رواية قلب السلطة الفصل الرابع والاربعون 44 بقلم مروة البطراوي


 رواية قلب السلطة الفصل الرابع والاربعون 

في تلك الليلة الأخيرة، لم يكن الصمت في ردهات المنزل صمتاً عادياً؛ بل كان هدوءاً يسبق عاصفة الرحيل. نيرفانا، التي استسلمت لخدرها التام بانتظار فجر "الإسكندرية" المجهول، لم تكن تعلم أن البيت لا يزال يخبئ لها طعنة أخيرة قبل الوداع.

كان من المفترض أن تظل نيرفانا في غرفتها تجمع ما تبقى من شتات نفسها، لكن دافعاً مجهولاً—ربما هو حدس المودع—جعلها تتسلل بخطى واهنة نحو الأسفل. كانت تبحث عن ليلى، تلك اليد الحانية التي وعدتها ألا تتركها، لكنها بدلاً من أن تجد الطمأنينة، اصطدمت بالحقيقة الموجعة خلف الأبواب الموصدة.

وقفت نيرفانا متسمّرة، ظهرها يلامس الجدار البارد كأنه السند الوحيد لها في هذا الفراغ. يداها ترتجفان بلا حول ولا قوة، وهي تسترق السمع لصوت ليلى—التي كانت تظنها حصنها المنيع—وهي تتحدث بمرارة عن العذاب الذي تذوقه على يد رائد.

في تلك اللحظة، سقط القناع الأخير. انهمرت دمعة ساخنة من عين نيرفانا وهي تهمس لنفسها بانكسار: — "مس ليلى… إنتي ليه مستحملة كده؟ ليه؟!"

لم يكن الوجع هذه المرة على نفسها، بل على تلك المرأة التي قررت مرافقتها في رحلة المجهول وهي تحمل جراحاً لا تقل عمقاً عن جراحها. قبضت نيرفانا على الدرابزين الخشبي، وصعدت السلم من جديد، لكنها لم تعد "نيرفانا" التي كانت قبل دقائق.

لقد أدركت الآن أن "قلب السلطة" الذي يمثله والدها ليس سوى آلة لسحق الجميع، وأن وراء كل ابتسامة خنجراً مسموماً. عادت لغرفتها، وأغلقت بابها، تنتظر خيوط الفجر ليس فقط لتهرب من زواجها المحتوم، بل لتهرب من بيت أصبح يسكنه الألم في كل زاوية.
قلب السلطة بقلمي مروه البطراوى 💜 💜 💜 
لم تغمض لنيرفانا عين. كانت تجلس على حافة سريرها، تراقب حقيبتها المفتوحة وكأنها تابوت يضم بقايا حياتها القديمة. كلمات ليلى المكسورة عن رائد كانت تدوي في أذنيها، تُشعرها بالغثيان. كيف يمكن لهذا البيت أن يحوي كل هذا القبح تحت شعارات "الحماية" و"الأمن"؟

قطع حبل أفكارها طرقات خفيفة على الباب. لم تنتظر الإذن، بل دخلت ليلى. كانت قد غسلت وجهها، وحاولت رسم قناع من القوة، لكن عينيها المحمرتين فضحتا كل شيء.

— "نيرفانا.. الفجر أذن. لازم نتحرك، غيث بعت حد مستنينا تحت."

نظرت إليها نيرفانا بنظرة طويلة، نظرة خالية من البراءة التي كانت تسكنها. أرادت أن تصرخ في وجهها: "أنا سمعت كل شيء! لماذا تضحين بنفسك من أجلي؟"، لكنها تذكرت وصية ليلى: الصمت هو وسيلتنا الوحيدة للنجاة.

قامت نيرفانا ببطء، وأغلقت حقيبتها "بصرير" حاد، ثم قالت بصوت جاف لم تعهده ليلى من قبل: — "أنا جاهزة يا مس ليلى. جاهزة أسيب البيت ده.. ومش عايزة أرجع له تاني أبدًا."

عند نزولهما الدرج، كان رائد يقف في الصالة الواسعة. لم يكن يرتدي ملابس النوم، بل كان بكامل أناقته الرسمية، كأنه في مهمة عمل لا في وداع ابنته. كان يمسك بملف جلدي أسود، ونظراته تلاحق ليلى بحدة غريبة، كأنه يحاول قراءة ما دار بينهما.

