رواية أحببتها ولكن الجزء السابع ( حرب الاعداء ) الفصل المائة والحادي عشر
حكايات تنتهي وأخرى تبدأ...
قصصا تنتهي بسعادة كما يحيد البعض، وأخرى سوداوية تنتهي كما تليق بها، صدامات واحتدامات هنا وهناك، وبين هذا وذاك تولد نطقة صغيرة في حديقة خضراء مزهرة، تبدأ في النمو برغم الصراعات، وبرغم الخلافات، وبرغم القيود وولدت الصغيرة...
جلسة كانت كالزيد الناعم على القلوب -
في حديقة القصر الخلفية...
كانت جلسة هادئة لطيفة وناعمة إن كان لها ملعنا، تشبه الصفاء كروحه خصلاته نؤدي رقصتها الناعمة على إيقاع الهواء البارد، وابتسامة خفيفة تزين ثغره يصطحبها لمعة خاصة نابعة من اعين ما زالت تنبض بالحياة...
تقدم منة مترددا، قلبه يدفعه وعقله يقف أمامه بالمرصاد، وبين هذا وذاك كان هو فريستهما الضائعة، هذا رفيق دربه كان طلبه أبسط من يكون، ولكن بالنسبة إليه هو لم يكن الأمر كذلك بتانا، وقف حائرا بين قلبه الذي كان يتلهف شوقا لتلك اللحظة وعقلا يرفض هذا المبدأ، ولكن إن كان القلب طرفا في حرب الحب فنيا للعقل...
مساء الخير يا أجنبي العيلة، وأخيرا مقعد معاك قعدة صافية مفيهاش صريعة.
رفع "عبد الرحمن" عيناه التي لمعت ببريق الفرح نحوه عند سماعه النيرة صوته، فهذا الفتى غاب واخذ معة فرحة لم تكتمل بعد واليوم عاد ليترك وعذا ابديا بعودة تدوم مدى الحياة رفقة من احي
زيزو"، حمد لله على سلامتك يا حبيبي رجعت أمتى؟.
ضمه بشوق إلى صدره مرحبا به فاستقبله الفني مبتسما وهو لجيبه بقوله:
رجعت إمبارح بس الحظ منصفنيش أشوفك علطول، وحشتني والله إيه الحلاوة دي، هي المدام راضية عنك ولا إيه وشك منور ولا كانك ابن العشرين.
قهقه "عبد الرحمن" على كلماته المبطنة بخيت صبياني يعلمه جيدا، فجاوره خير جليس وهو
نجيبه قائلا:
رضا ربي عليا قبل كل شيء، وبصراحة أه بقالنا فترة حلوين مع بعض ولا كأننا ولاد العشرين.
شكل في واحد ابن حلال دعالنا بصلاح الحال قربك استجاب.
طب الحمد لله ربنا يديمها عليكم نعمة ويبعد عنكم شرور النفس، وعقبالنا يا رب أنا زهقت وربنا مش عارف هتجوزها أمتى دا أنا خللت جنبها.
ضحك "عبد الرحمن" عاليا على كلماته وأخذ يربت فوق كتفه بمواساة وهو يقول:
فتستعجلش أوي كذا مسيرك تدخل دنيا عيشلك يومين حلوين قبل ما تشيل ليلة أنت مش قدها، بس والله بدعيلكم وبإذن الله قريب هنفرح بيكم.
رفع "يزيد" يديه للسماء متمنيا بقلب عاشق أرهقه الإنتظار ثم بعدها اعتدل في جلسته ونظر في عيناه وقال بنبرة جادة:
بمناسبة الفرح واللحظات الدافية اللي بنعيشها دلوقتي عايزك تصلي بينا عالنبي.
عليه أفضل الصلاة والسلام خير إن شاء الله.
في واحد عايز يتقدم لـ "جويرية"، هو صاحبي وشافها ففرح "شهاب" و "مريم"، هو قصدني اقعد معاك القعدة دي قبل ما ييجي ويطلبها منك لأن عنده شوية ظروف كدا قولت أوضحها لك قبل ما الراجل بيجي علشان ميكونش فيها إحراج ليه...
استشعر " عبد الرحمن" جديته في الحديث ولذلك أنصت إليه بكل حواسه قائلا:
اه طبعا، قول أنا سامعك ومين هو عايز أعرف عنه أكثر قبل ما أديك خير.
تنفس "يزيد" بعمق بعد أن شعر بثقل اللحظة على صدره الآن لا مهرب يجب أن يواجهه لأجل هذا الرفيق الذي عقد العزم على أخذ خطوة جريئة في غابته الشائكة:
اسمه "قهاب"، صاحبي من 11 سنة، أي كلام هقوله عنه دلوقتي صدقني مش مجرد تفخيم فيه علشان هو صاحبي، ولو أنا كنت شايف إنه يعينه حاجة كنت رفضت الموضوع داء "جويرية " تبقى أختي الصغيرة ومستقبلها يهمني بس صدقني "فهاب " بجد راجل أوي وقد أي مسئولية. وكونه خلاني أقعد قصادك دلوقتي إله فكر ألف مرة مع نفسه قبلها، باختصار شديد علشان مطولش عليك مهاب" شخص محترم جدا وجدع وراجل...
هو من صغره بيعاني بسبب أهله، علطول ضاغطين عليه وشايقينه عاق علشان بيرفض تحكمهم فحياته، مشاكل باباه ومامنه مبتخلصش تقريبا الوضع دا بقائه حتى الآن 9 سنين كان قبله أخوه الكبير "مصطفى"، بس هو رفض تحكماتهم وأفعالهم وقدر يسافر ويستقل بحياته ويتجوز اللي هو عايزها بدون ضغط منهم، معجبهمش تصرفه فشالوه من حساباتهم خالص كأنه مکانش ابنهم يوما ما ...
