رواية لاجلها الفصل الثالث والخمسون 53 بقلم امل نصر


 رواية لاجلها الفصل الثالث والخمسون 

ـ قصدك إيه؟
سألته، وقد أصابتها الحيرة خلف تصريحه، وتلك النظرة الغريبة التي كانت تطل من عينيه، فافترّ فاهه بابتسامة غامضة، قبل أن يصعقها برده:
ـ قصدي أني أطلعك براءة يا هالة بدل من إفراج الكفالة اللي مستنياه على نار، عشان ترجعي على بيتك، والأكيد إنك هتعودي هنا تاني عشان المحاكمة والسجن اللي في انتظارك للأسف.
انتابها نوع من التشتت لتعود لنفس السؤال وقد تقلصت معدتها بمجرد التخيل:
ـ برضه مش فاهماك، كيف يعني أنت اللي هتطلعني براءة؟ هو الأمر بيدك؟ ثم كمان أنا مش محتاجالك، المحامي وعدني إنه هيعمل أقصى ما في جهده عشان يخليني مرجعش السجن تاني...
صدحت ضحكته تجلجل في قلب الغرفة ليسخر منها:
ـ عشان عارفك عبيطة وهتصدقي، عايز يسحب أكبر قدر من الفلوس وفي الآخر مهما طلع أو نزل مش هيجيب أكتر من تخفيف، أنتي معترفة بعضمة لسانك بالتحريض ودفع مقابل قتل اعتماد.
ـ أيوه بس أنا رجعت في كلامي ورحت لحسني يغير العبوة بس هو اللي...
قاطعها بحدة:
ـ الحكومة مالهاش دعوة بالنية، الحكومة ليها القرائن والأدلة، وأنتي جريمتك مكتملة الأركان، من سبق الإصرار والترصد في محاولة قتل اعتماد بشراء السم والتخطيط بمساعدة ابن أختك في التنفيذ، يعني حتى مع الرأفة وشهادة اعتماد الغلبانة في مسامحتك، على أقل تقدير هتاخدي الحكم المخفف ١٥ سنة بس!!
توقف يتمعن النظر بملامح الخوف التي تجلت عليها، شاعراً بشيء من شماتة لا يخفيها، قبل أن يتابع بحرق أعصابها:
ـ رغم إني متأكد برضه أن المحامي وصلك الحقيقة بطريقة ما لكن كالعادة أنتي رافضة تسمعي غير لدماغك، على أساس يعمل سوبر مان ويخرجك، وده طبعاً لا يمكن يحصل وتسجيل اعترافك بالحرف معايا...
شحبت ملاحها كشحوب الموتى وانكمشت بفزع، فتلك الحقيقة لا تتقبل حدوثها على الإطلاق، تطالعه بترقب يقبض على قلبها، فتابع بارتخاء واضعاً قدماً فوق الأخرى:
ـ يعني الحكاية كلها بقت في إيدي دلوقتي، أنا الوحيد اللي أقدر أطلعك براءة، وأصلح غلطتي في كل اللخبطة اللي حصلت في حياتك بسببي، ده على حسب كلامك.
ختم قوله بابتسامة استفزتها لتصيح به وقد فاض بها من ألاعيبه معها:
ـ ما تجيب من الآخر، بدل اللف والدوران ولعبك بأعصابي، أنت غرضك إيه من الآخر؟
ضحك بنشوة وقد مالت رأسه للخلف، ثم نهض بزهو المنتصر يضع يديه في جيبي بنطاله، ليتحدث بعد فترة من الوقت، غير آبهٍ بحالتها المزرية في انتظار الرأفة بفضولها:
ـ يعجبني أوي ذكاؤك يا هالة، عرفتي أن ليا غرض بمجرد ما ذكرت الفكرة، وأنا أكيد مش عبيط يعني عشان أعملها لله لله مع واحدة زيك، حتى لو أمر أسرتك يهمني، ولا المأساة اللي هيعيشوا فيها بناتك كل ما كبروا وفهموا عن سبب حبسك، والدهم ولا عيلتهم مهما عملوا لا يمكن هيشيلوا عنهم صفة أن والدتهم محبوسة في قضية شروع في قتل، يعني حاجة تعرّهم...
شدد على الأخيرة، ليرى تأثير الكلمة القاسية عليها وقد أغمضت عينيها عن مواجهة خاصتيه بألم، قبل أن تفتحهما متوسعتين حين أردف بصوت خفيض:
ـ أنا ممكن أدعي أن التسجيل اتمسح من التليفون عن طريق الخطأ.. وأنا لسه مقيدتش المحضر كتابي (لم يتم تفريغ محتوى التسجيل) ومع مجموعة التعليمات اللي هتمشي عليها أطلعك منها زي الشعرة من العجين.
تأملت به تستشف الصدق باستجداء، فتبسم مردفاً:
ـ بس ده بشرط...
ـ شرط إيه؟
سألته بنبرة يفوح منها الرجاء، ليصعقها بالإجابة التي ما كانت تتوقعها أبداً:
ـ نتجوز يا هالة.
برقت عيناها بذهول شديد، تكذب أسماعها في البداية ولكن ابتسامته كانت خير دليل على صدق ما وصلها لتردد بعدم استيعاب:
ـ مين اللي يتجوز؟ أنا وأنت! ليه؟ وكيف؟ حتى لو كنت جد... تفتكر إني هبلة يعني عشان أوافق؟ أنت أكيد قاصد كده عشان تنتقم مني، والأكيد أنك بتظبط القضية عشان تورطني أكتر وتجبرني...
ـ اخرسي...
