رواية أحببتها ولكن الجزء السابع ( حرب الاعداء ) الفصل المائة وعشرة 110 بقلم بيسو وليد


 رواية أحببتها ولكن الجزء السابع ( حرب الاعداء ) الفصل المائة وعشرة

كيف يكون بك الحال إن كانت رحلتك فردية ؟

أن تكون شريك نفسك في كل ما يخصك، حتى تجد نفسك فجأة تقع في شباك المستقبل، أن تأنس ويؤنس بك تجد شريكا تراه نصفك المفقود...

يألف إليه قلبك سريعا دون مقدمات وكأنه يترك سحرها داخل روحك دون أن تشعر للدرك بعدها أن الأقدار هي من تحركك...

"مواجهة لم تكن في الحسبان "

الطعن غدرا ليس من السهل إصلاحه

نخيل روحا آمنت لونيس ضرب المستحيلات عرض الحائط وأكمل، وكأن شيئا لم يكن أمس القبوه بالجبل الذي لا يهنز ولا يتأثر بعوامل الطبيعة من حوله، واليوم أصبح هشاء خفيفا كالريشة يبحث عن الدواء بعد أن نال الداء، وأصبح يسير بين القطيع كبعير يبحث عن المأوى وسط بحر عميق وهو مهددا بقتله...

في مكان بعيد عن العالم

فنا حيث يقف هو أمام بحر هائج الليلة، وكأنه غير مرحب به اليوم، كانت أمواجه تضرب الصخور بعزم قوتها وكأنها صرخة مكتومة، أشياء لم تقال بعد كانت كالنار في الهشيم داخل قرارة نفسه كانت عيناه تحتضنه وبداخله نيرانا ملتهبة تحرفه حياء جسده كان يحترق في تلك اللحظة، تلك النيران خرجت و عزمت على إحراقه وكانها تعاقبه...

رفع رأسه للسماء وأغمض عيناه ترك لفحات الهواء الباردة تصتدم بنيران جسده لعلها تخمدها وينال هو الراحة المسلوبة منه، ولكن عقله لم يرحمه في تلك اللحظة وقرر معاقبته على ما اقترفه في حق رفيق دربه ولذلك بدأ يرى مشاهد قصيرة من آخر لقاء جمعهما، نظرته إليه المكسورة صدمته البادية على محياه وكأنه يقول كيف لك أن تفعلها معي، أنا رفيق الدرب وسيفك المنصف إليك في حروبك...

وحتى تركه ورحل برمته دون أن يلتفت إليه، دون أن يرى الذهول على محياه وكانه ظمن غدرا في تلك اللحظة، ارتجف جسده في تلك اللحظة بعد أن فشل في السيطرة على نفسه. فأصبح يجوب هنا وهناك وهو يمسح بعنف على رأسه وينظر بأعين يسكنها الألم إلى البحر الواسع غير مصدق لم فعل، هز رأسه وكانه ينفي ما حدث ثم تمتم بصدمة :

مستحيل أكون عملت كدا، أنا أزاي عملتها، ومع مين .... يا ربي.

ارتمى فوق المقعد بجسد مهزوم وضم رأسه التي بالطبع أنكسها أرضا وكأن ما ارتكبه بحقه وصمة عار يخجل منها شد على خصلاته وأغمض عيناه لاعنا نفسه في تلك اللحظة، وعلى مقربة كان أخيه يقف ويتابعه يصمت نام برى ما يمر به أخيه دون أن يستطع هو التدخل تلك المزة ومواساته، فهيئة ابن عمته حتى تلك اللحظة لا تفارق مخيلته ...

ولكن في نفس اللحظة لم يستطع أن يقف مكتوف الأيدي يشاهد من بعيد، ولذلك تحرك أخيرا واقترب منه يخطى هادئة حتى وقف أمامه وكفيه مدسوسين في جيوب شترته الثقيلة :

قاعد ليه بالمنظر دا فالجو الساقع دا؟.

نظنه سؤالا عايزا ولكنه كان محملا بالعديد من الألغاز التي ينتظر حلها، فرفع " حذيفة " رأسه في تلك اللحظة ونظر إليه مذهولا حينما فاجئه بتواجده، فلم يتوقع أن يرى أخيه في تلك الفترة العصيبة التي يمر بها، ولكنه أمامه بالفعل نهض بهدوء دون أن يحيد بعيناه عنه. عقله لم يستوعب بعد أن الرقيق حاضرا بالفعل، ولكن يفعل وإشارة واحدة كان يكمن الرد..

ارتمى "خذيفة " بأحضان أخيه واجهش في البكاء المرته الأولى، فتفاجئ "يزيد" الذي لم يتوقع يوما فعلا كهذا من أخيه، ولكنه اليوم فعلها وأصبح في غضون ثوان كالطفل الصغير المجروح، ضمه "يزيد" واستطاع بسهولة في تلك اللحظة إحتواءه بالحنان، رفت برفق فوق ظهره وقال بنبرة هادئة

اهدی با حبيبي، أنا جنبك دايما.

محتاجك أوي يا "يزيد"، محتاجك جنبي دلوقتي

قالها بنبرة باكية مجروحة وعيناه الباكية تحتضن البحر الواسع أمامه، وكأنه ينتظر الشفقة منه ينتظر مشاعر هو يعلم أنه لا يستحقها، ولكنه يفتقرها في تلك اللحظة بشدة، فشد من ضمته إليه وقال:

معاك يا حبيبي دايما وقأي وقت هتلاقيني، أنا جاي علشانك.

مسح برفق فوق ظهره ثم أبعده عنه قليلا ونظر إلى عيناه الباكية ويحنو مسح عبراته عن صفحة وجهه وهو يقول بنيرة هادئة :

أهدى أنا أول مرة أشوفك بتعيط بجد، تخيل تبقى أخوات طول السنين دي ومشوقكش مرة يتعيط يا جاحد لدرجة إنى أفتكرتك متعرفش يعني إيه عياط أصلا.

ضحك "خذيفة " على كلمات أخيه الذي شاركه كذلك وقال بنبرة باكية:

وأديك شوفتني بعيط يا عم أهو يا رب تكون مبسوط.

مبسوط أوى بصراحة فوق ما تتخيل.

نظر إليه "خذيفة " يلوم في تلك اللحظة فضحك "يزيد" الذي مازحه بقوله:

بهزر معاك يا عم مالك قفشت كدا ليه، أنا نازل إجازة مخصوص مش علشان سواد عيونك لا يا حبيبي ابسلونلي أنا نازل علشان خاطر "وهيب" مش أكثر أصل عقبال عيالك أتقدم للبنت اللي شغالة فالنيم معانا ووافقوا عليه فجاب الشبكة وقالي الخطوبة يوم السبت الجاي

تبدلت نظرة "خذيفة" في تلك اللحظة وأصبحت مغتاظة بعد أن تواقح معه أخيه وأعلنه صراحة بالحقيقة، فضحك "يزيد" من جديد وربت فوق صدر أخيه برفق وقال :

متبصليش كدا أنا مبحورش زي ناس، ويكون فعلمك يعني أنا سايب الدنيا تضرب تقلب هناك وجيتلك علشان أعرف إيه اللي حصل لأني شوفت "ليل " راجع مش شايف قدامه حرفيا وطاح في "روزي" وفيا زي الطور وقالي روح إسأل أخوك فاستشفيت يعني إن الموضوع كبير وأنت شكلك عكيت معاه جامد.

