رواية قلب السلطة الفصل السادس والاربعون 46 بقلم مروة البطراوي


 رواية قلب السلطة الفصل السادس والاربعون 

بخطوات واثقة وجسدٍ يفيض بالزهو، سحبها "شامل" خلفه ليغادروا المكان، لكن بمجرد أن وطأت أقدامهما رصيف الشارع البارد، أفلتت "يقين" يدها من قبضته بحدة، ووقفت تواجهه بوقفتها الشامخة التي لم ينل منها ثوب الحرير الرقيق.

همست له بصوتٍ منخفضٍ يقطر حزماً رغم رقته، وكأنها تضع النقاط على الحروف قبل فوات الأوان: – "تعرف إن المكان ده مش ملعبك يا شامل... وأنا مش الست اللي تقدر تتحكم فيها بكلمة، ولا اللي تتهز بكلمتين غزل لمجرد إنك حسيت بغيرتك التافهة"

ابتسم شامل ابتسامة جانبية واثقة، وعيناه لا تزالان مسحورتين بمظهرها، وقال بنبرة رجولية هادئة: – "وأنا عارف كده كويس يا كوكي، بس ساعات الواحد بيحتاج يذكّر اللي حواليه مين الراجل، ومين اللي ليه الكلمة الأولى والأخيرة."

ابتعدت عنه خطوة، رتبت هندام ثوبها الأحمر وهي ترسم على وجهها ابتسامة خفيفة تحمل تحذيراً مبطناً: – "يا عم، خلي بالك من دماغك وطموحك ده قبل ما تخسر اللي حواليك... وقبل ما تخسرني أنا كمان."

لم يمهله القدر فرصة للرد، إذ اخترق عتمة الشارع ضوءٌ قوي ومفاجئ، كسر حدة الحوار بينهما. كانت سيارة "رائد" تقترب ببطءٍ حذر من باب السنتر، وكأنها وحشٌ يزحف في ليل القاهرة، يسلط أنواره الكاشفة ليفضح كل التفاصيل.

تصلب جسد شامل متأهباً، بينما حبست يقين أنفاسها وهي تشعر ببرودة الليل تتسلل لكتفيها العاريين. حاولت رسم الثبات على وجهها المزين بعناية، مستعدة لمواجهة أخيها، ومواجهة ما قد يأتي به هذا الليل من مفاجآت لم تكن أبداً في الحسبان.

توقفت السيارة تماماً.. سكن المحرك، وبقي رائد خلف المقود وبجانبه ليلى، يراقبون في صمت مشهد "يقين" و"شامل" الواقفين في المواجهة أمام بوابة السنتر.

بقلم: مروة البطراوي 💜
قلب السلطة  💜
ساد صمتٌ ثقيل، لم يقطعه سوى طنين أذني "يقين" التي شعرت فجأة بأن ثوبها الأحمر، الذي كان منذ لحظات مصدر فخرها، أصبح الآن كجمرة تحرق جلدها تحت نظرات "رائد" الصارمة.

داخل السيارة، كانت "ليلى" تشعر بذهولٍ شلّ حركتها؛ لم تكن تتوقع أن ترى يقين بهذه الصورة "المتحررة" والملفتة، والأدهى من ذلك، وقوفها الحميمي مع "شامل" في هذا الوقت المتأخر.

فتح "رائد" باب السيارة ببطء شديد، حركة تحمل من الوعيد أكثر مما تحمل من التحية. ترجل من خلف المقود، وأغلق الباب خلفه بصوتٍ دوّى في هدوء الشارع كطلقة رصاص. لم ينظر لشامل في البداية، بل كانت عيناه كالسهم المصوب نحو شقيقته.

اقترب بخطوات واثقة وهادئة "هدوء ما قبل العاصفة"، وتوقف على بُعد متر واحد منهما، ثم أطلق ضحكة قصيرة ساخرة وهو يمرر نظره على فستانها: – "والله برافو... 
حاول "شامل" التدخل لامتصاص الغضب الواضح في نبرة رائد، فتقدم خطوة للأمام قائلاً بصوت حاول جعله طبيعياً: – "منور يا رائد... إحنا كنا لسه هنكلمك، يقين تعبت شوية والسنتر كان..."

