![]() |
رواية حبل الوريد الفصل السادس والاربعون بقلم ياسمين عادل
_ كانت الطائرة تخترق السُحب .. محتضنة الهواء الطليق ، عندما وصلت هي لأرض مطار القاهرة الدولي ..
وكأنهُ يغادر مقتلعًا قلبها منها وآخذهُ معهُ إلى حيث لا تعلم ..
تجمدت الدموع في عينيها وهي عالقة ببصرها على الطائرة .. لا تدري كم من الوقت مـر عليها وهي واقفة كذلك ولكنها شبه غائبة عن الوعي ..
فقدت الشعور بما حولها ، حتى أن آذانها لا تسمع أيضًا ..
جرت ساقيها المخدرتين ، وأستقلت سيارتها .. ومازالت تلك الرسالة بين كفيها تقرأها للمرة العاشرة ..
ولكن تلك المرة تقرأها بجمود شديد ، وكأنه ذهب ومعهُ شعورها ..
الكثير من الأتصالات التي تجاهلتها كُلها ، إلا إتصالًا واحدًا .. كانت الصدمة جليّة على وجهها عندما لمحت أسمهُ يُنير شاشة الهاتف '' ريـان '' .. فخفق قلبها وسرعان ما قامت بالرد عليه ، ليأتيها صوت أنثوي :
- آنسة كارمن ، أنا سكرتيرة مكتب ريان بيه .. معايا أمانة لحضرتك ولازم أسلمهالك
كارمن وقد تبدل حالها لليأس مرة أخرى : أمانة !!
- أيوة يافندم ، أنا دلوقتي في شركة KM ومنتظرة حضرتك
................................................................
_ كانت ممدة على الفراش .. لا حياه في جسدها ، تنظر بإتجاه النافذة المغطاه بستارة شفافة بيضاء .. وبرغم ذلك يظهر منها ضوء الشمس ..
حتى أستمعت لصوت قرعات على باب حجرتها ، نظرت للساعة أولًا ظنًا منها بإنه موعد دوائها .. ولكنها أكتشفت إنه مازال مبكرًا على ذلك ، فقالت بصوت مبحوح :
- أدخل
_ ظهرت باقة من الزهور الوردية والبيضاء .. أبدع من نسقها ، تنغض جبينها بذهول ، ومالبث أن ظهر بوجهه حتى تحول الذهول لصدمة ..
لقد حضر إليها أخيرًا عقب غياب أسبوعًا كاملًا ..
أعتدلت في جلستها وهي عالقة ببصرها عليه ، بينما أقترب هو عقب أن أغلق الباب .. وجلس على المقعد المجاور لها ليهمس :
- حمدالله على سلامتك
تاج وهي تخفض بصرها بخجل منهُ : الله يسلمك
_ مد لها يدهُ بباقة الزهور ، فـ ألتقطتها وهي تقول :
- شكرًا
_ ظل الصمت هو سيد الموقف ، كلاهما يعجز عن البدء بالحديث .. إلى أن خرجت هي من صمتها لتقول بإمتنان :
- ريان حكالي اللي عملتهُ عشاني ، ميرسي
كريم وقد أرتفع حاجبيه بإستغراب : ميرسي!
مش دي الكلمة اللي مستنيها منك بعد كل الغياب ده !!
تاج وهي تحول بصرها نحوهُ : مستني إيه !؟
_ خلل أصابعهُ بكفها وهو يتحسس ملمسهُ ، ثم نطق بصوت خالجهُ الحنين :
- مستني كلمة وحشتني .. زي ماانتي وحشتيني ، مثلًا يعني
تاج : .........
_ تفهم سر صمتها ، تستحي مما علمهُ بشأنها .. ولو إن ليس لها ذنبًا .. فـ أحتوى الموقف سريعًا وهو يعلن تمسكهُ بها ليقول :
- تعرفي إني خلاص خدت الأذن من ريان ، أقدر أتجوزك دلوقتي لو عايز
تاج وقد طفى على مبسمها بسمة ساخرة : نتجوز !
هو انت مش شايف اللي وصلتلهُ ؟ أنا مبقتش أليق بيك و...