ابتعد "خذيفة " خطوتين للخلف وهرب من عينان أخيه التي حاصرته في تلك اللحظة، لم يسمح إليه بالهروب تلك المزة ولذلك أمسك ذراعه وشده برفق وقال بنبرة جادة :

منتهريش علشان أنا مش هسيبك يا "خذيفة " المزة دي غير لم أعرف اللي وصل بيكم للمرحلة دي هاخدك دلوقتي وهنطلع على كافيه هادي علشان تتكلم سوى واسمع منك لأن معنى كلامه معايا إن الحدوثة كلها عندك هات مفتاح عربيتك.

مد كفه إليه دون أن يتفوه بحرف آخر، فشعر حذيفة " بأنه خصر لا محال فأعطاه المفتاحعلى مضض دون أن ينبت بكلمة واحدة أخرى، وبلحظة بدلا من أن يكون هذا الفتى العنيد الذي يرفض الخضوع ويعلن تمرده أصبح كاللذي أرتكب خطأ لا يغتفر وينتظر عقابه...

تحزك رفقة أخيه نحو السيارة وهو يلتزم الصمت المفاجئ، فلا يعلم ماذا سيقول وكيف سنبرر خطأه، وأمامه فتركه "يزيد" واستقل سيارته دون أن يتحدث، كان الصمت حاضرا بينهما كل واحد منهم في عالمه الخاص، وصلوا إلى المكان المنشود وجلسوا فوق طاولتهم الخاصة ...

اعتدل "يزيد" في جلسته ونظر إلى أخيه نظرة ذات معنى ثم قال بنبرة هادئة :

أنا سامعك، قول كل حاجة حتى لو شايفها ملهاش لازمة، لأنها عند الطرف الثاني ليها أهمية وممكن تقلب الموضوع كله وأنت مش دريان، وعلشان تكون على نور إذا عرفت إنك غلطان فأنا مش هتعاطف معاك مهما حصل، أنا دايما مع الحق وقبل ما يحكم على حد يحط نفسي مكانه الأول، علشان ميكونش فيها زعلة أنت أخويا على عيني وراسي بس ساعة الحق حق.

نظر إليه "خذيفة " بهدوء يحسد عليه، لم يعارض ولم يتمزد كان يعلم أنه سيتلقى تقريعًا العامين كاملين وها هو أخيه سوف يحقق إليه ذلك، هز رأسه برفق دون أن يتحدث، وأعلن استسلامه في تلك اللحظة.

<"آخر الطريق كان تورا "

عندما يشق النور ظلمة المرء فأعلم بأنها النهاية الطريق الفساد...

بصيضا صغيرا فقط وشعاعا ينير الطريق ويعلن أهل الأرض عن نهاية الفساد وبداية عهد جديد، عهد السلام والراحة ...

في قاعة المحكمة الجنائية

حضر فيها عددا مهولا عن الجلسة السابقة، فاليوم هو النطق بالحكم وتلك الجلسة لن تكون كغيرها، الصحافة في الخارج تعج المكان وأسئلة كثيرة تطرح كل دقيقة، صف "شهاب" سيارته أمام المحكمة وتنهد بعمق عندما رأى الصحفيين منتشرين في كل مكان...

كنت عارف إنهم هيكونوا بالمنظر دا قدام المحكمة.

شملت "مريم" بعيناها المكان من حولها، ثم نظرت إلى زوجها الذي لم يستطع أن يخفي توتره وقلقه كما أعتاد، فاليوم إما أن ينصف الملك وينتصر في حربه، أو يتمرد العدو ويفوز عليه، مدت كفها وعانقت بلمستها الحنونة كفه البارد، فتغلغل دفء صوتها لروحه عندما قالت:

أهدى ومتفكرش بسلبية، وافتكر إن صاحب الحق واحد مهما طال بيه الزمن ونسي فالحق مبینساش صاحبه وفي ربك اسمه الكريم، حد نفسك ومتسلمش نفسك لوسوسات الشيطان وأدخل وأنت رافع راسك، وأنا دايما جنبك.

نظر "شهاب" في عيناها مبتسم الوجه، ولم يستطع أن يخفي عنها حبه المتجدد لها. فوحدها تملك مكانة خاصة في قلبه أخفض بصره إلى كفها الذي يضم كفه ثم رفعه بهدوء ولتمه بحنو وكأنه يؤكد لها صدق كلماتها بفعل صغير منه، أخرج تنهيدة قصيرة وترجل كلاهما من السيارة..

أمسك كنها بقوة طفيفة وتحرك بخطى ثابتة وجسد مشدود وأعين ثاقبة لا تتزعزع، تحرك بمحاذاته حارسين لحمايتهما حتى يدخلان المبنى وسط كومة لا تنتهي من الأسئلة، بينما في الداخل وقف "لؤي" ينتظره مرتديا روب المحاماة وبيده ملفا سميكا...

شايف الصحافة قد إيه، دا غير العدد اللي هيحضر جلسة النهاردة، يعني جلسة للتاريخ حرفيا.

ضمه "شهاب" ببشاشة وأجابه بنبرة هادئة بقوله:

واخد بالي من ساعة ما وصلت شكلها كدا هتبقى للتاريخ ربنا يكملها على خير بس و ميحصلش لعب فالأدلة.

نظر إليه "لؤي " بثقة يحسد عليها وأجابه قائلا:

عيب عليك يا سيادة الفلازم، طول ما أنا فضهرك بعد ربك يبقى متخافش من حاجة هرزعلك بيه حيطان المحكمة جوه وهجيبله الحكم فلحظتها المهم لازم تدخل دلوقتي علشان الجلسة مفاضلش عليها كثير.

أصطحبهم للداخل بهدوء يحسد عليه وهو يطمئنه بكلماته حتى ينالوا مرادهم في الداخل وعند اقترابه من بوابة المحكمة رأى غريمه يقف ويرمقه بشر لم يستطع أحدا رؤيته سواه فاقترب منه "لؤي" ومنحه ابتسامة مستفزة وتخطاه دون أن يثبت يحرف آخر...

رأى "شهاب" عائلته وأصدقائه في الداخل ينتظرونه، ومن بينهم كان "شكري" الذي أصر على الحضور ومؤازرة أخيه في تلك اللحظة، التقت الأعين بين آلاف الحاضرين، واتصلت القلوب برغم بعد المسافات، فاقترب "شهاب" منه دون أن يفلت كف زوجته وعند وصوله ضمه بحب أخوي ووجه مبتسم...

استقبله "شكري" يوجه ضاحك وحب لم يستطع إخفاءه، فسكينته كانت في حضور هذا الحبيب، وكأنه عفازا يشفي ولا يمرض ريت بحنو فوق ظهره وقال بنبرة هادئة:

محبتش أسيبك فيوم زي دا حتى لو كان فيا إيه علشان عارف إن وجودي معاك دلوقتي هيفرق جامد معاك.

أبتعد "شهاب" خطوتين للخلف ونظر في عيتان أخيه بتقدير ولمعة حب لم يستطع إخفاءه، فأجابه بحنو وقال بامتنان

أنا بجد مش عارف أقولك إيه يا "شكري"، بس عايز أقولك إني من غيرك ولا حاجة حقيقي.