قاطع هذيانها بحدة، يحدجها بنظرة نارية جففت الدماء في عروقها، فواصل في فرض هيمنته:
ـ ما تخليش الجلالة تاخدك وتعيشي الدور، أنا مش محتاج أظبط ولا ألفق قضايا، حضرتك جايالي بمصيبتك جاهزة، والقضية لابساكي من ساسك لراسك، يعني بيا ولا من غيري أنتي لابسة لابسة، ورجعتك ع السجن والمحاكمة ده شيء مفروغ منه، ولو لسه عايشة في وهم إنك تعدي مصيبتك كالعادة من غير عقاب يبقى تفوقي نفسك كويس وتعرفي وضعك مع المحامي يا تشوفي غيره يقولك عن حقيقة وضعك...
توقف برهة ثم استطرد:
ـ وافهمي بقى إني بعمل فيكي جميلة، صحوة الضمير اللي أنتي ماسكة فيها دي، هي الحاجة الوحيدة اللي خلتني أطاوع أساعدك، إنما غير كده لو انطبقت السماء على الأرض، ما كان هيحصل أبداً أني أخالف مبادئ مهنتي عشان مجرمة...
توقف، يرى بأم عينيه تأثير ثورته وجلد الكلمات التي كانت تنزل عليها كالسياط، لينهي الحديث بقوله:
ـ قدامك لآخر النهار تفكري مع نفسك، قبل ما ينتهي اليوم أكون عارف بقرارك، يا تنقذي نفسك وسمعتك واسم عيلتك ومستقبل بناتك، يا نكمل بقى قضيتنا بشكل طبيعي وحضري نفسك للقادم، والكلام اللي دار ما بينا ده إياك حد يسمع بيه يا هالة، يا هتشوفي الغضب الحقيقي مني، وساعتها ما تلوميش إلا غباءك.
...................

مستلقية على فراشها بما يقرب من الساعات، لا تعلم بالوقت ولا يشغلها، تناجي نوماً لا يأتي أبداً رغم حاجتها الشديدة إلى الراحة. منذ أن عادت إلى المنزل وهي تغلق عليها باب غرفتها، لتختلي بنفسها بعيداً عن شقيقاتها بحجة النوم.
لا تعرف تفسيراً لما تشعر به؛ تلك المرأة التي اعترضت طريقهما على حين غرة لتعرف نفسها إليها، قطعت عليها حالة السعادة التي كانت تكتنفها مع الرجل الذي تفانى اليوم من أجل إدخال الفرحة إلى قلبها ونجح بامتياز، ليجعل يومها من أجمل الأيام التي مرت عليها. لقد كانت محلقة في جو سمائها الوردية حتى ظهرت تلك المرأة.
ورغم أن اللقاء كان عادياً جداً، إلا أن هناك شيئاً ما سرّب إلى قلبها نوعاً من عدم الراحة؛ هذا الجمود المبالغ فيه من المدعو خطيبها، والفعل المعاكس من الأخرى وهي تضحك بابتسامة ملتوية، وتطالعها بمكر لا تجهله امرأة مثلها.
كما علمت وتذكرت أيضاً أنها طليقة شقيقه؛ تلك المعلومة التي كان يجب أن يسير عليها اللقاء، إذن لماذا لم تكن واضحة بالصورة الطبيعية؟ بل إن ما وصلها من طريقة الحديث لم يكن يشير إلى هذا الشيء على الإطلاق.
ـ التليفون بيرن للمرة العشرين يا اعتماد، لسه برضه نايمة؟
كان هذا صوت شقيقتها روضة وهي تقتحم عليها الغرفة بطفلتها التي تحمل الهاتف وهو يدوي بنغمة الاتصال، فنهضت هذه المرة لتلتقطه من الطفلة وتداعبها:
ـ لا يا ستي المرة دي صحيت، هو فعلاً رن عشرين مرة يا دودو؟
ضحكت الصغيرة حين قرصتها بخفة على وجنتها، وتولت والدتها الرد:
ـ الله أعلم عشرين ولا أكثر ما ركزتش، بس هو فعلاً رن كتير وإحنا كذا مرة ننده عليكي لكن مفيش رد، أنتي ليه سبتيه أصلاً مع دودو وما حطيتهوش تحت المخدة كالعادة عشان تردي سريع؟
تبسمت لها بارتباك وهي تلمس الشاشة على زر الإجابة:
ـ كنت هلكانة ونمت من غير ما أركز،.... ألووو..
تركتها روضة تكمل مكالمتها وغادرت الغرفة، لتواصل هي التبرير بكذب نحو محدثها من الجهة الأخرى:
ـ أيوه يا خليفة معلش كنت نايمة والفون مع دندون بنت أختي............ لا الحمد لله فوقت دلوقتي، معاك عادي اتكلم براحتك......
...............

أما في الجهة الأخرى، وبعد أن انتهى من مكالمتها سريعاً، وذلك لاستشعاره بنبرة الفتور التي تتحدث بها؛ فهو ليس بغبيٍّ حتى لا يفهم ما أصابها حتى لو ادعت هي غير ذلك.
لقاؤهما اليوم المفاجئ بتلك الحية "روان"، وطريقتها الملتوية المقصودة في السخرية المبطنة منها، كان غرضها واضحاً بالنسبة إليه، ولكنه كان مضطراً للتعامل بطريقة طبيعية، وحتى رده الحاد أحياناً لم يكن بالصورة التي يريدها، حتى لا يخرج الأمر عن إطار آخر غير صفتها السابقة بأنها زوجة شقيقه وفقط.
لكن يبدو أنه لم يوفق في التعامل بحرفية مع ذلك الموقف المفاجئ، وعليه الآن أن يتدارك الوضع مع اعتماد... المرأة التي أحبها بحق، والتي تستحق توضيحاً أكبر ولكن كيف؟...