كريم وهو يقاطعها بحزم : ششش .. شكلك هتبتدي تخرفي ! أنتي متعرفيش الفترة اللي فاتت عدت عليا إزاي وانتي مش جمبي
تاج وقد بدأت عيناها تلمعان بوميض متحسر : يعني لسه شايفني زي ماانا ؟ منزلتش من نظرك ؟
كريم بإبتسامة سعيدة : محصلش ومش هيحصل
_ مد يدهُ بداخل باقة الزهور يبحث عن شيئًا بداخلها .. فتابعتهُ بإهتمام شديد .. حتى خرج كفهُ وهو يطبق على قطعة كبيرة من الشيكولاتة .. فأتسعت عيناها وهي تردد :
- هــا ! شيكولاتة !
كريم ممازحًا إياها : تقريبًا هي ممنوعة عنك ، بس عادي طول عمري بخترق القواعد
_ أمسك بتلك الخصلة ليُعيدها لخلف أذنها ، ثم قال بنبرة وصلت لأذنيها سريعًا :
- أنا جمبك ، وهفضل على طول جمبك .. واثقة فيـا ؟
تاج وهي تهز رأسها بالإيجاب : أنت الوحيد اللي بقيت واثقك فيه دلوقتي
كريم : وانا مستحيل أهز الثقة دي ومكونش أدها .. هتقومي وتبقي أحسن من الأول ، صدقيني
_ وقف عن جلستهُ ، وأنحنى ليلمس جبهتها بشفتيهِ .. طابعًا قُبلة عميقة على رأسها .. ثم جلس على الفراش وهو يردد :
- أنا هنــا
_ طاقة إيجابية عظيمة أجتاحتها .. جعلت رغبتها في العلاج بأسرع وقت رغبة متوحشة ..
ليت ما حدث لم يحدث ، ولكنه ربما تدبيرًا من القدر ، ربما لم يُكتب لهم اللقاء إلا بتلك الطريقة .
...................................................................
_ مشت مباشرة نحو حجرة مكتبها ، أستوقفها المهندس '' رأفت '' ولكنها لم تصغى له .. وسارت في طريقها ،
فتحت باب الحجرة بإندفاع ، متلهفة لرؤية تلك الأمانة التي تحملها هذه السكرتيرة .. بينما خشت الأخيرة من ملامحها الغريبة تلك ووقفت وهي تحمل مظروفًا كبيرًا ..
مدتهُ لها وهي تقول :
- الظرف ده لحضرتك
_ ألتقطتهُ منها وراحت تجلس على مقعدها ، لتفتحهُ بتشنج حتى إنه كاد يتمزق ما يحويهِ ..
كشف الظرف عن مستندات عدة ، وأوراق كثر ..
راحت تتفحصهم بتدقيق ، لتزيد صدمتها أكثر وأكثر ..
أصبحت گالبلهاء التي لا تفهم ما يحدث حولها ، تهدجت أنفاسها وهي تتسائل :
- ده إيه ده !
السكرتيرة وهي تهز رأسها گتعبير عن عدم علمها : مش عارفة ، الظرف كان مقفول زي ماانتي شايفة
_ أبتلعت ريقها وقد شعرت بثقل شديد على صدرها .. وانحنى ظهرها للأمام وهي تهتف :
- مش فاهمة ، مبقتش فاهمة أي حاجة
_ ولج المهندس '' رأفت '' إليها يعتذر منها على تصرفهُ ..
ولكنه وجدها هائمة وسط هذه الأوراق ، تكاد تُحدث نفسها .. فأقترب ليقول وهو ناظرًا لأسفل :
- يابنتي أنا ....
كارمن بلهجة ساخرة وهي تقاطعهُ : وياترى كنت عارف ده كمان ؟
رأفت وقد أنعقد حاجبيه : هو إيه ده !
كارمن وقد سالت دمعة من جانب عينها : عقود بيع وشرا للشركات والقصر والعربية ، كُل حاجة .. باعلي كل حاجة
رأفت : ..........
كارمن : طب ليـه ، ليه يعمل كـدا ؟
وانا هعمل إيه في كل الحجات دي ؟
_ خطى نحو المكتب وتفحص الملفات المسنودة عليه ، فوجد وسطهم ورقة مكتوب أعلاها :
- أمـــــــانـــة ، حافظـي عليهـــا
_ تفهم '' رأفت '' مقصدهُ ، ربما قصد أن يضعها بين التحديات .. لتشق هي الطريق بمفردها ..
