رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل العاشر
"حواء حين تقرر اللعب... فحظ أوفر المرة القادمة يا آدم"
انتهى الزفاف الأسطوري للطبقة الارستقراطية المُنمقة, وعادوا جميعًا للمنزل, صعد بها لغرفته الخاصة وهي تجر فستانها بصمت, أغلق باب الغرفة خلفهما, ووقفت هي في المنتصف تطالعها لأول مرة, لم تدخلها من قبل, بدت كشقة متوسطة المساحة وليست مجرد غرفة, لكنها لم تهتم وهي تتجه لغرفة تبديل الملابس في صمت يعلم سببه جيدًا, فمنذُ قال لها جملتها ولم تنطق بعدها بحرف.
استمع لرنين هاتفه ليخرجه فوجدها "ميرنا" نظر لباب غرفة الملابس المغلق بحذر, ثم أجاب:
-نعم؟
أتى صوتها باكيًا متألمًا:
-كنت ناويه اجي الفرح... كنت عاوزه اشوفك عريس حتى لو مع غيري, بس... بس مقدرتش, في آخر لحظة مقدرتش.
تنهد بصبر ثم قال بتروي:
-خير ما عملتِ, مفيش داعي توجعي نفسك.
أتاه صوتها مُحطمًا:
-وصلتوا البيت؟ دخلت معاك اوضتك؟ هتنام جنبها يا شاهين؟ هتاخدها في حضنك و...
-وبعدين بقى!
قاطعها بصرامة كي لا تطرق أكثر في الحديث, وقال بقسوة منبهًا:
-دي مراتي يا ميرنا.. مراتي يعني اللي بتسألي عنه واكتر طبيعي, مفيش داعي للأسئلة, وبلاش تعملي كده في نفسك, لو وجودنا مع بعض هيدمرك كده يبقى فراقنا احسن, فكري.. فكري وشوفي إيه اللي يريحك وانا معاكِ فيه.
وأغلق المكالمة دون حرف زائد, وهناك, ارتمت فوق فراشها تبكي في حرقة وصوت بكائها يقطع صمت الغرفة المظلمة, ووجع قلبها لا يساعدها على التوقف ابدًا, كيف تفكر في الانفصال إن كانت تموت وجعًا من كونه مع أخرى؟ كيف يسألها هكذا سؤال!؟
-------------------
خرجت من الغرفة بعد انتهائه من المكالمة تحمل ملابسها واتجهت للحمام في نفس الصمت الذي بدأ يفقده اعصابه, جلس على الفراش والتقط "سيجار" يخرج فيه حيرته وضيقه في هدوء ظاهري, حتى خرجت بعد فترة ليرفع رأسه لها فوجدها ترتدي ثوب خاص بالصلاة, فسألها باستغراب:
-هتصلي؟
ردت وهي تبحث عن المصلاة:
-المغرب والعشاء فاتوني.
همهم دون رد, لتسأله بعدها:
-هي المصلية فين؟
-عندك في الدريسنج روم.
ونهض هو الآخر يسبقها للداخل يخرج ثيابه وبعد خروجه مد كفه لها بالمصلاة فأخذتها في هدوء وهي تنوي الصلاة, ودلف هو للحمام كي يغتسل ويبدل بدلته.
انهت صلاتها وخرج ليراها نائمة على الأريكة ب "بيجامة" بنصف أكمام من اللون البني الفاتح, رفع حاجبه باستنكار يرفع صوته:
-فيروز؟
فتحت عيناها ببطء تنظر له صامتة فأكمل:
-انتِ نايمة هنا ليه؟
-اومال انام فين؟
-هو السرير شفاف! وبعدين نايمه ليه اصلاً! احنا لسه متعشناش.
-مش جعانة, تصبح على خير.