قاطعه "رائد" بإشارة حادة من يده دون أن يلتفت إليه، وظل تركيزه كاملاً على يقين التي حاولت استجماع شتات قوتها، ورفعت رأسها بتحدٍّ مشوب بالارتباك: – "رائد، مفيش داعي للنبرة دي. أنا كنت في السنتر وشامل جه و ده لبس عادى ، ومفتكرش إني عملت جريمة"

في هذه الأثناء، نزلت "ليلى" من السيارة، كانت نظراتها تتأرجح بين الإعجاب الخفي بأناقة يقين وبين الخوف من رد فعل رائد. اقتربت منهما بحذر وهي تحاول تلطيف الأجواء: – "حصل خير يا رائد، يمكن يقين فعلاً كانت حابة تغير طريقة لبسها ..."

التفت رائد نحو ليلى بنظرة جعلتها تصمت فوراً، ثم عاد ليقين، وقال بصوت منخفض ومنذر: – "تغير ؟ باللبس ده؟ وفي الشارع مع شامل؟"

ساد توتر رهيب، وشامل بدأت ملامحه تتغير، فلم يعد يحتمل نظرة الاستصغار التي يعامله بها رائد، فقبض على كفه وقال بلهجة بدأت تفقد دبلوماسيتها: – "رائد.. بلاش ندخل في تفاصيل ملهاش لازمة قدام الناس في الشارع. يقين معايا، وأنا مش غريب"

هنا، التفت رائد لشامل بالكامل، وارتسمت على وجهه ابتسامة باردة مرعبة: – "عارف إنك مش غريب يا شامل... وعشان كدة حسابك أنت بالذات هيكون تقيل، بس مش هنا."

ثم عاد ليوجه حديثه ليقين بصرامة لا تقبل النقاش: – "اركبي العربية يا يقين... فوراً."

وقفت يقين للحظة، نظرت لشامل الذي كان ينتظر منها أن تتمسك بوجوده، ثم نظرت لليلى التي كانت تراقب المشهد بخوف، وأخيراً نظرت لأخيها الذي بدا وكأنه على وشك الانفجار.
قلب السلطة بقلمي مروه البطراوى 💜 💜 💜 💜 
اشتعلت الشرارة في عيني "يقين"؛ فطلبات رائد الآمرة دائماً ما كانت توقظ داخلها غول التمرد. نظرت إلى يد شامل التي كانت لا تزال قريبة منها، ثم إلى رائد الذي يقف كالسجان.

بكل كبرياء، لم تتحرك نحو سيارة رائد، بل أحكمت قبضتها على حقيبتها الصغيرة وقالت ببرود قتّال: – "أنا جيت هنا مع شامل، وهروح مع شامل يا رائد. واللبس اللي مش عاجبك ده، أنا اللي لابساه مش أنت."

ساد صمتٌ مخيف، لدرجة أن "ليلى" تراجعت خطوة للخلف وهي تضع يدها على قلبها. أما "رائد"، فقد استقرت نظراته على شامل وقال بنبرة هادئة جداً، وهذا هو النوع الأخطر من غضبه: – "سمعت يا شامل؟ الهانم عايزة تروح معاك.. تفتكر لو سبتها تمشي معاك دلوقتي، هتقدر تحميها مني بعدين؟"

تقدم "شامل" خطوة، واضعاً نفسه كحائل بين رائد ويقين، وارتسمت على وجهه ابتسامة التحدي التي يعشقها: – "يقين مش محتاجة حماية منك يا رائد، هي محتاجة احترام لقرارها. وزي ما قالتلك.. هي معايا."

في تلك اللحظة، تحرك رائد بسرعة لم يتوقعها أحد، وجذب "يقين" من ذراعها بقوة أدت لصرخة مكتومة منها، لكن "شامل" لم يقف متفرجاً، بل قبض على رسغ رائد ليمنعه.

– "سيب إيدها يا رائد!" صاح شامل بصوتٍ هزَّ أرجاء المكان.

تدخلت "ليلى" وهي تبكي تقريباً من شدة التوتر: – "عشان خاطري يا رائد سيبها! يا شامل ابعد عنه دلوقتي الدنيا هتخرب!"

التفتت يقين لرائد، وعيناها تلمعان بدموع القهر والغضب، وقالت بصوت مخنوق: – "أنت فاكر إنك بكده بتفرض سلطتك؟ أنت بتهد كل حاجة يا رائد.. بتهدني أنا"

رائد، وهو لا يزال قابضاً على ذراعها، نظر لشامل باحتقار وقال: – "السلطة اللي أنت بتحلم تشم ريحتها يا شامل، أنا اللي بصنعها. ويقين مش مجرد ست بتعاكسها وتتمنظر بيها.. يقين خط أحمر، والظاهر إنك نسيت نفسك."