لقد آمن بقدرتها على إدارة شركات والدها الراحل ، فلما لا تُدير أملاك عائلتهُ أيضًا ..
ترك رأفت الورقة ، وقال بنبرة عميقة :
- سابلك كل حاجة أمانة
كارمن وهي تصيح بأعلى صوت لديها وكأن الصراخ هو حيلتها الوحيدة : أنا مش حمل أي أمانة ! مقدرش
رأفت : أنا فسرتلك ، وانتي يابنتي عليكي القرار .. عن أذنك
_ خرج مصطحبًا معهُ السكرتيرة ليتركها بمفردها .. تكاد تقتل نفسها من فرط البكاء ..
لم يدير ظهرهُ لها وتركها فحسب .. بل إنهُ أثقل عاتقها بعدد كبير من الهموم أيضًا ..
أستندت برأسها على سطح المكتب لتهمس :
- ملحقتش أعيش معاك ! ملحقتــش
_ شهقت شهقات متتالية ، ومازالت على وضعيتها .. إلى أن أستمعت لصوت يشبه العراك خارج حدود غرفة المكتب .. فـ أعتدلت سريعًا وراحت تمسح دموعها التي أغرقت وجهها لتدعي الثبات المزيف ..
فتفاجئت بهجوم مراد وإقتحامهُ لغرفة مكتبها ، وقد بدا وجهه محمرًا على أثر الإنفعال ..
يبدو وكأنه علم حديثًا بفعلة أخيهِ ، وجاء ليجعلها هي تنال النصيب من حسابهُ ..
خطى نحوها مندفعًا وهو يصيح :
- بقى طبختوها سوا ، هو يسافر ويسيبلك الجمل بما حمل .. وانتي تشيلي الجمل على كتافك لحد ما يرجع وتسلميه له .. وكل ده ليه ؟ عشان تدوني أنا على قفايا وأطلع من المولد بلا حمص .. ماهو كل حاجة بقت بأسم البرنسيس كارمن
_ تركتهُ يفيض بكُل ما لديه من مكنونات شرسة ، ثم أشارت للسكرتيرة وهي تقول برذانة :
- أطلعي انتي
_ أنتظرت حتى خروجها ، ثم قالت بصوت صادق :
- صدقني يامراد أنا معرفش أي حاجة من اللي حصلت وأتفاجئت بيها
مراد وهو يبرز أسنانهُ بضحكة متهكمة : بجـد ! تصدقي أقنعتيني !
كارمن وهي تعتدل في وقفتها لتبدو أكثر حزم : لأ أنا لسه مقدمتش ليك اللي يخليك تقتنع ..
المحامي بتاعي هيكون عندي بكرة وهعملك بيع بنصيبك بورق موثق في الشهر العقاري
مراد : .....
كارمن وهي تبتلع ريقها المُرّ لتتابع : وحتى نصيب تاج هبيعهُ ليها ، ومش هيتبقى غير نصيب ريان اللي هو في رقبتي ليوم الدين
_ تقريبًا لا يصدقها ، أو بالكاد لا يصدقها ..
ولكنهُ هدأ الآن وشعر ببعض الراحة ، مالهُ وحقوقه التي كان محروم منها سيحصل عليها الآن من كارمن ..
لا يدري سر فعلتها تلك ، ولكن الأهم إنها فعلت ..
صمت لثوانِ وتابع :
- أنا عندي إقتراح تاني ، بدل ما تبيعيلي نصيبي .. إشتريه
كارمن وقد ضاقت عيناها : مش فاهمة !
مراد : يعني أشتري نصيبي وأديني تمتهُ ، أنا مش هقعد في مصر
كارمن وقد حدقت عيناها بعدم تصديق : إيــه ؟ أنت كمان هتسافر ! طب.... طب متعرفش ريان سافر فين !؟
مراد بعدم إكتراث : ميهمنيش ومش عايز أعرف بعد الحركة البايخة بتاعتهُ دي ، المهم وافقتي ولا لأ
كارمن : وافقت
_ أطلقت تنهيدة حزينة وهي تطرق رأسها بإنكسار .. حقًا كسرها العشق .. لاحظ مراد حالتها هذه ، ولكنه لم يهتم ..