هز رأسه بإدراك لِمَ تحاول فعله, واقترب منها يجلس جوار قدميها فوق الأريكة يسألها بهدوء:
-حتى لو, ليه مش نايمه على السرير! وبعدين هو طبيعي في ليلة زي دي اطلع من الحمام الاقيكِ نمتِ؟
ورغم توترها الكبير من قربه, ومن نومها أمامه بهذا الشكل الذي لم تعتاده لكنها تصنعت الجرأة وعدم الاهتمام وقالت:
-ومالها الليلة! زي أي ليلة عادي, وبعدين مش هنام على السرير عشان انتَ هتنام عليه ولا تيجي انتَ على الكنبة؟
مسح ذقنه عدة مرات بكف يده كأنه يهدأ ذاته وبعدها قال:
-الليلة مش زي أي ليلة, دي ليلة فرحنا لو مش واخده بالك او بتستهبلي, وليه لازم حد ينام على السرير وحد على الكنبة!
اعتدلت فجأة من نومتها جالسة, ونظرت له تقول في حدة وجدية:
-اسمع يا شاهين, انا لا هيجمعني بيك سرير, ولا الليلادي هيحصل حاجه من اللي في دماغك.
-وده ليه يا عين يا شاهين؟
سألها ساخرًا بوضوح, فابتسمت بسماجة:
-لما ابقى عينك بجد, ولما تبقى تعرف تحب ابقى تعالي كلمني.
كان يعلم, كان يعلم أن كل ما تفعله بسبب جملته تلك:
-طب استهدي بالله, ومتدخليش الأمور في بعضها.
-انا مبدخلش حاجة, لو حصل بينا حاجه دلوقتي انا هكره نفسي بجد, لأني هحس إني بالنسبالك مجرد ست والسلام, لا في مشاعر ولا أي حاجه, واعتقد إنك مش هتحب أكون معاك وانا كارهه نفسي!
رد بكبرياء يعهده:
-وانا مش هموت عليكِ, انا مشكلتي مش في ده, لكن أي جو انام على الكنبة ده هو انا هاكلك! ولا خايفة من ايه مش فاهم!
تحلت بالشجاعة مرددة:
-لا مش خايفة.
ونهضت تتجه للسرير وجلست فوقه تكمل:
-وهنام جنبك عادي, بس يا ريت كل واحد يلتزم بحدوده.
-انتِ عبيطة يا به! انتِ نسيتِ انا مين! مش انا اللي تحطلي حدود وتتشرطي عليا, وبعدين شايفك اتجرأتي عليا!
رفعت كتفها بلا اهتمام:
-ومتجرأش ليه! انا هتعامل معاك إنك شاهين جوزي, زيك زي أي جوز مصري أصيل, لكن شاهين البوبع اللي بيخوف الكل ده بره الأوضة دي, انا مش متجوزة مسجل خطر عشان اتعامل معاه بحدودو! انا بتعامل مع جوزي والحياة عمرها ما هتمشي بينا كده.
طالت نظراته العميقة لها حتى اضطربت هي وأشاحت بنظرها بعيدًا, ولكنها هدأت حين سمعته يقول:
-ماشي يا فيروز.. خليني معاكِ للآخر لما نشوف اخرتها.
نهض اقترب منها وانحنى عليها قليلاً يقول بتحذير:
-بس اوعي تفكري إن امك اللي قررت تقعد معانا عشان تحميكِ من الوحش اللي متجوزاه هتحميكِ بجد لو غِلطي.
نظرت له مستغربة كيف عرف نوايا والدتها؟ فهي بعد حديث "شاهين" معها كي تمكث في الفيلا رفضت تمامًا ناوية العودة لمنزلها كي لا تكن عبأً على أحد, ولكن بعد ساعات قليلة وفور انتهاء الزفاف أعلنت رغبتها في البقاء وقد أخبرت فيروز خلسة "مش هسيبك معاه لوحدك, انا فكرت كويس وقولت لازم افضل معاكِ, افرضي عملك حاجه مالحقكيش!"
-انتَ عرفت منين؟
ابتسم بتهكم:
-سؤال غبي.