— "نيرفانا.." قال رائد بصوت أجوف، "افتكرى كلامي كويس. غيث  مش شخص سهل، والعيون هناك في اسكندرية بتموت في الغلطة. ليلى معاكي عشان تسندك.. وعشان تبلغني لو في أي حاجة خرجت عن السيطرة."

لم تقبله نيرفانا، ولم تودعه. اكتفت بهزة رأس باردة، بينما شعرت بارتعاشة يد ليلى وهي تمسك بمقبض حقيبتها بجانبها. في تلك اللحظة، رنّ هاتف رائد. نظر إلى الشاشة بضيق، ثم أشار لهما بالخروج: — "العربية بره. غيث مستنيكم في 'الفيلا' هناك. بالتوفيق."

خرجتا إلى هواء الفجر البارد. كانت هناك سيارة سوداء ضخمة تقف بانتظارهما، وبجانبها رجل ذو ملامح صخرية فتح لهما الباب بصمت آلي.

ركبت نيرفانا، وعندما بدأت السيارة في التحرك، نظرت من النافذة إلى واجهة المنزل. لم ترَ بيتاً، بل رأت زنزانة كبيرة بدأت تبتعد. التفتت إلى ليلى التي كانت تشيح بوجهها نحو النافذة الأخرى، ورأت لمعة دمعة تحاول ليلى إخفاءها.

أمسكت نيرفانا يد ليلى بقوة، وضغطت عليها. كانت هذه الضغطة تعني: "أنا أعرف حقيقتك، وسأكون أنا من يحميكِ هذه المرة."

بينما كانت السيارة تشق طريقها نحو طريق الإسكندرية الصحراوي، كان هاتف نيرفانا يهتز برسالة من رقم غير مسجل. فتحتها بيد ترتجف، لتجد جملة واحدة: "أهلاً بكِ في عالمي.. يا زوجتي."
قلب السلطة بقلمي مروه البطراوى 💜 💜 💜 
انطلقت السيارة على الطريق الصحراوي، يبتلع الأسفلت المسافات بينما يبتلع الصمت ما تبقى من شجاعة نيرفانا. كانت الإسكندرية تقترب، ومعها رائحة البحر التي لم تعد تعني لها الحرية، بل بدت وكأنها ملحٌ سيُوضع فوق جروحها المفتوحة.

وصلت السيارة إلى منطقة "كينج مريوط"، حيث الفيلات المنعزلة التي تخبئ خلف أسوارها العالية أسراراً لا تنتهي. توقفت السيارة أمام بوابة حديدية ضخمة فُتحت بآلية صامتة، لتكشف عن قصر يجمع بين الفخامة والوحشة.
نزلت ليلى أولاً، كانت تحاول استعادة دور "المرافقة القوية"، لكن نيرفانا كانت تراقب ارتعاشة يدها وهي ترتب ثيابها. دخلتا إلى الردهة الرئيسية، حيث كانت الثريات الكريستالية تعكس ضوءاً بارداً على الأرضيات الرخامية.

وفي نهاية الردهة، كان هو.

لم يكن جالساً، بل كان واقفاً يعطي ظهره للباب، ينظر من خلال نافذة زجاجية ضخمة إلى الحديقة الخلفية. "غيث ". كان جسده يوحي بقوة هادئة وخطيرة في آن واحد.

— "وصلوا يا غيث بيه،" قال السائق بلهجة مليئة بالاحترام الممزوج بالخوف.

استدار غيث ببطء. لم تكن ملامحه قاسية كما عرفتها نيرفانا، بل كانت وسامته حادة، وعيناه تمتلكان نظرة ثاقبة تجعل المرء يشعر وكأنه عارٍ من أفكاره أمامه. وقعت عيناه على نيرفانا، فصمت للحظة، وكأنه يقيم "الصفقة" التي وصلت لبيته.

— "حمد لله على السلامة،" قالها بصوت رخيم وهادئ، لكنه يحمل سلطة لا تقبل الجدال. ثم وجه نظره لليلى: "مس ليلى.. رائد بيه وصاني عليكي كتير. أتمنى المكان يعجبك."

ليلى، بصوت حاول أن يكون متماسكاً: — "شكراً يا غيث . المهم نيرفانا ترتاح، هي مرت بظروف صعبة."

ابتسم غيث ابتسامة باهتة لم تصل لعينيه، ثم اقترب من نيرفانا بخطوات واثقة حتى وقف أمامها مباشرة. شعرت نيرفانا بأنفاسها تضيق.

— "نيرفانا.." نطق اسمها وكأنه يختبر وقعه على لسانه، "أنا عارف إنك شايفة الجواز ده سجن جديد. وعارف إنك سمعتي كلام كتير عن 'أمن عيلة العزبي' وعن أهداف تانية."

