![]() |
رواية حبل الوريد الفصل الخامس والاربعون بقلم ياسمين عادل
_ لم يكن من السهل الحصول على '' لانـش '' ليدخل به كريم ورفاقهُ لداخل المياه .. ولكن أولئك الشباب فعلو ما بوسعهم وأكثر مجرد معرفتهم بأن الأمر يتعلق بخطف إحداهن ..
وقبل أن يطئ كريم بقدمهُ داخل اللانش ، كانت النيران قد ظهرت علي سطح ذلك اليخت وأصبحت ظاهرة بوضوح في هذه الظُلمة ..
أنقبض قلب كريم بخوف شديد وهو يصيح :
- اليخت بيولع ومفيش أثر ليهم .. اليخت بيـــولع
_ قفذوا لسطح اللانش وبدأ تامر في قيادتهُ نحو الداخل ..
_ في نفس التوقيت _
كان ريان يصارع ساقهُ المصابة والتي أعجزتهُ عن الحركة ليطفو على السطح بعد أن شرب من مياه البحر المالحة رغمًا عنهُ .. ألتقط أنفاسهُ المتسارعة بصعوبة وراح يلتفت ليبحث عنهُ حولهُ .. ولكنها لم تكن موجودة ، دب الذعر داخلهُ .. وراح يتحرك بجسدهُ في المحيط الذي يحاوطهُ عسى أن يرتطم بها في الأسفل ..
فـ العثور عليها أسفل الماء وفي هذا السواد أمر غاية في الصعوبة .. حتى إن هذه النيران القريبة منهُ لا تسعفهُ ..
وبالفعل تخبطت ساقهُ بجسدها ، فغطس سريعًا لينتشلها من أسفل المياه .. وصعد بها مجددًا للسطح ،
سعل وهو يطرد المياه من صدرهُ ، ثم همس بصوت ضعيف :
- إنتي إزاي نايمة كُل ده! آآه
_ آلامًا عظيمة تضرب بكل عظامهُ .. ولكنهُ تجاهل ذلك ، قام برفع جسدها قليلًا ، وثبت ذراعيها حول رقبتهُ ..
وراح يسبح بها ببطئ بذراع واحدة .. لا طاقة لديه ، ولكنهُ يعافر ويعافــر .. حتى يصل بها للشاطئ .. أبتلع الكثير من المياه حتى أنتفخت معدتهُ .. ومازال يحــارب !
أستمع لصوت اللانش الذي يقترب منهُ ، ولمح ضوء الكشافات التي تبحث عنهم في كُل مكان ..
فتوقف عن السباحة ورفع ذراعهُ في الهواء وهو يصيح بصوت شبهِ معدوم :
- هــ ــنا ، هنا
_ أخترق صوتهُ أذني كريم ، ليقوم بتحريك البطاريات المضيئة في كل مكان بحثًا عنهم .. لمح ذراع بشرية تلوح له ، فثبت الضوء عليه .. وصرخ بأعلى صوت :
- هنـــاك ياتامر ، أمشي يمين شوية بس حاسب
_ ببطء تحرك اللانش صوبهم حتى لا يصطدم بهم ..
وما أن رأى كريم رأس شقيقتهُ المسنودة على ظهر '' ريان '' صرخ :
- كــارمن ، كارمن أهي
_ بسط كريم ذراعيهُ ليلتقطها منه ، بينما عاونهُ ريان في ذلك عن طريق رفعها من خصرها ..
حتى نجح في نقلها على سطح اللانش ..
ومن جهة أخرى تحرك صالح ليعاون ريان في الصعود إلى اللانش .. ولكنهُ كان متخشب الجسد ، على أثر برودة المياه القارسة التي لم يشعر بها إلا الآن ..
وإصابة ساقهُ التي يبدو إنها تدهورت بفعل عدم معالجتها ..
حاول صالح جذبهُ بكل قوة وهو يردد :
- أطلع ياريان ، أرفع جسمك معايا على فوق
ريان وقد بدأت الرؤية تتشوش لديه : مش قادر ، مش آآ قـادر ..!
تامر : وسع ياعم
_ قالها تامر وهو ينزع عنهُ قميصهُ بعجالة ، ثم قفذ في المياه بدون تردد أو تفكير ..