دفع رائد "يقين" برفق تجاه باب سيارته المفتوح، ثم التفت لشامل تماماً وصدره يعلو ويهبط: – "لو شوفتك قريب منها تاني قبل ما الحساب اللي بيننا يتصفى.. مش هلوم غير نفسي على اللي هعمله فيك."

ركبت "يقين" السيارة وهي ترتجف، ليس خوفاً، بل من فرط الإهانة أمام "ليلى" وأمام الرجل الذي ظنت أنه سيخلصها من تحكمات أخيها. انطلقت السيارة بجنون، مخلفةً وراءها "شامل" واقفاً في منتصف الطريق، يشعل سيجارة ببرود مصطنع، لكن نيران الغل في قلبه كانت تحرق الأخضر واليابس.

داخل السيارة، كان الصمت أشد من صوت المحرك. "رائد" يقود بيد واحدة وعيناه على الطريق بجمود، و"ليلى" في الخلف تحاول تجنب النظر ليقين التي كانت تنظر من النافذة، ودمعة وحيدة شقت طريقها فوق طلاء وجهها الناري.

قالت "يقين" فجأة بصوت كالهمس، لكنه وصل لرائد بوضوح: – "اللي عملته ده.. هتدفع تمنه غالي أوي يا رائد. والمرة دي، ليلى مش هي اللي هتصالحنا."

لم يرد رائد، بل زاد من سرعة السيارة، وكأنه يهرب من الحقيقة التي بدأت تتضح: أن "قلب السلطة" بدأ يتآكل من الداخل.
قلب السلطة بقلمي مروة البطراوي💜

بعد تلك الليلة المشحونة أمام السنتر، لم يتجه رائد بالسيارة إلى منزله، بل قاد بجنون نحو بيت أهل "ليلى". كان الصمت داخل السيارة مرعباً، يقين تبكي في صمت، وليلى تعتصر حقيبتها  بيد ترتجف. وبمجرد أن توقفت السيارة بعنف أمام منزل والدتها، نطق رائد بكلمة واحدة جهيرة: – "انزلي"

نزلت ليلى وهي تجر آلامها، وما إن أُغلق باب السيارة خلفها حتى انطلقت السيارة مجدداً تاركة إياها في مواجهة ذكرياتها البائسة.

برمت مقبض الباب بقوة، فدوّت الأصوات في أرجاء المنزل، ثم علت نبرة صراخ "نيفين" مشدوهة، وهي تحدق في ابنتها "ليلى" واقفةً أمامها بملابسها التي شهدت على انكسارها وعينين ذابلتين، غير مصدقة: – "
– "ليلى! إنتي جيتي هنا إزاي؟ وفين جوزك؟!" صرخت نيفين وهي تتقدم نحوها بذعر.

جحظت عينا "نيفين" بصدمةٍ عميقة وهي تتأمل حالة ابنتها؛ لم تكن ليلى "ابنتها " التي تعرفها ، بل كانت كمن خرجت من حربٍ خاسرة. ارتجفت نيفين وقالت بقلقٍ وحيرة: – "إيه المنظر ده يا بنتي؟ ردي عليا! إيه اللي وصلك للحالة دي؟"

لكن "ليلى" تجاهلت كل تساؤلات أمها، تماماً كما تجاهلتها في الغرفة قبل ذلك حين كانت يقين تراقبها. انتظرت أن تنتهي نيفين من صدمتها، ثم مرّت بجانبها إلى الداخل بهدوءٍ وصمتٍ قاتل، وكأنها جسد بلا روح.

تصرفها استفزّ أمها بشدة، فلاحقتها وهي تهدر بغضبٍ خائف: – "إنتي يا بنت! أنا بكلمك، قفي وردّي عليا إإيه اللي حصل بينك وبين رائد يخليكي ترجعي في نص الليل بالمنظر ده؟"

في تلك اللحظة، استدارت "ليلى" كالعاصفة، وانفجرت بغضبٍ شديدٍ مزق كل الأقنعة: – "سبيني في حالي يا أمي لو سمحتي، اسكتي وماتتكلميش معايا نهائي أنا مش قادرة أتكلم أو حتى أسمع حاجة ارحموني بقى، وسيبوني في حالي شوية... عايزين مني إيه تاني؟"