لم تعقب على جملته وقالت في هدوء:
-اطمن مش ناوية ادخل أي حد في مشاكلنا, حتى امي, محدش هيعرف بمشاكلنا إلا لو بقى فيها طلاق.
اعتدل واقفًا وردد بتلقائية لم يحسبها:
-يبقى محدش هيعرف.
وانسحب يطفأ نور الغرفة وتسطح جوارها على الطرف الآخر نائمَا على ظهره, ووضع إحدى ذراعيهِ فوق عينيهِ.
تسطحت ببطء جواره وجملته الأخيرة تتردد مرارًا في أذنيها, وأسئلة كثيرة تدور حولها.
-----------------------
العاشرة صباحًا...
فيلا نصر المنياوي...
كان يتحدث مع "رأفت" حول قلقه في الفترة الأخيرة:
-رجوع ممدوح مش مطمني وحاسس إن وراه مصيبة كبيرة.
نظر له "رأفت" مفكرًا ثم قال:
_تفتكر مصيبة إيه يا باشا؟ يعني تخص المنظمة؟ ولا تخص حد تاني؟
نظر له بحيرة وأردف بعدها مرددًا:
_معرفش.. بس الأكيد إن رجوعه بعد السنين دي مش خير.
أتاه صوت الآخر قائلاً بمغذى وصله:
_ولو رجوعه فيه خطر على شاهين باشا، يا ترى سعادتك هتدخل وقتها؟
رد سريعًا:
_طبعًا هتدخل، انا عمري ماهسمحله يأذيه.
قال وقد وصل لمبتغاه:
_لو هتدخل كونك نصر المنياوي فشاهين باشا مش هيقبل تدخلك زي ما مقبلوش قبل كده في عداوته مع اخوه مازن، ومعاه حق... بأي صفة بتدخل! لكن لو هتدخل كونك عمران المنشاوي والده يبقى فيها كلام تاني...
صمت "عمران" وقد فهم مغزى حديثه ليؤكد "رأفت" وهو يسأله:
_ها يا باشا؟ عندك استعداد تكشف المستور وتعرف ابنك بوجودك؟ ولا هتسيبه لممدوح يقـتله زي ما قـتل أمه؟
طال صمته وهو ينظر أمامه بتفكير, وأخيرًا قال بعزم:
-السر مبيفضلش سر العمر كله, ولو كشف السر هيكون للسبب ده فانا اكيد هضحي بأي حاجه إلا إن ابني يتأذي, بس تفتكر هو نفسه لما يعرف ممكن ده يبعده عني اكتر؟
قال الأخيرة بقلق واضح, ليرد "رأفت" في حيرة:
-مش عارف, بس حتى لو عملها هيكون معذور وسعادتك هتحاول تصلح الدنيا معاه, وزي ما قولت المواجهة كده كده هتحصل.
--------------------------------
في ورشة "مجد"....
تفاجئ حين وجدها تدلف الورشة, وترك ما بيده واتجه لها يسألها في استغراب:
-في إيه؟
ردت في هدوء مبتسمة:
-مفيش, كنت في السوق قولت اعدي عليك.
وأخرجت من الشنطة التي تحملها جوافة وموز:
-خد سلي نفسك في دول.
التقطهم منها يضحك:
-اسلي نفسي بموز! ليه هو انا قرد.
ضحكت تجيب:
-ملقتش غيرهم في السوق وكل واحمد ربنا.
-حامده على كل حال.
-كنت هروح اقعد بكره مع ابويا, واجي يوم السبت.
ضيق ما بين حاجبيهِ يقول:
-يعني هتقعدي يومين؟ ليه؟ هو تعبان؟
-لا, انا بس قولت اروح اونسه يعني.
نطق بما ادهشها:
-تمام, بس مفيش بيات, روحي ونسيه من الصبح وانا راجع من الورشة هعدي عليكِ اخدك.