رفع جسد '' ريان '' من جهة ، وجذبهُ صالح من جهة أخرى .. فتمكن كلاهما من وضعهُ بداخل اللانش ..
ومن ثم صعد تامر مرة أخرى ..
تأمل صالح وجه ريان وهو يهتف بإرتياب :
- واضح كدا إنه خد علقة صح الصح
_ هز تامر رأس ريان عقب أن لاحظ زوغان عينيه، وتسائل :
- سامعني يازوء ! ريـان ؟
_ تقريبًا غاب عن الوعي .. وترك إدراكهُ ينصرف عنهُ ليغط في نوم عميق عقب ما لاقاه وعناه ..
أصبحت بشرتهُ زرقاء بفعل بالبرودة ، وجسدهُ مُثلج ..
ترك نفسهُ بعد أن أطمئن إنها في أيدٍ أمينة ، فقد أدى الأمانة وأعادها لأصحابها ..
وهنا فقط تحققت راحتهُ ..
بدأ صالح في قيادة اللانش نحو الشاطئ ، في حين كان كريم محتضنًا لشقيقتهُ غير شاعر بما يحدث حولهُ .. أنشغل بها محاولًا تدفئة جسدها البارد ..
وأهتم تامر بأمر ريان الذي بدا گالجثةُ الهامدة ..
أكتظ الشاطئ بحرس السواحل وبعض من السياح والزائرين لمدينة الغردقة ، وبعض العامة أيضًا ..
يشاهدون هذا الحريق الهائل الذي بدأ يختفي في المياه رويدًا رويدًا ..
وعندما أقترب اللانش الحامل لهم من الشاطئ .. بدأ السياح في التصفيق المتحمس لهم ، وكأنهم أبطال أو ما شابه ..
حتى إن إحداهن أقتربت من اليخت لتشاهدهم من قرب .. فصاح بها تـامر لتبتعد :
- والنبي توسعي كـدا ياآنسة
_ لم تفهم الفتاه ما قالهُ ، فقد كانت روسية الجنسية .. عقدت ما بين حاجبيها بفضول وهي تسأله عن مقصده ُ ولكنه تجاهلها وهو يتمتم :
- دي لسه هتقعد ترطم معايا بالأجنبي وانا فاشل في الإنجليزي أصلًا
صالح متهكمًا عليه : دي بتتكلم أسباني ، إيش فهمك انت .. وبعدين عاملها بحنية دي من السواح متخليش صورة الإيچيبشن ( مصريين) وحشة
_ أقترب منهم حرس السواحل ليصيح أحدهم :
- كلهُ يبعد من هنا لو سمحتم ، كله يبعد
كريم بصوت مرتفع : إسعــاف بسرعة لو سمحت ، إسعاف هنا
....................................................................
_ سريرين نقالين يسيران في محاذاة بعضهما ، يحملون '' كارمن ، ريان '' .. وكلاهما في حالة غياب عميق عن الوعي ..
ومن خلفهم '' كريم، صالح، تامر '' ..
كان المسعفين يقودون السرائر النقالة بالمشفى الخاص ، أحدهما نحو العناية المركزة ، والآخر نحو غرفة العمليات ..
أطمئن كريم على حال شقيقتهُ ، حيث أبلغهُ الطبيب إنها بخير وتحتاج فقط للراحة وبعض المحاليل الطبية وتم نقلها لغرفة عادية ..
وسرعان ماأنتقل نحو الطابق الثالث ليتابع حالة '' ريان ''.. الذي أفنى بحياتهُ في سبيل إنقاذها ..
مرت أكثر من ساعة في غرفة العمليات ، وساد الملل بينهم ..