منصور إن شاء الله يا حبيبي أنت هنا صاحب حق وبس خليك فاكر كدا كويس.

اقترب "لؤي " منه وهمس إليه قرب أذنه قائلا:

متقلقش ولو شوفته متديش أي رد فعل مهما حصل.

تركه "لوي" وتقدم للأمام ليلتزم مكانه، بينما جلسوا جمعيا والتزموا أماكنهم حتى تبدأ الجلسة، في قاعة كبيرة باردة يتجرد منها العطف والشفقة تصدر الأحكام، أمسك "شهاب" کف زوجته بعد أن جاورته في جلسته وقال بنبرة خافتة لم يسمعها أحدا سواها:

وجودك جنبي مطمني، متسيبيش إيدي.

داعبت الفراشات معدتها في تلك اللحظة وارتجف قلبها تأثرا في تلك اللحظة، نظرت إليه يحنو وشدت برفق فوق کفه و همست إليه بقولها :

فضهرك لحد اخر العمر يا حبيب العمر.

لم يستطع أن يمنع ابتسامته من الظهور في تلك اللحظة، ومعها لمعت عيناه وشعر بصدق كلماتها، فوحدها تستطيع أن تروض مخاوفه بأبسط فعل وأصغر أبتسامة، وفي لحظة مهيبة ولج القاضي ومعة اثنين آخرين مساعدين له أعتلى المنصة وعلى يمينه المدعي وإلى يساره الدفاع ..

وفي قفص زجاجي فتح الباب وولج "جمال" رفقة حارسين ووقف داخله، كان يرتدي خلة كحيلة ولحيته منمقة وخصلاته مشعثة، نظرته باردة وابتسامته صفراء مرسومة بزاوية فمه، وقف وبحث عنه بعيناه وسط هذا الحشد أمامه، وفي تلك اللحظة كانت عينان "شهاب" ترصده منذ أن ولج...

نظرته خليطا من المشاعر التي تعصف به من الداخل، ما بين غضب منه وخوف من ينتظره. وحنينا لشخص كان رفيقا في الماضي قبل أن يصبح كابوس الحاضر، التقت الأعين في تلك اللحظة وصمت العالم من حولهم...

منحه "جمال" ابتسامة خبيثة بزاوية فمه ونظرة بملؤها المكر والشر، وكانه يخبره بأن ثمة مفاجأة مدوية تنتظره بعد قليل، لمح "مريم" إلى جواره تمسك بكفه فمال برأسه قليلا ونظر إليها يعطف زائف وأشار إليه نحوها يمكر متعقد...

لم يكن "شهاب" يحتاج لكثير من الوقت ليفهم ما يلمح إليه هذا الخبيت، وبسهولة نجح في إغضابه فاشند غضب "شهاب" وبرزت عروقه، فخرج هذا الوحش الساكن وزمجر عاليا..

القضية رقم (٥٧) جلسة النطق بالحكم ..!!..

هكذا دوى صوت الحاجب يجذب انتباهه إليه ويرغمه على تجنبه في تلك الأونة، إلى اليسار وقف "لوي" بثبات يحسد عليه وأمامه ملفه الذي عمل عليه في تلك الفترة ووضع فيه جميع شبل النجاة لموكله، وفي الجهة المقابلة وقف غريمه في محاولة أخيرة له لإثبات براءة موكله ...

رفع القاضي رأسه وبنبرة جامدة قال:

قبل المداولة المحكمة هتسمع مرافعة الدفاع.

تقدم محامي "جمال" في تلك اللحظة خطوتين للأمام وقال بنبرة قوية:

يا سيادة المستشار الأدلة اللي موجودة فالملف أنا يشكك فصحتها، بداية من المكالمة الفيك اللي اتعملت بصوت موكلي وتقارير المستشفى وغيره، حتى كاميرات المراقبة جت فساعة الجريمة وعطلت والأدلة دي كلها ليست صحيحة وكله إفتراء على موكلي.

تعالت الهمسات في تلك اللحظة بعد سماع ما قاله، فأبتسم "لؤي" بزاوية قمه ونظر إليه بتهكم دون أن يبدي بردة فعل متهورة، فتقدم هو أيضا بعد أن سمح إليه القاضي بالدفاع ومعة ملفه الثمين كما لقبه، وقف بثقة رجل لا يهزم ورفع رأسه بشموخ وبثبات قال:

يا سيادة المستشار كل الأدلة اللي الدفاع بيشكك فيها دا لا يذل إلا للتشكيك فقط القضية مش مبنية على شوية الأدلة اللي تم ذكرها، فأولا المكالمة ليست مفبركة ودا صدرله تقرير رسمي أثبت فيه إن الجاني قام بانتحال شخصية زميل الموكلي كما ذكر من قبل ملازم أول "مينا جرجس" بهدف استدراج موكلي واستغلال فقدان البصر، ثانيا التقرير الطبي الذي صدر من المستشفى فهو موثوق وختم المستشفى موجود والطبيب اللي كان مسئول عن حالة موكلي هو شاهد عيان على ذلك...

بصمات الجاني وعصابته كانت على الأسلحة التي تم ذكرها مسبقا على حضراتكم، عصا (شومة) صوبها أحد رجاله في منتصف الرأس بقوة وهذا مذكور والعصا تم الاحتفاظ بها في المعمل الجنائي، ومعها جهاز صاعق تم صعق موکلی به مرتين بعد تعرضه لضربة الرأس وكانت الصاعقة الثانية أطول بثوان من الأولى وتم ترك موكلى بعد ضمان الجاني ورجاله من توقف قلبه وفروا هاربين وتركوه غريفا في دماءه وهذا فتشهد عليه السيدة المعنية مزيم عمر سامح الدمنهوري" وهي زوجة موكلي السيد "شهاب ظافر العطار"...

وعليه فيوجد شهود عيان معها، السيد أحمد عمر سامح الدمنهوري" وهو شقيقها، والسيد على طارق سامح الدمنهوري" ويكون ابن عمهم، وكذلك السيد "خذيفة عبد الله ليل الدمنهوري" والسيد "ليل" باسم أشرف الدمنهوري" وجميعهم إن لاحظنم سيادتكم فهم عائلة واحدة وجميعهم كانوا في موقع الجريمة ...

اقترب منه ووضع الملف أمامه ثم ألتزم مكانه من جديد دون أن يتحدث، ألقى القاضي نظرة سريعة عليه ثم رفع عيناه وقال بنبرة هادئة :

السيدة مريم عمر" تتفضل السماع شهادتها.

ارتجف قلب "مريم" في تلك اللحظة وتوترت بشدة، نظرت إلى "شهاب" والخوف في عيناها وكأنها تطلب الإغاثة منه:

متخافيش، فولي اللي شوفتيه وبس متقوليش أي كلمة بره الإطار أوعي تقولي كلمة وأنت مش واثقة منها.

نظر بحزم في عيناها وكانه يحاول إيصال نباته إليها، فأغمضت هي عيناها قليلا وحاولت

تمالك نفسها قبل أن تخرج لإعطاء شهادتها، تقدمت بهدوء تحسد عليه تحت أعين جميع الحاضرين، فمنهم من كان يترقب ومنهم من كان متحفزا لصدها، وقفت وبكل شجاعة قصت ما رأته وكأنها تعيشه المزتها الأولى...