خرج من شروده منتبهاً لصوت الشجار الذي أصبح يصله من شقيقه وزوجته... لينهض مهرولاً نحو جهة الصوت القريبة.
ـ يعني جاي دلوقتي وعايز تسيبني يا معاذ؟ دلوقتي عايز تتخلى عني في عز ما أنا محتاجالك؟
ـ مين ده اللي هيتخلى ويتزفت؟ ما تفهمي بقى اللي بقوله، وشغلي شوية عقلك التخين ده.
ـ تخين في عينك يا معاذ، أنت اللي تخين وطويل وأهبل...
ـ ما تخلينيش أتعصب عليكي يا ليلى، أنا على آخري منك.
ـ بس بس أنتِ وهي، ليه الزعيق والعراك ده، في إيه؟
صاح بهما نحوهما، بعد أن صعد إليهما داخل شقتهما التي كانت مفتوحة على مصراعيها، ليتابع بعدها بأمر:
ـ اخزوا الشيطان أنتم الاثنين وخلوني أفهم منكم بهداوة.
..................
بعد قليل،
كان الموضوع قد توسع ليشمل باقي الأسرة، وقد اجتمعت الآن للتباحث حول صلب المشكلة.
تحدث حمزة يصدر أمره نحو الطرفين المتشاجرين:
ـ اتكلموا براحة وفهمونا بالضبط سبب الخناقة الكبيرة ما بينكم.
بدأت ليلى بنبرة باكية:
ـ هو اللي غلطان من البداية للنهاية، وأنا لو غلطت يبقى رد فعل منه، وبرضه هو السبب.
ـ شايف يا حمزة؟ أهي بتنكش من تاني وترجع بعدها تشتكي.
صاح بها معاذ مشيراً بالسبابة نحوها، فجاء رد الآخر بحزم:
ـ فضها يا زفت وادخل في المهم على طول، مش هنقعد إحنا اليوم كله في شغل العيال بتاعكم ده.
سمع منه ليطرق بوجوم، ثم خرج رده بنبرة يكسوها الهم:
ـ الإدارة اتغيرت في الشركة اللي متوظف فيها، وصاحبك يا حمزة اللي كان نافعني طول الشهور اللي فاتت، هو بنفسه اللي اتصل بيا النهاردة، وبلغني إن مسك مكانه ناس تانية، وهو اتنقل لفرع تاني؛ يعني لازم أرجع أنتظم في الشغل زيي زي أي موظف عشان مخسرش شغلي ولا يجي حد غيري يمسك مكاني. وبس بلغت الهانم بالوضع، لقيتها قوّمتها حريقة إني عايز أسيبها في الهم لوحدها وفي عز ما هي محتاجاني، طب هو بمزاجي يعني؟ والله ما هو بمزاجي، أنت اتصل بصاحبك وهو اللي يأكد كلامي.
صمت حمزة باستيعاب، أما مزيونة التي كانت تحتضن ابنتها الباكية فعلقت بنبرة عاتبة:
ـ بس هي بتقول إنك غلطت فيها يا معاذ.
ـ والله ما حصل.
ـ كداب!
صاحت بها ليلى لتتلقى التوبيخ من والدتها عبر قرصة خفية منها ونظرة حازمة:
ـ بلاش الغلط.
فصاح معاذ:
ـ قدامكم أهه، دي أتفاهم معاها إزاي بطريقتها دي؟
ـ معااااذ!
صدر النداء الغاضب من حمزة الذي مسح بكفه على صفحة وجهه بتعب، ليستطرد:
ـ أنا هشوف الأمر ده، وأشوف إن كنت أعرف حد من الإدارة الجديدة أنسق معاه يتحملوك المدة اللي باقية دي على ما أطمن على مرتك.
عارضته مزيونة تفاجئه برأيها:
ـ مفيش داعي منه يا حمزة الكلام ده، هو يروح شغله وعلى ما يجي يومها إن شاء الله يرجع زي كل الناس ما بتعمل، ملهاش لازمة وقف الحال وإحنا كلنا معاها.
سبقت ليلى الجميع بصدمة نحوها:
ـ أنتي اللي بتقولي الكلام ده يا أمه؟!
ردت مزيونة بحزم وإقناع:
ـ أيوه أنا اللي بقول الكلام ده، معاذ لو فضل مربوط جنبك لحد ما تولدي، مش هيكمل كمان والعيل على دراعك. يا بنتي إحنا معاكي وحواليكي، وعلى العموم برضه هو أكيد هيرجع على نفس النظام الأولاني ويجيلك مرة ولا مرتين في الشهر، ولا إيه يا معاذ؟
لم يجبها المذكور، وقد كانت الحيرة ما زالت تنهش تفكيره وهو لم يحسم قراره بعد، أما حمزة فقد طالعها بفخر كالعادة؛ فهي لا تتوقف أبداً عن إبهاره برجاحة عقلها وقدرتها في اتخاذ القرارات الحاسمة.
..................
داخل مشفى السجن،
وقد أتت والدتها في زيارتها اليومية من أجل الاطمئنان عليها وإطعامها من الطعام الذي أعدته في المنزل؛ تلك الميزة الاستثنائية التي حصلت عليها في ذلك المكان بعد إصابتها، والفضل يرجع إلى ذلك المجنون الذي يعود لطلبها للزواج مرة أخرى، وبعرض يجعل عقلها مشلولاً عن التفكير في حل آخر.
كانت في تلك اللحظة تلوك فمها بقطعة اللحم التي وضعتها والدتها بفمها، وعقلها الشارد يسبح في فضاء الحيرة التي تجتاحها، لتعلق المرأة بعد فترة من الحديث معها بضيق من تجاهلها:
ـ وه عليكي، ده ولا كأني بكلم نفسي، خبر إيه يا بت؟
انتبهت إليها أخيراً لتعقب على قولها:
ـ معلش يا أمه، أنا بس مش مركزة، ده غير إن صداع راسي شكله بدأ يعود من تاني.