ارتفع صوتها بشرخٍ يشبه انكسار زجاج: – "مطلوب مني أعمل إيه عشان ترضوا كلكم وتبقوا مبسوطين؟! أنا خلاص خلصت. ماعادش فيا نفس . لو كملتوا عليا مش هلاحق أعيش لأبني... أبني، الحاجة الوحيدة إللي فضلت لي بعد ما الكل اتخلى عني وبص لمصلحته بس"

ثم نطقت بمرارةٍ تخترق القلب، وهي تواجه الحقيقة التي أخفتها نيفين وراء "كلمات رائد الحنونة": – "أنا كنت فاكرة نفسي بنت قوية تسد في أي حاجة وتفوت في الحديد، بس بسبكم اكتشفت أد إيه أنا تافهة قدّام المواجهات الحقيقية، وإن مهما قاومت، هيجي اللي يكسر مناخيري ويجبني الأرض، ومحدش هيسأل عليا."

اقتربت من أمها بوجعٍ ظاهر وأكملت بشراسة: – "عايزة تعرفي أنا مالي؟ رائد باشا اللي غصبوني كلكم على الجواز منه، مش بس كان مستعد يضربني بالنار أو يعذبني، لأ، ده هددني بحياة عيلتي كلها لو حاولت أعصاه. دي الأسرار اللي كان حابسني عشانها، واللي خلى يقين تراقبني في أوضتي عشان ما أقولهاش ليكي"

تنهدت، وأصوات الألم تجري في صدرها، ثم تابعت: – "استعبدني، ذلني، أهاني... كل ده مش مهم دلوقتي، لو فعلاً هيخرج من حياتي للأبد. أنا مشيت، وسبتله كل حاجة... مش هحاول أقف قدامه تاني، ولا إنتوا كمان ليكم حاجة عندي بعد النهاردة."

نظرت "ليلى" إلى أمها بعينين صارختين، وصدرها يعلو ويهبط، بينما تعابير "نيفين" كانت تتراوح بين التيه والذهول، ثم الإدراك التام؛ لقد فهمت الآن أن "الأمان" الذي وعد به رائد كان سجناً لروح ابنتها.

ابتسمت "ليلى" بسخريةٍ مرةٍ وهي ترى الصدمة الحقيقية على وجه والدتها، ثم قالت بصرامةٍ تهكمية: – "أنصحك، لوجه الله، إوعي تقربي منه. مهما كنتي واثقة من نفسك، هترجعي خسرانة. هو هيبعت لي ورقة طلاقي، وأنا مش عايزة منه أكتر من كده"

ألقت عليها نظرة أخيرة، ثم التفتت متجهةً إلى غرفتها، تاركةً خلفها أماً لم تجد ما تدافع به عن نفسها، وصمتًا ثقيلاً بدأ ينهش في جدران ذلك البيت الذي بُني على أنقاض سعادة ليلى.
قلب السلطة بقلمي مروه البطراوى 💜 💜 💜 
في غرفتها، أغلقت "ليلى" الباب خلفها؛ وكأنها تغلقه في وجه العالم بأسره. ، ثم هوت بجسدها المنهك فوق السرير. تنهدت بعمق، زفيرٌ طويل حاولت به إطفاء نيران الغضب والحزن التي كانت يلتهم صدرها، لكن الدخان كان يملأ روحها.

نظرت إلى جدران غرفتها المشروحه  لكنها لم تكن شيئًا أمام ذلك الشرخ الذي أصاب قلبها. ألم الخذلان الذي تجاوز حدود الجلد واللحم ليستقر في أعمق نقطة بداخلها.

فجأة، قطع صمت الغرفة رنين هاتفها فوق الطاولة.. كان اسم "نيرفانا" يلمع على الشاشة. صوت نلميذتها  الرقيقة، التي  كان يومًا ملاذها، بدا اليوم قادمًا من مجرة أخرى، بعيدًا جدًا خلف ضباب التعب والوجع.

أغمضت "ليلى" عينيها بقوة، و قررت عدم الرد  وقبضت على غطاء السرير حتى ابیضت مفاصل يدها، وهمست لنفسها بصوتٍ مخنوق لكنه صلب: "مهما حصل ... هعيش، وهكافح... عشان ابني ... وعشان نفسي."