تراه أمام عيناها غريق دماءه وجسده باردا كالثلج لا حياة فيه، صرخاتها التي عادت ترن في أذنيها وكأنها أعلنت الحرب عليها، تسرد وترى المشهد أمامها بكل تفصيلة وشعور فيه. وعندما انتهت سمح لها بالعودة وتوالت شهادة الشهود كما قالت هي وهذا بدأ يضعف موقف "جمال" ويقلل احتمالية خروجه كما يظن...

أغلق القاضي الملف وهو يصدر حكمه النهائي بقوله الصارم

بعد الإطلاع على الأوراق، وسماع المرافعات، وثبوت الأدلة يقينا، فقد حكمت المحكمة حضوريا بإدانة المتهم "جمال عبد التواب " ومعاقبته بالسجن المشدد لمدة خمسة عشر عاما، رفعت الجلسة.

سقط الحكم فوق رأس "جمال" كالمطرقة, فاليوم وفي تلك اللحظة انتهت الحرب بفوز الملك وموت العدو، صيحات الندب تعلو وتقابلها صبحات الفرح والنصر، وبين كل ذلك أصبح "شهاب" في غمضة عين كالفني الذي نال الخزية أخيرا بعد سنوات من الأسر..

دفن وجهه في كفيه وبكي بحق كل لحظة ضعف عاشها ولم يستطع أن يكون كغيره، عاش في الأمس عالة على أهل بيته، واليوم هو يقف على قدميه ضاربا بعكازه عرض الحائط ضمنه "مريم" وعبراتها تسقط بلا توقف وبسمتها مرسومة فوق فمها وكأن الليلة عيدا...

دفن هو رأسه في كنفها وضمها بكل قوته وأكمل بكاءه، لم تكن دموع الخيبة ولا القهر الذي راه بل كانت دموع الفرح والانتصار، دموع النور ما بعد الظلمة، والخزية بعد الأسر، ريتت فوق ظهره بحنو وقالت بنبرة باكية:

خلصت يا حبيبي خلاص الحق رجع الصحابه وهنعيش مرتاحين أخيرا.

ريت "شكري" فوق ظهر أخيه مبتسفا في تلك اللحظة وقال بمرح:

طول عمرك ليك وضعك فكل مكان يا عمهم، مبارك عليك يا حبيبي وأخيرا بقى لقد هرمنا بجد.

أبتعد "شهاب " عنها والتفت يضم أخيه الذي رحب به بحب أخوي وقال:

دا عدل ربك يا "شهاب"، يمهل ولا يهمل والله.

مش قادر أصدق أقسم بالله حاسس إني بحلم من كثر ما اتمنيت اللحظة دي حاسس إني أخيرا بقيت حر.

في تلك اللحظة التفتت "نهى" إلى والدة "جمال" وبعض النسوة اللواتي كانوا يندين حظهن وبعزم ما فيها أطلق زغرودة عالية من قلب أما أحترق قلبها على ولدها مائة مرة في الليلة وقالت بنبرة قوية تعرب عن سعادتها بقولها :

عدالة السما وعدالة الدنيا، سبحانه يمهل ولا يهمل الله لا يوفقك وإن شاء الله يتعفن فالسجن ويضيع شبابك جوه متخرجش منه غير وأنت شعرك شايب من اللي هتشوفه جوه

اقترب "شكري" من والدته وحاول إسكاتها بقوله:

خلاص يا أمي هو اتحاكم و "شهاب" رجعله حقه ملهوش لزوم الكلام دا دلوقتي.

أبعدته "نهى" ورفضت التحرك وهي تنظر إلى والدة "جمال" بعينين دامعتين فيهما قهرا لا يوصف وقالت يقلب أما تجرعت القسوة والألم على فلذة كبدها :

لا مش كفاية، محدش يقولي كفاية، أنا بسبب الشيطان دا عيشت أسوأ أيام فحياتي، أبني عاش سنة كاملة فضلمة وهو حر طليق فالنور وكانه محصلش حاجة، سيبني أنفشش فيهم شوية زي ما عملوا، خليني أقف أتفرج على عدالة ربنا وهي بتتحقق على الأرض، هنعيشي فنفس العذاب دا بس مش سنة، لا دول ١٥ سنة، بيدخل ٢٦ وبيخرج ٤١ سنة، مش هتفرحي بيه هتعيشي فنفس النار اللي عيشت فيها أنا، إذا أبني سامح قيوم من الأيام أنا مش هقدر أسامح مهما حصل، حسبي الله ونعم الوكيل فيك.

سقطت عبراتها بقهر بعد أن فشلت في كبحها، فاقترب "شهاب" منها وضمها لدفء صدره دون أن يتحدث، فقط كان عناقا دافئا ليمتص نوبة الغضب التي تملكت منها، ولكي تشعر به إلى جوارها لم يرحل بل ساكنا في قلبها وأنيس وحدتها ليلا..

اقترب "أحمد" من شقيقته وضفها بحنو ميتسم الوجه قائلا:

مبارك يا حبيبة قلبي الحمد لله حقه رجعله وحياتكم هنتحسن أخيرا.

ضفته "مريم" في تلك اللحظة بفرحة لم تستطع أن تسيطر عليها وقالت:

أنا بجد مش مصدقة يا "أحمد" حاسة إني فحلم.

ضحك هو ومسد برفق فوق ظهرها وقال يحنو

خلصت خلاص يا حبيبتي اللي جاي كله فرح وبس.

كانت المباركات تنهال عليه من كل مكان، كزخات المطر في ليلة الشتاء الباردة، استقبلها هو برحابة صدر وابتسامته لم تفارق فمه لحظة، وفي الخلفية كان هناك جدارا عازلا من الحرس يمنعون الصحفيين من التقدم، ولكنهم لم يستطيعون منعهم من التقاط صورا مختلفة لـ "شهاب" و "مريم" حتى تكون علاقا جذابا للصحف والمجلات...

وبين تلك الحالة العامة المليئة بالفرح والضحك تسلل "شهاب" من بينهم بعد أن لمح"لؤي" سقف قرب البوابة يضب أغراضه بهدوء كعادته، اقترب منه ووقف خلفه وقال:

"لوي".

التقت صاحب الإسم إليه ورسمت ابتسامته تلقائيا عند رؤيته، فتحدث بنبرة هادئة وقال:

مبارك يا سيادة الملازم، وعدت ووفيت يا رب أكون عند حسن الظن.

منحه "شهاب" ابتسامة يملؤها الفرح ثم ضفه دون مقدمات والفرحة لا تسعه، لم يكن عناقا عابرا بل عناقا أخويا يسكنه الأمان والطمأنينة، أعرب "شهاب" عن سعادته بقوله:

وعدت ووفیت با صاحبي يجد عملت اللي عليك وبزيادة ومبخلتش عليا ولا أثرت فشغلك مش عارف أشكرك أزاي ولا أقولك إيه بس بجد من كل قلبي شكرا ليك على كل حاجة عملتها معايا أنت تعبت كثير معايا وحقك هتاخده كامل مش ناقص جنيه واحد.

نظر إليه "لؤي" يوجه مبتسم وأعين تلمع بالفرح، فسعادته بتلك اللحظة قادرة على أن تمحي كل لحظة تعب مر بها، وضع كفه فوق كتفه وقال بنيرة هادئة يغفرها الفرح

أهم حاجة عندي فرحتك قدامي دلوقتي دي تغنيني عن أي تعب يا "شهاب" بصراحة..

