رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني ( هل من سبيل للغفران) الفصل الرابع 4 بقلم نورهان ال عشري



 رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني ( هل من سبيل للغفران) الفصل الرابع بقلم نورهان ال عشري

أتذكُر ليلة فراقنا المجيدة؟ تلك الليلة التي أطلقتُ فيها سراح آخر أمل لي في عشقك، بينما غادرتَ أنت بلا التفاتة، بلا رحمة، غير مبالي بالقلب الذي تصدع حتى العجز. يتشرب وجعه بصمت ثقيل و كأنه لوحة صامتة بعنوان: امرأة اختزلت العالم أجمع برجل، و خذلها بحجم العالم.

في تلك اللحظة أقسمت، وأنا أجمع رماد روحي، أن يأتي يوم أقتلعك فيه من أعماقي اقتلاعًا، وأمحوك كما تُمحى الندبة حين يكف الألم عن الاعتراف بها.

وها نحن نلتقي بعد عامٍ كامل من الاحتراق و النجاة، 

أنت الآن تهواني، وأنا ما عدت أراك.


نورهان العشري ✍️ 


🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁


لحظات من الصمت الذي كان مليء بالضجيج مرت عليها، ضجيج كان منبعه قلبها الذي أهتاجت دقاته، و كأن أحدهم أشعل فتيل النيران بين جدرانه حين وقعت عينيها عليه.


 كانت رؤيته الليلة تحديدًا آخر شيء توقعته في حياتها علمًا بأن هناك شعور قوي بداخلها يهاجمها منذ الصباح أن هذه الليلة لن تكون عادية أبدًا، و لن تمر مرور الكِرام، و ها قد صدق حدسها، و عاد الغائب الذي لم يغب يومًا عن ذاكرتها. عاد وهي بقمة نجاحها الذي كلفها الكثير من الدمع و الدماء حتى تصل إليه، لذا لن تسمح بهدم ما وصلت إليه.حتى لو تمزق قلبها لأشلاء ستقف على أطلاله وتُكمل ما بدأته.


أفلتته عينيها لتنتقل إلى أشجان التي كانت مبهوته كليًا حين رأته للحد الذي جعلها تستند على خالد وعينيها لا تفارقان كمال الذي بدا و كأنه يتطلع إلى عالمٍ آخر خالي تمامًا منها، فقد كان باردًا لا مُباليًا، وكأنها شيئًا لا يعنيه! 


تناحرت أنفاسها و بدأ الألم بالإعلان عن نفسه لتتقلص ملامحها و أوشك جسدها خيانتها، ولكن هناك من البعيد أتت نظرة دعم كانت في أمس الحاجة إليها، والتي كانت من سوزان و كعادتها الدائمة تأتي في أكثر الأوقات التي تحتاجها. و لذلك ابتسمت بهدوء يكمن خلفه عاصفة هوجاء جعلت نبرتها مبحوحة بعض الشيء حين قالت:


ـ و الآن أترككم مع رجل الأعمال الأشهر في الشرق الأوسط الراعي الرسمي لحفلنا الليلة ورئيس مجلس إدارة النجار جروب، الرجل الذي آمن بفكرته، و حول حلمه إلى حقيقة، وها نحن نحتفل بنجاحه الليلة. رحبوا معي بالمهندس راجي النجار. 


أنهت جملتها تزامنًا مع اقتراب راجي منها ليقترب و يُصافحها بحرارة قبل أن يتمتم مازحًا:


ـ أحرجتيني والله يا آسيا. متوقعتش انك بتعرفي تقولي كلام حلو.


ابتسمت بمجاملة، فقد تفاجئت من تلك الكلمات التي لا تعرف لما زينت بها حديثها عنه ولكنها خرجت منها دون أن تعي، فقد استفزتها نظراته الجامدة، و قررت تحريك الرماد قليلًا، أملًا في اشتعال جذوة النيران من جديد! 

و لكن هل يمكن لما مات أن يحيا من جديد؟!


كان يقف على بُعد أمتارٍ منها، تلك المرأة التي لم تُحرقه فحسب، بل أطفأت وهجه. هو الذي ظن بأنه نارًا أزلية، لا تُمس ولا يجرؤ أحد على حرقها، جاءت هي، فانتزعت قلبه من بين ضلوعه، وألقته حيًا في أخدودٍ مكتظ بالجمر، مغمورٍ بالانتقام، و

قيح الخيانة.


هو الذي لم تُخترق حدوده قط، تسللت إليه كالسُم، بهدوء دون ضجيج. اقتحمت برجه العاجي لا بالقوة، بل بالنعومة الماكرة، تلوّنت كالحرباء، و التفّت كالأفعى حول قلبه، حتى أحكمت قبضتها على قلعته المنيعة، ثم ببرودٍ قاتل دفعت به من قمتها بلا تردد، ليجد نفسه كمحارب خسر في معركته مع الحياة، فهام في الأرض جريحاً، كسيرًا، دون مأوى ولا وطن، ولكنه عاد. و ينوي أن ينتزع كل ما سُرِق منه، دون أن تأخذه شفقة أو رحمة بأي أحد. 

ـ أنت كنت عارف أنه راجع!


هكذا تحدثت أشجان بجانب أذن خالد بنبرة ترتجف من فرط الغضب و الخوف ليربت بحنو على كتفها وهو يقول بنبرة خشنة:

ـ تقريبًا!


ناظرته بعتب تجلى في نبرتها وهي تقول:

ـ و ليه مقولتليش يا خالد؟ 


خالد باختصار:

ـ عشان مالوش لزوم. 


أشجان باستنكار يخيم عليه الصدمة:

ـ مالوش لزوم! دا أنت شفت بعينك هي اتبهدلت ازاي! على الأقل أنبهها…


خالد بحدة طفيفة:

ـ ولما تنبيها. تفتكري كانت هتقدر تقف على رجليها قدام الناس زي ما وقفت كدا!


أعطته الحق في حديثه، فهي رأت كم كانت آسيا متوترة قبل أن تصعد إلى المنصة، وعلى الرغم من ذلك ذمت شفتيها وهي تناظره بغضب و تتخذ موضع الخصام لتلون ابتسامة عذبة ثغره قبل أن يتمتم بجانب أذنيها بنبرة عابثة:

ـ أفهم من كدا أن عندي سهرة صُلح للصبح النهارد؟


نجحت كلماته في رسم ابتسامة خجلة على شفتيها، ولكنها حجبتها عنه وهي تنظر إلى الجهة الأخرى تجاه رنا التي كان القلق يُخيم على محياها لتمد أشجان يدها وتهندم خصلة شاردة من خصلاتها وهي تقول بحنو:

ـ أيه القمر دا بس؟


التمعت النجوم في سماء عينيها وهي تقول بلهفة:

ـ بجد يا مامي شكلي حلو!


أشجان بتأكيد:

ـ طبعًا يا روحي شكلك زي القمر.


ابتسمت الصغيرة بسعادة وهي تعانق أشجان التي عانقتها بحب قبل أن تلتفت ناظرة إلى سوزان وهي تقول بقلق:

ـ تفتكري اللي جاي خير!


سوزان بغموض:

ـ مفيش حاجة بتحصلنا مبتكونش خير. احنا بس اللي لازم نفهم أن مش شرط الخير يكون على هوانا.


أشجان بنبرة مُشجبة وهي تناظر آسيا التي تقف من بعيد بابتسامة مشرقة تناقض الألم في عينيها:

ـ انا خايفة عليها أوي النهاردة. خايفة لا تقع مننا تاني.