شعرت والدتها بالشفقة عليها، لتؤنب نفسها على ذلك الخطأ:
ـ اسم الله عليكي يا حبيبتي، بكرة تروقي وتنسي، ودراعك ده يلم كسره كمان، كان مستخبي لنا فين المصايب دي بس يا ربي؟ لا أنا عارفة أحزن عليكي ولا على واد أختك اللي اترمى في السجن وهو لسه مخلصش الدبلوم حتى، ولا أمه اللي شايلة الطين عليه، يا بوي على المرار الطافح...
تذكرت هالة شقيقتها وما قد يدور برأسها الآن، لتتوجه بالسؤال إلى والدتها عنها:
ـ صحيح هي هدى عاملة إيه دلوقت؟ أنا كنت عايزة أشوفها يا أمه، معقولة مابتزورش ولدها؟
التوى ثغر المرأة على جانب واحد وهي تلملم الطعام من أمامها، تجيبها من تحت ضرسها:
ـ بتيجي وتزور ولدها، وحتى امبارح جت معايا، لكنها رافضة تدخل عندك، بتقول إن أنتي السبب في اللي حصل لولدها، أنا عارفة دي كمان جايبة الكلام ده منين؟
قالت الأخيرة بنظرة متهربة، وكأنها تتجنب المواجهة معها رغم علمها بالحقيقة، فصمتت هالة هي الأخرى لتعود إلى شرودها مرة أخرى. الجميع يعاملها بحذر، الجميع يتجنب الصدام معها، بالطبع نظراً لحالتها المأسوف لها، إنما حين تخرج وتسترد عافيتها، تعلم جيداً ما ينتظرها من لوم وتوبيخ قد يصل لحد التجريح وإلقاء اللعنة عليها، والسبب بالطبع هو حظها التعيس الذي لم يسعدها مرة بما تريده، حتى حين حاولت إيقاف الجريمة قبل وقوعها لم تتمكن من ذلك.
...................
كفاكي بكا ونواح يا ليلى، هو أنا كنت غلطت فيكي بس؟
هتفت مزيونة بحنق نحو ابنتها التي لم تكف عن البكاء حتى بعد انفرادهما معاً داخل غرفتها، فخرج الرد منها بانفعال:
ـ لا مغلطتيش يا أمة بس تبعتيه، معاذ ما صدق لقى الفرصة عشان يهرب ويشم نفسه بعيد عني بعد ما خلاص اطمأن ونفذ شرطه معاكي في موضوع الشهادة والكلية. يعني أنا أترزع لوحدي وأنا على وش ولادة دلوقتي، وهو يطلع ويسافر على كيفه بحجة الشغل عشان يجي بس يشيل العيل ولا وقت الولادة يحضر ويبقى عمل اللي عليه وخلاص كده.
كانت غاضبة بصورة فاجأت والدتها التي كانت تحاول تهدئتها وتغليب صوت العقل على عاطفتها الغاشمة.
ـ ليلى اوزني كلامك وميبقاش عقلك صغير، أنتي قبلتي بجوازك منه وانتي عارفة ظروفه مش جديدة عليكي، الحياة مش دلع وبس، لا فيها شقا كمان، وأنتي جوزك شال معاكي كتير الفترة اللي فاتت وجه الوقت يشوف مستقبله، وأنتي تشيلي لوحدك، يبقى الواجب تبقي قد المسؤولية وإحنا مش هنسيبك يا بنتي، خليه يلحق وظيفته قبل ما تروح منه، ويجي بعدها يحط اللوم عليكي، أو أنتي نفسك تحسي بالذنب ولو هو مبيّنش.
صمتت ليلى وقد بدا أنها تستوعب حديث والدتها لتظهر حالة من الاقتناع، حتى دلف زوجها عائداً لغرفته معها والهم يعتلي تعابيره، فانسحبت مزيونة لتذهب وتتركهما يصفيان الأجواء بينهما معاً.
فاقترب معاذ من زوجته الجالسة على الفراش، ثانية ركبتيها أسفلها وبظهرها مستندة على قائم التخت الخشبي:
ـ الجميل لسه برضه زعلان؟
مسحت بكفيها الدموع العالقة على وجنتيها لتنفي رداً له:
ـ لا مش زعلانة منك، أنا بس مضايقة من الظرف نفسه، إنك تبعد عني دلوقتي في عز ما أنا محتاجالك؛ ولادة وجامعة دخلاها جديد.
تنهد يجذبها من رأسها إليه، يريحها على صدره وذراعه تضم جسدها:
ـ خلاص ولا يهمك، أنا من بكرة أنهي الموضوع ده من أوله، شكلي ماليش فيها الشغلانة دي من أصلا.
ـ لا يا معاذ متقولش كده حرام عليك، أنا مش هرضى أبداً بقطع عيشك من الشغلانة اللي بتحبها.
قالتها ترفع رأسها إليه، ليقابل عينيها وهو يعقب بحيرة:
ـ أمال عايزاني أعمل إيه بس يا ليلى؟ كده مش عاجب وكده مش عاجب، أتصرف إزاي بس وأنا مطلوب حضوري من بكرة؟ في كل الأحوال بغيابي ده هترفد هترفد، يبقى أمشيها بكرامتي أحسن وأقدم استقالتي.
ـ وأنا بقولك لاه يا معاذ.