أيدى "شهاب" اعتراضه في تلك اللحظة وقال بنيرة حادة بعض الشيء:

لا بقى معلش الحق حق أنت اشتغلت وعملت اللي عليك وحملت نفسك فوق طاقتها ودا حقك ودين فرقيني فكدا أو كدا هتاخده.

ضحك "لؤي " في تلك اللحظة بعد أن فشل في السيطرة على نفسه أمامه وقال ضاحكا:

براحة يا عم مالك شخصنتها مرة واحدة كدا ليه خلاص مش هزعلك بس أركن حوار الفلوس دا على جنب دلوقتي أنا مش هطير يعني المهم دلوقتي تفرح وبس ... و متشكر نيش على حاجة أنت بقيت فمقام أخويا يعني..

لم يتفوه "شهاب" بحرف بعدها، بل ضفه بخت أخوي مبتسم الوجه، ومعة قبادله "لؤي" ضمنه دون أن يتحدث ميتسقاء فيرغم سهولتها في عيناه أن يرى في نهايتها ضحكة كتلك كانت أثمن من أي شيء آخر.

<" جليسا في منزلنا جاء وطلب الود">

في منزل الحج "فضل"...

كانت الضحكات تعلو في غرفة المعيشة، بعد أن زار الفرح بينهم وجاء كالزائر المنتظر وطرق بانا سكن الألم خلفه، كان الحج "فضل " يتحدث مع "وهيب" وكأنه أضحى فردا أساسيا في عائلتهم، وكان الآخر ينصت إليه برحابة صدر ووجه يشوش، وإلى جواره كان "تيام" جالسا ويلاعب صغيرته التي عندما استيقظت فرضت سيطرتها على الجميع وجعلتهم في لحظات تحت طاعتها ...

وفي المطبخ كانت الحركة غير مستقرة ...

كانت "زينب" تقوم بسكب الطعام في الصحون وإلى جوارها "عنان" التي كانت تقدم مساعدتها برحابة صدر الابتسامة لم تفارق محياها لحظة وكأن الليلة عيدا، فتلك الزيارة طرحها أبيها وصمم على تجمعهم قبل حفل خطبتهم حتى يصبح بينهم ألفة كما قال من قبل...

شهلي شوية يا "عنان" عايزين منطولش عليهم أكثر من كدا.

قالتها "زينب" وهي تدور حول نفسها وتبحث عن صحن آخر، بينما كانت "عنان" تقف على عتبة المطبخ وتنظر إليهم بهدوء وابتسامتها لم تفارق فمها لحظة، حتى لمعة عيناها وهي تراه يتفاعل مع والدها ويشاركه أحداث يومه كيف تسير وكيف يتخطى لحظاته العصيبة. نظرت لها "زينب" بقلة حيلة وهمست إليها بقولها:

هنفضلي واقفة عندك زي الهبلة كدا كثير؟ تعالي ساعديني خطيبك مش هيطير يعني.

التفتت إليها "عنان" وأشارت لها أمام فمها ثم اقتربت منها وهمست إليها قائلة:

وطي صوتك شوية يا ماما بدل ما يسمعونا، وبعدين أنا بتفرج عادي مش حاجة يعني.

ضحكت "زينب" بسخرية واضحة ثم أشارت إليها بقولها :

يا بت أنت فاكرة نفسك بتضحكي على مين دا أنا قديمة فالحوارات دي وفاهمة كل نظرة وحركة.

تدرجت الخمرة لخديها في تلك اللحظة كما يتسلل العدو المهاجمة غريمه، ولم تستطع أن تمنحها جوابا ينافي قولها ولذلك رأت أن الصمت هو الجواب الأفضل في تلك اللحظة. فضحكت "زينب" ضحكة صغيرة وعادت تكمل ما تفعله بعد أن كشفتها أمام نفسها دون أن

تبذل مجهودا..

وبعد مرور القليل من الوقت..

كانوا يجتمعون حول مائدة الطعام يتشاركون الحديث والضحكات التي تلقى هنا وهناك وبين تلك الأجواء كان "وهيب" يسرق نظرة صغيرة نحوها، لم يستطع أن يمنع نفسه خصيصًا وهي تجلس أمامه خجلة تحاول أن تكون هادئة قدر استطاعتها، وضعت "زينب" أمامه قطعة من الدجاج المشوي وقالت بنيرة هادئة ووجه مبتسم:

كل يا حبيبي البيت بيتك منتكسفش أنا اللي عاملاها عايزاك تقولي رأيك بكل صراحة من غير تزويق ولا مجاملة.

أيتسم إليها "وهيب" وقبل أن يجيبها نظر إلى "فضل " الذي أشار إليه بقوله المرح:

على فكرة حماتك مبتعرفش تطبخ وأكلها على قده، وأنت اللى هتحكم دلوقتي وتأكد على كلامي علشان مش مصدقاني وفاكراني بضحك عليها علشان مقولش إن الأكل عاجبني

ابتسمت "زينب" يزاوية فمها ثم تشدقت بقولها:

وماله يا ابو "عنان" أكلي إن شاء الله، ولم هو مش عاجبك بتاكل ليه هو أنا في بعدي فالبيت دا.

أشار "فضل " تجاه أبنته ورد عليها بقوله:

اه طبقا عندي عروسة في القمر أهي نفسها حلو فالأكل ما شاء الله عليها، على الأقل بتعمل الحاجة بحب.

نظر إليها "وهيب" في تلك اللحظة ولم يستطع أن يمنع ابتسامته من الظهور، ولا أن يخفي لمعة عيناه التي أعربت عن إنبهاره بها حتى وإن لم يقولها، وإلى جواره كان "تيام" مندمجا مع صغيرته التي كانت تزمجر وترفض الطعام من والدتها ...

همس إليها "تيام" بحنو في محاولة منه لإطعامها قطعة صغيرة من الدجاج:

يلا يا "فيرو" أسمعي الكلام يا حبيبتي، طب حدي دي من بايا حبيبك.

نظرت إليه "فريال" بعينين دامعتين وكأنها تلقي اللوم عليه، كان وجهها متجهما وكأن الأمر

لا يروقها، نظرت "رنا" إلى زوجها الذي من ذراعه وأخذ صغيرته منها في محاولة منه أخيرة.

لثم وجنتها بحنو وقربها منها وهمس إليها:

بلا مش أنت بتحبي الكوكو ؟ أدي الكوكو أهي وأنت مش عايزة تاكليها، طب لو كلتيها هديكي حاجة حلوة بتحبيها.

نظرت "فريال" إلى " وهيب" دون أن تبدي ردا، ففهم ما تريد دون أن تفصح عنه، زجر أخيه بذراعه وقال :

يا عمو "وهيب"، في واحدة هنا غضبانة علينا كلنا.

أنتبه له " وهيب" ويتلقائية شديدة نظر إلى إبنة أخيه وابتسم لها يحنو، مال نحوه ولئم. وجنتها بلطف وقال:

مالك قالبة علينا ليه النهاردة يا ملكة، مين زعلك.