ربتت سوزان على يدها بلطف قبل أن تقول بتقريع:

ـ نفسي تبطلي خوف شوية. جبتلنا ذعر لا إرادي. ماهي البنت زي الفل أهي، و واقفة قمر اربعتاشر. بنتي جدعة مش خرعة زيك..


ناظرتها أشجان بابتسامة ممتنة، فقد كانت هذه المرأة السبب بعد رحمة الله لاستعادة شقيقتها ثقتها بنفسها و حياتها من جديد.


بينما كانت سوزان تمثل الجمود و داخلها يحترق خوفاً على تلك الفتاة التي ارتمت بين أحضانها ذات يوم وهي تصرخ من فرط الألم الذي أطفأ وهج الحياة في ملامحها و قلبها، و بشق الأنفس استطاعت أن تعود للحياة من جديد


وهنا تذكرت ذلك اليوم الذي جاءت إليها آسيا برفقة أشجان و شروق.


عودة إلى وقتٍ سابق 


كانت تُعِد أحد فطائرها المفضلة و هي تدندن مع فيروز 


   يا حبيبي الهوى مشاوير، وقصص الهوى مثل العصافير، لا تحزن يا حبيبي إذا طارت العصافير


 وغنية منسية ع دراج السهرية


 رجعت الشتوية


 رجعت الشتوية


 ضل افتكر فيي، ضل افتكر فيي


 رجعت الشتوية


 يا حبيبي الهوى غلاب


 عجل وتعى السنة ورا الباب


 يا حبيبي الهوى غلاب


 عجل وتعى السنة ورا الباب


 شتوية وضجر وليل


 وأنا عم بنطر على الباب


 ولو فيي يا عينيي خبيك بعينيي


 رجعت الشتوية..


ـ سيدي يا سيدي على الروقان..

هكذا تحدثت أشجان وهي تقترب من سوزان التي التفتت ناظره إليها بحب تجلى في نبرتها حين قالت:

ـ الواحد بس يشوف الوش الحلو دا يروق على طول.


أشجان بحب:

ـ والله انا اللي لما بشوف وشك برتاح، و بطمن.


سوزان بهدوء:

ـ بس عنيكِ بتقول انك مش مرتاحة ولا مطمنه. مالك؟


سحبت قدراً كبير من الهواء داخلها قبل أن تقول بنبرة مُشجبة:

ـ آسيا. حالتها صعبة أوي، و بالعافية قدرت اقنع بابا أنها تقعد مع شروق شوية لحد ما نفسيتها تتحسن. مش عيزاها تصطدم بماما تاني. بيني وبينك انا مش هقدر أجازف اني اسيبها معاها لوحدها.


سوزان بتعقل:

ـ كل واحد فينا له طبع يا أشجان، و ممتك بتحبكوا مفيش خلاف على كدا. بس هي طبعها حاد شوية. عقليتها و تفكيرها جايين من زمن تاني، فبلاش تلومي عليها هي دي دماغها و دا تفكيرها، و في زمنها كانت كل حاجة لسه بخيرها.


أشجان بتعب:

ـ عادي بقى. ربنا يهديها. أنا عن نفسي مبقتش بزعل منها.


سوزان بهدوء:

ـ دا اللي مفروض يحصل. محدش يزعل من أمه. خلينا دلوقتي في آسيا طمنيني هي عاملة أي؟


أشجان بحزن:

ـ ساكتة. بس عينيها بتقول كتير.


ـ طيب استني انا عملتها حاجة خفيفة كدا تاكلها و بعدين تريح. يالا نروح نطمن عليها.

و بالفعل قادتها أشجان إلى الشقة المجاورة التي تمكث بها كُلًا من جميلة و شروق لتقابلهم الأخيرة بابتسامة هادئة و نبرة تشبهها حين قالت:

ـ أيه الريحة الحلوة دي يا سوزي؟


سوزان بمزاح:

ـ أهو أنتِ اللي حلوة. 


كانت آسيا تجلس على الأريكة تستند برأسها إلى الخلف مغمضة العينين لتقترب أشجان منها قائلة بحنو:

ـ آسيا. سوزي جاية تسلم عليكِ.


فتحت عينيها و التفتت إلى سوزان التي هالها رؤية كل هذا الألم الذي يحتل ملامحها على الرغم من أنها لم تراها سوى مرة واحدة يوم زفاف أشجان و خالد، ولكنها أشفقت على ملامحها الجميلة من هذا الوجع الذي تحمله لتقترب منها قائلة بحنو:

ـ حمد لله عالسلامة يا حبيبتي.


آسيا بنبرة مُتحشرجة:

ـ الله يسلمك يا طنط. تسلميلي.


زمت سوزان شفتيها وهي تقول بتقريع:

ـ طنط! قوموا البنت دي مشوها من هنا. دي بتقولي يا طنط!


ابتسمت الفتيات على حديثها و من بينهم آسيا لتهتف شروق بمُزاح:

ـ معلش لسه نزيلة جديدة يا سوزي.


سوزي بمُزاح:

ـ لسه متعرفش القوانين يعني. بصي بقى عشان نبقى على نور. قواعدنا هنا مفيهاش استثناء. مش معنى انك حلوة و جميلة كدا أننا هنسكتلك لا! انا شديدة اوي مع النُزلاء بتوعي. 


ابتسمت آسيا و لم تعلق لتُتابع سوزان بحدة مُفتعلة:

ـ و ممكن أسامح على اي حاجة إلا كلمة طنط دي، و مابحبش الناس الكشرية. أنا و النكد مبنجتمعش في مكان.


آسيا بنبرة حزينة:

ـ يبقى انا كدا ماليش مكان هنا.


مدت سوزان يدها لتربت فوق كتفها بحنو تجلى في نبرتها حين قالت:

ـ المكان هنا و سُكانه تحت أمرك، و أن مشالتكيش الأرض نشيلك جوا عنينا. 


في السابق لم تكن ممن يؤثر بهم الحديث كثيرًا، ولكنها الآن كانت في أمس الحاجة للحظة حنان واحدة تربت على جراحها لتهدأ، فتجمعت العبرات في مقلتيها قبل أن تقول بنبرة مُتحشرجة:

ـ شكرًا أوي على كلامك الحلو دا.


سوزان بهدوء:

ـ دا مش كلام يا حبيبتي دي حقيقة. احنا هنا كلنا أهل، و أنتِ بنت من بناتي، ولو احتاجتي أي حاجة أنا موجودة. 


كانت تريد البكاء أو الصراخ ظنًا منها أن هذا قد يُفيد في تهدئة آلامها ولو قليلًا، ولكنها كعادتها لم تُفصح عن مكنوناتها، بل اكتفت بعبارات شُكر هادئة لتقوم سوزان بجذب صينية الطعام الشهي و طبق من الفطائر الشهية و وضعها أمامها وهي تقول بحنو:

ـ أنا جهزتلك أكل خفيف، تاكلي و تاخدي دواكي و تدوقي الفطيرة الحلوة دي عملتها بإيديا هستنى رأيك فيها.


ابتسامة ساخرة شقت جوفها وهي تستمع إلى كلمات سوزان التي أصابت وترًا حساسًا بداخلها لتهتف بتهكم مرير:

ـ أنتِ لو قاصدة توجعيني مش هتعملي كدا. فطيرة و غدا دا أنا امي معملتيش كدا! مفتكرتنيش أصلًا! بقولك أيه خدي أكلك، و حاجتك معاكِ أنا مش عايزة شفقة من حد.