ومع الكلمة الأخيرة، تسللت دمعة هادئة، غسلت في طريقها غبار الانكسار.. لم تكن دمعة ضعف، بل كانت إعلان تحدٍّ صامت في وجه كل العواصف التي تحاول اقتلاعها.
قلب السلطة بقلمي مروه البطراوى 💜 
في أعماقٍ بعيدة، في الزاوية السحيقة من قلبه، كانت تجلس امرأة منكمشة على نفسها داخل قارب موحش، تغرق في دموعها التي تتساقط كأنها تنزف روحها لا عينيها.
كان رائد يدرك يقينًا أنها تبكي… بل كان يسمع بكاءها بوضوح، كأنه صدى يطرق جدران صدره بلا رحمة.
عندها استقر غضب صارم في عينيه، غضب لا يعرف الارتجاف ولا يقبل التراجع. غشّت ملامحه سحابة قاتمة كسواد الليل، فأطبق أجفانه عليها، كمن يدفن سرًّا حيًا في قبر مظلم.
مد يده في هدوء قاتل، وأمسك بمسدسه؛ ذاك الذي صار امتدادًا لروحه الملطخة بالدم والندم. ، وغادر من  أمام منزل والدتها، كعادته… لا يرحل إلا بعدما يترك خلفه عاصفة من الأسئلة والخوف والتهديد الصامت.
كانت الأم تقف خلف النافذة، تراقب المشهد بذهول ثقيل، وضعت يدها على قلبها وتمتمت بصوت مرتجف: ــ يا ساتر يا رب… الولد ده ماشي في سكة سودا، لا رحمة فيها ولا رجوع.
ومن الداخل، خرج صوت خافت، صوت الابنة التي كانت تبكي منذ لحظات، متقطعًا بين شهقة وأخرى: ــ ماما… هو مش هيبطل كده؟ لحد إمتى هيفضل شايل الدنيا كلها غضب وسلاح؟
التفتت الأم إليها، وعيناها دامعتان، كمن يرى مصيرًا يقترب ولا يملك له دفعًا، وقالت: ــ يا بنتي، رائد … الدنيا مسحت من قلبه الطيبة، وبقى قاسي كالحجر، وماشي في طريق محدش يقدر يوقفه فيه.
لكن الابنة، وهي ترتجف بين يديها، صاحت فجأة بنبرة  مكلومة: ــ بس أنا شايفاه! شايفاه   وحش .
ساد صمت قصير، ثم همست الأم بحرقة: ــ يمكن كلامك صح… بس الوحش الحقيقي هو اللي جوه قلبه، اللي بيطارده وبيكبّله، وده اللي أنا خايفة منه.
في الخارج، كان رائد في  سيارته السوداء، الواقفة كظل ثقيل أمام المنزل. ألقى نظرة أخيرة نحو النافذة، لمح الطيف المنكسر خلف الزجاج، فتمتم بصوت مبحوح بالكاد يُسمع: ــ أنا سامع بكاكي… بس ما قدرتش أوقف الدم اللي جوايا… ما قدرتش.
جلس خلف المقود، وأدار المحرك الذي زمجر كوحش غاضب.
وقبل أن ينطلق، رفع المسدس أمام عينيه، تأمل برودة معدنه اللامع، وقال في مرارة: ــ إمتى هتسكت اللي جوايا يا رائد؟ إمتى؟
وانطلقت السيارة، تاركة خلفها غبارًا كثيفًا، يمتزج بدموع نسوة في بيت يئن بالصمت والخوف.
قلب السلطة بقلمي مروه البطراوى 💜 💜 💜 💜 💜 💜 💜 
بعد أن ترك رائد صديقه "شامل" يحترق غيظاً في منتصف الطريق، وبعد أن ألقى بـ "ليلى" أمام منزل أهلها بكلمته القاطعة "انزلي"، لم تنتهِ الليلة.

ساعتان فقط.. كانت كفيلة بأن يعود رائد لجمع خيوطه. لم يكن رائد ليسمح لليلة انتصاره أن تتم دون "شهود". عاد بسيارته، واستلم شامل من الطريق بعد أن بردت نيران غضبه وحلت محلها حيرة قاتلة.

الآن، داخل السيارة مرة أخرى، ولكن هذه المرة شامل هو من يجلس بجانبه، ويقين (التي لم يتركها رائد أصلاً) تقبع في الخلف 

ساد الصمت، صمتٌ مريب قطعه رائد بصفيره الرتيب المستفز، وكأنه يمحو أحداث السنتر ببروده. لم يحتمل شامل هذا المشهد السريالي، فقال بصوتٍ متململ وثقلٍ واضح: — "أنا مش عارف إنت مالك النهاردة رائد.. شوية كمان وهتخرجني عن شعوري!"