ورغم فرحتها الداخلية بأنه لم يفعل كالسابق ويخبرها أن تمكث معه كما شاءت, لكنها سألت في استغراب قصدته:
-طب وليه؟ م....
قاطعها يقول في جدية:
-خلاص يا أمل! يلا روحي وقفتك كده متنفعش الورشة فيها رجالة.
نظر للصبي الذي لم يبلغ السابعة عشر بعد والذي يعمل معه منذُ فترة ورددت هامسة في استغراب:
-رجالة!
لكنها انسحب في هدوء تقول:
-ماشي, هروح اعمل الغدا, السلام عليكم.
-وعليكم السلام.
قالها في هدوء وعاد ليُكمل عمله, بينما هي شعرت بأنه بالفعل بدأ يتغير ويعطي حياتهم فرصة أخرى كما أخبرها.
------------------
في غرفة شاهين...
-انتِ يا بنتِ؟
صرخ بها في غضب وهو يزيح ذراعها نافضًا إياه بقوة بعيدًا, فانتفضت تفتح عينيها في ذعر:
-في إيه؟
واعتدلت جالسة ليعتدل هو الآخر يوازيها:
-في إيه! انتِ بتحاربي وانتِ نايمة؟
كان ظاهرًا عليهِ الغضب الحقيقي, فسألته في ارتباك:
-عملت إيه بس؟
أردف بنزق وهو ينفض غطاء الفراش عنه ناهضًا:
-طول الليل رجلك فوق بطني, وأقول مش مشكلة يمكن بترتاح وهي نايمة كده, لكن دراعك ده شوفيله حل, انا وشي اتهرى تلطيش. واخرها كانت ايدك هتدخل عيني.
وعلى عكس ما توقع, من إحراج او اعتذار منها, انفجرت ضاحكة ولأول مرة يراها تضحك بقوة هكذا, حتى انها عادت تلقي نفسها فوق الفراش كما كانت, وقف ينظر لها في صمت, وقد ارتخت ملامحه وتخلى عن غضبه, بل وكادت ابتسامة تشق وجهه من ضحكتها, وبعد ان هدأت قالت:
-انا عملتها فيك! قولتلك انام على الكنبة, وبعدين امي استحملتني 24 سنه انتَ مش هتتحملني زيهم!
غمغم في نزق وهو يتجه للحمام:
-هتحملك اومال هعمل فيكِ إيه؟ هجيب امك تنام جنبك!
فردت ظهرها في راحة على الفراش وهي تهمس لنفسها:
-يااه, الواحد نام ولا القتيل, بس شكلنا هنشوف أيام عنب مع العقرب باشا,
وابتسمت في توعد, فقد قصدت ما فعلته معه بذراعها, حاولت إخراج بعض غيظها منهُ منذُ أمس, والباقية تأتي...
-----------------
على طاولة الإفطار الكبيرة..
جلس الجميع يتناولون الإفطار في هدوء, لا يقطعه شيء, حتى مال "شاهين" عليها يهمس لها:
-خلصي اكلك عشان تختاري اللبس اللي هتحتاجيه من على ويب سايت.
همست له:
-ليه! مانا عندي اللبس فوق.
-اولاً ده قليل, وكمان في حاجات كتير ناقصة منه ليكِ كعروسة, اختاري كله لبس خروج وبيت, والأهم بقى... لبس النوم بدل بدلة فطوطة اللي لبستيها امبارح, وركزي على الأحمر...بينفع.
فغر فاهها في صدمة من وقاحة جملته, ليلتقط قطعة خيار ويدسها فيهِ مبتسمًا في هدوء, مضغت القطعة في بطء وهي تنظر له غير مستوعبة إنه "شاهين" ذلك القاسي الجامد, يبدو أنها ستكتشف جانب جديد بهِ! جانب وقح..!
-الف مبروك يا شاهين, ربنا يباركلك ويرزقك الذرية الصالحة.