دون أن تدري تساقطت العبرات من مقلتيها وهي تتحدث لتمتد يد سوزان و تمحو عبراتها وهي تتجاهل كلماتها التي تبدو قاسية لتقول بهدوء:

ـ مفيش بنات كبيرة تعيط زي العيال الصغيرة كدا، و مينفعش حد يقدملنا حاجة و نرفضها حتى لو وحشة. تدوقي و تقولي الله يا سوزي تسلم إيدك إيه الجمال دا.


اصطدمت بتقبل سوزان لكلماتها وسعة صدرها لتصمت غير قادرة على الرد، فتابعت سوزان بنبرة مُتحشرجة بالبكاء فقد آلمها حال آسيا كثيرًا:

ـ أنتِ مش محتاجة شفقة من حد. أنتِ أحسن بنت في الدنيا، حتى لو الدنيا ضغطت عليكِ شوية. دا عشان تخرج أحسن ما فيكِ. زي الفطيرة دي بالظبط. اتعجنت كويس، و اتسابت عشان تخمر، و بعد كدا حطناها تحت درجة حرارة عالية أوي عشان تبقى بالجمال دا. خليكِ جدعة، و اوعي تستسلمي. خلي الضربة اللي متموتكيش تقويكِ، و تخرج أحسن ما فيكِ. أنا عارفة انك تقدري تعملي دا.


اندفعت العبرات من بين مآقيها كالفيضان الذي اجتاح ثباتها دون أي مقاومة منها فقد كانت مهزومة، متعبة، تخلى عنها كل شيء حتى إرادتها لتهتف بنبرة تتقطع لها نياط القلوب:

ـ بس أنا مش قادرة آخد نفسي. حاسة في ألم في قلبي بيموتني بالبطيء. بحاول اتجاهل، و اقول هتعدي الاقي دموعي سبقاني، و كإن روحي بتنزف لحد ما هتتصفى و أموت وانا بتعذب.


شاركها الجميع في نوبة البكاء الحارة التي أنخرطت بها، ولكن سوزان استغلت ذلك لتحاول تهدئة هذا الألم قليلًا حين قالت:

ـ و ليه تتجاهلي! عيطي و صرخي لحد ما تخرجي كل الطاقة اللي جواكي. فرغي شحنة الألم و الخوف اللي مالية قلبك عشان يرتاح. خدي وقتك في الزعل. الجرح مبيطيبش لو قفلنا عليه و عملنا نفسنا مش واخدين بالنا منه. 


صمتت ثوان لتمتد يدها تمحو عبراتها بحنو تجلى في نبرتها حين قالت:

ـ عالجيه، وهو هيطيب واحدة واحدة. ربنا خلق النسيان عشان رحيم بينا متفكريش انك لوحدك اللي موجوعة. بس آخرة الوجع أيه؟ هنموت! لا. هنقف و نكمل لحد ما نلاقي ألف سبب نفرح عشانه. 


آسيا بحزن:

ـ معتقدش اني ممكن افرح في يوم! 


سوزان باستفهام:

ـ أنتِ شايفة انك تستحقي تفرحي!!


تذكرت ذنبها العظيم لتخفض رأسها بندم، ولكن سوزان لم تُمهلها الفرصة بل وضعت أناملها فوق ذقنها ترفعة بقوة اجتاحت نبرتها وهي تقول:

ـ تستحقي. أنا اللي بقولك دا. أنتِ تستحقي كل الفرح اللي في الدنيا. حتى لو غلطي. كلنا بنغلط دي صفة بشرية. المهم نتعلم، و نتجنب الأخطاء وحتى الطباع اللي وصلتنا أننا نغلط.


تخدرت أوجاعها قليلًا و هدأت نوبات الألم لتهمس بخفوت و نبرة يغلب عليها الامتنان:

ـ عندك حق. مش عارفة أشكرك ازاي! 


سوزان بمُزاح:

ـ تقوليلي رأيك في الفطيرة بتاعتي. أو لا رأيك أيه تقوليلي حلوة على طول حتى لو معجبتكيش.


ابتسمت آسيا على جملتها و قالت بامتنان:

ـ حلوة عشان منك. كفاية انك تعبتي نفسك و عملتيها. 


سوزان بحنو:

ـ أنتِ تستاهلي. يالا امسحي دموعك مش عايزة خيابة و بنات مايصة بتعيط على الفاضي و المليان. دا أنتِ غلبتي أشجان في النكد.


قالت جملتها الأخيرة بحدة مفتعلة لتتعالى قهقهات الفتيات على حديثها لتقترب أشجان تحتضنها بقوة وهي تقول بمُزاح:

ـ انتوا عملتوني ماركة مسجلة في النكد ولا أي؟ لا دانا بقيت فرفوشة. 


سوزان بفخر:

ـ البركة في ابني الغالي. 


ابتسمت أشجان لتلتفت سوزان إلى آسيا قائلة بمُزاح:

ـ خلاص بقينا أصحاب؟


آسيا بابتسامة هادئة:

ـ بقينا أصحاب.


سوزان بحنو:

ـ طب تعالي في حضني بقى..


لم يكن عناق بل قلب اشتهى أن يتكيء على جدار من الحنان لا ليسنده فقط بل ليحنو على فتاته حتى يستطِع لملمتها و البدأ من جديد.


عودة إلى الوقت الحالي 


حاولت سوزان تجاهل تلك الغصة في صدرها وهي تنظر إلى آسيا بابتسامة مُشجعة، قبل أن تحين منها إلتفاتة إلى كمال الذي كانت تترقب عودته، ولكنها كانت تتمنى لو أنه يعود وهي في أبهى صورها حتى يُدرك أنها انثى لا تتكسر بسهولة حتى لو أضناها الوجع. و هاهو يعود هو الآخر ممزق من الألم، ولكنه يحسن ارتداء قناع الصلابة، و اللامُبالاة و ربما القسوة! 

احتارت في تفسير قدومه في هذا الوقت بالذات. 

ترى هل جاء ليهدم؟ أن ليُعيد بناء ما هدمه رحيله! 


ـ ياترى صدفة ولا مقصود!

هكذا تحدث خالد إلى جانب كمال الذي قال بنبرة لامُبالية:


ـ هو أيه؟

يعرف تلك النظرات القاسية التي تنبعث من عيني شقيقه، و التي توحي بأن ما مر به لم يكُن سهلًا فقد أعلن حربه على كل شيء أودى به إلى هاوية الألم التي أصقلته كما تصقل النيران الحديد لكنه لم يُفصح عن شيء فقط قال بصراحة:

ـ انك تيجي الحفلة بتاعت آسيا!


مضى وقتٍ طويل منذ أن شعر بأن الألم يكاد يكسره، والآن تغلب على آثاره واعتاد عليه لذا لم يهتز عند ذكر اسمها ولا حتى رؤيتها لذا قال بملل:

ـ أنا هنا في مصر من أسبوع و أنت عارف دا، و كمان راجي كان زميلي في الجامعة، و بعتلي دعوة لحفلته، و بالمناسبة الدعوة كانت باسمه.


أومأ خالد برأسه، وقد أدرك أن تنصل شقيقه من أي شيء يخصها لهو بادرة تبعث على الراحة على الأقل في الوقت الراهن، فقد رأى بعينيه مدى معاناتها طوال الاثنى عشر شهرًا الماضيين، وهو ما جعله يخبر سوزان لتأتي إلى الحفل الليلة.