صاحت بها لتمرر كفها على بطنها تردف بضعف:
ـ إحنا معانا طرف تالت دلوقتي، والطرف ده أكيد من مصلحته ينزل على الدنيا يلاقي أم وأب ناجحين، ثم أنا كمان مش أنانية لدرجادي يعني؟
جاءت منها الأخيرة بابتسامة أراحت قلبه، ليجذبها إليه يقبل ثغرها الذي تفوه بالكلمات، قبلة طويلة تبعتها عدة قبلات، ثم عاد يضمها إليه بقوة قائلاً:
ـ وأنا عمري ما هقصّر معاكي يا قلب معاذ، هعمل المستحيل عشان ما أسيبكيش لوحدك، وزي ما نجحنا في اللي فات، ننجح في اللي جاي.
...................... 
ها إيه الأخبار؟
وكأنه كان في انتظارها، تلقاها حمزة بسؤاله فور أن ظهرت أمامه تهبط الدرج، ليتقدم نحوها ويسندها في السير كعادته منذ إصابة قدمها، مردفاً:
ـ مع إني بضايق من الطلوع والنزول ده اللي بيتعب رجليكي، لكن الأمر لله، هديت ليلى دلوقتي؟
طالعته بامتنان وهو يجلسها على الأريكة تجيبه:
ـ إن شاء الله تهدى، هي بس تاخد وقتها، ليلى اللي صايبها بس الخوف من اللي جاي، لكن إن شاء الله واحدة واحدة تفهم وتستوعب.
كان حمزة ما زال ممسكاً بكفها، فجاء رده على كلماتها بأن رفعها إليه يقبل ظهرها، قائلاً بعبث:
ـ يا روحي على العاقل اللي مريح قلبي دايماً بحكمته ورزانته.
ضحكت تبعد كفها عن مرمى شفتيه وعيناها ذهبت تطالع الأنحاء حولهما، هامسة بخجل:
ـ وه يا حمزة ما تعقل شوية، إحنا مش لوحدينا في البيت.
رد يشاكسها:
ـ مع إنك عارفة جوزك ما بيهموش، لكن حظك الحلو محدش في البيت أصلاً غير جوز المجانين اللي فوق، معاذ وليلى في شقتهم، يعني البيت فاضي عليا وعليكي.
قطبت بدهشة واستفسار:
ـ كلهم! حتى الحجة الكبيرة؟ ليه بقى راحوا فين؟
تحدث بمكر يجيبها بالعد على أصابعه:
ـ أخواتي البنات بعيالهم روحوا على بيوتهم، الواد ريان راح يلعب مع بنات عمه عند بيت جدهم اللي هو عمي، يتبقى خليفة وأمي، فدول سحبوا منى معاهم وراحوا زيارة لبيت اعتماد، يعني الجو خلا علينا يا جميل.
فهمت مغزى حديثه، لتعقب بقنوط:
ـ وإيه اللي جد يعني؟ ما هم أربع حيطان هنا، نفس الأربع حيطان في الأوضة، كله واحد.
ضاقت عيناه بتفكير سريع ليعلق بفراسته:
ـ أنتي زهقتي من قعدة البيت وعايزة تطلعي، طب ما تقوليها صريحة يا حرمة بدل التلميح.
لوت شدقها معاتبة:
ـ وهي محتاجة قول ولا أعيد يا حمزة؟ أنا بقالي كام يوم ما شوفتش الشارع أصلاً من ساعة رجلي والحمل.. أنا مش متعودة على الحبسة، واخد بالك؟
ضحك رداً عليها:
ـ خلاص خدت بالي يا أم الغايب، يمكن مكنتش منتبه الأيام اللي فاتت ومشغول، لكن خلاص يا ستي، أنا النهاردة هفضي لك نفسي، إيه رأيك أروح بيكي على الدكتور الأول نطمن، وبعدها ننزل على المحافظة نتفرج على الشوارع من العربية لحد ما نوصل لكافيه حلو أو مطعم نتعشى فيه.
بدا على ملامحها الرضا خلف اقتراحه، لكن سرعان ما انتبهت تذكره:
ـ بس بشرط يا حمزة، هدخل عند الدكتورة لوحدي، يا إما لو حصل ودخلت، إياك تكرر ضحك وهزار المرة اللي فاتت.
رد ببراءة والذهول يجتاحه من تحكمها اللذيذ على قلبه:
ـ وه وه يا أم الغايب، بتحكمي وتتشرطي على جوزك كمان! على العموم نفوتها لك عشان الخروجة، ثم كمان العيب مش عليا، العيب على الدكتورة اللي بتضحك على أي كلمة أقولها، وأنا مش قاصد أضحكها أصلاً.
......................

داخل منزل اعتماد،
وقد اختلت منى بشقيقات المذكورة في جهة بعيدة عن شقيقها وعروسه، وقد جاء خصيصاً بها ووالدته اليوم من أجل زيادة القرب بين العائلتين.
كانت تداعب الصغيرة ابنة روضة، وضحكات الأخرى تصدح في قلب الغرفة:
ـ مابيزهقوش من اللعب، عايزين حيل ليهم لوحدهم.. قطيعة تاخد البنات كلها.
علقت رغد التي كانت تضحك مع البقية:
ـ بعد الشر يا خالة منى، هو في أحلى من البنات؟ دول سكر نبات.
ـ اممم.
عبست منى تدعي الضيق:
ـ آه يا اختي سكر نبات، لكن مضاريب دم وهما صغيرين، هو أنا كرهتهم من شوية؟ ده أنا مش بس كرهتهم، ده أنا مش طيقاهم.
كانت توجه الأخيرة نحو الصغيرة التي تمسكها بيديها، فتقهقه لها الأخرى دون جهد، لتعقب والدتها ساخرة:
ـ خليها تعيب يا رغد يا بنتي براحتها، طول ما بتعمل كده يبقى شكلها حِبلة في بنيّة أصلاً، مسكينة يا عيني حلاوة روح.
ـ شوفي المرة!
