تحت تأثير المُخدر.
-تمام متشكر جدًا يا دكتور.
يوم يجر يوم، ومفيش جديد، حتى ابانوب مختفي، لدرجة إن جالي شعور مُتضارب، لاما قتلهم واختفى، لأما.. للأسف مات.. والعامل المشترك هدى! انا لازم دلوقتي أعرف كل حاجة عنهم.. لأن القاتل سابقني بخطوة، ويمكن دي الطريقة اللي تساعدني في اكتشاف هويته، نزلت الحارة بنفسي، وبدأت أسأل أهل الحارة والجيران وحتى المجاذيب منهم عن علاقة فتحي وابانوب وعزام ببعض، لحد ما قدرت اعرف إنهم مكانوش بيتفارقوا، لحد من فترة قريبة، وبعدها كل واحد شاف حاله، حتى السلام معدتش حد فيهم بيرميه على التاني، وكأنهم تقمصوا دور ولاد الحرام اللي باعوا العيش والملح، لكن من كلام الناس عنهم، دول ميفرقهمش غير حاجة كبيرة.. حاجة هما عملوها سوا وخافوا يتكشفوا.
وقبل ما ينتهي اليوم قررت أعمل حاجة أخيرة، خبطت على بيت سيكا وكما هو متوقع كان سكران، طلبت منه يفوق وبعدها بدأت كلامي معاه.. واللي من خلاله عرفت إن اسم هدى ده عده عليه قبل كده.
-اخخ على طرف لساني.. هدى، هدى ايوة، افتكرت ياباشا، دي واحدة جات الحارة من خمس سنين ومعاها جوزها.. جوزها ده كان راجل صايع، والصايع بيتلم على الشمامين اللي زيه، وأكيد أنتَ عرفت انا أقصد مين يا باشا. المهم انه من فترة قليلة اختفى هوا ومراته، والله أعلم راحوا فين.
-اسمه ايه الشخص دي؟
خبط بأيده على جبهته وردد:
-اسمه ايه، اسمه ايه.
-ششش، قول الاسم علطول.
-ايواااه الريس عويس.
-تمام يا سيكا.. تمام.
-وعويس ده كان شغال أيه؟
- ما قولت لسعادتك إنه كان عيل شمام، يبيع الحتة من هنا، ويطلع يجيب منكرات ولعياذ بالله.
رفعت حاجبي بعد ما بصيت للكاس اللي على التربيزة وابتسمت. خرجت من عنده ورجعت على مكتبي.. وبعد بحث في البلاغات المحفوظة وصل لساعات، ومع القهوة والتركيز، وصلت للبلاغ اللي اتقدم عن اختفاء هدى وعويس.. ولما ظهر أول عضو من جثة مرمية في الزبالة، المباحث قدرت تعثر على باقي أجزاء الجسم في اماكن متفرقة، ولما اتجمعت الأشلاء، واتعمل تحليل DNA طلعت لهدى، واندفنت بعدها، والقضية اتقيدت ضد مجهول لعدم كفاية الادلة، وبالنسبة لعويس، استمر البحث عنه لشهور ومحدش قدر يعرف عنّه حاجة لحد النهاردة. لكن في حاجة مهمة أتمنى تكون فاتت عويس ومخدش باله منها، اكونت الفيس بوك بتاعه أكيد عليه ولو صورة له، وفعلًا التفصيلة دي فاتته، لما بحثت عن الأكونت لقيته، ودلوقتي انا معايا صورة له، ورغم انها صورة قديمة إلا إنها كافية إني أخرجه بعد السنين دي ولو وسط ألف.
سمعت صوت خبط على الباب خلاني فقدت تركيزي، رديت بحزم:
-أيوة.
-انا اسف على التأخير يا فندم.. وآسف لو عطلتك.
-قولي يا فارس في جديد؟ الوزارة بتتابع بنفسها القضية عايزين نلحق نقفلها.. قبل ما نتهاجم من الصحافة ويتهمونا بالتقصير.. دي بقت قضية رأي عام، ولا انتَ مش متابع يا حضرة الظابط.
-وجودي قدام سعادتك وبعد التأخير ده، مش هيكون على مفيش.. إحنا قدرنا نعرف تحركات فتحي آخر كام يوم.. وتحديدًا يوم اختفائه، ناس بيقولوا إنهم شافوه مع شخص غريب عنهم. لكن للأسف مقدرناش نوصل لمكانه، لأن الموبايل اتقفل في مكان الجريمة ومتفتحش لحد دلوقتي، وبالنسبة لسجل المكالمات اكتشفنا إن في رقم رن عليه قبل اختفائه بربع ساعة والرقم ده لشخص اسمه عويس.. ولسه ابانوب مظهرش.