تنهد تامر وهو يستند على الحائط برأسه ، ثم هتف بلهجة فُكاهية لتغيير هذا الجو الكئيب :
- عارف إيه اللي قاهرني ياض ياصالح ؟
صالح : إيه ؟
تامر وقد تحولت نظراتهُ للرغبة المتوحشة : الصاروخ الأسباني اللي سيبناه على البحر.. قلبي كان بيتقطع وانا ماشي وسايبها كدا لوحدها
_ قهقه صالح بصوت خفيض ، ثم أردف :
- تحب نرجع وأدورلك عليها؟
تامر وهو يعض على شفتيه بندم : آآخ ، ياريت يرجع بيا الزمن ساعة واحدة ، مكنتش فوتها النهاردة
صالح وهو يحك غرة رأسهُ بإستنكار : فيها إيه لو الواحد أتجوز واحدة زي القشطة من دول ، بدل ماانا خاطب بت مصرية مطلعة عين أهلي بالنكد بتاعها .. ٢٤ ساعة نكد ، ولو نسيت يوم تنكد عليا تاني يوم يبقى الدوبل
_ قهقه تامر بصوت دوى في زوايا الرواق.. ثم تنحنح بحرج وهو يردد :
- هي دي الست المصرية ، أصيلـة .. هي نكدية ، بس متفرطش فيك أبدًا ، إنما الخواجات دول بياعين ياعمنا ، كُل يوم راجل وصاحب شكل .. يعني الأسبانية دي تلاقـ ....
كريم مقاطعًا حديثهُ بحزم : روسية ، روسية مش أسبانية
صالح وقد أصابهُ الحرج : آحم ، صحيح ماانت معاك السبع لغات .. مين قدك ياكيمو
تامر وهو يفرك كفيه سويًا : إلا قولي يابن الأكابر ، إيه اللي فكرك بينا .. بقالنا سنين مشوفناش بعض !
كريم بصوت ممتن : أول ما وقعت في مشكلة ملقيتش غيركم أفكر ألجأ ليه ، وظني مخابش يارجالة
صالح وهو يضرب على كتفهُ : واحنا في ضهرك دايمًا ياصاحبي
_ أنفتح الباب ليخرج منهُ الطبيب ، فتحرك كريم مسرعًا نحوهُ وهو يتسائل بتلهف :
- إيه الأخبار يادكتور ؟
الطبيب : خير ، أصابة رجلهُ مكنتش عميقة أوي يعني وعالجناها الحمد للّه .. كان في جرحين في راسهُ والأتنين أتخيطو ، والباقي سهل يتعالج بعد ما يستعيد وعيهُ
تامر : طب هو فين دلوقتي يازوء ؟
الطبيب وقد أزعجهُ ذلك اللقب : هيتنقل لغرفة ٥٦٦ ، عن أذنكم
تامر وقد أمتعض وجههُ : ده مالهُ ده ؟
كريم وقد أراد إحتواء الموقف : سيبك منهُ وتعالى نشوف فين غرفة ٥٦٦ دي
....................................................................
_ كان ينام بعمق غير شاعرًا بما حولهُ .. حتى طاردهُ كابوسًا ملعونًا جعل أنفاسهُ تتهدج ..
أستمع لصوتها المفطور بالبكاء وهي ترجوه أن يعود إلى الحياه وإليها .. كانت تهز جسدهُ هزات عنيفة وهي تصرخ :
- ريـــان ، أنت مينفعش تموت .. أنا اللي أستاهل الموت مش أنت ، ريـــان
_ وهنا ، أنتفض بجسدهُ ومازال صوتها تزيد أصداءهُ في أذنيه .. وصــرخ بـ :
- كـــــــــارمـن !
- أنا هنا ، أنا جمبك أرتــاح
_ كانت رؤيتهُ لها سالمة گالمسكن لكُل آلامهُ التي أجتاحت عظام ساقيه وظهرهُ ، مسحت على وجهه بنعومة ولطف ليهدأ ..فـ أبتلع ريقهُ بصعوبة وهو يهمس بأنفاس مضطربة :
- أنا فين !؟
كارمن وهي تشبك أصابعهُ بأصابعها : في المستشفى ، إرتاح
_ مدد ظهرهُ وهو يأن بخفوت على الفراش مرة أخرى .. ثم ألتفت برأسه ليكتشف إنهُ الصباح الباكر والشمس مشرقة .. فتسائل :
- أنا نايم بقالي كتير ؟
كارمن وهي تهز رأسها بالرفض : لأ ، من أمبارح بس .. هو انت مش فاكر اللي حصل
ريان ببسمة ساخرة : لأ فاكر ، فكراني كنت نايم طول الوقت زيك ؟؟
_ حول بصرهُ إليها ليكتشف إنها ترتدي ثوب المشفى ، أبيضًا بنقوش صغيرة .. فنظر لوجهها مليًا قبل أن يهتف :
- أنتي كويسة ؟
كارمن وهي تمسح بكفها على ظهر كفهُ : كويسة عشان انت بقيت كويس
_ لاحظت تبدل تعابير وجهه وكأنهُ يعاني من الألم ولكنهُ لا يُظهر .. فبادرت هي بالنهوض عن جوارهُ وهي تردد :
- هروح أجيبلك الدكتور يشوفك
- ياريـت ، أنا مش حاسس برجلي
_ ولكن قبل أن تتحرك خطوة خارج الغرفة ، كان الطبيب يلج للداخل بصحبة الممرضة ..