صمت قليلاً، ثم انحنى نحو أذنها وهمس بحيث لا تسمعه ليلى: — "بس اللي لازم تعرفيه.. إن في البيت ده، مفيش أوامر من رائد بتمشي عليا. انتي هنا في حمايتي، أو في سجني.. ده شيء انتي اللي هتحدديه."

تراجعت نيرفانا خطوة للخلف، ونظرت في عينيه بتحدٍ وليد اللحظة: — "أنا مش قطعة شطرنج يا غيث . ولا أنا ولا مس ليلى."

لم يغضب غيث، بل لمعت عيناه بتقدير مفاجئ: — "كويس.. بحب الناس اللي عندها لسان. بس خلي بالك، اللسان الطويل هنا ممكن يتقص لو مكنش في مكانه."

ثم التفت إلى ليلى وقال بنبرة آمرة: — "الخادمة هتوصلكم لأوضكم. ارتاحوا.. لأن بكرة في حفلة استقبال صغيرة. لازم الكل يعرف إن نيرفانا رائد الذهبي  بقت نيرفانا غيث العزبي . رسمياً.. وقدام عيون الكل."
قلب السلطة بقلمي مروه البطراوى 💜 💜 💜 
بعد أن انتهت المواجهة الأولى في الردهة، صعدت نيرفانا الدرج الرخامي بخطى مثقلة، بينما كانت ليلى تسبقها مع الخادمة. وقفت نيرفانا للحظة عند أعلى السلم، تطل من شرفتها الداخلية على البهو الواسع في الأسفل.

نظرت إلى الأسفل حيث تركها غيث قبل قليل؛ هناك كان الصمت يعلو ويختلط بالتهديد المبطن الذي شعرت به في نبرة صوته. أحست أن جدران هذا القصر، رغم فخامتها، ليست إلا امتداداً لغرفة مكتب والدها رائد التي هربت منها.

أدركت في تلك اللحظة أن "اللعبة" لم تنتهِ بمجرد رحيلها عن القاهرة، بل بدأت فصولها الأكثر تعقيداً هنا. شعرت نيرفانا أنها تقف الآن على حافة الهاوية، مُجبرة على الاختيار: إما أن تنبش عن الحقيقة المؤلمة التي يخفيها غيث ووالدها، أو تلوذ بالصمت الذي قد يكلفها كل شيء... حتى روحها.

أغمضت عينيها بشدة، وكأنها تحاول طرد صورة والدها وصوت غيث من مخيلتها، ثم التفتت ودخلت غرفتها، مدركةً أن هذه الليلة هي آخر عهدها بالخوف، وأول عهدها بالمواجهة.
في الغرفة
بعد أن استقرت نيرفانا في غرفتها الشاسعة، دخلت عليها ليلى وأغلقت الباب بسرعة. كانت ليلى شاحبة تماماً.

— "نيرفانا.. الراجل ده مش زي ما كنت فاكرة. نظراته.. هو مش بس بينفذ اتفاق مع باباكي. غيث وراه حاجة تانية خالص."

أمسكت نيرفانا بكتف ليلى: — "مش مهم هو وراه إيه يا مس ليلى. المهم إحنا. أنا شفت معاملة بابا ليكي، ومش هسمح لغيث ولا لغيره إنه يكرر ده هنا. إحنا لازم نكون عين لبعض."

ليلى نظرت إليها بدهشة: — "انتي اتغيرتي يا نيرفانا.. في يوم وليلة كبرتي."