سقطت عبراتها ولوت شفتيها الصغيرة للأسفل بشكل لطيف، فترك " وهيب" كل ما بيده في لحظة وضمها لدفء صدره بعد أن تركها أخيه إليه دفنت رأسها في صدره دون أن تتحدث فنظر إلى أخيه وزوجته وقال:

أنتم مزعلينها ليه النهاردة.

رفع "تيام" ذراعيه للأعلى يبعد عن نفسه الشبهات وقال بنبرة هادئة

والله ما عملت حاجة أنا عمال أدلع فيها من الصبح وهي زعلانة.

مدت "عنان" يدها وأخذت إصبعًا صغيرا من ورق العنب وأشارت إلى "فريال" في محاولة منها لجذب انتباهها، فقال "فضل" الذي اقترب منه وداعب وجنتها بحنو:

محدش فيكم مديلها اهتمام النهاردة على فكرة فعلشان كدا هي واحدة على خاطرها.

اقتربت "عنان" من " وهيب" ووقفت إلى جواره وانحنت قليلا حتى تصبح في مستوى تلك الصغيرة التي نظرت إليها قليلا ولان هذا التجهم عندما رأتها تعطيها مرادها، رفعت رأسها وتأملته بذهول وكأنها رأت كنزها الثمين أخيرا...

مدت كفها الصغير وأخذته منها وبدون تردد وضعته في فمها وبلحظة اختفى هذا التجهم وكأنه لم يكن وبدأت تضحك وأشرق وجهها كإشراق الشمس في صباح دافه، ابتسمت "عنان" وسط ذهول الجميع لتمازحهم بقولها:

بس كدا، دلوقتي أقدر أقول إنها حبتني.

رفعت "فريال" رأسها إلى " وهيب " ونظرت إليه ضاحكة وكأنها لم تفعل شيئا، فرفع " وهيب" حاجيه عاليا إليها وقال:

لا والله؟ دا أسميه ايه بقى إن شاء الله ؟.

عادت "عنان" تلتزم مكانها وهي تنظر مبتسمة الوجه إلى "فريال" التي التفتت برأسها

نحوها ومنحتها أبتسامة صغيرة لطيفة وكأنها تشكرها على هذا الاهتمام اللطيف الذي منحته إياها، فابتسمت هي تلقائيا ونظرت إلى " وهيب" الذي هز رأسه بقلة حيلة على أفعال إبنة أخيه الصغيرة وفي الأخير لم يفعل شيئا سوى أنه لثم وجنتها بحنو من جديد.

" أخذ الفنى طريق الحق وخيب أمال الرفيق."

في الكافيه الهادئ...

طالت الجلسة بينهما وكأنهما يخططان لعملية كبيرة، ليس لحل معضلة اقترفها أخيه في لحظة مشتعلة، أطلق "يزيد" زفيرة طويلة ونظر إلى أخيه الذي كان يلتزم الصمت وقال بنبرة حادة

أنا أسف بس مش هعرف أفضل ماسك نفسي كدا كثير قدامك أنت عبيط يا "خذيفة " هو بعد اللي أنت قولته دا المفروض إني أفضل متعاطف معاك وأخطلك مبررات كمان وأقولك لا طبعا مش من حقه يزعل علشان دي كانت لحظة غضب منك؟ حبيبي أنت واعي للي بتقوله دا أسمه تخلف دا أنت راميه عالطريق ولا كأنه كلب متشرد فالشارع دا أنت حتى ملفتش تنص عليه ولا قلبك وجعك أنت فلحظة بقيت جاحد أنت واعى معايا للى بيحصل ..!!.

أمام زوبعة الغضب تلك كان هو هادنا بشكل لا يوصف، وكأنه أيقن أنه بالفعل مخطئ والان هو ينتظر جوابا أو دفعة صغيرة تشجعه على إصلاح ما قام بإفساده، ولكن "يزيد" لم يعطيه مراده بسهولة بعد أن فضل توبيخه أخرج "يزيد" تنهيدة طويلة وأبتسم بتهكم وأكمل بقوله :

وأنا أقول هو شايط ليه بالمنظر دا دي أول مرة تحصل واللي يشوفه يقول أعلن حرب على أخويا وكأنه عدوه، أثاري أخويا دايس على اللي خلفوه وجاي علشان أقوله لا أنت صحوهو مأثورها.

قسما بدين الله كلمة كمان زيادة هسيبك وهختفي وما حد هيعرفلي طريق ... أمين ؟.

هكذا صاح "خذيفة " في وجه أخيه بعنف بعد أن فشل في السيطرة على نفسه أمامه. انتفخت أوداجه وارتجف كفه بوضوح تحت أنظار الحاضرين الذين التفوا نحوهم فجأة. وأمامه فكان "يزيد" متفاجئا من هذا الهجوم الشرس الذي أشئة أخيه ضده...

ولكن لا وقت لمزيد من المفاجات فأمام زئير الوحش لا يجب على المروض أن يترك مكانه ويلوذ بعيدا، فعال للأمام بجسده ونظر في عيناه بعزيمة رجل لا يعلم للاستسلام غاية وقال بنبرة صارمة ترفض التمزد

مش أنا اللي يتحلف عليا يا "خذيفة " وأنت عارف كدا كويس، ومش أنا اللي أجي على حد علشان خاطرك أنت خصوصا لو كنت أنت الطرف الغلطان أمين يا عمهم ففوق بقى وقول أنا غلطت واخلع عباية الطهارة دي علشان كل بني آدم خطاء، ومتجادلنيش علشان أنت حرقت دمي دلوقني وأنا ماسك نفسي بالعافية علشان فمكان عام ومش عايز أجذب الأنظار أكثر من كدا.

للعجب أن الآخر التزم الصمت بعد أن كان هانجا كامواج البحر في فصل الشتاء، وكانه شعر بتهديد صريح مبطنا في تلك الأحرف البسيطة، بينما طاف "يزيد" بعيناه حوله سريغا وصدقا لم يجد أحدهم منصبا بتركيزه معهم بعدها، وكأن كلماته وصلت إليهم قبل أخيه...

أخذ شهيقا عميقا وأغمض عيناه بعد أن فضل التزام الصمت في تلك اللحظة، فإن أراد أن يكمل وسط زوبعة جنونه تلك فحتما سيخسر أخيه وهو لا يريد ذلك بكل تأكيد، صدح رئين هاتفه في تلك اللحظة بإتصال هاتفي، وكان المتصل قرر أن يعطي كلا الطرفين هدنة صغيرة ..

أخرجه من جيب سترته ونظر إلى أسم المتصل أولا ثم أجاب بنبرة هادئة، وكأنه تحول مائة درجة في تلك الثوان

مساء الخير يا جدي بخير الحمد لله يا حبيبي طمني عليك...

ألقي نظرة على أخيه عندما وصله سؤال جده عنه، فقال:

قاعد معايا شوية، ليه في حاجة ؟.

نظر إليه "خذيقة " وكأنه شعر بشيء ليس بهين، فقد تناسى تماما أمر رفيقه القابع في المشفى وسط جنونه، فاستمع إلى حديث أخيه الذي قال منعجبا:

مین "رمزي"؟ أيوه أبوه أفتكرته، طب هو كويس دلوقتي.