أبتسم وهو يقول :
- صباح الخير ، أزيك النهاردة ياأستاذ ريان
ريان : الحمد لله
_ بدأ الطبيب في قياس نبضهُ وحرارتهُ .. فإذا بحرارتهُ مرتفعة إرتفاعًا غير طبيعيًا ، ليقول برسمية :
- حرارتك عالية ، وده عرض جانبي طبيعي للأصابة اللي في رجلك .. دلوقتي هتاخد حقنة خافضة للحرارة ونغيرلك على الجرح وكله هيبقى تمام
ريان وقد أشتد عليه ألم ساقهُ : مش مهم كل ده ، عايز أي مسكن عشان ألم رجلي
الطبيب وهو يهز رأسه بأسف : للأسف مينفعش أديك مسكنات حاليًا .. نتيجتها مش هتكون إيجابية بالمرة لكن ممكن مخدر موضعي يهدي من الألم .. متقلقش
ريان : ....
_ أومأ رأسه بخضوع ، فلا يملك حلًا آخر سوى الإستسلام ، بينما تنحنحت كارمن وهي تردد :
- طب أنا هستنى بره
_ تابعها ريان بعينيه حتى أختفت ، في حين أبتسم الطبيب وقال ممازحًا :
- شكلها بتحبك أوي ، مجرد ما فاقت أمبارح جت هنا وفضلت سهرانة جمبك طول الليل .. رفضت تخرج وتسيبك
_ أجبر نفسه على الإبتسام بمجاملة ، وترك الطبيب يباشر عملهُ ..
في حين وقفت كارمن مستندة على الحائط المجاور لغرفتهُ ، غير قادرة على رؤية جروحهُ التي تسببت هي بها ..
أدمعت بدموع صادقة وبدأت في النشيج ، وهي تتذكر ما قصهُ عليها '' كريم '' عقب أن عادت لوعيها ، وكيف دفع بحياتهُ للتهلكة في سبيل إنقاذها ..
شعرت إنها لا تستحقهُ ، ولا تستحق كل هذا الذي فعلهُ لأجلها .. بينما قضت هي شهورًا كاملة تفكر في الإنتقام منهُ ، هي خسرت أعز ما لديها في الدنيا '' والدها '' .. ولكنهُ ليس المذنب .. حملتهُ الذنب وتركت الغمامة على عينيها لتعميها ، وأستسلمت لحزنها ورغبتها في الإنتقام ..
وفجأة ، وجدت أصابع شقيقها تمسح عنها دموعها وهو يردد :
- كارمن ، إنتي وهو بخير .. أحمدي ربنا ياحببتي ، أنتوا أتكتبلكو عمر جديد
كارمن : .....