توقف رائد عن صفيره، والتفت إلى صديقه بدهشةٍ مصطنعة كأنه نسى أنه تركه في الشارع منذ قليل: — "إيه يا شامل؟ حد كلمك؟"

انفجر شامل بغضبٍ مكتوم، وهو لا يصدق هذا الجبروت: — "إنت بتستعبطني يا رائد؟ هو إيه اللي حد كلمك؟! هتعصبني زيادة ببرودك ده! إحنا رايحين فين؟"

ابتسم رائد ابتسامة غامضة، وقال بثقة: — "رايحين حفلة... حفلة مهمة أوي، لازم تحضرها معايا أنت ويقين."

هنا تدخلت يقين، بصوتها المبحوح من أثر البكاء، تحاول استعادة عقلانية الموقف وتسأل عن الشخص الغائب الوحيد الذي قد يلطف الأجواء: — "طيب، فين نيرفانا يا رائد؟ ما جبتهاش معانا ليه؟ مدام بتقول حفلة"

ردّ رائد بهدوءٍ معبر وهو يراقبها في المرآة، نظرة تقول الكثير عما يخطط له: — "نيرفانا مش فاضية اليومين دول يا يقين... عندها امتحانات."

ثم وجه نظره لشامل الذي كرر سؤاله بضيق: "حفلة مين دي؟". فجاء رد رائد كطلقةٍ أخيرة: — "حفلتي... حفلتي أنا يا شامل!"
قلب السلطة بقلمي مروه البطراوى 💜 💜 💜 💜 
بعد أن أجبرهم رائد على العودة لمداره، وبعد كلمات "يقين" المسمومة وطرده لـ "ليلى"  ساد صمتٌ لحظيٌّ ثقيل، صمتُ مَن استسلم لجلاده. ثم، وبشكلٍ غير متوقع، انفجر "شامل" ضاحكاً، ضحكةً حملت نبرةً هستيرية مستغربة، وكأنه يضحك من فرط العبث: — "والله يا رائد، ما كنتش متوقع منك كده حفلة ليك؟ دا انت متحول بجد"

لم تكن ضحكة شامل إعجاباً، بل كانت ذهولاً من قدرة رائد على تجاوز ما حدث أمام السنتر وكأنه لم يكن. ابتسم "رائد" وهو يدير مقود السيارة بهدوءٍ مخيف، وعيناه تلمعان بمكرٍ انتصر للتو: — "متحول؟ لا يا صاحبي... أنا دايمًا كنت هنا... بس اللي اتغيروا هما الناس حواليا."

أما "يقين"، فقد مسحت بقايا دموعها خلف طلاء وجهها الناري، ونظرت إلى رائد بابتسامةٍ غريبة؛ مزيجٍ من الفخر الجريح والفضول القاتل، وكأنها قررت أن تشهد معه للنهاية ما بدأه من دمار: — "يلا بينا نشوف الدنيا هتقول علينا إيه في حفلتك."

وانطلقت السيارة تشق الطرق المضاءة، بينما كانت القلوب داخلها تلهث، لا من الفرح، بل من الترقب والتوجس.  في الخلف يقين تترقب، وشامل يضحك بمرارة.. في ليلةٍ أيقن الجميع أنها لن تغير مجرى حياتهم فحسب، بل قد تقتلع "قلب السلطة" من جذوره.
قلب السلطة بقلمي مروه البطراوى 💜 
انطلقت السيارة تشق الطرق المضاءة، رائد في الأمام يبتسم للمجهول، وشامل ويقين في الخلف يغرقان في بحر من التساؤلات. لم يكن الطريق طويلاً، لكنه كان ثقيلاً بانتظار اللحظة التي سيفصح فيها رائد عن سرّه.
توقفت السيارة أمام بوابة قصرٍ تاريخي، غمرته الأضواء الكاشفة حتى صار كقطعة من الماس وسط ظلام الليل. نزل رائد ببرود، وأشار إليهما بالدخول وهو يقول بنبرة لا تقبل الجدل: — "ادخلوا استنوني في القاعة الرئيسية.. أنا عندي ترتيبات أخيرة لازم أشرف عليها بنفسي."
تركهم رائد في مهب ذهولهم، واتجه بخطوات واسعة نحو الجناح العلوي للقصر. كان يشعر بثقل المسدس في جيبه الداخلي تحت سترة بذلته الفاخرة، صراعٌ خفي بين "رائد القاتل" و"رائد الأب". صعد السلم الرخامي، وفي كل خطوة كان يخلع قناعاً ليرتدي آخر.
بمجرد أن اقترب من باب الجناح الذهبي، كانت الأصوات المرتفعة بالداخل تنبئ ببركانٍ من التوتر. وفي تلك اللحظة، ومن خلف الباب المغلق، كانت نيرفانا قد فقدت صبرها تماماً..