خالد بحبور:

ـ أحسن حاجة عملتها انك رجعت. 


التفت كمال يناظره بابتسامة هادئة مُمتنة قبل أن يقول بنبرة جافة:

ـ من بكرة هنزل الشركة. مجمع المستشفيات اللي انتوا ناويين تعملوه محتاج كل الورق بتاعه والميزانية المبدئية عشان اشوفها الأول لو فيها تعديل.


خالد بعملية:

ـ هتلاقيها على مكتبك الصبح.


بدأ الحفل برقصة هادئة، لتستغل آسيا ذلك و تتوجه بخطٍ حاولت أن تكون ثابتة متجاهلة وجوده الطاغي و إشباع رغبة مُلحة داخلها في النظر إلى داخل عينيه، لتمر به وكأنه مجرد شبح لرجل زعزع وجوده أوتار قلبها، و ألقت بنفسها بين ذراعي سوزان التي تلقتها بقلب رحب، و عانقتها بكل ما تمتلك من حب تجلى في نبرتها حين قالت:

ـ بنتي. حبيبتي. فخورة بيكِ أوي.


تشبست بها كما يتشبث المرأ بآخر خيط يربطه بالحياة لتهتف بأنفاس مقطوعة:

ـ حاسة اني مش عارفة أتلم على نفسي. هو هنا صح!


سوزان بخفوت:

ـ هو هنا و بيبص عليكِ، و مش هو بس. كل اللي في الحفلة، يبقى نجمد كدا و نفضل جدعان لحد النهاية. افتكري أنك تعبتي لحد ما وصلتي للحظة دي.


سحبت قدرًا كافيًا من الهواء داخلها قبل أن تقول بنبرة مُرتجفة:

ـ بطني وجعاني اوي، و نفسي أملي عيني منه و اقف قدامه و أقوله إني اتوجعت منه و عشانه أوي.


تراجعت سوزان عنها لتنظر إلى داخل عينيها بحُب تجلى في نبرتها وهي تقول:

ـ ينفع تعتبريه مش موجود! الليلة دي بس، و بعدين هييجي الوقت اللي تقولي و تعملي فيه كل اللي أنتِ عايزاه. الصبر. 


أشجان بتشجيع:

ـ اسمعي كلام سوزي، و كأنه مجاش.


اقتربت شروق تعانقها بقوة وهي تقول:

ـ قلبي يا سيسو. فرحانه بيكِ أوي. 


عانقتها آسيا بقوة، وهي تقول بتوتر:

ـ احضنيني أوي.


شروق بتشجيع:

ـ اجمدي كدا. هو جاي النهاردة عشان يهد اللي أنتِ بنتيه! و أنتِ اوعي تسمحيله يعمل كدا.


كانت أكثر من يعلم بخطأها، ولكن ذبحها الفراق دون أن يمنحها الفرصة للدفاع عن نفسها، وهو ما لم يرتضيه قلبها أبدًا لذا حاولت أن تستمد الشجاعة من حديثهم لتقول بتصميم:

ـ حاضر.


ـ بقى بتعاكسيني قدام الناس كلها و جاية دلوقتي تديني ضهرك! 

كان هذا صوت راجي المرح من خلفها لتلتفت آسيا تناظره بابتسامة باهتة و أجابته بنبرة يشوبها الارتباك:

ـ أبدًا والله. حضرتك تستحق اكتر من كدا بكتير.


كانت عينيه في مكانٍ آخر تحديدًا على ملامح شروق التي كانت جميلة بصورة خاطفة للأنفاس أو لأنفاسه هو ليبتسم وهو يوجه حديثه إليها قائلًا:


ـ طب ناخد رأي شروق بما أنها السكرتيرة بتاعتي؟


غمرها الإحراج لتقول بخفوت:


ـ حضرتك تستحق اكتر من كدا بكتير. أه اعرفك. دي سوزي اللي حكيت لحضرتك عليها.


قالت جملتها الأخيرة وهي تُشير إلى سوزان ليلتفت إليها راجي قائلًا باحترام:

ـ أهلًا بيكِ يا مدام سوزان. نورتي الحفلة.


سوزان بلُطف:

ـ ميرسي لذوقك. الحفلة منورة بالناس الجميلة اللي فيها.


في هذه اللحظة كان كمال يناظرهم بأعيُن حادة لا يفلح في كبح أسهمها وهو ينظر إلى ظهرها و يرى ابتسامات راجي المتبادلة بينهم، والتي كانت تخصها أكثر من أي أحد، وقد بدأ الغضب يتشعب إلى أوردته رغمًا عنه، فالعاشق يمكن إخفاء سنوات من العشق، و يسقط أمام لحظات من الغيرة، ولكنه لم يكُن يدري أنها كانت ترتجف من فرط التوتر الذي تحاول تجاهله، و لكنه تمكن من جسدها لتشعر برغبة مُلحة في التقيؤ، فاعتذرت منهم بلُطف، و توجهت إلى المرحاض حتى تنفث عن ألمها الداخلي، فالتفتت سوزان قائلة إلى أشجان بقلق:

ـ روحي ورا أختك اطمني عليها.


شعر راجي بالتوتر السائد ليقترب من شروق مستفهمًا:

ـ هي آسيا متوترة شوية و لا أنا بيتهيقلي؟!


شروق بقلق:

ـ هي فعلًا متوترة. 


راجي بانتباه:

ـ في مشكلة ولا أيه؟


ناظرته شروق بتردد ليهتف بطمأنة:

ـ شروق أنتِ عارفة كويس أوي انك غالية عندي، و آسيا كمان، ولو في مساعدة أقدر أقدمها مش هتردد لحظة.


تعرف كم أنه شخص مُهذب، فمنذ ذلك اليوم الذي أوصى به خالد لتعمل عنده، وهو لا ينفك يُثبت لها أنه من الأشخاص الذين يمكن للمرء الاعتماد عليهم.

ـ كمال الوتيدي هو طليق آسيا، و تقريبًا من وقت ما أطلقوا وهي مشافتهوش، و اتصدمت لما شافته دلوقتي.


راجي باندهاش:

ـ معقولة! دا كمال كان زميلي في المدرسة، انا قابلته في الطيارة بالصدفة وانا راجع من إيطاليا.


تذكر تلك الجملة التي أخبره كمال بها وهم عائدين إلى أرض الوطن:

ـ مكنتش رحلة عمل. كانت رحلة علاج من مرض الشفا منه مستحيل. 


راجي بحماس:

ـ أوبا. مرض مالوش علاج يبقى الحب. أنا بايني غبت كتير ولا ايه! 


كمال بنبرة مُشجبة:

ـ أنا كمان غبت كتير، و ياريته بفايدة.


ـ سرحت فى ايه؟ 

هكذا استفهت شروق حين وجدته يشرد إلى البعيد ليتحمحم قائلًا بلامُبالاة:

ـ لا ولا حاجة. طيب أنا هروح اسلم عليه و ارجعلك 


شروق بلهفة:

ـ متجيبش سيرة آسيا معاه. 


راجي باندهاش:

ـ كمان هتقوليلي اقول لصاحبي ايه و مقولش ايه؟ 


شروق بحرج:

ـ أنا آسفة مقصدش.