تامر مشددًا على حديثهُ بتعمد : بصراحة الراجل اللي جوا ده مش هتلاقي منه تاني .. أوعي تفرطي فيه ، اللي زيهُ بيظهر كل ١٠٠ سنة مرة ، لو شوفتيه أمبارح وهو مش راضي يشرب الميا ! ياااه .. وربنا الدمعة كانت هتفر من عيني
كريم وهو يغمز له بعينيه ليصمت : ما خلاص ياتامر
تامر متنحنحًا بتفهم : آآه آه ، حاضر
_أشار كريم برأسهُ نحو هذه الحقيبة الكرتونية الراقية ورفعها نحو بصرها وهو يردد :
- أنا جيبتلك هدوم عشان تغيري هدوم المستشفى دي ، وجيبت لريان كمان بس يارب ييجي على مقاسهُ
كارمن : ميرسي ياكريم
_ خرج الطبيب من الغرفة والممرضة في أعقابهُ .. فتسائلت هي بفضول :
- هو ممكن يخرج أمتى؟
الطبيب : يومين أو تلاتة بالكتير ، الحمد لله جروحهُ مش خطيرة .. دلوقتي الفطار هيطلع ياريت ياكل كويس
كارمن وهي تومئ برأسها بالإيجاب : حاضر
_ أنصرف الطبيب ، ووجهت كارمن أنظارها نحو '' كريم '' وقالت :
- أنا هروح أغير هدومي وانت أدخل عندهُ ياكريم
كريم وهو يناولها الحقيبة : ماشي ، روحي أنتي
_ أستخدمت دورة المياه لتبديل ملابسها بعجلة ، ثم أنضمت إليهم من جديد وقد حضرت وجبة الإفطار ..
تناولتها بنفسها وقررت إطعامهُ ، إلا إنه رفض و :
- ماليش نفس لأي حاجة
تامر : مينفعش كدا يازوء ، لازم تتغذى الدكتور قال كدا
ريان وهو ينظر نحو كريم بترقب : كريم ، في حد عرف اللي حصل ؟
كريم وهو يهز رأسه بالسلب : لأ ، حتى عمتك أتصلت قولتلها إنك سهران طول الليل ونمت من كتر التعب
ريان بتنهيدة مرتاحة : أحسن برضو
تامر وهو يغمز بنصف عين لكريم : تعالى نشوف صالح ياكريم
كريم وقد تفهم مقصدهُ : تعالى
_ أبتسمت كارمن وحاولت موارة إبتسامتها لئلا تظهر له ، ثم وقفت عن مقعدها وأقتربت منهُ وهي تردد :
- تعالى أعدلك المخدة عشان تعرف تقعد وتاكل
_ أستند برسغهُ على ذراعها ، حتى عاونتهُ في الجلوس ، ومن ثم أحضرت حامل الطعام وجاورتهُ في جلسته ُ وهي تقول :
- هأكلك بنفسي طالما قررت تتدلع عليا
ريان وقد أنعقد حاجبيه بإعتراض : دلع ! بعد اللي شوفتهُ أمبارح متكلميش معايا عن الدلع نهائي
_ قامت بفرد قطعة الجبن الأبيض الخالي من الدسم على قطعة من الخبز الأبيض ( توست) .. ووضعت عليها طبقة أخرى من الخبز ، مدت يدها نحو فمهُ وهي تبتسم قائلة :
- طب أفطر عشان خاطري
_ أمسك بكفها المطبق على الطعام وبدأ يقضم منها لقيمات صغيرة .. ثم يرتشف مشروب العصير الطازج من يدها أيضًا .. ساد بينهما الصمت ، وكلاهما يفكر في الآخر ولكن بطريقتهُ ، ولم يستطع أحدهم سبر أغوار عقل الآخر أو التوصل لما يفكر فيه ..
يومان متتاليان ، وهي تعتني به إعتناءًا خاصًا .. حتى أن جرحهُ كان يستجيب للعلاج بصورة سريعة ، وبدأت الألام التي تهاجمهُ تخف حدتها ..
لم يكن يرغب في المكوث بالمشفى ، ولكن أجبرهُ الطبيب على ذلك حتى لا يتدهور جرحهُ ويتعرض لمضاعفات .. فأضطر للمكوث ، بينما كانت كارمن تحبذ ذلك بشدة .. فهي الآن بجوارهُ ولا تفارقهُ إلا إذا غفت لساعات قليلة..
حضرت المباحث للمشفى للحصول على أقوال '' ريان '' في الحادثة التي حدثت وأثارت ضجة على كافة سواحل الغردقة وانتشرت أصدائها بسرعة ..
حتى إن الشرطي أبلغهم بعدم وجود أثر لـ جثمان قُصي ، مما جعلهم في حالة من الإرتباك والخوف والقلق .. و :
- مش عارف إزاي ؟ كل اللي فاكرهُ إن النار كانت قريبة جدًا منهُ ، واللي بعد كدا حكيتهولك
الشرطي : تمام ، عمومًا ألف سلامة عليك .. وكدا القضية أتقفلت ، عن أذنك
ريان وهو يهز رأسه متفهمًا : الله يسلمك، أتفضل
_ جال بمخيلتهُ فكرة إنه مازال حيًا يرزق ! فتقوست شفتيه بسخرية وهو يتمتم :
- مش معقول يكون بسبع أرواح يعني !