قالتها منى رداً عليها لتردف بغيظ:
ـ وافرضي يعني حِبلة في بت، هرجعها تاني مثلاً؟ أهو بلاء ونتحمله وخلاص.. بس بلاء حلو، حلو جوي.
قالت الأخيرة وصارت تدغدغ بأنفها في الجوف الفاصل بين رقبة الصغيرة وجسدها، لتزداد ضحكاتها صخباً مع التعليق والمزاح من الباقين، حتى روضة اندمجت في الحديث المرح معها.
أما في الجهة الأخرى،
فكان الحديث بين خليفة واعتماد التي كانت تتبادل الأخذ والرد ولكن بتحفظ لا يغفل عنه، وقد ثبت لديه أنها ما زالت متأثرة بلقاء روان، فقال قاصداً فك جمودها:
ـ النهاردة قفلت معاكي في المكالمة وما طوّلتش عشان حسيتك مش مهتمة.
ـ أنا مش مهتمة يا خليفة؟ ليه بتقول كده؟
ـ عشان ده اللي كان حاصل فعلاً يا اعتماد، متعودتش أنا كده معاكي، دائماً بحس باللهفة حتى وأنتي مكسوفة تاخدي وتدي معايا، طب في حاجة مزعلاكي مني؟
ـ لا والله.
سارعت بالنفي، ثم أردفت بارتباك:
ـ الحكاية بس.. يعني أنا كنت مضايقة شوية، لكن ده مالهوش دعوة بيك أو...
ـ أو إيه؟ كملي يا اعتماد، متخبيش حاجة في قلبك ناحيتي.
قال يحثها على المواصلة، لتتشجع وتخبره:
ـ بصراحة اللي اسمها روان استفزتني النهاردة، بتتعالى عليا وبتبص لي من تحت لفوق، هي إيه صفتها أصلاً عشان تشوف نفسها عليا؟ ولا تلمح بكلام يحرق الدم عن وظيفتي ولا خطوبتي ليك؟ مالها الست دي بيا؟
حسناً، لقد أراحته قليلاً بإخراج ما في قلبها من غضب، يسأل الله التوفيق الآن في إقناعها:
ـ بصي يا اعتماد، عايزك تبقي واثقة من نفسك، وحوار إن روان بصالك ولا مستقلاكي فده شيء ما يمسش من كرامتك ولا يزعلك، بل العكس، أنتي مش أقل منها ولا هي أعلى منك، ولا حتى ليها أي صفة عندنا غير أنها والدة ابن أخويا. متشقلبة عاد ولا متعنطزة هي حرة، وأنتي راسك مرفوعة؛ تبص لك بعين تبصي لها بتنين، تعلق عليكي بكلمة امسحي بكرامتها الأرض وأنا في ضهرك ومعاكي، حتى لو على غلط برضه معاكي.
تبسمت برضا، ولكن ما زال هناك شيء لا يريحها في نظرة تلك المرأة لن تنساه أبداً ولا تعرف طريقة للبوح به:
ـ ربنا يخليك ليا يا خليفة، على العموم هو موقف وعدى أصلاً، هشوفها فين تاني يعني؟ ولو حصل ابقى أديها على دماغها زي ما قولت، ولا تغور وربنا يسهلها بقى.. مفيش أخبار عن هالة؟
عبس يرتشف من فنجان قهوته ثم يضعه مرة أخرى على الطاولة الزجاجية القريبة أمامه، ليجيبها بعد ذلك:
ـ احتمال تطلع بكفالة خلال أيام، ربنا يستر على دورها وتتلم بقى. المهم خلينا في نفسنا، أنا عايز ألمّها ونتجوز بقى، ارضي يا اعتماد على ميعاد قريب، شالله ربنا يرضى عليكي.
فاجأها بطلبه الأخير حتى بزغت ابتسامتها باتساع وتلونت وجنتاها بلون الورود لترد بخجل:
ـ إيه القلبة دي؟ أنا بس كنت بسألك على الولية وقضيتها.
فجاء رده بجدية:
ـ وأنا استغليت وبقولها لك تاني أهه، عايزين نتلم بقى ونتجوز، أقولها في ميكروفون ولا أعلي وأسمّع الجماعة القريبين مننا؟ دول ما هيصدقوا أصلاً.
قال الأخيرة بإشارة نحو جلسة النساء القريبة منهما، لتخطف نحوهن اعتماد نظرة سريعة قائلة برجاء:
ـ لا الله يخليك، دي كفاية منى بس، مش بعيد تعملها ليلة النهاردة وتلم علينا البلد كلها.
علق هو بمكر:
ـ والله تبقى عملت جميل في أخوها، عشان أخدها فرصة وأعملها دخلة بالمرة.
ـ وه! احترم نفسك يا خليفة.
صدرت منها بدون تفكير رداً على وقاحته، ليواصل هو بمشاكستها وتقضية الوقت اللذيذ معها، مستغلاً انشغال البقية عنهما.
.....................

بعد أن تجول بها بالسيارة داخل طرقات المحافظة كما نوه سابقاً، ليستقر بهما الحال الآن داخل ذلك المقهى الشهير، يثير انبهارها بتلك الأجواء الجديدة عليها:
ـ يا وعدك يا مزيونة! الحريم بتشد شيشة وهي حاطة رجل على رجل؟ أنت جبتني فين يا حزين؟
ضحك يجيبها وهو يتخذ وضعه على الكرسي المجاور لها:
ـ الكافيه هنا سياحي يا جاهلة، افهمي بقى.
ـ يعني إيه سياحي؟ يعني كل اللي بيشدوا شيشة دول خواجات! ومحجبين كمان؟
كتم ضحكته بصعوبة يرد وهو يشير للنادل بالاقتراب:
ـ وه عاد على الحريم اللي مخها مقفّل، أنا قصدي سياحي يعني فخم، وأي حد يطلب اللي هو عايزه. تحبي أطلب لك شيشة أنتِ كمان؟
ـ شوف الراجل!