راجي بغزل مُبطن:

ـ أنا عارف. بس بحب ارخم عليكِ. تقريبًا عشان بتبقي زي القمر وأنتِ مكسوفة كدا.


اخفضت رأسها بخجل، فهي ترى بعينيه ما يُخيفها ولكنها تتجاهله من فترة ولا تعرف إلى متى! 


ـ ازيك يا خالد باشا عامل ايه؟ 

هكذا تحدث راجي مُرحبًا بخالد الذي أجاب بنبرة خشنة:

ـ أهلًا يا راجي. حمد لله على سلامتك.


ـ الله يسلمك. اومال فين كمال! عرفت أنه جه و بدور عليه مش لاقيه! 


طافت عيني خالد في الحفل، فلم تجده و كذلك آسيا التي هدأت ثورة جسدها قليلًا لتخرج من المرحاض، وهي تحاول تنظيم أنفاسها، و هي تضع يدها فوق معدتها و كأنها تواسيها عن الألم الذي يجتاحها بشراسة، و في هذا التوقيت كان كمال يُتهي مكالمة طارئة وهو يقول بجفاء:

ـ اتصرفي لحد ما آجي. 


أنهى كلماته تزامنًا مع اصطدام عينيه بآسيا التي كانت تلتقط شيء ما من النادل و تبتلعه ثم تمسك بكوب من المياة لترتشف بعض القطرات، وقد استرعى انتباهه هذا الأمر للحظات قبل أن يُعنف نفسه بأن هذا الأمر لا يُعنيه، و قد قرر الدلوف إلى الداخل دون أن يُعيرها أي اهتمام، ولكن للقدر رأيًا مغايرًا دائمًا، فحين التفتت لوضع الكوب على الطاولة المجاورة اصطدمت بذلك الجسد القوي الذي أصبح نحيفًا عن السابق، و اكثر صلابة، وقد كانت على وشك الوقوع لولا يد قوية اعتقلت خصرها بقسوة لتمنعها من الوقوع، وياليته ما فعل!

فكل شيء على قلبها أهون من تلك النظرة الباردة كالصقيع التي شملها بها قبل أن يتركها و كأن وجودها لا يعني شيء بالنسبة إليه، وكم آلمها ذلك كثيرًا، ولكنها لن تسمح لوجودها أن يكون عابرًا و ستتخلص من هذا الثُقل بداخلها و إلى الأبد لذا هتفت قائلة:

ـ كمال.


كان يُعطيها ظهره متوجهًا إلى الحفل، وكأن كلمتها ارتطمت بحائط صد، فعادت إليها خائبة، وقد كان تجاهله لها إهانة قاسية ربما أقسى من ألمها الداخلي، فهاهو يتجاهلها للمرة الثانية، ولكنها لن تسمح بذلك.

كان في طريقه إلى الحفل وهو عازمًا على تجاهلها وكأنها مجرد سراب، فحتى ارتجافة صوتها وهي تناديه لم تؤثر به، و قد نسى أو تناسى أن هذه المرأة قادرة على قهر ثباته و إضرام الدهشة بداخله ببراعة، وقد كان، فحين كاد أن يقترب من باب القاعة تفاجيء بها تقف أمامه حتى كاد أن يصدمها ليتوقف على بعد إنشات قليلة منها، وقد كان هذا ما لم يتوقعه، فتبدد الجمود في نظراته إلى ذهول لحظي تحول إلى غضب حين سمعها تقول:

ـ احنا لازم نتكلم.


أول ما فكر به هو أن يصفعها بقوة حتى لا تفرض وجودها مرة آخرى عليه، فقد كان بالكاد يتحكم بقلبه الجريح المُشتاق، و الذي لم يتخطى طعناتها التي غرستها بقلبه ذلك اليوم، ولكنه استخدم ماهو أقوى من الضرب، اختار صفعها بالتجاهل قبل أن يرميها بنظرة ساخرة، ثم تجاوزها و ذهب إلى الداخل، و كأن قلبه لم يدق بقوة لأجلها، وقد كان هذا اقسى ما قد تحتمله لذا لم تحاول قمع تلك العبرات التي تدافعت بقوة من عينيها و خاصةً حين سمعت ذلك الصوت الأنثوي الرقيق يناديه من بعيد:

ـ كمال! 


تفاجيء كمال من وجود صوفيا التي اقتربت منه قائلة بحبور و نبرة رقيقة:

ـ مش مصدقة اني شيفاك قدامي! وحشتني اوي اوي .


اقتربت تعانقه، و هو بالمثل قبل أن تتأبط ذراعه و تدلف معه إلى داخل الحفل، لتلتفت آسيا ناظره أمامها وعينيها تطلقان جمرات مشتعلة بفعل الغيرة، لتجد يد أشجان تربت على ظهرها بقوة، وهي تقول بلهفة:

ـ آسيا كنتِ فين ؟ روحتلك التويليت ملقتكيش.


آسيا بنبرة مُتحشرجة:

ـ نسيني. أكيد. ماهي النظرة دي مش بتاعت حد قلبه لسه بيدق صح! لا و بيحضن كمان و بيسلم. ماشي. حلو اوي دا.


أشجان بقلق:

ـ حصل ايه؟ أنتوا اتكلمتوا ولا ايه؟ 


حاولت كظم غيظها و ألمها القوي لتمد يدها تجذب أحد المحارم فوق الطاولة و تكفكف عبراتها، وهي تقول بإصرار:

ـ هو مش أحسن مني! أنا كمان نسيته. مبقاش فارقلي، ماهو اللي يرميني سنة كاملة من غير حتى ما يسمعني ولو لمرة واحدة يبقى يستحق اني انساه صح! 


أشجان بحنو:

ـ صح. لو دا هيريحك يبقى صح. أصلًا مش مهم أي حاجة في الدنيا غير انك تبقي مرتاحة.


آسيا بجفاء:

ـ مرتاحة جدًا يالا ندخل.


دلفت إلى الداخل بابتسامة مُشرقة أثارت انتباه الجميع، و خاصةً سوزان التي كان كمال يسلم عليها في هذه اللحظة ليستمع إلى صوت ضحكة صاخبة جمدته في مكانه، ولم يستطِع منع نفسه من الالتفات لرؤيتها وهي تتحدث إلى أحد ضيوف الحفل بحماس، لينضم إليهم رجلًا آخر قائلًا بغزل استقر بمنتصف أذنيه:

ـ بصراحة أنا كنت مندهش من الحفلة و التنظيم الرائع بس لما شوفتك و عرفت أن أنتِ اللي مسئولة عن كل دا. عرفت الذوق الراقي دا جاي منين! ماهو الجمال دا كله لازم يعمل العظمة دي. 


آسيا بخجل:

ـ ميرسي جدًا لذوق حضرتك. أنا مش عارفة أشكرك ازاي!


الرجل بإعجاب بالغ:

ـ أنا اللي لازم اشكر راجي أنه عرفنا على مبدعة زيك.


لاحظت سوزان كم الغضب الهائل بعيني كمال لذا قالت بتخابُث يغلفه الحدة وهي تنظر إلى شروق:

ـ ناديلي على آسيا. مش معقول من بداية الحفلة و الكل عمال يعاكس فيها، مش طريقة دي! 


إلى هنا و شعر بأنه لم يعُد يحتمل، فقد تخلى عنه ثباته، و عزيمته التي حشدها طوال الفترة الماضية ليهتف بجفاء:

ـ هروح أسلم على ناس صحابي. 