قالها "المنشاوي" فرد "شاهين":
-الله يبارك فيك يا جدي, في حياتك إن شاء الله.
-مقولتش يعني يا ممدوح إنك راجع.
قالها "المنشاوي" مرة أخرى, ليرد "ممدوح":
-حبيت اعملها مفاجأة لشاهين.
هز رأسه دون تعليق, ف "المنشاوي" لا يتقبل "ممدوح" ابدًا, ودومًا يشعر بالخطر منه وأنه شخص سيء يجب الحذر معه, ولكن تعامل "شاهين" معه يقلق الجد, ويخشى أن يقع في فخ منهُ.
-شاهين عايزك بس في كلمتين بعد الفطار.
قالها "ممدوح" موجهًا حديثه ل "شاهين" تحت نظرات الجد القلِقة, لينهض "شاهين" فورًا يقول:
-انا خلصت هستناك في المكتب.
-لا انا كمان خلصت.
قالها ونهض معه تحت الفضول الذي ينبعث كالشرارات من عيني "المنشاوي".
مالت "مديحة" على "فيروز" تسألها:
-طمنيني, الواد ده ضايقك؟
نظرت لها "فيروز" في هدوء مبتسمة وقالت بتعقل:
-بصي يا ماما يا حبيبتي, اولاً شاهين مش واد, بقى كل ده واد! وبعدين متقلقيش عليا, انا لو قالي كلمة معجبتنيش هتلاقيني جايه جري اشتكيلك, مفيش داعي تفضلي قلقانة, صدقيني شاهين مش وحش كده.
وقد كانت كاذبة... في عِدة مواضع!
تنهدت "مديحة" بضجر واستسلام وقالت:
-ماشي, واديني قاعدة لو حصل أي حاجة هطبق في زمرة رقابته, ويبقى يقربلك.
-وَحش يا ديحا!
قالتها بمرح لتبتسم والدتها بقلة حيلة رغم قلقها الداخلي.
---------------------------
وضع فنجان قهوته فوق المكتب وهو يقول في هدوء مصطنع بعد كل ما سمعه من "ممدوح":
-بس انتَ عارف يا عمي إني مليش في المخدرات.
تحمس "ممدوح" يقول:
-وماله لما يبقالك فيها! دي مكسبها كبير اوي, وبعدين كل شغلنا منفض على بعضه.
-هو مش كله منفض على بعضه, انا من وقت ما بدأت وانا شغلي السلاح, بحبه وبفهم فيه وبرتاح فيه, لكن أي شغل تاني مبدخلش فيه.
-ايوه ماهو لازم تدخل, يا شاهين الدنيا بتتغير, واحنا لازم نفضل فوق.
-والمخدرات اللي هترفعنا؟
-طبعًا, يا بني بقولك شغلها بقى ولا الدهب, غير إنك بتثبت اسم في مجال تاني ده يخلي الناس تهابك اكتر.
نظر له "شاهين" بأعين ضيقة, ونظرة اربكته حتى سأله فجأة سؤال استغربه:
-عمي انتَ ليه مجيتش دفنة نورهان؟ رغم إني بلغتك!؟ انا قولت اللي قولته قدام مازن عشان مياخدش موقف منك مش اكتر.
رد بتلجلج بسيط:
-بصراحة.. انا.. انا كان في شوية نوش, وقلقت انزل لاتقفش في المطار, ولما النوش ده خِلص نزلت اهو.
-ومجيتش بحري ليه؟
رفع حاجبيهِ باستنكار:
-بحري! انتَ عارف هقعد كام يوم في البحر! وليه كل ده! ربنا يرحمها يا حبيبتي ماكنتش هاجي احييها.
مسد "شاهين" مؤخرة عنقه بكفه وقال باستهزاء:
-ايوه صح... المهم...
نظر له في صرامة وأكمل:
-مليش في حوار المخدرات ده, وانتَ كمان مش هتدخل فيه.