نيرفانا وهي تنظر إلى البحر من نافذتها: — "اللي بيعيش في 'قلب السلطة' يا مي  ليلى.. يا إما بيموت مكسور، يا إما بيتعلم إزاي يكسر اللي قدامه. وأنا مش هموت مكسورة."
في تلك الأثناء، كان غيث في مكتبه بالأسفل، يفتح ملفاً قديماً به صورة لنيرفانا وهي صغيرة، وبجانبها صورة لرجل آخر مشطوب على وجهه بعلامة "X" حمراء. أشعل سيجارته وتمتم: — "بدأنا يا رائد.. وبنتك هي الثمن."
قلب السلطة بقلمي مروه البطراوى 💜 
كان المساء يهبط على المدينة ببطءٍ ثقيل، كأن السماء تشارك الأرض قلقها.
على الطريق، التفت شامل إلى يقين بنظرة دافئة، تلك النظرة التي اعتادت أن تطمئن قلبها، وارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، تطوّق اللحظة بحنانٍ صادق.
— «مبسوطة يا حبيبتي؟»
ارتجف قلب يقين فرحًا، وقالت بعفويةٍ لم تُخفِ دهشتها: — «محدّش قدّي يا شامل… أنا طايرة! أخيرًا أقدر أقولها لك، وأقولها قدّام أي حد.»
رفع حاجبيه بابتسامةٍ مازحة: — «تقولِي إيه يا كوكي؟»
تورّد وجهها، وانخفض صوتها وهي تهمس: — «بحبك… بحبك يا شامل.»
ضحك من قلبه، ضحكة رجلٍ لا يشك في مشاعره، ثم أمسك بيدها وطبع عليها قبلةً خفيفة، كأنها وعدٌ صامت لا يحتاج كلامًا.
لم تمضِ دقائق حتى توقفت السيارة في فناء الفيلا.
ترجلت يقين أولًا، وانتظرته حتى أغلق الباب، ثم دخلا معًا بخطواتٍ هادئة، لا تعرف أنها على وشك أن تُكسر.
ضغطت يقين زر الجرس، ففتحت الخادمة بعد لحظات.
— «رائد بيه فين؟»
قالتها يقين بسرعة ولهفة.
— «فوق يا هانم، 
لم تتردد: — «بلّغيهم إن شامل بيه هيعشّى معانا النهارده.»
أومأت الخادمة، 
وقبل أن تنصرف، توقّف شامل فجأة، وحدّق في الداخل.
— «مين اللي قاعد هناك ؟»
تبعته يقين بنظرها، فرأت رجلا  غريبًا يجلس  في الصالون. التفتت للخادمة: — «عندنا ضيوف؟»
— «ده ضيف رائد بيه، 
انفلتت يد شامل من يد يقين بهدوء محسوب: — «عن إذنك… هاروح أشوف مين ده.»
ابتسمت يقين: — «وأنا هطلع أغيّر هدومي.»
اتجه شامل نحو الصالون بخطوات ثابتة، لكن الحذر كان واضحًا في عينيه.
في المقابل، كان يجلس أسر العزبي . وما إن رأي شامل يقترب حتى شدّ كتفيه لا إراديًا، ثم تماسك سريعًا، يخفي حقده  بابتسامةٍ مصطنعة.
لاحظ شامل الوميض الغريب في عينيه…
ذلك البريق الذي لا يُخطئه، بريق نيةٍ غير بريئة.
نهض أسر  فور انتباهه لقدومه، وقبل أن يتكلم شامل  ، قال أسر  بصوتٍ ناعم: — «هاي،  شامل.»
ردّ بفتور: — «هاي.»
ثم نظر إلى أسر ، ، مطالبا بتفسيرٍ صامت.
تقدمت أسر  خطوة، وقالت بنبرة  مدروسة: — «شامل … أحب أعرّفك بنفسى . ، أسر العزبي .»
ابتسم شامل  ومدّ يده: — «تشرفت يا فندم.»
صافحه أسر  ببرودٍ واضح، ولم يُعلّق.
كان أسر   يراقب ملامحه، يستمتع بالحيرة التي تسكن عينيه.
يشعر بلذة السيطرة… كأنه لأول مرة تمسك بخيوط اللعبة، لا تُقاد بها.
ثم ابتسم…
ابتسامة طويلة، بطيئة، قبل أن يقول بنبرةٍ هادئة قاتلة:
— أكيد سمعت عني.
انا أعرف  ليلى كويس قوي… ووقفت جنبها كتير…
وجنب عيلة الغالي.»
وسقط الاسم…
كقنبلةٍ في صالة لم تكن مهيّأة للانفجار.
قلب السلطة بقلمي مروه البطراوى 💜 💜 
كانت الكلمات تخرج من بين شفتي أسر  ببطءٍ مستفز، يراقب وقعها على وجه شامل الذي شحب لونه. وبينما كان على وشك أن ينطق بالحقيقة التي ستُفجر ما تبقى من هدوء البيت، قُطع عبارته فجأة.. وكأن الهواء قد سُحب من الغرفة.

لم يكن قد أكمل الكلمة الأخيرة، إذ دوّى صوت "رائد" من أعلى الدرج، مخترقاً الصمت كطلقة رصاص: — "أسر !"

جاء صوته صارماً، حادّاً، كالسوط حين يُصفع على صخر صلد. كانت نبرة صوته كفيلة بأن تخرس الألسنة وتجمد الدماء في العروق.