تمتمت بها تحدجه بنظرة تفيض بالغيظ زادت من مرحه، حتى إذا انتهى من ذكر طلباته إلى النادل، عاد إليها يكرر نفس العرض:
ـ بقولك لو عايزة شيشة يا مزيونة، بيعملوها هنا بحاجات مخصوصة للحريم، لذيذة وتفتح نفسهم.
زامت بفمها المغلق تبادله السخرية:
ـ اممم وعلى كده بقى الدخانة بتنزل الصدر تعمل انتعاش وما بتحرقش الرئة ولا تضرها؟ طب اطلب واحدة ترطب على قلبي وقلب العيل اللي بيتكون في بطني، خليه يطلع من البداية صاحب مزاج!
سمع منها ليجلجل بضحكته الرجولية الصاخبة حتى لفت أبصار الطاولات المجاورة، مما أخجلها لتسارع إلى تنبيهه:
ـ لم نفسك يا حمزة، وبطل ضحك الحريم بتبص لك.
ـ حريم مين؟
تمتم بها بعد أن هدأت ضحكته قليلاً، فالتفت برأسه نحو الجهة التي تقصدها، ليفاجأ بأحداهن يعرفها من بينهن. نهضت تفاجئهما بنهوضها متوجهة نحوه ونحو مزيونة التي برقت عيناها تطالع المرأة الجميلة بملابسها المتحررة تقترب منهما:
ـ مستر حمزة، معرفتنيش ولا إيه؟ أنا "تولين" أكيد فاكرني؟
نهض حمزة يقابل المرأة ويتقبل مصافحتها بارتباك ملحوظ:
ـ لا إزاي بس؟ ده كلام برضه، عارفك أكيد.. إزيك يا آنسة تولين.
كادت مزيونة أن تصرخ بالاثنين لتسأل من تولين التي تحدث زوجها بهذا العشم، لكن سرعان ما أسعفتها الذاكرة لتتذكر أحاديث "ريان" عن مدرسته الجميلة وأسئلتها المعتادة عن والده...
انتفضت عند الأخيرة مغمغمة بتوعد داخلها عكس ما تظهر:
ـ "تولين ولا زفت.. ده أنتي ليلتك طين!" معرفتناش يا حمزة مين الجميل؟
بابتسامة رائقة قدمها إليها حمزة:
ـ دي الآنسة تولين مدرسة ريان.. مزيونة يا آنسة تولين، زوجتي ويعتبر والدة ريان.
تبسمت المرأة الفاتنة لتقترب منها وتصافحها:
ـ أهلاً مدام مزيونة.
ـ قصدك مدام حمزة يا حبيبتي.
رددت بها مزيونة وهي تتلقى المصافحة من الفتاة لتضغط على كفها بقوة ألمتها بعض الشيء، وكأنها تعرّف عن نفسها وعما يخصها بطريقتها، الأمر الذي أثار القلق بحمزة، ليسارع بتنبيهها بالقرب من أذنها:
ـ براحة على البنت، مش كده يا مزيونة!
وكان ردها بهمهمة إليه، قبل أن تخطفها بعناق قوي:
ـ اسُكت أنت ده شغل حريم مالكش دعوة.. والله وجه اليوم اللي أشوفك فيه يا آنسة تولين، ده أنتي وحشاني قوي، قوي قوي.
لم تجد الفتاة الفرصة لإبعادها أو الاعتراض رغم حالة الذهول التي كانت تكتنفها، الأمر الذي جعل حمزة يعلق بتضرع:
ـ استر يا رب، وما توصلش لمشكلة دبلوماسية بين البلدين!
........................
جاءها مساءً كما نوه قبل ذلك، يدلف إلى غرفتها بخطواته الوئيدة الواثقة، واضعاً كفيه في جيبي بنطاله، ليجدها جالسة على فراشها في انتظاره، ليلقي التحية عليها بسخرية:
ـ مساء الخير، معلش إن كنت سهرتك على ما خلصت شغلي بقى.
أومأت ترد التحية بفتور:
ـ مساء النور ولا يهمك، أنا أصلاً مش جاي لي نوم.
ـ اممم.
زمّ فمه المغلق ثم جلس على الكرسي الوحيد بالغرفة واضعاً قدماً فوق الأخرى بعنجهية قائلاً:
ـ أرجو تكوني فكرتي في كلامنا الصبح وخرجتي بنتيجة نهائية، عشان معنديش وقت بصراحة.
تنهدت بقنوط تشيح بوجهها عنه، فاستفزته ليخاطبها بحزم:
ـ أنتِ لسه هتفكري تاني؟ بقولك مفيش وقت، قولي رأيك خلينا نخلص!
أجبرها بحزمه على أن تجيبه سريعاً رداً على طلبه:
ـ ما أنا برضه مش مطمنة، أرد أقولك أمين وأنا معرفش الأمر هيحصل إزاي؟ ده غير إني خايفة على ابن أختي لا يتورط أكثر ويشيل المصيبة دي لوحده.
تبسم بسخرية يعقب على قولها:
ـ ده على أساس إنك كنتِ رايحة بيه السينما في البداية ومش عارفة بالمصيبة اللي وزيتيه عليها مثلا؟.. ياللا بقى مش وقت تقطيم.. على العموم اللي هيحصل هو الآتي:
"هتترحلي على النيابة وهما هياخدوا أقوالك من جديد لأنك امتنعتِ من الأول، بعد ما أقول إنك رفضتِ الإدلاء بأقوالك غير أمام النائب العام، ومتخافيش مفيش حد هيعرف إني سجلت لك حاجة في المستشفى، أنا مش هخسر شغلي عشانك".