لم ينتظر "خذيفة " لمعرفة ما قاله جده لأخيه، فانتصب واقفا وكأن أحدهم وضع سكينا فوق نحره وهدده بالقتل، أخذ أغراضه ورحل سريعًا دون أن يلتفت خلفه تماما كما فعل مع این عمته، كل ذلك حدث تحت عينان أخيه الذي تابعه دون أن يصدر منه ردا ...

فأبعد الهاتف عن أذنه بهدوء بعد أن أنهى حديثه مع جده وتركه فوق الطاولة، شرد في إثر أخيه وفكر ماذا عليه أن يفعل حتى تعود المياه الراكدة للسير في مجراها من جديد كما كانت فما يراه امامه الآن بالطبع لا يروقه ولذلك يجب عليه أن يتحرك قبل فوات الأوان.

" أولى الخطى نحو طريق الشفاء ">

المريض لم يكن مريضا كما تراه عين المحاطين به...

نظنه أنت مريضا وما تلك إلا نوبات لا إرادية تخرج نتيجة تراكمات أخفيت لسنوات طويلة. وعندما ضغطت انفجرت كبركان أكلته حممه الملتهبة ...

داخل إحدى الغرف المغلقة ...

حيث في أعماقها دفنت أسرار آلاف البشر تراها باهتة رطبة لا حياة فيها، ولكنها كانت مصدر شفاء الكثير، كانت رائحتها طيبة بشكل لا يوصف، رائحة تحمد توبات الغضب في غضون ثوان قصيرة جدرانها كانت تمتزج بلونين مختلفين نقيض كصراعات من يأتي إليها تحافا..

الأبيض والرمادي الداكن لونين يشكلان عاملا كبيرا على النفس، ومقعدا طويلا مريخا وضع في إحدى أركانها، بجاوره مقعد الطبيب غرفة أبدع الطبيب في تشكيلها كي تتناسب مع حالة الزائرين، كان "مارتن" يقف أمام الشرفة وفي يده فنجان قهوته الساخنة، عيناه كانت تتابع الطرقات المطلة على عيادته...

طريقا مزدحما يشكل يسبب الاختناق مقابل آخر يوفر مساحة واسعة ومنظمة السير عملية المرور، وهكذا كانت حياة البشر خصيصا من يعانون من أمراض نفسية نتجت عن تراكم الضغوط وكتم ما يؤلم المرء دون الإفصاح عنه...

كسر هذا الصمت الغريب طرقات خفيفة فوق الباب، فتح بهدوه واطل "مهاب" عليه كعادته، أبتسم "مارتن" عند رؤيته وقال بترحاب:

أهلا أهلا بالباشا اللي الجيش واخده ومبوظلنا السيستم.

أبتسم " مهاب" وعائقه بعد أن تكونت صداقتهم في لحظة عابرة لم تكن في الحسبان، أبتعد عنه بعدها وقال بنيرة هادئة

أعمل إيه طيب، هانت خلاص مبقاش غير القليل.

أشار إليه نحو المقعد المعتاد وقال بنبرة هادئة :

تعالى السرير الشازلونج، وحشته والله.

قهقه "فهاب" بخفة على كلماته واسترخى بالفعل فوقه كما طلب منه ورد عليه بقوله المرح:

والله هو الحاجة الوحيدة اللي وحشتني هنا، يحس إنه بيشيل همومي كلها من غير ما يشتكي.

رفع "مارتن" عيناه نحوه ونظر إليه نظرة ذات معنى ثم قال:

شكلي مخرجك من هنا منقسم إنقسام ميتوري.

ضحك "فهاب" وهو يتأمل سقف الغرفة ورد عليه ساخرا:

يا عم وفر على نفسك وأديني طلقة أسهل بدل الفرهدة دي.

وأخد إعدام فيك أنت بعد كل دا؟.

هكذا كان رد "مارتن " الساخر الذي تعمد قولها بتهكم واضح، فنظر إليه "مهاب" بشر وقال

بنبرة حادة:

أنت عديم المشاعر وقليل الأدب ولو قومت دغدغتلك العيادة على دماغك دلوقتي مترجعش تعيطلي.

جلس "مارتن" فوق مقعده وارتدى نظارته الحبيبة ومعه دفتره المعتاد لتسجيل ملاحظاته الهامة أثناء الجلسة، نظر إليه بثياب بعد أن ألتزم الجدية فجأة وقال:

أهدى وأمسك أعصابك علشان لم تبدأ تكون هاديين وأعرف أسمعك على رواق، هدي نفسك معاك 5 دقايق بالظبط.

أخرج "مهاب" تنهيدة طويلة حانقة بعد أن أجبره "مارتن " على الخضوع رغم تمرده المعتاد وللعجب يجد وحشه يهدأ بسهولة وكأن سحرا ألقى عليه، تأمل السقف الأبيض وحاول تهدئة نفسه قدر المستطاع في تلك الدقائق القصيرة قبل أن يجرده "مارتن" من وشاحه الزائف ويكشفه على حقيقته التي يهرب منها دوما...

نبدأ بقى آخر جلسة ليك كانت بتاريخ ٥/۲۲ ووقتها أتفقت معاك إنك تحاول تدي نفسك الفرصة وتحاول تتعامل وإذا فشلت تروح لحد بترتاح معاه تقدر تقولي عملت ايه ساعتها ؟.

نظر إليه "مارتن" بعد أن ألقى سؤاله وأنتظر تلقي الجواب، ولكنه كان مترقبا وبشدة لردات الفعل التي تصدر منه في تلك اللحظة، بينما تردد "مهاب " قليلا عندما ذكره "مارتن" بحقيقة الأمر من جديد بعد أن سعى لنسيانها، ولكن لا مهرب من مواجهة أصل المرء إلا

بمواجهته ...

أخذ نفسا عميقا ومسح فوق وجهه مرورا بخصلاته بعد أن نشبت حربا طاحنة بداخله من جديد، أخرج تنهيدة عميقة ثم قال:

معملتش أي حاجة، روحت الجيش وانشغلت هناك بالتدريبات السيستم هناك صارم بطريقة خنقتني فالأول، بس بعدين خدت عالوضع وبقى روتين فحياتي، مفيش حاجة أتغيرت يعني.

سأله "مارتن" ينيرة هادئة وهو يتأمله يترقب:

ولم بتنزل إجازة بتروح فين؟.

بروح الأخويا الكبير فلندن، بيحجز لي تذكرة وبروح أقضي الإجازة هناك ويرجع تاني أول ما مدتي بتخلص، برتاح وأنا هناك وبحس إني خر بس عمري ما فكرت ارجع ليهم هما، مجرد الفكرة لوحدها بتخنق وبحس إن لا دا مكاني ولا اللي فيه شبهي، شايفهم سبب فتعاستي طول الوقت صعب أرجع وأواجه اللي مستتيني هناك عملولي عقدة يا "مارتن" من كل حاجة.

تنهد "مارتن" ودون بعض الملاحظات في كتيبه ثم جاء السؤال الثاني عندما قال:

طب ها خدك وتروح بعيد شوية ... في واحدة فحياتك، يعني حابب أو بتفكر إنك تدخل فعلاقة حب ولا مش شايف نفسك فالصورة دي؟.