أنهى جملته وهو يلتفت مغادرًا لتوقفه أحد النادلات وهي تقول بلُطف:

ـ من فضلك ممكن تاخد الرقم بتاع الرقصة الذهبية.


لم يكُن في حالة تسمح له بالاستفهام ولا الرفض، فقد انتزع البطاقة منها و غادر إلى الركن الآخر من المكان، بينما هي أخذت تتلقى المباركات و كلمات الإطراء و الكثير من العروض و هي تحاول تجاهله هو و قلبها على حدٍ سواء. 


ـ خفي شويه يا سوزي. دا أخويا بردو!

هكذا تحدث خالد إلى جانب سوزان التي أجابته بتحدي:

ـ أخوك عايز قرصة ودن. شايف الناس عينيها هتطلع على البنت ازاي! 


خالد بجفاء:

ـ المواضيع مبتتحلش كدا!


سوزان بتهكم:

ـ محدش تطرق لأي مواضيع. هو اللي ابن حلال ويستاهل. رزقه في رجليه.


التفت ناظرًا إلى أشجان التي كانت تتألق بفستان من اللون الأزرق الذي يحيط بجسدها دون ابتذال، و معه حجاب بنفس اللون يبرز لون بشرتها الخمري، و ملامحها الجميلة التي تأثره دائمًا، لتقسو يده حول خصرها جاذبًا انتباهها قبل أن يتمتم بعبث:

ـ بفكر اخدك و نهرب النهاردة على الفندق. ايه رأيك!


أشجان بنبرة يحتاجها القلق:

ـ لا دانا اللي ههرب منك و أروح أبات مع آسيا النهاردة. قلقانه عليها أوي، وشكلها مش عاجبني خالص. 


خالد بحدة:

ـ أن شالله ما عجبك شكلها. آسيا مين اللي هتباتي عندها! مفيش الكلام دا. 


أشجان بصدمة:

ـ خالد بتقول ايه! أختي محتجاني. 


خالد ساخطًا:

ـ محتاجاكي في ايه؟ ماهي زي القردة اهي، وبعدين دي معاها سوزي. يعني اخويا الغلبان هو اللي يتخاف عليه!


ابتسمت على سخطه، وهتفت بتوسل:

ـ خالد بجد. سيبني النهاردة بس هاجي الصبح على طول…


خالد بصرامة:

ـ ولا حتى ساعة، و اقفلي الكلام على كدا. 


لم تكد تُجيبه حتى استمعوا الى صوت راجي وهو يقول في مكبر الصوت:

ـ ضيوفي الكرام. جه وقت الرقصة الذهبية، وبما أن الجمال دا كله كان من إبداع المصممة الجميلة آسيا عزام، فهنشوف مين هيفوز بالرقصة الذهبية معاها!


وقع الأمر وقوع الصاعقة على مسامع كلٍ من كان يتشارك في هذه الحرب الخفية ولو كان مشاركته صمتًا، ولكن كان لآسيا نصيب الأسد من الصدمة، و بالمقابل برقت عيني كمال و برزت عروق رقبته بقوة حتى كادت أن تخترق جلده فهل يمكن أن يرى رجلًا غيره يراقصها، وقد كان الاستنكار نصيب خالد الذي هتف بحدة:

ـ أيه العبث دا! 


ليستكمل راجي مفاجأته حين قال بتخابُث:

ـ الفايز بالرقصة الذهبية هو رقم ٧٧. 


أخذ الجميع يقلب بطاقته ماعداه، فقد كاد على وشك الذهاب و تحطيم وجه راجي الذي اتسعت ابتسامته، وهو يقول بصوت جهوري:

ـ ٧٧ دا رقم رجل الأعمال كمال الوتيدي. يالا نحييهم كلنا.


تعالت الصيحات والتي وقعها لم يكن موقع تلك الصاعقة التي كانت أشد و أقوى من سابقتها على مسامعهم و جعلت جسد آسيا يرتجف، وهي لا تُصدق ما يحدُث ولا إراديًا التفتت تناظره، لتجده يقف في مكانه دون حراك، فمرت لحظات كانت كالدهر وهي تراه لا يزال على حالته، لتدرك أنه سيصفعها برفضه لها أمام الجميع لتستدير تنوي الذهاب تجاه راجي لإنهاء هذه المهزلة و إذا بها تجد يده قوية تقبض على معصمها لتشهق حين رأت كمال الذي كانت عينيه تحملان شيء أقوى من الغضب بكثير، فقد كانت القسوة تحتل نظراته و تسكن كفه الخشن الذي جذبها إلى حلبة الرقص دون وعيًا منها لتجد نفسها أسيرة لذراعيه و عينيه و جسده. 

تشاركوا سويًا الأنفاس المحترقة، و النظرات المصدومة من جهتها، والغاضبة من جهته، لتمر الدقائق وهي ترقص بين يديه لا تدري كيف يتحرك جسدها ولا تملك سبيلًا للتوقف أو الابتعاد عنه، لتباغتها نبرته القاسية التي يشوبها التهكم حين قال:

ـ و ياترى اللي بيحصل دا كان من ضمن تنظيمات الحفلة بردو!


حاولت استجداء ثباتها أمام هجومه لتقول بنبرة جافة:

ـ البروجرام مش من ضمن ترتيباتي. مستر راجي هو المسئول عنه. 


كان يطحن أسنانه بغل من فرط الغضب ليهتف بقسوة:

ـ معقول مقالكيش انك هتتقدمي جايزة لراجل من اللي في الحفلة. 


استقرت إهانته في منتصف صدرها مُحدثة آلام عظيمة جعلت جسدها ينتفض بين يديه، لتحاول جذب نفسها من بين براثنه وهي تهتف بحدة:

ـ اخرس.


ـ مكانك. 

هكذا هتف بشراسة أفزعتها لتتجمد مقاومتها فتابع بتهكم:

ـ متقنعنيش أن الموضوع جرحك أوي. 


أرادت رد الصاع صاعين حين قالت بسخرية:

ـ اللي جارحني فعلًا أني برقص معاك أنت دونًا عن كل الموجودين في الحفلة. 


أصابته في الصميم، و كما عهدها قوية لا يردعها شيء. تحارب حتى آخر أنفاسها لا يوقفها خصم، ولا يردعها خطر. 


تركها كمال بغتة وهو يقول بقسوة:

ـ الجايزة للأسف مش مُجدية بالنسبالي، و أقل بكتير من أن يتقال عليها ذهبية. طلعت فالصو!


تركها و غادر دون الإلتفات لوقع كلماته عليها، فقد شعرت بأن ألمها يطفو على السطح، و قد يُعريها أمام الجميع لذا تراجعت إلى الآخرى إلى الخلف، و تختفي بين الجموع و لحسن حظها، فقد ساعدتها الأضاءة الخافتة حتى لا يرى الجميع حالتها المُذرية وهي تهرول إلى الحمام والدماء تنبثق من فمها.