تبسم ساخراً يستطرد:
ـ "ما هو أنا مش غبي عشان أسيبك تفكري إنك تقولي إن معايا تسجيل بأقوالك اللي أنتِ هتتحاكمي عليها، لا.. أنا بلغت إني أخدت أقوالك بشكل ودي لحين خروجك من المستشفى، وسمعت منك أنا وأمين القسم كان حاضر معايا، يعني كلامنا هو اللي هيتاخد بيه غير كل الأدلة اللي ضدك واللي أنا هقولك إزاي ممكن تخرجي منها.. ها أكمل ولا لسه بتراجعي ما استوعبتيش؟"
قابلت سؤاله الأخير بحنق تجيبه:
ـ كمل أنا منتبهة كويس.
سمع منها وتابع وهو يشعل السيجارة التي وضعها بفمه بعود الثقاب، لينفث الدخان منها في الهواء حولهما:
ـ "أنتِ اشتريتِ السم فعلاً من الصيدلي وأديتيه لابن أختك عشان يوصله لأختك اللي هي والدته، لأن كان فيه ثعلب صغير مجننها وبياكل الطيور من البيت كل يوم، وأنتِ اقترحتِ عليها تحط له لحمة فيها السم وتخلص منه.. ابن أختك بعد ما راح ومعاه علبة السم، قابل اللي اسمه محمود جوز أخت اعتماد اللي بينه وبينها مشاكل وقضايا، كان رايح ياخد منه الزفت اللي بيشربه وأنتِ اتصلتِ عليه وقتها عشان يرجع يجيب الأسورة، ورجع معاه لحد المدرسة. المهم ابن أختك اتفاوض مع المجرم ده على المخدرات بتاعته وأخد منه السم بدون ما يعرف كان ناوي على إيه ومشي، وبعد كدة طبعاً أنتِ متعرفيش دخل إزاي ولا حطه لاعتماد إزاي.. بس كدة علبة السم اللي عليها البصمات، واللي تم إثبات إنها كانت معاكي ومع ابن أختك، اتعرف هي جت منين.. التفاصيل الصغيرة دي أنا هكتبها في التحقيقات متقلقيش. ابن أختك للأسف هيتحول مصحة إدمان لأنه أقل من ١٨ سنة ويتحبس فيها لحد ما يخلص علاجه، ده قاصر وتم التغرير به وهو تحت تأثير المخدرات، وهو هيعمل إنه مش فاكر كل التفاصيل وإنه بس أخد منك الحاجة ورجع مع الزفت ده عند المدرسة فعلاً، عشان فيه شهود هتقول إنهم كانوا هناك مع بعض وإنه أداله علبة السم وأخد المخدرات بتاعته ومشي وبس. أنتِ هتخرجي براءة وراسك مرفوع قدام الكل حتى أهلك، وهنعمل في ابن أختك معروف ونعالجه سنة تحت التأهيل والإصلاح طبعاً ويخرج، وهتتقيد القضية ضد (جوز أخت اعتماد) واتقفلت على كدة.. شفتِ سهلة إزاي؟ مش قلت لك بعمل فيكي جميلة؟ دي جميلة العمر كمان، يعني حقك تبوسي إيدي شكر على معروفي".
بزغت بزاوية فمها ابتسامة ساخرة لم تصل لعيناها:
ـ وأبوس رجلك كمان! مش هو ده غرضك من البداية إنك تنتقم مني وتذلني؟ يعني أطلع من نقرة أدخل في دحديرة.
صاح بها منفعلاً يلقي السيجارة من يده أرضاً:
ـ دحديرة ولا مصيبة سودة حتى! على الأقل هتصوني اللي فاضل من كرامتك وصورتك اللي هتتهز قدام بناتك، ولا سمعة أهلك اللي مالهمش ذنب في إجرامك وإنك توصميهم معاكي طول العمر.. كلمة أخيرة: آه ولا لأ؟
أومأت بخوف منه تحرك رأسها:
ـ موافقة.
سمع منها وارتخى قليلاً في جلسته ليواصل بحزم:
ـ تمام أوي، يبقى كدة هتنفذي كل التعليمات اللي قلت عليها وبالحرف، أما بقى لو في نيتك أي غدر عشان تتصرفي من دماغك الذكية وتحاولي تحولي الأمر عليا، يبقى قسماً بالله لأكون أنا اللي هسعى إنك تاخدي أقصى عقوبة ممكنة بالمؤبد إن شاء الله في السجن!
زحف الرعب داخلها حتى شعرت بتجمد أطرافها عقب تهديده القوي وشرار عينيه التي تحدجها بحدة قادرة على إيقاف قلبها عن النبض، فانكمشت على نفسها بخوف تتمنى ذهابه من أمامها، إلا أنه فاجأها حين نهض يقترب منها واضعاً ورقة كبيرة بحجرها وقلم يأمرها:
ـ امضي.
رفعت رأسها إليه بعدم فهم:
ـ امضي على إيه؟
لم يتأخر في إخبارها:
ـ دي الورقة اللي هضمن بيها تنفيذ اتفاقنا.. أنتِ لسه في العدة بتاعتك يا هالة، فكرك مش هاخد ضمان إنك بعد ما تخرجي وتضمني نفسك متخليش بيا؟ ده أنا شايف الغدر في عينك من دلوقتي.
سمعت منه ودنت برأسها تقرأ محتوى الورقة لتعود إليه بأعين متوسعة وتساؤل، أجاب عنه دون تردد:
ـ أيوه كدة زي ما فهمتِ، عشان دي الحاجة الوحيدة اللي هتقيدك بتنفيذ اتفاقنا، يعني مفيش مهرب.

غير معرف
غير معرف
تعليقات