صاحت بتوبيخٍ حاد، والغلظة تقطر من نبرتها:
ــ يا غبية! في حد يتصرف بالهمجية دي؟
أجفلت الفتاة العشرينية، وارتبك صوتها وهي تتلعثم بالاعتذار، محنية الرأس كطفلة أُمسكت بالجرم:
ــ آ… أنا آسفة يا مس نيرفانا… كنت بقفلك السوستة غصب عني، كانت معلّقة.
زفرت "نيرفانا" بحدة، والحنق يتأجج في أنفاسها، ثم أدارت وجهها نحو المساعدة الأخرى، ترمقها بصرامة متسائلة بفظاظة:
ــ خلصتي إنتي كمان ولا لسه؟
ردّت الأخيرة وهي تضبط بعناية وضع تاج الماس المتلألئ فوق رأس العروس، محاولة إخفاء ارتجاف يديها:
ــ خلصنا خلاص… يا عروسة، ما شاء الله، زي القمر.
ثم التفتت إلى زميلتها الثالثة، وصاحت آمرة:
ــ هاتيلي الـ… يا هايدي.
وفي تلك اللحظة، دوّى طرق خفيف على باب الغرفة. ارتسم العبوس على وجه "نيرفانا"، وزمّت شفتيها بضجر:
ــ حد يروح يفتح.
تقدمت إحدى المساعدات بخطوات مترددة وفتحت الباب، بينما انشغلت "نيرفانا" باختيار القرط الأنسب للعقد الذي أهداه لها "غيث". كانت تقلب قطع الحُليّ بتركيز متوتر، حين التقطت أذنها نبرة رجولية خشنة مألوفة.
أدارت رأسها بسرعة…
وتسمّر بصرها.
كان والدها.
توقف الزمن لحظة، وكأن الغرفة بأكملها حبست أنفاسها. تجمدت "نيرفانا" في مكانها، تحدق فيه بعينين زجاجيتين لا ترمشان.
وها هو قد أتى ليحضر عرسها.
كان متأنقًا بأفخم الثياب، حضوره طاغٍ، مهيب، أشبه بنجوم السينما في إطلالة تخطف الأبصار. ابتسم "رائد" لها ابتسامة حانية، تحمل في طياتها فخرًا وغموضًا، وهو يتأملها في ثوبها الأبيض اللامع.
انساب فستانها المترف حول جسدها كأمواج ناعمة، وذيله المفروش على الأرض منحها دلالًا ملكيًا. ساقاها مكشوفتان بخفر، كزهرة تتفتح رغمًا عنها في أرض قاحلة.
تسريحة شعرها اللولبية أضفت عليها مظهرًا طفوليًا متمردًا، وزينتها البسيطة أبرزت رقتها وأنوثتها الباكرة، لتوحي للناظر بأنها لم تُكمل بعد عقدها الثاني.
تقدم "رائد" بخطوات واثقة نحوها، ونبرته لم تعرف ترددًا وهو يأمر:
ــ من فضلكوا… سيبونا لوحدنا شوية. الكل يطلع بره.
أطاعه الجميع بلا نقاش. انسحب طاقم التجميل تباعًا، اختلطت وجوههم بين الرهبة والانبهار، وأُغلق الباب خلفهم في هدوء، تاركين العروس وأباها في مواجهة صامتة.
اقترب منها حتى كاد أن يلامسها، وعيناه تجوبان ملامحها كما لو كان يتأمل أعزّ ما يملك. ثم قال بصوت هادئ، مسالم، يقطر دفئًا رغم قسوته المعهودة:
ــ نيرفانا رائد الذهبي… أجمل عروسة شوفتها في حياتي. إيه الحلاوة دي يا بنت؟
ترقرقت الدموع في عينيها الواسعتين، تنذر بانفجار وشيك، لكنه رفع يده بإشارة حازمة:
ــ لأ… مش عايز عياط خالص النهاردة.
لازم تعرفي إني عملت كل ده، ولسه هعمل أكتر… عشانك إنتي. عشان تبقي مبسوطة وتعيشي في أمان.
لحد إمتى هفضل أقنعك إنك أغلى حاجة في حياتي يا نيرفانا؟
ارتجف صوتها، وانفلتت الكلمات مختنقة:
ــ I know…
ثم اندفعت تلقي بنفسها بين ذراعيه، باكية بلا دموع، كأنها تستنجد بظلّه من خواء العالم.
ربّت "رائد" على ظهرها العاري برفق لم يعتده قلبه، وقال بلهجة عميقة، محمّلة بالمعنى:
ــ عايزك تبتسمي دايمًا يا نيرفانا.
الابتسامة دي قوة… بتكسر أي موقف، وبتزعزع ثقة أي خصم مهما كان واثق في نفسه.
إنتي قوية… وأنا واثق إنك مش هتخذلي توقعاتي أبدًا.
هتحافظي على اسمك… وعلى اسمي… مهما كان التمن.
تشنجت أصابعها في الرداء، وهمست بنبرة متحشرجة، كنداء طفلة مذعورة:
ــ ما تسبنيش… بليز يا دادي… ما تسبنيش.
أبعدها برفق، وارتسمت على وجهه نظرة واثقة، ثابتة كجدار لا تهزه العواصف:
ــ أنا مش هاسيبك. قولتلك… هتلاقيني دايمًا جنبك.
معقول بعد كل ده أسيبك يا نيرفانا؟ أبدًا.
ثم أدارها لتقف إلى يمينه، وطوى ذراعها بذراعه، كأبٍ يقدّم ابنته، وكملكٍ يخرج أميرته من حصنها، وهو يقول بابتسامة حاسمة:
ــ يلا يا حبيبتي… الناس كلها تحت، مستنية العروسة.
فتحت عينيها على دمعة عنيدة أبت أن تسقط، ثم ابتسمت رغمًا عنها، ابتسامة مترددة، لكنها كانت كافية لتضيء القاعة حين نزلا معًا.
وفي الخارج، خلف الأبواب، كانت الهمسات تنتظر…
والعيون مترصدة…
والقدر يفتح صفحة جديدة في كتابٍ لم يكتمل بعد.
قلب السلطة بقلمي مروه البطراوى 💜 💜 
بينما كان "رائد" في الأعلى يطوي ذراعه بذراع ابنته نيرفانا، مستعداً للخروج بها كملكٍ يفرض إرادته، كان في الأسفل عالمٌ آخر ينهار.