_ تنهد تنهيدة مختنقة ثم تابع :
- بس اليخت تقريبًا أتفحم زي ماقال الظابط ، مش بعيد يكون السمك عملهُ وجبة عشا ! أستغفر الله العظيم يارب
_ رفع ريان الغطاء عنهُ وكاد يتحرك عن الفراش ، إلا أن كارمن دخلت في اللحظة المناسبة لتستوقفهُ قائلة :
- أنت رايح فيـن ؟
ريان وقو يتأوه بتألم : هخرج من هنا ، زهقت
كارمن وهي تقف قبالتهُ لتمنعهُ : هتروح فين ، مينفعش
_ أقتحم كريم الغرفة ، ثم قال برسمية :
- خلاص حجزت ، والطيارة بعد ٣ ساعات من دلوقتي
كارمن وقد أنفرجت شفتيها ببلاهة : هـه ! إنتوا متفقين سوا؟
كريم : أعمل إيه ؟ دماغهُ ناشفة وصمم هنرجع النهاردة يعني هنرجع النهاردة
ريان وقد ظهر عليه الضجر : ياريت تسيبوني براحتي ، وشوف أذن الخروج ياكريم من فضلك
كريم : حاضر
_ رفض أي مساعدة له في إرتداء ملابسهُ .. وأرتداها بنفسهُ وبعناء شديد ، مازال ظهرهُ يؤلمهُ وساقهُ كأن الحريق نشب بها .. ولكنهُ العناد الذي أعتنقهُ مؤخرًا ،
أنتهى عقب مشقة .. وجلس على حافة الفراش يتنفس بصعوبة على أثر المجهود ..
طرقت كارمن بخفة على الباب فسمح لها بالدخول عقب أن حفظ طرقاتها الرقيقة .. فدلفت للداخل وهي تحمل عصا معدنية ذات مسند يدوي ( عُكاز ) .. وأقتربت منه وهي تتأمل ملابسهُ التي أبتاعها له '' كريم '' ، فوجدتها تضيق على صدرهُ مما أبرز منحنيات جسدهُ المشدود ..
أبتسمت بإعجاب وهي تقول :
- شــيك أوي ده
ريان وهي يشير بإزدراء نحو العصا : أنتي فكراني همشي بـده ! ليه هو انا عاجـز ؟؟
كارمن متصنعة الحزن : حبيبي الدكتور قال مينفعش تضغط على رجلك
ريان متشددًا في رأيه : أبدًا مش هيحصل أبــدًا
_ خرج عن غرفتهُ بالمشفى وهو يستند على ذلك العُكاز رغمًا عنهُ ، عقب أن أصرت كارمن على ذلك وتمسكت برأيها ..
سار بتعرج وقد بدأ الألم يتسرب لعضلاتهُ ..
حتى إنه كاد يسقط ، ولكنها لحقت به وهي تقول بفزع :
- حـاســب !
- آآه
_ وبدون عمد حاوطت ظهرهُ بذراع ، وأسندت ذراعهُ بالأخرى والخوف باديًا في عيناها التي لاقت عينيه صدفًة .. وكأنهُ ينظر إليها گالسابق .. مازالت تحتفظ بهذا الخضار اليانع الذي يزين عينيها ، شرد لحظات وتعمق بشرودهُ ومازالت عيناه عليها .. ثم همس :
- لسه عينك جميلة زي ماهي
_ أخفضت بصرها بإستحياء .. وقد ذهب عنها خوفها ليتحول لإشتياق ، ثم رفعت رأسها وهي تسحب ذراعهُ لتجعلهُ يستند على كتفها .. وسار معها بخطوة بطيئة ، متلذذًا بهذا القرب الشديد منها بعد ليالٍ عجاف قاسية ..
حتى خرج من المشفى ليجد '' كريم '' منتظرًا إياه بداخل سيارة للأجرة أمام المشفى ، وسرعان ما ترجل لمساعدتهم لصعود السيارة .. فتسائل ريان :
- خلصت حساب المستشفى !