التفت أسر  نحوه ببطء شديد، وعلى شفتيه ارتعاشة خفية؛ لم تكن ارتعاشة خوف، بل كانت رغبة دفينة في التحدي، رغبة ترتعش بانتصارٍ لم يكتمل بعد.

كان رائد يقف في أعلى الدرج كتمثال من الأبنوس، ملامحه متجهمة لدرجة مرعبة، ونظراته مسلّطة على أسر  بحدة كأنه ارتكب خيانة عظمى في حق "آل العزبي". في تلك اللحظة، لم يكن رائد ، بل كان "رجل السلطة" الذي يرى خيوطه وهي تتشابك أمام عينيه.

وفي عينيه.. كانت تلمع أسرارٌ قديمة لا تنام، أسرار أيقظتها  حضور أسر العزبي المفاجئ.
انفجر الصوت في الفراغ قبل أن تكتمل العبارة، كأنّه قادم من جوف البيت نفسه لا من حنجرة بشر.
— شامل هنا!
والله جيت فـ وقتك، ابن حلال وطول عمرك راجل!
دوّى صوت رائد حادًّا، متسلّطًا، كالسوط حين يهبط فجأة على ظهر صمتٍ كان يوشك أن ينكشف. بدا واضحًا أنّه لم يقاطع الحديث عبثًا، بل ليُغلق بابًا كان على وشك أن يُفتح… أو سرًّا يوشك أن يتعرّى.
تعلّقت الأبصار به في آنٍ واحد، وانسحب الهواء من المكان لحظةً، كأنّ الزمن توقّف عند حدّة نظراته وهو يصوّبها مباشرةً نحو أسر .
نظراتٌ صامتة، لكنها أبلغ من أي صراخ… سهمٌ مُغلف بالأسرار، لا يُخطئ طريقه.
تصلّب أسر  في موضعه، شدّ على فكّيه في كبرياء هشّ، يخفي ذعرًا لا يريد له أن يُرى. ثم أشاح بوجهها عنه، وكتم أنفاسه كمن يخشى أن يفضحه زفرة.
تقدّم شامل خطوةً إلى الأمام، ارتباكٌ خفيف يطفو على ملامحه، وقال بصوتٍ حاول أن يبقيه هادئًا:
— أصل يقين كانت معايا… قلت أوصلها، وأعدّي أطلّ عليكم بالمرة.
إزيك يا رائد؟
صافحه رائد بابتسامة محسوبة، فيها من التوجّس أكثر مما فيها من الترحيب:
— تمام يا شامل، كله تمام.
قولي… اتعرفت على أسر ؟
التفت شامل بنظره نحو أسر  قبل أن يجيب:
—  كان لسه ليقدم نفسه .
ربّت رائد بكفّه على كتف أسر ، كمن يُحكم قبضته على قطعة شطرنج، وقال:
— طيب خلّيني أقدّمهولك بنفسي…
أسر،  معالي الوزير أسر العزبي،
وده طبعًا معرفة نديم الغالي… أبو ليلى، الله يرحمه.
أكيد عارفه؟
اتّسعت عينا شامل بدهشة صادقة:
— أيوه طبعًا! ومين في البلد ما يعرفش معاليه!
ابتسم رائد ابتسامة قصيرة، ثم قال بنبرة حاسمة:
— حلو.
طيب أنا هاخد أسر  معايا المكتب شوية، وراجعلك تاني.
ما تتحركش من هنا، ها؟
قطّب شامل حاجبيه في حيرة خفيفة:
— أوك…
طمأنه رائد وهو يستدير، 
اختفى رائد و أسر  في اتجاه المكتب، ومع غيابهما ترَكَا خلفهما سكونًا كثيفًا، مشبعًا بتوتّرٍ خفيّ.
قلب السلطة بقلمي مروه البطراوى 💜 💜 💜 💜 
هاتف ادم حمدى  نيرفانا 
، وصوته جاء دافئًا:
— إزيك؟
رفعت عينيها إلي الهاتف ، وقالت بنبرةٍ تحاول أن تبقى ثابتة:
— أنا… كويسة أوي.
خفّض صوته:
— لا بتتصلي، ولا بتحاولي توصليلي بأي طريقة.
إنتي عارفة أنا قلقان قد إيه؟
إحنا ما بقيناش زي الأول… وأنا مش قادر أبعد أكتر من كده.
اشتعل الغضب في عينيها، وهمست بزجر:
— ادم ! إنت اتجننت؟
ردّ بانفعال مكبوت:
— أمال أعمل إيه؟
مش عارف أكلمك، ولا أعرف أشوفك…
وبخاف أكلّمك في أي وقت حد يكون حواليكي.
قوليلي أتصرف إزاي؟
قالت ببرودٍ جارح:
— تتصرّف بعقل…
وتنفّذ اللي اتفقنا عليه.
زمّ شفتيه، ابتلع مرارته، ثم قال بجدّية:
— الموضوع مش سهل.
عشان أخلص  يقين محتاج وقت…
مش عارف قد إيه، بس اللي متأكد منه إن الموضوع محتاج ترتيب كبير.
ابتسمت نيرفانا ابتسامة واثقة، مستفزّة:
— دي مشكلتك إنت…
حلّها لوحدك.
ولما يحصل… هتلاقيني مستنياك.
اشتعل غضبه:
— يعني إيه؟
بتلغِي الاتفاق؟
أنا غلطان… غلطان إني سمعت كلامك واحترمتك.
  قالت بصوتٍ مخملي:
— ادم… بليز، ما تفهمنيش غلط.
أنا حبيتك… وعايزاك ليا .
مش ده حقي؟
نظر إليها بنظرةٍ مشحونة، وقال:
— انتي عارفة إني بحبك إنتي.
بس حسسيني إن ده فارق…
مش إنّي مجرّد “ليلة و عدت 
وقبل أن تُقال كلمة أخرى،  همست بابتسامة واثقة:
— إنت حبيبي… يا آدم .
ابتسم  بعشق:
— مافيش حد بيحبك قدّي…
ولا حتى رائد.
وفي اللحظة ذاتها، اخترق المكان صوت ليلي  من الخارج.
ابتعدا عن بعضهما فورًا، كأنّ شبحًا مرّ بينهما.
دخلت ليلي ، بابتسامتها الهادئة، وسألت عن العشاء…
بينما كانت الغيوم تتكاثف في صمت القلوب،
معلنةً أن القادم… لن يمرّ بسلام.