اللهم رب السموات السبع وما أظلت، رب الأرضين وما أقلت، رب الشياطين وما أضلت، كن لي جاراً من شر خلقك كلهم جميعاً أن يفرط علي أحد وأن يبغي علي عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك". ♥️


★★★★★★★


ـ كمال استنى يا ابني رايح فين؟

هكذا تحدث راجي وهو يخرج خلف كمال الذي توقف في منتصف الرواق، يعض على شفتيه بقوة حتى لا يقوم بتحطيم رأسه، ولكنها كانت أمنية لا تقاوم، فإذا به يلتفت و يقوم بتوجيه لكمة قوية إلى وجه راجي الذي تراجع إلى الخلف من شدتها و على وجهه إمارات الذهول ليهتف كمال بشراسة:

ـ أنت كنت قاصد اللي حصل جوا صح! دا كله من ترتيبك؟ 


تغلب راجي على ألمه وهو يُشير للحرس بعدم الاقتراب من كمال ليمسد الضربة الموجعة بيده قائلًا بحدة:

ـ هتفضل غبي طول عمرك كدا. دا بدل ما تشكرني! 


اقترب كمال منه حتى كاد أن يضربه مره ثانية ليوقفه راجي قائلًا بتحذير:

ـ هنتخانق هنا و نفرج الناس علينا، ولا نتكلم بالعقل و تفهم انا عملت كدا ليه؟ 


تجاوز عن غضبه وهو يقول بفظاظة:

ـ عشان حشري. و بتدخل في اللي ملكش فيه. 


راجي بهدوء مستفز:

ـ لا مش كدا. بس مقبلش أن راجل غريب يرقص مع البنت اللي صاحبي بيحبها!


برقت عيني كمال من حديثه ليهتف بحدة:

ـ إيه دا أن شاء الله!


راجي بتوضيح:

ـ شروق قالتلي انك طليق آسيا، و هنا فهمت أن دي البنت اللي بسببها سافرت وسبت مصر، و بصراحة نظراتكوا لبعض أكدت لي دا، و لأن الرقصة الذهبية دي المفروض اللي يفوز بيها هو اللي يحدد هيرقص مع مين، و طبعًا أي حد من اللي جوا هيختار أنه يرقص معاها، و اكيد أنت شفت نظرات الإعجاب اللي عليها طول الحفلة. قولت العب لعبة صغيرة، و ابعتلك رقم الفايز، و ترقص انت معاها بدل أي حد غريب. فهمت بقى!


رغمًا عنه أقر بأنه فعل الشيء الأقرب إلى الصواب، فلو رأى أحد يرقص معها لكان هدم الحفل فوق رؤوسهم، ولكنه رفض أن يُعلن عن غيرته أو مشاعره التي خانته و ظهرت على السطح بأول ليلة له هنا إذا هتف بقسوة:

ـ الموضوع دا انتهى، وانا طلقتها، و متشغلش دماغك تاني. 


لم يكد يُنهي جملته حتى لمحها وهي تهرول إلى الجهة الآخرى، فشعر بالقلق تجاهها، ولكنه تجاهل شعوره، و التفت مرة آخرى يناظر راجي قائلًا بجفاء:

ـ الموضوع دا انتهى من سنة، و مش عايز اي حاجة تفتحه تاني والإنسانة دي أنا مفيش أي حاجة بتربط بيني وبينها. 


راجي باختصار:

ـ اللي تشوفه.


اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين، وغلبة الرجال"♥️


★★★★★★★★★


جاء الصباح بعد هذه الليلة الكارثية، وقد كانت شروق أول من تخطاها، بعد أن اطمأنت أن آسيا قد استقرت حالتها، فقد عرضوها على الطبيب البارحة بعد إنتهاء الحفل، والذي أكد على ضرورة عدم تعرضها إلى التوتر، والالتزام بالنظام الغذائي و الدواء الذي وصفه لها، لتتوجه إلى عملها وهي تحاول تجاهل شعور قوي بأن شيء سيء على وشك الحدوث، ولكنها تجاهلته لتقوم بتحضير مخطط اليوم، و تتوجه إلى مكتب راجي الذي رحب بها قائلًا:

ـ أهلًا بالموظفة المنضبطة اللي بتيجي في معادها مهما اتأخرت في السهر.


شروق بهدوء:

ـ الشغل مالوش علاقة بأني سهرت ولا لا. الشغل شغل..


راجي بإعجاب:

ـ عشان كدا دايمًا بقول عليكِ اختيار موفق.


شعرت بالخجل، وكعادتها تغير دفة الحديث حين يحاول أن يرسو فوق برًا لا ترغب به لتقول بهدوء:

ـ هعمل لحضرتك القهوة قدامك عشر دقايق تشربها قبل الاجتماع مع الدكتور معتز بخصوص مجمع المستشفيات. 


راجي بابتسامة هادئة:

ـ الصراحة قهوتك دي أكتر حاجة انا محتاجها في الوقت الحالي. 


شروق باختصار:

ـ حالًا و تكون جاهزة عن اذنك.


أنهت جملتها و توجهت إلى الخارج و منه إلى غرفة الاستراحة لتقوم بعمل فنجان من القهوة إلى راجي الذي رحب به كثيرًا لتمر الدقائق وهو يشاهدها تقوم بإعداد الأوراق المطلوبة بهدوء كعادتها و بأناملها الرقيقة التي تعمل بمنتهى الاحترافية ليجذب انتباهه صوت طرق على الباب، فسمح للطارق بالدخول ليُطل معتز برأسه إلى الداخل و من خلفه عمر الذي توجه خلف صديقه الى مكتب راجي الذي رحب بهم قائلًا:

ـ أهلًا بالدكاترة اتفضلوا.


كانت شروق تلملم الأوراق في الطرف الثاني من الغرفة، لتتجمد أوصالها حين سمعت صوت تعرفه جيدًا. صوت لطالما غزى واقعها و منامها و رغمًا عنها اشتاقه قلبها كثيرًا لتستدير ببطء وهي ترى عمر يجلس في المقعد المقابل لمكتب راجي، الذي كان يرحب بهم، غافلًا عن نظراتها المبهوتة، و ملامحها التي يلونها الفزع، فقامت على الفور بالالتفات الى الجهة الأخرى تحاول تنظيم أنفاسها حتى تستعد إلى هذه المقابلة، التي لم تحسب حسابها، فقد كانت آخر مرة رأته بها يوم طلاقهم، واختفى كأنه لم يكن موجود يومًا، ولكن عشقه المسموم لم يختفي معه.

شدت من أذر نفسها وهي تهمس لها بأنها قوية و أنها لن تدع له الفرصة للانتصار عليها، و ستجعله يرى أنه أصبح غريبًا و كأنه لم يكن موجود يومًا..

ـ شروق..


هكذا تحدث راجي مناديًا عليها ليشعر عمر بأن الاسم كألسنة اللهب التي تحرقه من الداخل و تُذكره، بذلك الجرح المدفون بأعماق قلبه، ليجذب أنفاسه وقع لكعب حذاء نسائي يبدو كالنغم الموسيقي الذي يوحي بأن هذه المرأة تتدلل لا تمشي، ولكنه لم يُكلف نفسه عناء الإلتفات نحوها، ليمنحها تلك الفرصة لرؤية وقع المفاجئة عليه حين التفتت تقف بجوار راجي قائلة بنبرة عذبة:

ـ صباح الخير. 


اخترقت جملتها أذنه، فهذا الصوت لم يخطيء في معرفته أبدًا ليرفع رأسه و تستقر عينيه عليها لتتوسعان حتى كاد بؤبؤها أن يغادر مقلتيه! 

ـ أعرفكوا. شروق مديرة مكتبي. 


كانت جميلة، هادئة، واثقة بنفسها إلى حد كبير، ملامحها تضج بالفتنة و كأن الأيام مرت عليها لتُعطيها لا لتأخذ منها، وأيضًا ثيابها كانت لإمرأة ناضجة على عكس السابق، كل شيء بها مختلف مميز، على عكسه فقد نمت لحيته، و نحف جسده، و انطفأ بريق عينيه، حتى بدا أكبر من سنه بكثير و كأن الأيام كانت تغترف من طاقته و رغبته في الحياة.