كريم : كل حاجة خلصت متشغلش بالك ، الشباب خدو اللانش بتاعهم وسلموني الڨيزا .. والشهادة للّه مرضيوش ياخدو جنية واحد بعد ما عرفو الحقيقة
كارمن وقد ضجرت من رائحة المشفى التي تخللت حتى ملابسها : مش يلا بينا ونكمل كلام في الطريق؟
كريم وهو يفتح باب السيارة الخلفي : طب يلا
...................................................................
_ مر على عودتهُ للقاهرة '' أسبوع '' .. أسبوعًا كاملًا لم تفارقهُ كارمن لحظة ، حتى إنها كانت تتواجد لحظة وجود الطبيب المعالج والمتابع لحالتهُ ، من أجل عدم تدهور حالتهُ .. حتى أطمئنت على إستردادهُ لكامل صحتهُ ،
في حين كان '' مراد '' غائبًا عن الصورة گعادتهُ ..
تفاجئ بإتصال '' ريان '' له في هذا الصباح ، فأضطر لإجابتهُ وهو يردد :
- ألو
- صباح الخير يامراد ، عايزك في موضوع مهم .. ينفع نتقابل بعد ساعتين في ****
مراد وقد تنغض جبينهُ بفضول : خير إن شاء الله ؟ ماانا كنت قدامك الصبح
ريان : معلش تعالى على نفسك ساعة زمن ، انا هستناك
مراد : ماشي
_ أغلق الهاتف وهو يشعر بالإرتياب والفضول بآنٍ واحد ، فهذه المرة الأولى التي يطلب فيها أخيه مقابلتهُ .. ولكنه قرر الذهاب لعل الأمر يهمهُ ..
وبالفعل ذهب لمحل المقهى الراقي وبحث بعينيه جيدًا عنهُ ، ولكنهُ لم يجدهُ .. ظن إنه عالقًا في الطريق ، ولكن فجأة حدقت عيناه وهو ينظر حيالها .. إنها هي '' زينــة ''
تجلس في إحدى الزوايا تضبط شعرها بإهتمام شديد ، وتنظر في مرآتها الصغيرة ..
ظل واقفًا لحظات من الذهول ، إلى أن جاءهُ النادل وسألهُ :
- حضرتك أستاذ مراد ؟
مراد : آ.. أه أنا
النادل وهو يمد لهُ بالورقة المطوية : الورقة دي لسيادتك
مراد : ........
_ ألتقطها منه ونظر لمحتواها بإندهاش ، فوجد عبارة واحدة بخط واضح :
( دي فرصتـك ، إما تستغلها أو هتضيع .. واللي بيضيع مبيرجعش تاني ياأخــويـا )
_ الآن تفهم سر المقابلة العاجلة ، لقد دبر موعدًا يجمع فيه مراد بحبيبتهُ التي أحبها سرًا ..
رفع مراد بصرهُ نحو '' زينة '' ومشاعرهُ المضطربة تسيطر عليه ، يفكر فيما سيفعلهُ ياترى !.
.........................................................................
( بصراحة مش عارفة ياكريم ، بقالهُ يومين مختفي .. أتصلت من شوية عرفت من طنط مايسة إنه راح يزور تاج )
_ قالتها كارمن وهي تنهض عن مقعد مكتبها الجلدي لتستدير حولهُ .. أنتظرت أن ينتهي شقيقها من الحديث ثم تابعت :
- طيب ياكريم ، لأ متشغلش بالك .. المهم إنه بقى كويس وبيمشي من غير عكاز ، أنا فرحت جدًا لما الدكتور طمني
_ ولج إليها المهندس '' رأفت '' عقب أن طرق الباب .. ثم أقترب منها وهو يقول :
- فاضية يابنتي !