وفعليًا تمت الإجراءات وقامت هي بشراء نصيبهُ بمبلغًا باهظًا من المال ، حتى أن شقيقها أستغرب ذلك ولكنهُ لم يُعقب .. في حين رفضت تاج رفضًا قاطعًا أن تحصل على نصيبها ، على أمل أن يعود ريان مرة أخرى .. فيسترد أمانتهُ، كانت الأيام مملة وكئيبة ..
سوداء گ ليل مظلم ، لا تمر بسهولة ..
هل هذا هو جرحهُ لها ! هل يعاقبها ؟ أم إنهُ يرد إليها أفعالها ؟ لا تعلم ولا تستطع تحليل موقفهُ ..
كل ما تعلمهُ إنها ليست بخير من دونهُ ، وليست على ما يرام .
.......................................................................
_ في هذا الصباح الصيفي المنعش ، جلسن الفتيات يتبادلن الأحاديث .. في حين كانت هي في عالم آخر ،
نظرت حولها نظرات شمولية ، ثم عادت تنظر إليهم لتجد يسرا تحدثها بـ :
- بقالي ساعة بكلمك ياكوكي وانتي مش هنا خالص
كارمن وهي تنفض رأسها لتنتبه إليهم : sorry مش واخدة بالي يايسرا ، بتقولي إيه ؟
يسرا وهي تتأمل تعابير وجهها المكشوفة : بقول إن زينة هتتجوز وعزمتنا على كتب الكتاب خلاص
كارمن بإبتسامة ساخرة : ربنا يسعدها
نهال وهي تربت على كفها بحنو : لسه مفيش أي أخبار جديدة؟
كارمن وهي تتصنع عدم الفهم : خلاص هنستلم الوحدات السكنية آخر الشهر .. وبكدا يبقى المشروع إتنفذ خلاص
نهال : على فكرة إنتي فاهمة قصدي
كارمن وقد لمعت عيناها بوميض حزين : لأ مش فاهمة
_ رن هاتفها بأسم المحامي الخاص بها .. فقوست شفتيها وهي تلمس الهاتف لتُجيب :
- أيوة يامتر
- أزيك ياكارمن هانم ، أتمني تكوني فاكرة إن معاد النطق بالحكم في قضية طاهر النعماني الأسبوع ده
- أيوة أيوة فاكرة
- بس في خبر مش عارف هيكون تأثيره إيه عليكي
- قول قول يامتر ، بقى عادي والله
- أستاذ طاهر تعيشي إنتي
_ أعتدلت في جلستها على الفور ، وسيطرت المفاجأة على وجهها لتقول :
- لا إله إلا الله ، ده أمتى وإزاي؟
- النهاردة الصبح ، توفى بأزمة قلبية
_ أبعدت الهاتف عن أذنيها لتحدق أمامها بضيق ، بينما تسائلت يسرا بقلق :
- في إيه ياكارمن ؟
- كارمن وهي تضغط على جفنيها بقوة : أونكل طاهر توفى النهاردة الصبح
نهال وهي تجفل بصرها بضيق : إنا لله وإنا إليه راجعون !
يسرا : بس تعرفو إن كدا أحسن .. ده راجل كبير ومكنش هيستحمل بهدلة السجن ، يمكن ربنا رحمهُ بكدا
_ فركت كارمن وجهها بعنف وهي تقول :
- أنا السبب فإنه يموت مسجون ، حتى ريان مش هيحضر عزا باباه ولا دفنتهُ
_ إنزعجت يسرا كثيرًا من تحميل كارمن نفسها عبئ كل شئ ، حتى أصغر الأشياء تظن إنها المتسببة بها ..
فقالت بلهجة مرتفعة :
- كارمن ، إنتي ملكيش ذنب ولا حاجة .. الراجل ده قتل باباكي ، كنتي هتبقى مرتاحة يعني لو مكنش القانون خد مجراه !
كارمن : .......