استنكر حديثه فقال رافضًا:
-طب انتَ وماشي, لكن انا ليه!؟ انا حُر.
-لا مش حُر, إلا المجال ده, ولو دخلت فيه يا عمي يبقى حمايتي وسندتي ليك خِلصت.
-انتَ بتهددني يا شاهين؟
-اه.
قالها في برود, لتتسع عيني "ممدوح" في صدمة يقول:
-انتَ عمرك ما كلمتني كده!
هدأ نسبيًا وقال بتحذير خطر:
-انا في الشغل معرفش ابويا, وانتَ غالي عندي صحيح, لكن اللي أقول عليه لأ, يبقى لأ, عشان منخسرش بعض.
-ياااه هتوصل لكده!
-اه هتوصل, لأن المخدرات دي بتأذي مبتنفعش, لكن السلاح انا عارف كويس بوديه فين, وإن اللي بيروحلهم بيحتاجوه في الصالح, انا مش هلوث ايدي بارواح ناس بريئة اتضحك على عقولهم بحباية ولا كيس.
سخر "ممدوح" يقول:
-المهم إنك مقتنع باللي بتقوله! بتحلل الحرام لنفسك عشان على مزاجك.
رد بلامبالاة وهو يفرض ظهره ويستند على ظهر المقعد في عنجهية:
-الحرام حرام, وكله حرام, بس انا ليا مبدأ.
ابتسم "ممدوح" ابتسامة صفراء:
-يعني ده آخر كلام عندك؟
رد بجمود:
-وعندك يا عمي, ومتحاولش تعمل حاجه من ورا ضهري.
دقات فوق باب المكتب قطعت نظراتهما الحادة لبعضهما, وفتح الحارس الباب يقول:
-فيروز هانم طالبه تدخل.
لم يرد "شاهين" فورًا ولكنه قال بعد ثواني:
-دخلها كده كده كلامي مع عمي خِلص.
وكان طردًا له بالذوق, احمر وجه "ممدوح" غضبًا وهو ينتفض خارجًا من الغرفة, ودلفت "فيروز" بعده تسأل "شاهين" باستغراب:
-هو انتوا اتخانقتوا؟ شكله متعصب.
-سيبك منه, قربي.
قالها لها بصوت هادئ لا ينم عن شِجار بينه وبين من خرج, اقتربت منهُ, لتقف جواره حيثُ أشار وقبل أن تتحدث وجدته يجذبها من ذراعها يجعلها تستند على المكتب أمامه لتصبح محاصرة بين المكتب وساقيهِ الطويلتان, احمر وجهها بارتباك وخجل تحت نظراته المستمتعة, وتلعثمت وهي تقول:
-كنت عايزه أتكلم معاك.
رد بهدوء:
-اتكلمي سامعك.
شهقت بخضة حين رفعها من خصرها وأجلسها على المكتب مقتربًا اكثر بكرسيه وسند بذراعيهِ على ساقيها, حاولت التحدث عدة مرات واخفقت فقال بضحكة قصيرة:
-في إيه اهدي! هو انا بكهربك!
خرج صوتها مضطربًا كأنها تغني أمام جمهور كبير لأول مرة:
-احنا مش قولنا فيه حدود!
احنى رأسه قليلاً ثم اعادها وقال في برود:
-انتِ قولتِ, انا مقولتش.
-انتَ بتلعب بيا؟
قالتها في نزق, ليجيبها في تلاعب:
-العب بيكِ ازاي وانا اتجوزتك.
علمت انها لن تنتهي منه, فقررت التحدث لِمَ جاءت من أجله وقالت محاولة تجاهل قربه المُهلك:
-طلعت اوضتي دلوقتي عشان اجيب موبايلي, لاقيت الظرف ده.
اخرجته من فتحة صدر فستانها الأزرق المزخرف بورود بيضاء ويصل لنهاية كاحلها الذي ترتديه, لتتعلق عينيهِ بالمكان الذي خرج منه الظرف دون أن يمد يده حتى ليأخذه, فرفعت قماش فستانها أكثر وهي تنهره في لطف:
-شاهين!