قلب السلطة بقلمي مروه البطراوى 💜 

قلب السلطة بقلمي مروه البطراوى 💜 

أغلق رائد باب المكتب خلفه، فاستحال الضجيج في الخارج إلى صمتٍ موحش. ظلّ "أسر " يتأمل في وجه رائد، محاولاً فكّ شفرات الكلمات التي كانت تُلقى عليه منذ وصوله ؛ كلمات بدت له كشراكٍ غير مرئية تُنصب حوله. نطق أسر  أخيراً بصوتٍ يملؤه الارتياب: – "أنا مش فاهم  تقصد إيه!  بانكارك لجواز بنتك من ابني أرجوك، حاول تشرحلي.. لأني بجد مش فاهم."

لم يتزحزح رائد عن وقفته المهيبة، بل رمقه بنظرةٍ ثابتة، كأنها تخترق جمجمته: – "مش مهم تفهم كل حاجة دلوقتي. المهم تستوعب كلامي.. عشان لما ييجي اليوم اللي تفهم فيه، تفتكر اللي قولتهولك النهاردة بالحرف."

فتح أسر  ذراعيه بعجز: "قلت إيه بس يا باشا؟! أنا ما فهمتش من كلامك ولا كلمة!" تنفّس رائد بعمق، ونفد صبره، ثم قال بنبرة خشنة متعمدة: "نيرفانا."

قطّب أسر  جبينه: "مالها نيرفانا؟" اقترب رائد منه خطوة، وصارت نظراته أكثر حدة: – "خلاص.. بقت مرات ابنك . وإحنا اتفقنا على يوم الإعلان الرسمي. بس عايزك تفتكر دايمًا إنها بنتي.. بنت رائد الذهبي. وده معناه إنك ما تفكرش تيجي عليها في يوم، لأن أنا علمتها ترد الفعل بأعنف منه."

اتّسعت عينا غيث، وفاجأه نغمة التحذير، فهتف محتجاً: – "فعل إيه يا باشا؟! هو إحنا داخلين حرب؟! ده جواز، ونيرفانا بقت مرات غيث ، يعني هو  المسؤول عنها.. والأصول بتقول إنها لازم تطاوعه."