يسرا عقب أن أطلقت زفيرًا محتنقًا : حببتي بطلي تشيلي نفسك كل حاجة ، إنتي بشر وليكي طاقة
_ تفاجئن بإنضمام زينة المفاجئ لهم .. فـ أمتعضت كارمن وهي تستعد للرحيل قائلة :
- طب عن أذنكم أنا ، عندي شغل مهم في الشركة
زينة وهي تستوقفها بإمساك رسغها : كارمن ، أنا جاية عشانك النهاردة بعد ما عرفت مكانك من كريم
نهال وهي تغمز بنصف عين لـ يسرا : طب بينا ياايسو نروح نشوف حجز شرم الشيخ فتح ولا لسه
_ نهضتا ليتركن لهن مساحة من الخصوصية ، بينما أشاحت كارمن بوجهها في إتجاه آخر وهي تقول :
- خير يازينة ؟
- أنا عارفة إنك زعلانة بسبب آخر مرة جيتلك فيها الشركة ، بس صدقيني أنا بحبك من قبل حتى ما تعرفي ريان
كارمن بإستخفاف واضح : عشان كدا حاولتي تبعديني عن الإنسان الوحيد اللي حبيتهُ عشان تقربي انتي .. ونعم الحب
زينة وهي تخفض بصرها بحرج : أنا جيالك عشان كدا .. أنا عمري ما حبيت ريان ، حتى لما عرفت إنه ساب مصر متأثرتش بحاجة
_ بدأت كارمن تصغي إليها بتركيز ، وأولتها بصرها .. لتتابع زينة :
- أنا حبيت حُبه ليكي ، كان نفسي حد يحبني ربع ماهو بيحبك .. إحساسي بالنقص خلاني دايما ببص على اللي في إيدك ، انما أنا !
أنا كنت بدور على حاجة تانية وانا مش حاسة ، وأول ما لقيت الحاجة دي نسيت ريان .. أنا خلاص هتجوز
كارمن : مبروك
زينة : أكيد متعرفيش إن مراد أخو ريان هو العريس
_ جحظت عيني كارمن بشدة حتى كادت تخرجا عن محجريهما .. بينما أبتسمت زينة وتابعت :
- ليكي حق تستغربي ، أنا نفسي مكنتش مصدقة .. لما مراد أعترفلي إنه بيحبني بقالهُ كتير أوي لكن مجتش ليه الشجاعة يكلمني .. حسيت إني حد ليه قيمة ، إحساس إنك شخص مرغوب فيه وفي حد بيحبك إحساس جميل أوي .. من كتر حبهُ ليا أنا كمان أتعلقت بيه ، لقيت فيه اللي يكملني .. حاولت أدور على ريان عشان أشكرهُ لأن هو اللي جمعنا لكن عرفت إنه سافر وباعلك كل حاجة
_ وكأنها ضغطت على جرحها الحديث ليزيد نزيفهُ .. تألم قلبها ولكنها تواري ، بينما تابعت زينة :
- هيرجع أنا متأكدة ، اللي يحب بالشكل ده عمره ما يفارق إلا إذا كان مجروح بجد ، ريان أختفى عشان يعالج جروحهُ ياكارمن .. أوعي يوم تفرطي في حبك ليه
كارمن وهي تكبح دمعة كادت تفر من عيناها : شكرًا يازينة
_ نهضت لتحتضنها .. عانقتها عناق أخوي عميق ، ثم أبتعدت لتقول :
- كتب الكتاب أتأجل عشان وفاة بابا مراد ، لكن لما يتحدد هعزمك .. عشان هنتجوز ونسافر على طول
كارمن : ألف ألف مبروك يازينة ، ربنا يسعدك
زينة وهي تضغط على كفها : وهيسعدك إنتي كمان
_ همست بين ضلوعها في الخفاء لتقول :
- متى ، متى يعود السارق لأسترد روحي التي سرقها منهُ !
........................................................................
_ حول هذه الطاولة البيضاوية الشكل .. والمكتظة بقوالب الحلوى والكعك الشهي .. وكل ما لذ وطاب من الحلويات والمشروبات ، ألتف أصدقاء وصديقات كارمن للإحتفال بعيد مولدها ..
بينما وقفت هي في المنتصف لتطفئ الشموع المضيئة في كعكة عيد الميلاد .. ثم أنتصبت في وقفتها لتشتعل الإضاءة وتبدأ بتلقي التهنئة بمناسبة عيد ميلادها الـ الثامن والعشرين ..