كارمن : هقفل معاك وأرجع أكلمك تاني ، يلا باي
_ أنتقلت ببصرها نحو '' رأفت '' وابتسمت وهي تقول :
- أتفضل ياأونكل ، كنت لسه هابعتلك عشان نروح الموقع سوا بعد الإجتماع إن شاء الله
رأفت وهو يخفض بصرهُ بقلق : تمام ، نروح
كارمن وهي تتفحص ملامحهُ بفضول : مالك ياأونكل ؟
_ نظر '' رأفت '' لساعة الحائط ، فوجدها الثالثة عصرًا إلا الربع .. فتنحنح وهو يقول :
- ينفع نشرب قهوة سوا وأفاتحك في موضوع؟
كارمن وهي تشير له بالجلوس : طبعًا ياأونكل ، أتفضل أقعد
_ جلس قبالتها أمام المكتب .. بينما طلبت هي مشروب قهوة مضبوط لهُ ، وجلست تنظر لحالتهُ الغير مبشرة بالمرة .. ظل يرتشف قهوتهُ وعيناه عالقتين على الساعة ، في حين سئمت كارمن من الإنتظار وقالت :
- أنا بدأت أقلق ياأونكل ، في إيه؟
_ دقت الساعة الثالثة عصرًا ، فترك رأفت قدح القهوة وأخرج مظروفًا من جيبهُ ليضعه على سطح المكتب وهو يقول :
- أتفضلي ، ده ليكي .. عن أذنك
- أستنى هنا ياأونكل من فضلك
_ تناولت المظروف عن سطح المكتب وفتحتهُ تقرأ محتواه بعجالة ، وهي تقفذ بين السطور سطرًا يليه الآخر .. تغيرت ملامحها وشحب وجهها فجأة وهي تقرأ السطور الأخيرة .. حتى أن أنفاسها كادت تتوقف من فرط صدمتها .. وفجأة نظرت له والدموع قد تكونت في مقلتيها لتصرخ فيه :
- أزاي تعمل كدا ياأونكل ! إزاي تعمل معايا كدا .. ده انا بعتبرك زي بابي بالظبط ؟ ليــه !
رأفت وقد كسى الضيق وجهه : يابنتي أنا ....
_ ألتقطت حقيبتها وسحبت مفاتيحها وهاتفها سريعًا وخرجت راكضة من الحجرة تقصد الخروج عن الشركة برمتها ، لتستقل سيارتها وتسير بها بسرعة متهورة على غير عادتها .. ولم تتوقف دموعها وقد أختنق صدرها بشهقاتها أيضًا وهي تقرأ تلك الرسالة مرة أخرى ..
(( في هذا التوقيت الذي تقرأين فيه رسالتي الأخيرة لكِ ، أكون قد وطأت بقدمي أرض المطار وربما أكون على متن الطائرة بنفسها أيضًا ،
أتذكرين أول لقاء لي مع عيناكي يافاتنة ؟ حتمًا تتذكرين .. لقد وقعت بكِ منذ الوهلة الأولى ، فعلتي بي ما لم تفعلهُ إمرأة .. أحببتك ، فـ صرت أسير غرامك ..
جمعنا القدر صدفةً وبدون موعد .. بدون سابق إنذار ، وهذا القدر الذي جمعنا قد بدد أحلامنا أيضًا ..
فأصبحنا گسـراب لا وجود لـه ، تُهنا بين غياهب الليل گالذين ضلو الطريق .. ))
_ أجهشت ببكاء مرير وقد وصلت الدموع لثيابها ، مسحت عبراتها بظهر كفها وهي تراقب الطريق أثناء شقها للشوارع بسرعة تدعو اللّه أن تلحق بـه قبل فوات الأوان ..
ونظرت مرة أخرى للرسالة لتتابع عبارته التي أشبهت السكاكين :
(( لا ذنب لي ، أو لكِ أيضًا .. فقد كنتي دائمًا تمثلين لي حــبل الوريد ، أنتي التي عشت لأجلها .. وبدونها أصبحت أنفاسي مجرد حركات تتبادل أدوارها في دخول وخروج ..
في هذه اللحظة أكون قد بدأت في السير بطريق لا عودة منهُ ، ربما نتقابل مرة أخرى .. وربما لا أراكــي حتى المـوت ، مهما يكن ، فقط أعلمي أن جمعنا حبــل الوريد ، وقد فرقنا دم حبــل الوريد ..
حبيبتي الوحيدة ، سيظل القلب على عهدك .. فـ الحُــب كارمن ، كارمن واحدة فقط .. دُمتي طيبة يافاتنة ))
..........................................................................
..........................................................................