وعند ذكرها طاقت بخيالها أمامه وكأنها حاضرة، وصورتها رسمت نصب عيناه وكأنها تعانده، توتر في تلك اللحظة ولاحظ "مارتن" ذلك بسهولة ولذلك علم أن ما سيقال ما هو إلا مقاومة المعتقل مثله لم يتذوق الخزية يوما، هز رأسه وقال بنبرة متمردة استطاع "مارتن" سماعها وشعورها :

لا مش عايز علشان متعايرش فيما بعد بالموضوع دا أنا ساعات ميكونش حاسس بنفسي ولا يعرف أسيطر فاللحظة دي مش مستعد أأذيها تحت أي سبب.

أبتسم "مارتن" عندما وصل إلى نقطته المفضلة وقال بنبرة هادئة :

بص يا مهاب" دي حاجة قلبك مش هيطاوعك فيها، هيتمرد عليك هو عايز حاجة وأنت عايز عكسها لو أعلن الحرب مش هيرمي المنديل قبل ما ياخد الحاجة اللي بيحارب علشانها و هيجبرك إنك تعلن استسلامك ليه بأي شكل من الأشكال، وفلحظة هندخل حرب أنت مش عامل حسابها فليه متجريش، يمكن هي تتفهم وتكون قابلة ومعندهاش مشكلة، ليه فجأة رفضت والمردت وأنت قلبك ماشي عكسك...

حاول تدي نفسك فرصة واحدة بس يا مهاب"، العلاج النفسي دا مش عيب ولا حاجة تخجل منها، أنت ليك حالتك ووضعك بعيد كل البعد عن المفهوم العام للمرض النفسي. وبعدين شوف عندك كام واحد متشخص أكتئاب، أنت قادر تكون أب كويس على فكرة علشان اللي شوفته منهم علمك متعملش نفس الشيء مع أولادك، إحنا هنا علشان تتعلم من أخطاء غيرنا وتحاول نحسن من نفسنا فرصة واحدة بس تديها لنفسك صدقني أنت محتاجها بس مش واخد بالك أو رافضها، ودا مش هيساعدنا دلوقتي علشان يكون في علمك، فلازم تساعدني

تأقف "فهاب" الذي ضغط على وتره الحساس في تلك اللحظة وفي لحظة غير محسوبة أخرج ما في جعبته عندما قال بنيرة يشوبها الضيق:

أنا بحبها فعلا ومن ساعة ما شوفتها وأنا مش عارف أخرجها من دماغي، صورتها بتيجي غصب عني ويضعف وأنا بكره ضعفي دار متعودتش أضعف بسبب حد وهي فيوم وليلة جت ضربت گل دا عرض الحيطة، بحبها واللي أنا فيه دا ما تعني عنها هقول لأهلها إيه لم أروحيخالي ومرات خالي وأخويا بدل أمي وابويا، مش قادر يجد أنا فحرب مش قدها.

فتى صغير فرض عليه العذاب ليتجرعه، لم يتذوق يوما معنى الفرح وكانه حرم عليه، هكذا كان حاله لم تنصفه عائلته ولم يشفق عليه القريب، وكأنه أضحى منبوذا في أرض قاحلة نظر إليه "مارتن " نظرة دافئة كشفيق قبل أن يكون طبيبا وقال:

نصيحتي الوحيدة ليك يا "مهاب" إنك تسيب نفسك سبب نفسك وشوفها هي عايزة إيه مش شخصك المتمرد، طول ما أنت رافض مش هناخد خطوة واحدة فحياتك وهتلاقي كل حبايبك بيتقدموا وأنت محلك سر، فكر فيها شوية كدا دلوقتي وأنت معايا، تخيل حياتك وصحابك كلهم وحبايبك بياخدوا خطوات لقدام بينجوزوا ويبنوا بيوتهم ويخلفوا وينجحوا فشغلهم وأنت هتفضل محلك سر.

شرد "مهاب" بالفعل في كلمات "مارتن" التي أشعلت حواسه في لحظة، بسهولة رسمت إليه الصورة؛ وباللحظة الأخرى رفض عقله هذا الخضوع المقيت فبدون أن يشعر قال بنبرة حادة بعد أن شعر بالضيق

لا أنا مش حابب الخضوع دا ولا المنظر دا، أنا عايز أحد خطوات لقدام فحياتي وجيتلك علشان تساعدني مش علشان تضايقني وتقولي إني ضعيف.

أبتسم "مارتن" بنصر بعد أن وصل إلى مبتغاه ولذلك اعتدل في جلسته وقال بنبرة باردة :

حلو، يبقى تساعدني وتاخد معايا خطوات لقدام علشان متكونش تحت بند الخضوع أو الضعف، وبعدين أنا أعرف إننا مبنحبش نحس بالضعف تحت أي سبب، واستغريتك فالأول لحد ما قولتلي رافض ضعفك قدامها ... علشان كدا أنت إجباري متضعف يا "مهاب" قصادها، هي مأثرة عليك ودا غصب عنك بيضعفك قدامها طول الوقت هي دي بداية علاقتكم، أنت لازم تضعف فعقلك أول ما يحس بالخطر هيدي إنذار لقلبك علشان تاخد خطوة تجاهها، الموضوع كله دلوقتي عامل زي لعبة البازل علشان تكسب الجيم الأول لازم تحل شفرته والحل دا عندك أنت أعترف بيه علشان تلاقي كل حاجة بتمشي معاك...

مش شرط تاخد والدك ووالدتك أنت قولت قبل كدا إن ليك صديق مقرب أسمه "يزيد" مش كدا؟ كلمه وخليه يمهدلك مع أبوها وأمها الطريق علشان لم تروح ميكونش في إحراج ليك وهو مش هير فضلك الطلب دا وأكيد عارف حاجة زي دي فهو مفتاح مهم جدا لخطوتك. الجاية لو عندك الجرأة وعايزها يجد حد خطوة دلوقتي، إنما وأنا ينبهك أهو لو مش قدها و هتظلمها معاك فبلاها القرار قرارك دلوقتي.

فكر "فهاب" بجدية شديدة في تلك اللحظة بكلماته التي كانت له دافعا قويا، استطاع أن يشعل بسهولة شرارة الحب المنطفئة وسط صحراء جرداء باردة، خرج "مهاب" من العيادة في تلك اللحظة بروح أخرى أكثر عزيمة وإصرارًا، ليس كتلك المرهقة التي دخل بها ...

استقل سيارته وأخرج هاتفه من جيب سترته عبث به قليلا بعزيمة رجل عقد العزم على فعل ما يريده، وضعه فوق أذنه وأنتظر لحظات حتى جاء الجواب من الطرف الآخر، فتحدث بنبرة هادئة بقوله :

أريك يا "يزيد" إيه الأخيار، أنا بخير الحمد لله، متصل وعايز منك خدمة وعارف إنك هنتصفني ... عايزك تقعد مع والد "جويرية " وتحكيله عن ظروفي فالبيت وعلاقتي بوالدي ووالدتي، علشان ناوي أتقدم لـ "جويرية " وهيكون معايا اخويا وخالي ومرات خالي عايزه يكون على علم علشان ميكونش فيها أي إحراج ليا وأول ما تعمل كدا أديني خير وابعتلي رقمه علشان أحد معاه ميعاد.

عقد النية وقرر أن يأخذ خطوته الحاسمة والفارقة في حياته المستقبلية، لم يفكر بعد حديث "مارتن" وكأنه كان قرينه الذي يرشده إلى الصواب، فأول أسلحة الحرب هي الجرأة.


تعليقات