الكُل سعيد لأجلها ، إلا هي .. تتألم من أعماق قلبها،
وما أن أنصرف عنها هذا الحشد حتى أبتعدت عنهم لتكون وحيدة خارج بهو القصر ..
وقفت تنظر للبوابات بحنين حار ، وشوق جارف .. لو أن شوقها تفرق على العاشقين لأهلكهم إشتياقًا ..
تنتظر حضورهُ بفارغ الصبر ، ولكنه گالعادة لن يأتي ، حتى بدأت تحدث نفسها وقلبها يدمع بدلًا من عيناها :
- ألن تعود ! لقد مر عامين منذ رحيلك عني ..
ألم يحن الوقت لتشتاق إليّ وتعود ياسارق الروح والفرحة ، ياسارق الإبتسامة ..
بات كُل شئ عديم اللون والرائحة ، حتى إني أرى الناس بوجه واحد .. وجهــك ، وكأنك أقسمت على تعذيبي ..
عامين كاملين أتحدث إليك مساءًا وأنت لا تشعر ، ألا يكفي ذلك لـ تعــود!
ألـــن تعود ! .....
_ أنتفضت كارمن بفزع جراء وضع تاج لكفها على كتفها ، لتقول :
- أهدي ياكارمن دي أنا
كارمن وهي تتنفس بمعدل سريع : معلش كنت سرحانة
_ أخفضت كارمن بصرها نحو بطن تاج المنتفخ ، ثم أبتسمت وهي تتسائل :
- لسه الأستاذ مقررش ييجي الدنيا بقا؟
تاج وهي تتحسس بطنها ذي التسعة أشعر : هيعملها خلاص أسبوع ولا أتنين الدكتور قالي كـدا
_ ثم تبدلت ملامحها لملامح طفولية وهي تقول :
- وأخوكي شغال تريقة عليا ، في الرايحة والجاية مش سايبني
كارمن وقد أنفجرت ضحكًا : ليه حق ، اللي يشوفك يقول هتجيبي تؤام .. مش ممكن الحجم ده بيبي واحد بس!
تاج وقد ضاقت عينيها بضجر : تمام تمام ، أتريقي عليا كمان .. أنا أصلًا مش هخلي حد فيكم يشيلهُ ، بعينكم
_ أنضمت يسرا إليهم متأهبة للرحيل ، وبدا عليها إنها متعجلة .. لتقول :
- هستناكو بعد بكرة في الفرح بتاعي يابنات ، أوعو تتأخرو كارمن وهي تحتضنها بفرحة : ألف ألف مبروك يايسرا ، ربنا يتمم بخير يارب .. وهاجي بدري متقلقيش
_ ودعتهم وانصرفت .. بينما ظلت تاج تؤنس كارمن بمزاحها اللطيف ، علها تهون عليها .. فهي تعلم جيدًا ماذا أصابها ، وسر حزنها الذي لا يفارقها .
........................................................................
_ وقفت كارمن أمام المرآه ، تصفف شعرها بشكل أنيق يتناسب مع فستانها السُكري الرقيق ( أوفوايت ) ..
ثم وضعت قرطًا ماسيًا تدلى برقة نحو نحرها المُزين بقلادة ريان ..
وأخيرًا ضبطت أحمر الشفاه ، ووقفت تنظر لهيئتها بالكامل .. فبدت گالأميرة في ثوبها الهادئ ..
أبتسمت برضا ، ولكن سرعان ما أختفت إبتسامتها .. وحل محلها الحزن ، عندما لمحت جرح يدها التي أحترقت منذ أكثر من عامين كاملين ..
ودت لو إنها أحترقت في هذا اليوم ، سيكون أهون بكثير مما تعيشهُ الآن ..
تحسست موضع الحرق وهمست :
- حاجة من حجات أتبقت ليا منك ! حتى لو كان جـرح
_ تنهدت وهي تجفل بصرها ، وتردد داخلها سؤال تسمعه أصداءهُ منذ عامين :
- ألم تكتفي فراقًا ألــــن تعــــود ..؟! .............................................
.....................................................................