ارتفع حاجبا رائد بسخرية باردة: – "بنتي عمرها ما هتخالف الأصول.. لو حبّته بجد، هتحطّه قبل نفسها. بس ما تتصورش إنها هتبقى هبلة! فاهمني؟"

ضرب اسر  شفتيه ببعضهما، محاولاً كتم انفعاله: – " بتقولي الكلام ده ليه؟ هو إنت.. مش مطمئن عليها مع ابني ؟" ابتسم رائد ابتسامة خالية من الود: – "أنا مطمن على بنتي في أي مكان. بس دي مسألة رجولة.. ونصيحة. حياة بنتي قبل ما يرتبط بيها كانت حاجة.. ومعاه، لازم تبقى حاجة تانية خالص. من حقه يحاسبها بعد ما تبقى مراته رسمي.. لكن قبل كده؟ لأ. خليك فاكر الكلمتين دول كويس."

ساد صمت كثيف، لم يقطعه سوى دقات ساعة المكتب التي بدت وكأنها عدّ تنازلي لانفجار وشيك. انحنى رائد بجسده للأمام قليلاً: – "غيث ، أنا مش هكون ضده أبدًا لو عرف يحافظ عليها من غير ما يقتل شخصيتها. أنا علمتها تكون قوية عشان لو اتكسرت تعرف تقوم تاني. لو فهم ده.. هيكسبها للأبد."

طأطأ أسر  رأسه، ثم قال بهدوء: "إن شاء الله، هيحافظ عليها.. وهيقى قدّ المسؤولية." ابتسم رائد ابتسامة عابرة: – "أتمنى كده.. لأن نيرفانا مش بنت تتكرر مرتين، ولا أنا راجل بتكرر تاني."

أشار رائد نحو الباب ببرود: "يلّا، نرجع.. الناس مستنياك." مضى رائد أولاً بخطوات الواثق، وتبعه أسر  بخطى ثقيلة، شاعراً بأن "رائد الذهبي" لم يكن يعطيه وصايا زوجية، بل كان يزرع في طريقه ألغاماً، ومن يخطئ في التعامل مع "بنت رائد" عليه أن يتحمل الثمن.
قلب السلطة بقلمي مروه البطراوى 💜 💜 
وسط تلك الأجواء التي حاول رائد أن يصبغها بصبغة عائلية دافئة، عاد بخطاه الواثقة إلى المجلس، بعدما أنهى مواجهته العاصفة مع أسر العزبي خلف الأبواب المغلقة. وما إن ولج من باب الغرفة، حتى استقبله "شامل" بنظرة فاحصة تُخفي خلفها ريبةً دقيقة، بينما هتف رائد بصوتٍ رصين يحاول امتصاص توتر المكان:

— "معلش يا جماعة.. أسر بيه أخدني منكم شوية. بس إنتوا عارفين، الراجل مقامه كبير وما ينفعش أسيبه لوحده."

رمقه شامل باهتمام، وقد لمع في عينيه فضولٌ حاد وهو يحاول الربط بين وجود "أسر العزبي" وبين نبرة رائد التحذيرية قبل قليل، وسأله بنبرة تُخفي أكثر مما تُبدي: — "كان جاي ليه  الوزير يا رائد؟ الموضوع شكله أكبر من مجرد زيارة."

ابتسم رائد ابتسامة محايدة، وأجاب بصوته الذي يشبه النهر الهادئ الذي يُخفي في قاعه صخوراً مدببة: — "أبداً.. كان في شغل متعطّل في الجمارك، شوية حاجات محتاجة توقيعات. فقلت أكلم  معالي الوزير يسهّللي الدنيا، 

أومأ شامل بإيماءة تفهمٍ مشوبة بالحذر، ثم مال بجذعه للأمام قليلاً وقال بدعابة تحمل تلميحاً مبطناً: — "طيب كويس.. رغم إنك لو كنت قولتلي كنت خلصتهالك في نص ساعة. بس مش مشكلة، خلي 'العزبي' يردلنا شوية من الجمايل!" ضحك شامل ضحكة خفيفة، بينما اكتفت يقين بابتسامة باهتة وهي تراقبهما.

بادلهم رائد الابتسام، لكن عينيه كانت تبحث عن شيء آخر. حوّل بصره فجأة نحو يقين،  وقد بداتعلى ملامحها شيء من الريبة: — "أومال فين نيرفانا يا رائد؟ مش شايفها، ولا سمعت صوتها من وقت ما جيت 

أجاب رائد  بهدوء  وهو تحاول الحفاظ على هدوء البيت: — "في اسكندرية  يا حبيبتي.. . لسه طالعة من شوية، قالت هتغيّر جو  وترتاح.. شكلها كانت مرهقة الفترة اللي فاتت ."

أومأت بقيت  برأسهت، وشعرت بشيء من القلق يساورها؛ فهي يعلم أن سفر  نيرفانا دائماً ما يعقبه انفجار. من رائظ  عدّل رائظ  أكمام قميصه وقال بحزم: — "طيب.. هقوم  اتصل  على ليلى، ما هي معاها هطمن  وهرجعلكم تاني على طول عشان العشاء."

قال شامل ويقين في صوت واحد، وكأنهما يؤديان طقساً اعتاداه: "اتفضل.. خد وقتك."

قلب السلطة بقلمي مروه البطراوى 💜
وما إن صعد "رائد" درجات السُّلَّم الخشبي في فيلا القاهرة، حتى استقبله صمتٌ ثقيل لم يعهده من قبل. مرّ أمام باب غرفة نيرفانا المغلق، فتوقّف للحظة؛ كاد أن يمد يده ليطرق الباب كعادته، لكنه تذكر فجأة أنها الآن بعيدة.. في الإسكندرية، خلف أسوار "غيث ".

أشاح بوجهه بمرارة، وواصل سيره بخطى مثقلة نحو غرفة "ليلى". فتح الباب برفق، لكنه لم يجدها مستلقية على فراشها كما تمنى؛ وجد الغرفة غارقة في ضوءٍ خافت يتسلّل عبر الستائر الشفافة، والسرير مرتباً بشكلٍ يوحي بالهجر والرحيل.

تخيل للحظة وجهها الملائكي وهي تغفو وعلى فمها نصف ابتسامة، كأنها تحلم بأرضٍ بعيدة لا يعرفها سواها. اقترب من سريرها الخالي، وانحنى كأنه يشم بقايا عطرها في الوسادة، ثم جلس بجوار السرير يتفحص صندوق الدواء الذي تركته خلفها، وبقايا تقاريرها الطبية.

أمسك بعلبة دواء قديمة، وبدأ يقلبها بين أصابعه كأنه يوزن الحياة ذاتها على ميزانٍ حساس. غلبه الوجد، فهمس بصوتٍ مخنوق في سكون الغرفة الخالية:

— "بنتي.. هي  اللي بتخليني أستحمل الدنيا بكل قسوتها،  هي  السبب اللي مخليني أبيع الكل عشان أضمن إنك تفضلي عايشة ومرتاحة." سامحيني يا ليلي .

كان يدرك في تلك اللحظة أن "تأمين نيرفانا " هو الثمن الذي دفعته "ليلي " بزواجها منه ، وأن سلطته التي يخشاها الجميع ليست إلا درعاً يحاول به حماية هذا القلب الضعيف الذي يسكن  نيرفانا .

قلب السلطة  💜
هبط رائد درجات السلم الخشبي ببطء، وقد ترك خلفه وحشة الغرف الخالية في الطابق العلوي. بدا أكثر هدوءًا، وكأن زيارته لغرفة "ليلى" الموحشة قد نزعت منه بعض الحدة التي كانت تكسو تقاطيع وجهه منذ قليل.

وجد "يقين" تهمّ بتحضير الشاي في المطبخ، ينبعث منها دفءٌ مألوف، بينما كان "شامل" يعيد ترتيب بعض الأوراق فوق الطاولة، وعيناه تراقبان حركة رائد بدقة.

قال "شامل" مازحًا، محاولاً كسر الصمت الذي هبط مع رائد: – "رجعت بسرعة كده؟ ولا 'ليلى' زعّلتك.. ولا السفر لسه مأثر عليها؟"

ضحك رائد ضحكة قصيرة، ضحكة رجل يحاول استحضار طيف زوجته و ابنته في البيت الخالي، وقال بصوتٍ هادئ: – "ليلى عمرها ما تزعلني يا شامل.. دي الهدنة الوحيدة اللي في حياتي، والسبب اللي مخليني واقف على رجلي لحد دلوقتي."
قلب السلطة بقلمي مروه البطراوى 💜 
بينما كان السكون يلف فيلا الإسكندرية، دفنت نيرفانا هاتفها المحمول على عجلٍ تحت الوسادة، كأنها تواري جريمة قتل، ثم صاحت بصوتٍ مرتجفٍ لا يكاد يُسمع: – "مَـين؟!"

جاءها الرد الذي جعل الدماء تتجمد في عروقها، صوتٌ هادئ مألوف، يحمل ثقلاً لا يخطئه قلبها، رغم أنها تركت صاحبه في القاهرة منذ ساعات: – "أنا يا نيرفانا... أبوكِ."


تعليقات