تركهم "رائد" ومضى بعيدًا، واعدًا بعودته خلال برهة قصيرة، تاركًا خلفه علامات الاستفهام تُحاصر الوجوه. قالت "يقين" بلهجة حائرة، وهي تميل بجسدها نحو "شامل": — "بس لو أعرف ده فرح مين على الأقل!"

لوى "شامل" فمه ضجرًا، وعيناه تلاحقان طيف رائد وهو يصعد السلم الرخامي، وردّ باستياء: — "أخوكي أحواله غريبة اليومين دول... محدش عارف بيفكر في إيه، وأنا مش مطمنله."

عبست "يقين" قليلًا، وهزّت رأسها بغير اقتناع، محاولةً تناسي توتر رائد الذي شهدته في السيارة: — "هيكون مالُه يعني؟ ما هو كده على طول"

أجابها "شامل" وقد انكمشت حدقتاه في توجّس واضح، وكأنه يشم رائحة تدبيرٍ لا يروق له: — "مش مطمن يا يقين... محدش فاهم رائد أوي."

أطلقت "يقين" زفرة سريعة، ومدّت شفتيها غير مكترثة، محاولةً تلطيف الأجواء: — "هتلاقيه بيفكر في أحوال بنته كالعادة، ماتخدش في بالك..." ثم ما لبثت أن أشرقت عيناها بلمعة حُلمٍ دفين، وهي تتأمل فخامة القاعة التي ستخرج إليها نيرفانا بعد قليل، وتابعت: — "بس شوف يا شامل... الفرح حلو إزاي؟ نفسي يبقى فرحنا كده يا حبيبي... أد إيه بحلم باليوم ده"

ابتسم "شامل" ابتسامة مائلة نحو المكر، وأجابها بنغمة ناعمة خبيثة، وهو يشد على يدها: — "يا حبيبة قلبي، ده أنا هعملّك أحلى فرح اتعمل في مصر كلها. ليلة خيال... وهتشوفي مقامك أكبر من كل ده يا كوكي."

بادرت "يقين" بابتسامة يملؤها الحُب، وتعلّقت بذراعه بطفولة عفوية جعلت نظراته تزداد دفئًا. لكن هذه اللحظة الوردية قطعها صوتٌ نسائي رخيم يناديها بلهجةٍ واثقة: — "يقين هانـم... منوّرة"



تعليقات