ـ اتفضل يا فندم. دا المخطط اللي نفذه التيم عندنا للتصميم الداخلي للمبنى الرئيسي. 

وضعت الأوراق أمام راجي الذي رمقها بابتسامة كانت كفيلة لتجعله يستيقظ من صدمته و تحتد نظراته التي شملتها كُليًا ولكنها لم تؤثر بها ولو قيد أنملة.


ـ عمر. يا عمر .

كان هذا صوت معتز صديقه الذي أخذ يكرر نداءه إلى عمر الغارق في تأمله لها ليجذب انتباهه يد معتز التي وضعها على فخذه ليجعله يستفيق و ينظر إليه، فقام معتز بوضع الأوراق أمامه وهو يقول:

ـ أيه رأيك؟ 


ضيق عينيه وهو ينظر إلى الأوراق بعقل مُغيب تمامًا و ملامح مكفهرة، و عينيه تتفرقان ما بين شروق التي كانت تتحدث بخفوت إلى راجي، و يبدو أنهم منسجمان في الحديث، مما جعله لا يدرك أي شيء مما يراه ليقترب منه معتز قائلًا بخفوت:

ـ في حاجة يا عمر؟ 


عمر بجفاء:

ـ لا..


ـ طب ايه رأيك؟!

هكذا تحدث معتز إلى عمر الذي كانت عينيه معلقة على شروق ليتابع معتز باستفهام:


ـ أنت تعرفها! 

كيف يخبره بأنها أقرب الناس إلى قلبه بالرغم من كل شيء! أنها كانت زوجته الأولى و حبيبته الوحيدة التي حُرِمت عليه جميع النساء بعدها! 


ـ لا. 


ـ أيه رأيكوا يا دكتور معتز؟

لم يُمهله عمر الإجابة فقد نصب عوده وهو يقوم بلف اللوحات ليقول بجفاء و عينيه تتفرقان ما بين شروق و راجي:

ـ هنشوف و نبقى نرد عليك. 


اندهش راجي من حديثه و مظهره، فلم يروق له ذلك الرجل منذ أن رآه، ولكنه لم يستطِع إلا أن يتعامل باحترام حين قال:

ـ طيب مش تشربوا حاجة!


التفت عمر ناظرًا إلى معتز وهو يقول بجفاء:

ـ هستناك بره. 


ان بقى ثانية واحدة سيفجر رأسها تلك التي لم تمنحه حتى التفاتة على عكس قلبه الغبي الذي اهتز من مجرد سماعه وقع ضربات حذائها على الأرض!


ـ هو الدكتور عمر ماله! 

هكذا استفهم راجي ليُجيبه معتز بحرج:

ـ معلش. بس اصل عمر لسه جاي من سفرية مكنتش أحسن حاجة، فأعصابه تعبانه شوية.


أومأ راجي بتفهم ليُغادر معتز خلف عمر الذي ما أن خرج من المشفى حتى قام بتمزيق اللوحات بحنق و إلقائها بعُنف، فقد كان تجاهلها قاسي حد الألم، مستفز حد الجنون، وداخله يستنكر رؤيتها في هذا الوقت بالذات. لم يكُن يحتمل أي استفهامات لذا استقل سيارته و غادر كعاصفة تشبه التي في قلبه تمامًا.


اللهم أبدل قلقي سكينة وهمي انشراح وسخطي رضا وخوفي طمأنينة وعجزي قدرة وحزني فرح".


"اللهم إني أسالك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك ♥️


★★★★★★★★


ـ خالد. كمال رجع بجد! 

هكذا استفهمت نبيلة التي هرولت إلى هذا المنزل الذي حُرِم عليها طوال الاثنى عشر شهرًا الماضيين بأمر من خالد الذي رفع رأسه يناظرها بقسوة تجلت في نبرته حين قال:

ـ أنتِ استأذنتي قبل ما تدخلي هنا.


نبيلة بعتب:

ـ هتفضل محرم عليا بيت أبويا العمر كله يا خالد! معقول مصعبتش عليك! 


خالد بجفاء:

ـ لا..


ـ طيب بلاش انا. ميرهان اللي دابت زي الشمعة دي مش صعبانه عليك بردو!


خالد بفظاظة:

ـ بالعكس. أنا زعلان من نفسي اني اتأخرت اوي في تربيتها. 


نبيلة بانفعال:

ـ كل دا عشان مين؟ 


صاح خالد بحدة أفزعتها:

ـ عشان تتربوا. 


انتفضت إلى الخلف مذعورة من حدته لتهتف بنبرة مُرتجفة:

ـ للدرجة دي هونت عليك أنا وهي! 


خالد بتهكم:

ـ بتستعطفيني عشان أيه! فارقلك بيت أبوكي اوي ولا حتى اللي فيه؟ 


ـ أيوا فارقلي. وانتوا كمان فارقينلي.. 

هكذا صرخت نبيلة لتهرول أشجان إلى غرفة المكتب إثر صراخها وهي تهتف بلهفة:

ـ في أيه؟ 


ناظرتها نبيلة بتخابُث قبل أن تقول بتوسل:

ـ تعالي يا أشجان احضرينا. يرضيكِ عمايل خالد فينا دي! يرضيكِ يمنعني ادخل بيت أبويا الفترة دي كلها، وحتى اني اشوف ميرهان اختي اللي مربياها على أيدي.


خالد بجفاء:

ـ خرجي أشجان من كلامنا دلوقتي. 


نبيلة بمكر يغلفه الحزن:

ـ لا يا خالد ازاي مش مراتك و مفروض تنبهك لما تغلط.


أشجان بتأثر:

ـ لا يا خالد ملكش حق. خلاص بقى. انسى و المسامح كريم..


خالد بسخط:

ـ اركني أنتِ على جنب دلوقتي. 


نبيلة بتخابث:

ـ ازاي تقولها كدا؟ اتكلمي يا أشجان.


أشجان بعتب:

ـ لا يا خالد مينفعش كدا. الكلام أخد و عطى…


خالد بتحذير:

ـ أشجان. الموضوع دا بره عنك.


أشجان في محاولة لتهدئته:

ـ أهدى بس يا خالد و اسمعها..


واصلت نبيلة بث سمومها إذ قالت بتأثر زائف:

ـ هو طول عمره كدا. قاسي و مبيفكرش فينا. ولا بيسمع لحد، ولولا أني كنت بصعب عليكِ و بتخليني اشوف ميرهان الفترة اللي فاتت دي. كان زماني بقالي سنة مشوفتش أختي!


اخترقت الجملة رأس خالد و صدر أشجان التي كادت أن تقع من فرط الخوف حين زأر بقوة:

ـ أشجااااان. 


نبيلة بأسف زائف:

ـ أوف. أنا شكلي عكيت..


نهرها خالد بشراسة:

ـ اطلعي بره..


اطاعته على الفور لتغادر و على وجهها ابتسامة ساخرة، وهي تشعر بالغبطة لما فعلته، والذي لن يُمرره شقيقها مرور الكِرام، وقد تأكدت ظنونها حين سمعته يهتف بحدة:

ـ اقفلي الباب و تعالي هنا….

الفصل الخامس من هنا


stories
stories
تعليقات