-عويس؟ يبقى هو، كده مفيش غيره.. لكن يعمل كده ليه؟ وكان فين السنين اللي فاتت دي، ده اللي لازم نعرفه. أنا عايز تفريغ لكل الكاميرات اللي على حدود المنطقة. وفي اسرع وقت احتمال كبير يكون عويس دخل الحارة متخفي مستغل ضيق الحارة والزحمة، إحنا بنسابق الزمن، وفي روح حياتها في خطر ده لو لسه فيها الروح.. وبعد خمس ساعات الحارة اتقفلت فيهم والقوات شافت شغلها، نزلت بنفسي وبعد أسأله كتير موصلتش لحل، لحد ما لقيت شخص واقف بيتابع اللي بيحصل، بصيت له وشاورت له بأيدي إنه ييجي وسألته:
-واقف عندك بتعمل أيه؟
جسمه اترعش وبان عليه التوتر وقال بتهته:
-في حاجة مهمة ياباشا عايز اقولك عليها بخصوص اللي داير في الحارة بقاله كام يوم.. بس وحياة عيالي أنا ما عملت حاجة.
بصيت له بهتمام وقولت:
-اهدى واتكلم.. ولو التحقيقات اثبتت إنك ملكش في حاجة، هتطلع متقلقش.
-من قيمة كام سنة لقيت عزام جايلي وهدومه كلها تراب، ولما سألته مالك وايه اللي عمل فيك كده قال:
-هحكيلك كل حاجة بس اخد نفسي.
بصراحة مقدرتش اصبر خصوصًا من الحالة اللي كان فيها.. وعرفت منه إنهم غدروا بعويس اغتصبوا مراته.. ودفنوه وهو حي.
-بس والله العظيم يا باشا انا ما عملت أي حاجة.
اندفن حي! كلامه نزل عليا لجمني، يعني أنا دلوقتي بطارد شبح ولا ايه؟ رديت عليه وقولت:
-ليه مقولتش الكلام ده من بدري؟
-لأني كنت مسافر ولما الموضوع سمّع ومع تعب ابني اللي بين الحياة والموت نزلت، وكان لازم اخلص ضميري قُدام ربنا.. يمكن يشفيلي ابني.
كمل والدموع في عينيه:
-ربنا ما يوريك ياباشا حرقة قلبي على الواد.
اتعاطفت معاه, ومكنش قدامي غير إني اصدقه، لكن أصدقه ازاي وفي رقم باسم عويس رن على فتحي قبل اختفائه، ولو كان ابانوب كانت الناس هتتعرف عليه من بدري، الموضوع بيتعقد والخيوط بتتشد، تتربط والوقت بيمر.. والناس بتتكلم.
رجعت مكتبي مصدع وعيني مزغلله من قلة النوم، بعدها سمعت صوت خبط على الباب، ولقيت فارس داخل وبيديني فلاشة، خدتها من ايده وبعد ما حطيتها في اللاب توب، طلبت قهوة وولعت سيجارة، وبدأنا نتابع ونشوف تحركات الناس، وهل فيهم عويس ولا لأ، مسكت صورته اللي طلعتها في أيدي، وبدأت ادقق في الوشوش، وفارس معايا، وفجأة طلبت من فارس يوقف الفيديو ويعمل زوم على شخص مُعين، ركزت في الصورة ووش الشخص. اكتشفت أنه عويس! هو عويس.. رغم انه بقى رفيع، وشعره أبيض ووشه اتملى بالتجاعيد إلى إني اطلعه لو وسط ألف.
شغلت الفيديو لحد ما وصل عند أول الحارة دخل والفيديو خلص. طلبت من فارس يقفّل الحارة ويبعتلي كشف بأسماء المستأجرين. ولما خلصت اللي كلفته به، والكشف بقى قدامي، ملقتش اسم عويس، وده كان متوقع من واحد زكي، أكيد ضرب بطاقة وحط اسم مُستعار، وعلشان كده طلبت كل السماسرة والملاك، وعرضت عليهم صورة عويس القديمة والشكل التصوري له بعد ما كبر، ودي عملتها عن طريق الذكاء الاصطناعي.
دخل أول واحد ولما سألته عن المستأجرين الجُدد ووريته الصورة، مقدرش يتعرف عليه، وضاف إن كل السُكان اللي عنده قُدام.. وبعد ما دخل الحاج حسين سألته:
-انتَ طبعًا سمعت عن الحوادث اللي بتحصل الفترة الأخيرة مش كده؟
-ومين مسمعش جنابك، ده مصر كلها عندها خبر باللي بيحصل عندنا.
-طب قولي تعرف الشخص ده؟
رفعت الصورة وقربتها منه، لبس النضارة وقبل ما يرد وريته الصورة التانية.
بص لي ورجع بص للصورتين وقال بلهفة:
-أيوة.. ايوة ياباشا ده مستأجر عندي.
-انتَ متأكد؟
-يابيه دانا حافظ السكان نفر نفر.. والشخص ده بالذات كنت مركز معاه شويتين لأنه غريب عن الحارة، وغير ده كله، مشوفتلوش أهل، ولا عيل ولا تيل، ولا حتى مره.
-عظيم، يبقى إحنا لازم نتحرك حالًا.
خدت فارس ونزلنا الحارة، وأول ما وصلنا عند البيت واقتحمناه، مكنش له أثر، كأنه فص ملح وداب، لكن لاحظت ان في ريحة شياط جاية من المطبخ، ولما دخلت اكتشفت انه كان بيعمل أكل، ولما حس بالخطر هرب وسابه، لكن الأكيد إنه مبعدش ولا خرج من الحارة. خرجنا من الشقة وطلبت من العساكر تفتح عينها لحد ما واحد منهم قال:
