رواية قلب السلطة الفصل الخامس والاربعون 45 بقلم مروة البطراوي


 رواية قلب السلطة الفصل الخامس والاربعون 

بينما كان السكون يلف أرجاء فيلا الإسكندرية، دفئت نيرفانا هاتفها المحمول على عجل تحت الوسادة، كأنها تواري جدة جريمة قتل، ثم صاحت بصوت مرتجف لا يكاد يسمع: - "فين ؟!"

جاءها الرد الذي جعل الدماء تتجمد في عروقها صوت هادئ، مألوف، يحمل ثقلا لا يخطئه قلبها، رغم أنها تركت صاحبه في القاهرة منذ ايام : - "أنا يا نيرفانا... أبوك "

ابتلعت ريقها بصعوبة مريرة، واهتز صدرها بأنفاس متلاحقة تفتقر للأكسجين، لم تكن تتخيل أن "رائد" سيلحق بها إلى هنا بهذه السرعة والكيفية فتح الباب على مهل، وانشق ظلام الغرفة عن قامة رائد بخطواته الرصينة، وعلى وجهه تلك الابتسامة الناعسة التي لطالما كانت القشرة الخارجية البركان يغلي.

اغلق الباب خلفه بإحكام - تكة القفل كانت كإعلان حصار - ثم سار نحوها قائلاً بنيرة هادئة حد الرعب ايه يا حبيبتي؟ طلعتي فوق ليه ؟ ليلى قالت لي إنك نايمة من يدري؟"

تلعثمت نيرفانا، وهي تحاول حياكة كذبتها بخيط واه يوشك على الانقطاع: - "حسبت بصداع

مفاجئ با دادي.. قلت أطلع أستريح شوية."

جلس رائد إلى جوارها على طرف الفراش، ومد يده يتحسس جبينها بحنان أبوي يسبق العاصفة، وكأنه يختبر نباتها قبل أن يختبر حرارتها: - "مافيش حرارة.. إن شاء الله هتبقي كويسة "

لكن الطمأنينة الهشة انكسرت في لحظة، حين البعث رئين مكتوم ومستمر من تحت الوسادة... نغمة محزمة فضحت كل ما حاولت مواراته انقيض وجه نيرفانا وشحب اونها وكأنها أمسكت بالجرم المشهود. رصد رائد تلك الرعشة في حدقتيها، وببرود مرعب مديده وسحب الهاتف من مخيله.

أضاءت الشاشة، وعكست الضوء على ملامح وجهه التي تحولت إلى قناع من السخرية المرة وهو يقرأ الاسم: - "آدم حمدي ؟"

أطرقت نيرفانا رأسها بيأس، بينما أطبق رائد أصابعه على الهاتف حتى كاد يهتم إطاره، ثم اغلقه بحدة، وأمسك بذراعها برفق موجع أجبرها على النظر إليه: - "بصيلي يا نيرفانا.. إنتي

لسه بتكلميه ؟ "

لم تجد حديثها القدرة على الرد، فكانت دموعها المنهمرة هي الاعتراف الصريح. هنا، انفرط عقد هدوء راند، وانفجر بنقاد صبر مكتوم - كده ما ينفعش أنا أديتك أعذار وفرص بما فيه الكفاية. إنتي عايزة مني إيه؟ يتهدي كل اللي بنيته عشانك بيدك حرام عليكي.. السداجة دي مش هنجيب لك غير الأذى لازم تبقى زبي يا نيرفانا سامعة ؟ لازم تكوني صلبة"

ردت بنشيج منقطع يمزق نباط القلب: - "أنا يحاول.. صدقني ! عمري ما هكتمه ثاني، أوعدك "

زفر والد يضيق، وألقى بكلمات كانت كطلقات الرصاص التي تنهي مرحلة وتبدأ أخرى - "نيرفانا إنتي بقيتي متجوزة (غبت دلوقتي.. فاهمة يعني إيه ؟ انسي كل اللي اتعلمتيه من أفك. وافتكري بس اللي انا علمتهولك. أنا مش عايز أسيبك وانتي بالهشاشة دي. "

توقفت دموعها فجأة، ورفعت رأسها بسرعة وقد تسارعت دقات قلبها من نبرة "الوداع" المستترة في صوته، وسألت بهلع "تسيبني ؟! قصدك ايه ؟! انت هتروح فين وتسيبني يا دادي ؟!!"

قلب السلطة بقلمي مروه البطراوي

ثبت راند نظراته في عينيها الثوان طالت حتى شعرت نيرفانا أن الزمن توقف، كانت نظرة غامضة، مزيجاً من الشفقة والقسوة، وكان يودع فيها الطفلة التي كانتها ليحضر المرأة التي يجب أن تكونها.

أقلت ذراعها ببطء، ثم نهض وخطا نحو النافذة المطلة على سواد البحر في الإسكندرية، وقال بصوت منخفض الرنين - "الدنيا ما يتفضلش على حالها يا نيرفانا والمراكز اللي بتوصل لها ليها ثمن، والثمن ده أحياناً بيكون الغياب غيث مش مجرد زوج غبت هو الدرع اللي اخترته ليكي لما مأكونش موجود

استقامت نيرفانا في جلستها، ونزلت قدماها على الأرض بوهن وهي تهمس بصوت مخلوق -"كلامك بيخوفني، إنت في مشكلة ؟ حد بيهددك؟ عشان كده جوزتني غيث بالسرعة دي ؟ "

استدار إليها رائد فجأة، واقترب منها حتى انحبست أنفاسها، ثم وضع يده على كتفها وضغط بقوة: - "أنا اللي يهدد يا نيرفانا، محدش يهددني.. بس اللعبة كبرت والقطط السمان اللي كنت بمشيهم على صوابعي بقوا دياب وجاعوا أنا مش هسيبك، أنا بـ "أمنك". وعشان أتطمن عليكي لازم آدم حمدي ده يتمسح من ذاكرتك.. ومن حياتك "

مديده وأعاد إليها الهاتف المغلق، لكنه لم يتركه حتى تأكد أنها أمسكت به جيداً، وأكمل بتحذير اخير: - "لو رن التليفون ده تاني وظهر اسمه... مش هكسر التليفون يا نيرفانا، هكسر القلب اللي لسه بيحن له. غيث لو عرف مش هيرحمك.. وأنا مش هقدر أمنعه "

اتجه نحو الباب، وقبل أن يخرج، التفت إليها بظله الطويل الذي غطى نصف الغرفة: - "العسلي وشك وانزلي.. ليلى وغيث مستتيبتك تحت على العشاء مش عايز خذلان يا بنتي.. النهاردة بالذات لازم تكوني بنت رائد الذهبي ) بجد "

خرج وأغلق الباب خلفه بهدوء مخيف، تاركاً إياها في تلك الغرفة الباردة، تمسك بهاتفها كأنه قنبلة موقوتة، وتتساءل برعب من هو الخطر الحقيقي؟ الدياب التي يخشاها ابوها، أم غيت الذي أصبح زوجها، أم قلبها الذي لا يعرف كيف يتوقف عن حب الرجل الخطأ؟

قلب السلطة بقلمي مرود البطراوى .

وقفت نيرفانا أمام المرأة تمسح آثار دموعها بعنف وكانها تمسح ضعفها، وضعت القليل من مساحيق التجميل التخفي شحوب وجهها، لكن عينيها ظلنا تحكيان قصة رعب مكتوم، نزلت درجات السلم يخطوات ثقيلة، وكل درجة تهبطها كانت تشعرها بأنها تقترب من قفص حديدي لا مفر منه.

في غرفة الطعام الواسعة، كان الصمت سيد الموقف، لا يقطعه إلا صوت ارتطام الملاعق بالصحون الصينية الفاخرة جلس رائد في صدر المائدة بهيبته المعتادة، وعن يمينه ليلى التي كانت تراقب الأجواء بنظرات قلقة، وعن يساره جلس غيث.

كان غيت يجلس بوضعية مسترخية لا تخلو من حذر، يرتدي قميصاً أسود برزت من خلاله عضلات كتفيه، وبمجرد أن خطت نيرفانا داخل الغرفة، رفع عيناه الصقريتان نحوها، لم تكن نظراته نظرات زوج مشتاق، بل كانت نظرات "صياد" يراجه تفاصيل فريسته.

قال رائد بنبرة آمرة وهو يشير إلى المقعد المجاور لغیت - تعالی یا نيرفانا.. غيث كان بيسأل عليكي "

جلست نيرفانا، وشعرت ببرودة جسد غيث رغم أنه لم يلمسها، سألها بصوت رحيم، فيه نبرة غربية جعلت قشعريرة تسري في جسدها - "سلامتك يا نيرفانا.. الصداع راح ؟"

نظرت إلى طبقها ولم تجرؤ على رفع عينها إليه - "الحمد لله.. أحسن شوية."

وضع لعبت شوكته و هبط بجسده قليلا نحوها، وهمس بصوت مسموع للجميع لكنه موجه لها وحده: - "غريبة .. أنا قلت يمكن هواء إسكندرية ما جاش على هواكي، ووحشتك زحمة القاهرة.. وأهلها."

توقفت يد نيرفانا عن الحركة. هل سمع شيئاً؟ هل أخبره والدها ؟ تلاقت نظراتها بنظرة والدها "رائد" الذي كان يتابع المشهد ببرود، وكأنه يختبر قدرتها على الصمود.

تدخلت ليلى محاولة تلطيف الأجواء - "يا حبيبي هي لسه مش متعودة على سهر الإسكندرية. بكره تاخد على الجو"

لكن غيث لم يتراجع، بل مديده وأمسك ببراعة يد نيرفانا التي كانت ترتجف فوق المائدة. وضغط عليها ببطء وهو ينظر لرائد قائلاً: "ما تقلقيش يا طنط لیلی نیرقانا من النهاردة لازم تتعود على حاجات كثير.. وأولها إن مفيش حاجة بتستخبى عني مش كده يا عروسة ؟"

شعرت نيرفانا أن أنفاسها تضيق ونظرت إلى يد غيث التي تطوق يدها كالفيد، ثم نظرت إلى والدها الذي هز رأسه يبطى، وكأنه يبارك هذا الحصار.

فجأة، اهنر هاتف رائد الموضوع على المائدة، نظر إلى الشاشة، وتغيرت ملامحه تماماً، اختفت الابتسامة المصطنعة وحل محلها وجوم قائم نهض رائد بسرعة وقال باقتضاب: - "غيث كملوا عشاكم عايزك في المكتب حالاً "

السحب رائد بخطوات واسعة، ونهض غيث خلفه، لكنه قبل أن يترك يد نيرفانا، مال على أذنها وهمس بكلمات جمدت الدماء في عروقها - التليفون اللي كان بيرن فوق.. لو بن ثاني وأنا موجود، مش هكتفي إني أقفل السكة يا نيرفانا.. مخلي صاحب النمرة ينسى إنه العلم الكلام اصلا"

تركها وخرج، لتسقط هي في مقعدها، نائهة بين أب يبيعها للأمان، وزوج يعرف أكثر مما ينبغي.

قلب السلطة بقلمي مروه البطراوي

دخل غيث المكتب، وأغلق الباب خلفه بهدوء لم يقلل من توتر الموقف كان رائد يقف خلف مكتب غبت الضخم، يحدق في شاشة هاتفه بوجه كأنما تحت من صخر، التقت إلى غيث. والقى الهاتف فوق الطاولة قائلاً بنبرة خافتة - "الرسالة وصلت.. بعنوا الصور "

خطا غيث نحو المكتب ببرود النقط الهاتف وتفحص ما فيه كانت صوراً لنيرفانا وهي تقابل ادم حمدي في أحد الكافيهات المنزوية بالقاهرة قبل سفرها بيوم واحد لم تهتز شعرة في وجه غبت بل ازداد بريق عينيه قسوة.

قال غبت وهو يعيد الهاتف لرائد - آدم حمدي مش بس بيلعب بقلب بنتك يا راند بيه.. دو بيلعب بورقة ضغط ضدنا الصور دي لو وصلت للصحافة أو المنافسين في التوقيت ده اسم

الذهبي ) هينهز، والصفقة اللي يترتب لها هتطير "

ضرب رائد المكتب بقبضة يده - عشان كده لازم لنهي الحكاية دي الليلة. نيرفانا لسه خام فاكرة إن الحب ممكن يحميها من الحيتان اللي حوالينا هي مش فاهمة ان آدم ده مجرد ظعم بعتوه عشان يكسروا عيني بيه"

نظر غيث إلى رائد مطولاً، ثم ابتسم ابتسامة باهتة لا تصل لعينيه - "أنا وافقت أتجوز نيرفانا لأني عارف قيمتها وقيمة الشراكة اللي بينا.. بس أنا ما بحبش الشريك "المستعمل " يا رائد بيه. آدم حمدي لازم يختفي.. مش بس من حياتها، من الدنيا كلها "

رائد بصوت حذر: - " مش عايز دم.. مش دلوقتي. إحنا تحت الأضواء "

رد غيث وهو ينتجه نحو الباب - الدم بيلوت الإيدين.. وأنا بحب أشتغل بجوانتي، سيب لي الملف ده، واعتبر إن أدم حمدي انتهى من اللحظة اللي فكر فيها يلمس حاجة تخصني "

في غضون ذلك.. في غرفة نيرفانا

كانت نيرفانا قد صعدت لغرفتها، وأغلقت الباب بالمفتاح يدها كانت ترتجف وهي تفتح هاتفها الذي أعادة لها والدها، وجدت رسالة نصية واحدة من رقم مجهول

"نيرفانا.. اهربي غيث مش اللي انتي فاكراه، وأبوكي بيضحي بيكي عشان يداري بلاوي قديمة. أنا مستنيكي في المكان القديم الفجر .. لو ماجيتيش الدبرینی میت."

انفجرت نيرفانا في بكاء صامت هي الآن بين مطرقة والدها الذي براها "صفقة"، وسندان غيث الذي يراها "ملكية خاصة"، وحبيب يطلب منها المجهول.

سمعت فجأة صوت خطوات رصينة تقترب من باب غرفتها.. توقفت الخطوات. ثم طرقتان ها دلتان، وصوت غيث من خلف الباب: - نيرفانا.. افتحي لسه فيه كلام ما خلصش "

قلب السلطة بقلمي مروه البطراوي

انتفضت نيرفانا من مكانها، وأخفت الهاتف بسرعة خلف ظهرها وهي تنظر إلى الباب الموصد برعب، كانت رسالة "آدم" لا تزال تحرق عينيها، وصوت غيث من الخارج يطالب بالدخول.

مسحت وجهها ببراعة، وحاولت استجماع شتات نفسها قبل أن تتحرك بخطوات ثقيلة وتدير المفتاح، فتح الباب، وظهر غيث بقامته التي مدت ممر الغرفة، وعيناه تتفحصان ملامحها بدقة مريبة.

دخل غيث الغرفة دون أن ينتظر دعوة، وأغلق الباب خلفه، ثم استدار إليها وسأل بنبرة هادئة لكنها حادة كالسكين: - "تأخرتي ليه في الفتح ؟ كنتي بتعملي ايه؟"

تلعثمت وهي تتراجع للخلف - كنت .. كنت هنام انا تعبانة يا غيث"

رفع غبت حاجبه بسخرية، وتقدم نحوها حتى حاصرها بين نظراته وبين الفراش، وقال بصوت منخفض: - "رائد بيه قالي انه طالع يطمن عليكي ثاني ، بس مكنتش أعرف إن طلعته بتخلي وشك يصفر كدة هو قالك إننا منتقل بيننا يوم الخميس مش كدة؟"

أومأت برأسها بالنفي بصمت، فتابع غيث وهو يميل نحوها، وضغط بإصبعه على دفنها ليرفع وجهها إليه: - "نيرفانا انا مش راند. رائد بيخاف عليكي من الهواء انا بخاف عليكي من "نفسك". الخوف اللي في عينيكي ده مش ملي ده من حاجة تالية.. حاجة انتي مخبياها".

توقفت أنفاسها حين مديده ببطء نحو الوسادة، وكأنه يشم رائحة السر الذي تخفيه، لكنه توقف قبل أن يلمسها، ونظر إليها ببرود مرعب : - " جهزي نفسك.. من هنا ليوم الخميس، مش عايز

حركة واحدة غلط، وأي حد هيحاول يقرب منك، أو بيعت لك رسالة، أو حتى يذكر اسمك على

لسانه.. اعتبريه انتهى "

ابتعد عنها فجأة، واتجه نحو الباب، ثم التفت إليها بابتسامة غامضة - "نامي يا عروسة...

وارتاحي كويس، لأن من يوم الخميس، مفيش نوم... فيه حياة ثانية خالص مستنياكي " خرج غيث، وتركها تنهار فوق الفراش أخرجت الهاتف من خلف ظهرها بید ترتعش، و نظرات

الرسالة آدم: "لو ماجيتيش، اعتبريني ميت."

كانت نيرفانا تدرك في تلك اللحظة أن "الموت" يحيط بها من كل جانب، فإما أن تموت هي قهرا

تحت سيطرة غيث، أو يموت ادم بسببه.

.

قلب السلطة بقلمي مروه البطراوى

بعد أن خرج غيث من غرفتها تاركاً جملته تتردد كحكم بالإعدام: "يوم الخميس مفيش ميت بيقوم من قبره، شعرت نيرفانا بجدران الغرفة تضيق عليها. لم تحتمل البقاء وحيدة مع رسالة "آدم" وتهديد "غيت".

اندفعت خارج غرفتها، وسارت في الممر بخطوات متعثرة حتى وصلت إلى جناح والدها. فتحت الباب دون طرق، وجدته واقفاً يلملم بعض أوراقه بوجوم.

لم تستوعب نيرفانا ما يحدث، فقامت وافقة أمام المكتب ، تدور في الغرفة كان الأرض قد فقدت اتزانها تحت قدميها، وهتفت بصوت يخنقه البكاء - "لا لا لا ... مش هينفع یا دادی، مش مستعدة غيث لسه خارج من عندي وبيقول الخميس... أنت ينقول كده ليه ؟! في حاجة

حصلت؟ في خطر؟!"

توقف راند عما يفعله، وسار نحو النافذة دون أن يجيب. ظل صامتا لحظات، يتأمل الشارع الخافت من خلف الزجاج، ثم قال بنبرة غربية - فيه حاجات يا نيرفانا، ما ينفعش اقولها، بس لو جي يوم، وحسيتي اني اختفيت فجأة... أو أن فيه حاجة غلط... افتكري اللي بقولهولك

دلوقتي "

شهقت وهي تقترب منه وتشد كمه كطفلة ترقض أن تقلت يد أبيها أمام وحش كاسر - "لا تقول كده... بالله عليك ما تقولش كده خدني معاك بلاش تسيبني لغيث دلوقتي "

استدار نحوها، وقبض على وجهها بين كفيه، وفي عينيه نظرة انكسار لم ترها من قبل: - "يا حبيبتي، أوقات الرجالة بيتطروا يختفوا علشان البنات يفضلوا واقفين، أنا عمري ما كنت هسيبك، بس فيه أوقات... لازم تختاري انتي تبقي إزاي غيث هو حمايتك الوحيدة دلوقتي "

ثم أضاف بنبرة خافتة كأنها وصية - "لما تبقي لوحدك في بيته ... افتكري إنك مش لوحدك "

انفجرت في بكاء حان وعانقته بعنف كأنها تنشبت باخر خيط يربطها بحياتها القديمة، كأنها ترجوه أن يتراجع عن هذا الزواج أو هذا الرحيل، لكنه لم يعدها بشيء فقط امسكها بين ذراعيه بصمت يشبه الوداع الجنائزي.

قلب السلطة

بقلم: مروة البطراوي

في هذه اللحظة، قطع هذا العناق الوداعي اهتزاز هاتف "رائد"، نظرة سريعة منه للشاشة كشفت عن اسم المتصل الذي جعل تقاسيم وجهه تزداد تشنجاً: "سميحة".

تراجع رائد قليلا، وتغيرت نظراته تماماً، قبل أن يفتح الخط، وجه نظرة صارمة لنيرفانا وقال بلهجة امرة - خليك هنا.... ما تنزليش لتحت غير لما أقولك "

خرج من الغرفة بسرعة، يمسك بالهاتف وهو يرد بصوت خفيض يحمل قلقاً حاول مواراته: -"أيوه يا سميحة .... حصل ايه؟! طمنيني "

جاءه صوت "سميحة" من الطرف الآخر منكسراً، يغلبه التحيب والاضطراب - "أوس با راند..... أوس اختفي بقالي ساعة بقلب عليه الدنيا ومش لاقياه"

تسفر رائد في مكانه، وانقبضت ملامحه وهو يسأل بحدة - " يعني ايه اختفى ؟! كان عندك في البيت، راح فين ؟!

ردت سميحة بشهقة مكتومة من ساعة ما عرف إن ليرقانا اتجوزت غيث رسمي وهو مش في وعيه.. نار وقلب الدنيا، وحلف إنه مش هيعدي الليلة دي على خير، خايفة يعمل كارثة يا راند.. خايفة بضيع ويضيعنا معاها"

حذق رائد في الفراغ، وعيناه تضيئان بحذر قاتم، وأدرك أن النيران بدأت تشتعل من جهة لم يحسب لها حساباً كافياً، فهمس بصرامة - اهدي يا سميحة... اقفلي دلوقتي، وأنا متصرف.

اوس مش هيخرج برا القاهرة ، أنا هعرف أجيبه"

أغلق الهاتف، ووقف التوان يستجمع شتاته، ثم التفت نحو الباب المغلق حيث تقيع ابنته، غير مدرك أن نيرفانا كانت خلف الباب مباشرة، تلصق أذنها بالخشب، وقد سمعت اسماً واحداً جعل كيانها يرتجف: "أوس".

عادت نيرفانا إلى الخلف بخطوات متعثرة، وصوت سميحة يتردد في خيالها. لم تعد تدري أي

ثمن هذا الذي تدفعه، و لماذا "أوص" يزلزل كيان والدها بهذا الشكل؟

كانت هذه الليلة هي البداية الفعلية لتحول لن تنساه طيلة عمرها .. تحول سيحرف في طريقه كل الضحايا، والجلادين على حد سواء.

قلب السلطة

.

بقلم: مروة البطراوي

غريب أمر الكيمياء، تلك الساحرة الشرسة التي تتلاعب بتركيبة أرواحنا. "نيرفانا" بالنسبة لمن أحبها لم تكن مجرد امرأة، بل كانت ذلك المزيج الخارق الذي يوقظك تارة في هيئة عالم مهيب يدرك قيمة الجمال، وتارة أخرى يمسحك في صورة وحس هائج لا يرى أمامه سوى التملك..

هكذا كان الحال دائماً تجد نفسك متألقاً، وسيم الطلعة، تقف أمام حبيبتك، تبحث بين زوايا قلبك وأعماق روحك عن كلمات العشق العذبة، علها تليق بحضورها الطاغي، فإذا بك تحت تأثير كيميائها الخاصة وعلى غير قصد، تسمعها الجدول الدوري للوجع، وكأنك تلقي درضا في

الثبات لا اعترافا بالهوى الذي يزلزل كيانك

كانت نيرفانا هي "العنصر" الذي يقلب استقرار أي معادلة يدخل فيها، والآن، وبعد أن أصبحت ملكاً لغيث، انفجرت كل التفاعلات الهامدة، وبدأت الغازات السامة تتصاعد من ماضي ظن الجميع أنه دفن.

نعود للواقع .. داخل فيلا الإسكندرية:

صحبت نيرفانا أذنها عن الباب ببطء، وقلبها يخفق بعنف خلف ضلوعها. "أوس"... الاسم تردد في عقلها كصدي مشؤوم تذكرت ملامحه، وتذكرت تلك "الكيمياء" المضطربة التي كانت تجمعهما دائما، وكيف في اخر لقاء بينهم تحول من الهدوء القاتل إلى الهياج الذي لا يرحم.

سمعت صوت باب الفيلا الخارجي يغلق بقوة، وصوت محرك سيارة رائد ينطلق في عتمة الليل بسرعة جنونية، لقد خرج والدها ليبحث عن "أوس"، تاركاً إياها وحيدة في مواجهة الوحش الآخر الذي يقبع في الغرفة المجاورة.. غبت.

لم تكن نيرفانا تدري أن "الجدول الدوري " نحياتها سيتغير الليلة، وأن كل العناصر التي كانت تحميها، أصبحت الآن هي مصدر الخطر الأكبر.

قلب السلطة.

بقلم: مروة البطراوي

بعد بحثه عن أوس جاء يوم الخميس

بخطوات ثابتة وصوت يملؤه التهكم، كان رائد يتحرك في أرجاء الغرفة وهو يراقب "ليلى". لم تكن تلك القسوة المعتادة، بل كانت سخرية واضحة تعكس تحدياً خفياً. - "أنا شايفك لسه مش مصدقة

ابتلعت ليلى ريقها بتوتر، ونظرت إليه بنيرة مهزوزة تكاد تكسرها الخشبية - "إنت... انت ناوي على ايه يا رائد؟"

جلس بجانبها، ضاحكاً بمرح عميق لا يطمئن، ومسح على شعرها برقة مبالغ فيها، ثم رمقها بنظرات تمزج بين الغموض والدعابة: - "إنت لسه قلقة مني ؟ إحنا مش اتفقنا إن لو سمعت

كلامي معمل لك كل اللي انت عايزاه؟"

أومات برأسها ببطء، مستحضرة ذلك الاتفاق السري - حصل .... قولتلي لو مثلث إلي فجأة حبيتك، وقبلت أعيش معاك عادي قدام أهل بيتك لمدة أسبوع واحد بس هنديني حريتي

وهتسيبني أمشي ...

ثم تابعت بريبة: "بس أنا مش مطمنة ... حاسة إنك بتدير لي حاجة !"

الفجر رائد بالضحك ضحكة قوية ملأت أركان الغرفة - "ده إنت فقدتي الثقة فيا خالص بس بذمتك هكون متأنق ومتشيك كده، وملبسك الفستان الأنيق ده عشان أخدك الصحرا أصفيكي مثلاً؟ إطمني يا قلبي، أنا ها وصلك لبيت مامتك، وأوعدك مش هتشوفي وشي الجميل ده ثاني.....

غير في أحلامك "

ورغم دعابته، سألته بحدة عن الورقة التي تضمن نجاتها: - "طيب.... وورقة طلاقي ؟ " أجاب

بجدية غامضة: "كل حاجة هتمشي تمام... وأنا عند وعدي "

لكنها قاطعته بحزم الأمومة: "مش هتنازل عن ابني يا راند سامعتي؟ ابتسم ابتسامة خبيثة: اطمني.. مش هتتنازلي عنه. ده ليكي... أنا غيرت رأيي ومستكفي أوي بنيرفانا ومكانتها في قلبي "

نهض رائد بحماس مريب يلا يا حبيبتي.. ورايا مشوار ثاني " أودعت يدها في كفه، فاجتذبها إليه وأوقفها، ثم وضع في يدها الأخرى عصاها المعدنية التوازن خطواتها كأنها طفلة تتعلم السير.

بعد أن أحكم وثاق حزام الأمان حولها في السيارة، استأذن لدقيقة سار مبتعداً، وأخرج هاتفه اليجري اتصالاً مع " يقين": - "خلصني يا يقين؟" جاءه صوتها عبر الهاتف: "لسه.. يعمل الميك آب وهلبس الفستان، مش هنقولي إيه السهرة دي ؟ " رد بابتسامة لنيمة: "مفاجأة.. وشامل

هيعدي عليكي طبعاً .. مسافة السكة وأكون عندكم "

الخلق الخط وتنهد بعمق وهو يستقل مقعد القيادة دندن بصوت عذب: "حاسس إن صدري هينفجر من كمية الإثارة اللي جوايا " نظرت إليه ليلى بعدم فهم، فأدار وجهه نحوها وابتسامته

تتسع : - " الدايرة هتكمل أخيرا يا ليلى... كل حاجة فتنتهي النهاردة... أو يمكن هتبدأ !"

انطلق بالسيارة بسرعة، مخلفاً وراءه الفيلا الساكنة، حيث تقبع نيرفانا وحيدة، وحيث بدأت خيوط اللعبة تتشابك في ليلة لن تمر بسلام على أحد.

قلب السلطة

.....

بقلم: مروة البطراوي

ومع ارتطام عجلات السيارة بطريق المدينة المعبد، ترك "رائد" خلفه ضوضاء الفيلا وصمتها المطبق، بينما في قلبه تزداد دوائر الخطط والدهاء تعقيدا، فكأنه يود أن يرسم بأصابعه خارطة المصيره هو، وها هي "ليلى" تسير معه كأنها ورقة في لعبة أكبر منها، لم تدرك بعد من هو اللاعب

الحقيقي ومن هو مجرد قطعة شطرنج.

كسر رائد الصمت، وقال بحدة لا تخلو من غموض، وعيناه مثبتتان على الطريق الممتد أمامهم كالأفق المجهول : - " اللي جاي ده مش بس بوم جدید با لیلی... ده بداية حركة كبيرة، وانت مش هتكوني الا جزء من المشهد الكبير."

تأملت "ليلى" في جانب وجهه، تبحث في عينيه عن شعاع صدق واحد أو ركن أمان تأوي إليه. فلم تجد سوى الغموض والبرود فشعرت بخوف أكبر، وحنين جارف أن تخرج من تلك الحلقة المفرغة التي لا تعرف أين ستنتهي بها.

لكن رائد لم يمنحها فرصة للسؤال أو التراجع، بل تابع وكأنه يلقي حكمة جنائزية: - "أهو كلنا في مركب واحد يا ليلى.. يا ننجو كلنا یا تفرق كلنا ... وأنا ما يخافش الفرق، بس خايف على التي بيحبني فعلاً"

ارتعشت يد ليلى في يده، لكنها لم تجرؤ على الانسحاب ربما لأنه الوحيد الذي يملك مفاتيحذاكرتها المبعثرة، أو لأنها أدركت بياس مرير - أنها لم تعد تملك خيارا آخر سوى المضى معه إلى النهاية.

وهكذا، انطلقا معا في رحلة يتخللها الظل، لا يعلمان اين نهايتها، لكن اليقين الوحيد هو أن الأيام القادمة ستكتب لهما فصلا من المواجهة لا يمحى، وأن "نيرفانا" التي تركاها خلفهما ليست إلا الشرارة الأولى في الحريق القادم.

قلب السلطة

بقلم: مروة البطراوي

قاطعه صوت يقين" كشفرة حادة قطعت حبل كلامه - "أنا شايفاك انسجمت مع المكان بسرعة !"

تحمد شامل، وبلل شفته السفلى بلسانه باحثاً عن مخرج، لكنه حين استدار نحوها، صدمه مظهرها الصارخ بالأنوثة كانت "يقين" في تلك الليلة فتنة تمشي على قدمين: ترتدي رداء أحمر من الحرير يلتصق بجسدها كالقيد عارية الكتفين، يبرز مفاتنها بوضوح طاغ.

تسريحة شعرها المرفوعة كشفت عن بهاء عنقها الطويل، ووجهها المستدير الذي تحدى خريف العمر بنضارة مدهشة كانت زينتها هادئة هذه المرة، باستثناء عينيها المجللتين بالسواد، وطلاء شفاهها الناري الذي بدا كجمرة تشتعل.

لم يستطع شامل سوى إطلاق زفرة مذهولة: "أوف!"

لم تبتسم يقين الإطرائه، بل كانت تهر قدمها بنفاد صبر وهي تراقب نظراته التي تاتهت بينها وبين الفتاة العشرينية، اقترب منها شامل وهو يتمتم بإعجاب شديد - "يقين... إيه اللي انت

عاملاه في نفسك ده؟ انطقي قبل ما أعمل فعل فاضح هنا ! "

انكسرت حدة صرامتها قليلاً، وأفلتت منها ابتسامة مقتضية أخفتها سريعاً وهي تعود لغلظتها

المصطنعة : - "أنا اتصلت بيك عشان تاخدني، ولا عشان الاقيك بتظبيط مع البنت وتعاكسها ؟" ضحك شامل وهو يقبض على خصرها فجأة، مجتذباً إياها لتصطدم بصدره: - "أعاكس مين بس؟ ركزي معايا هذا إنتي يتجنني التهاردة يا يقين.... لدرجة إنى مش شايف غيركا"

شهقت يقين من المفاجأة، لكنها استسلمت لغرورها الأنثوي وابتسمت باستحياء: - "عشان تعرف قيمتي بس.... الظروف من مخلياتي متفرغة ليك بس ده مش معناه إلي ما عجبش يا شامل !"

رد عليها بنيه والبهار: "انتي الليلة دي تعجبي الباشا، ومحدش هيقدر قيمتك غيري يا كوكي!" نظرت يقين نحو عاملة الاستقبال بنظرة استكبار أرضت كبرياءها، تم دفعت شامل في صدره برفق وقالت بجدية : - "طيب، يلا نستنى راند بره.... هو ممكن يوصل في أي وقت

تفاجاً شامل و دهشته واضحة: "هنستنى في الشارع يا حبيبتي ؟ إحنا قاعدين هنا" رفت يقين بصرامة وهي تتحرك نحو المخرج: "هنتسناه في عربيتك... يلاا "


تعليقات