حوله بصره لها يسألها في عبث:
-انتِ بتختبري ثباتي يعني ولا إيه؟
اخفضت بصرها عنه تمد كفها اكثر بالظرف قائلة بصوت ضعيف من فرط مشاعرها:
-شوف الظرف.
انتبه لِمَ تحمله فأخذه منها يفتحه لتتصلب ملامحه, وتحتد عيناه تحت نظراتها القلِقة من رد فعله, رفع رأسه لها بعدما انهاه وسأل:
-مين اللي بعته؟
-معرفش.
انتفضت بخضة حين انتفض واقفًا يدفع الكرسي بجسده في عنف وهو يسألها بقوة وغضب:
-يعني إيه متعرفيش؟ انتِ هتستهبلي! ده كاتبلك في الظرف زي ما اتفقنا.
ردت برجفة في صوتها من الخوف من مظهره الذي لا يوحي بالخير ابدًا, وكأنه تحول من حَمل وديع لذئب مفترس:
-شاهين.. لو سمحت ماتندمنيش إني حاكيتلك, انا كان ممكن اخفي الجواب ومعرفكش حاجه.
شعر بخوفها الحقيقي, والدموع التي لمعت في مقلتيها, غير ارتجافه بسيطة احتلت جسدها, فزفر بقوة وهو يمسد جبهته ثم اقترب منها تحت عينيها المتسعة بخوف وشهقة بسيطة خرجت منها حين قبض بكفيهِ على ذراعيها لكنها هدأت حين قال في صوت هادئ:
-متخافيش, انا بس مش مستوعب البجح اللي يوصل لأوضة نومي ويبعت لمراتي جواب زي ده وانتِ بتقولي معرفوش.
هدأ تنفسها واستطاعت الحديث بانتظام وهي تقول:
-انا والله ما اعرفه, بس شوفته قبل كده.
-ازاي؟
سألها في حذر, لتبدأ بسرد كل ما حدث له صباح الأمس, وأنهت تقول:
-هو مقالش اسمه, وأول مرة كنت اشوفه, لكن.. عرفت إنه مش ناوي خير ابدًا, ده ناوي يقهرك زي ما قال.
رفع كفه يعبث في شعرها برتابة وهو يقول بوجه جامد مكفهر:
-متقلقيش, هعرفه..
نزل كفه ليستند على وجنتها وكفه الآخر مازال يحكم قبضته على كتفها:
-بس أي حاجه تحصل تبلغيني بيها, متتصرفيش معاه من دماغك ابدًا.
قالت بخوف ظهر واضحًا:
-بس هو قالي لو قولت حاجه او منفذتش اللي عايزه هيأذي أمي, وممكن.. ممكن يأذيني انا كمان.
ضغط على أسنانه بقوة وهو يسمع لمخاوفها من ذلك المجهول, الذي تجرأ واقترب من امرأة تخص العقرب, قال بنبرة متوعدة:
-مش هيقدر, ومش هيلحق.
- بس أنا خايفة.
قالتها باعتراف حقيقي, لينظر في عينيها بقوة وهو يقول بطريقة كأنه يريد أن يدلف الحديث لعقلها عنوة, وبحمية لا يعرف من أين أتته:
-متخافيش، لو حد فكر يقربلك هاكل قلبه بسناني، محدش يقدر يقربلك يا فيروز إلا لما يعدي على جثتي الأول.
لم تنطق بعدها, فقط القت بنفسها على صدره تحتضه بقوة وكأنها هكذا تعطي نفسها جرعة عالية من الأمان, تنهد قبل أن يلف ذراعيهِ حولها يشدد من احتضانها, وشعور براحة غريبة تسلل إليهِ كأنه...كأنه لا يريد من الدنيا سوى هذا العناق.!