لقوا "نهاب" قدامهم بس هو متمرد مبيحيش يعلن خضوعه قصاد حد مهما حصل، من هنا بدأت معاناته معاهم كل يوم زعيق وخناق وتكسير "فهاب" أتربى بين أب وأم كل اللي بيسعوا إليه التحكم وبس، بدأوا يتخانقوا معاه ويدمروه نفسيا و مهاب" مقدرش يقاومهم كثير ولا قدر يعيش فبينة وبيت زي دا، مع الوقت بدأ يتعب نفسيا وبدأ يبقى عدواني معاهم....
مع الوقت بقى بيعاني نفسيا وبقى بكره وجودهم معاه، مع كل خناقة بتقوم وتولع بينهم كان هو بيفقد السيطرة على نفسه وبيبدأ يزعق ويكسر فأي حاجة تيجي فريده ومحدش بيعرف يخرجه من الحالة دي مع الوقت كان بيهرب من كل دا ليا أنا و "وهيب" صاحبنا، بيقعد كثير
ساکت مبيتفاعلش معانا كأنه فعالم ثاني لدرجة إله رفض يرجع البيت ثاني وكل إجازة بننزلها أخوه بيكون حاجز له تذكرة للندن بيقعد معاه وبترجع تاني، فشاف جويرية" وأعجب بيها خاف ياخد خطوة علشان حاجات كتير أوي أولهم أنت....
إلى هنا وظهر التعجب أكثر على محياه متنغض الجبين، وكأنه يذكر كلماته التي بالطبع أثارت شيئا ما بداخله، فكرر كلمته الأخيرة باستنكار نام:
أنا؟ ليه يعني مش فاهم، وبعدين أنا برضوا مفهمتش المغزى من كل دا ما كان جه هو وقالي كل دا بنفسه بما إن دي حياته وكلك أنت ليه يعني مش فاهم برضواء.
نظر "يزيد" في عيناه وخرجت كلماته بثياب عند قوله:
ما أنا هجيلك والكلام أهو لم "مصطفى" أخوه راح أتقدم لمراته حاليا كان واحد معاه خاله ومراته مخادش أبوه وأمه لأنهم كانوا رافضينها ومش راضيين عن الجوازة وقتها هو عائد وقال دي حياتي وأنا عايزها فقد خاله ومراته واتقدمولها و "مصطفى" شرح ظروفه والراجل مشكور تفهم ووافق علشان أتبتك تمسكه ببنته، و "فهاب" خلاني أقعد معاكد علشان أقولك إنه لم ييجي بعد ما ياخد موافقتك مش هيكون معاه أبوه وأمه هيكون خاله و مراته زي ما حصل مع اخوه علشان ميكونش فيها إحراج ليه يعني، وعن اللي حكيته بخصوص حياته فهو ميعرفش اني قولتلك تفاصيل زي دي بس أنا واثق إنه أول ما يقعد معاك هيحكيلك كل حاجة بالتفصيل...
بس صدقني هو حاليا أقتنع بفكرة التيرابيست بعد ما قعدنا تتكلم معاه كثير أوي، وانتظم بقاله شهور دلوقتي ولم كلمني وطلب مني الطلب دا أنا فهمت أن الدكتور بدأ يحفزه ويديه اللي اتخطف منه زمان، اقعد معاه وأحكم عليه بنفسك وشوفه قبل ما تقول رأيك وأكيد طبقا راي جويرية" فهم إذا كانت قابلة أو رافضة رأيها هيكون الفيصل، فإيه رأيك يا حج اقوله وافق يقعد معاك ولا أنت شايف ايه ؟.
التنهيدة طويلة وعميقة كانت ردا على ما قبل، في لحظة شعر "عبد الرحمن " اله سقط في بؤرة كبيرة لا آخر لها، فهذا مستقبل ابنته الوسطى يجب أن يؤمنه بنفسه ويطمئن قلبه عليها فيرغم شقاوتها وعدادها تظل حبيبة الفؤاد استغرق وقتا في التفكير وترك الآخر يترقب أدق رب يصدر منة يتحفز ...
الحياة دوما تفاجئنا باختبارات صعبة، تسقطنا في مستنقع لا آخر له وترسم لنا متاهات حتى فضل طريقنا إلى المبتغى، ولكن العقل يرفض والقلب يتمرد فيكون في الأخير فائدا وعدوا العقل احب التحكم دوما...
زفر بعمق ومسح فوق وجهه برفق متخذا قراره، فلن يستطيع أن يلقي بحكمه عليه دون أن بمنحه فرصته ويراه بعيناه التي لم تخطئ نظرتها في الحياة يوما، فرفع رأسه ونظر إليه بهدوءه المعتاد حتى في أشد لحظاته وقال:
خليه ييجي الجمعة الجاية، عايز أقعد معاه وأشوفه بعيني.
لمعت عيدان "يزيد" بوميض الفرح وفي لحظة رسمت بسمنة فوق ثغره وكأنه طفل تلقى موافقة أبيه للتنزه بعد أسبوعا من التشدد والحزم، ضفه بقرح إلى صدره وبقوة لم يعلم من أين أنت، وبتقدير وامتنان قال:
شكرا أوي بجد يا حبيبي، كنت متأكد إنك مش هتكسر بخاطره ولا تحكم عليه قبل ما تشوفه يعنيك.
ابتسم بهدوء وريت برفق فوق ظهره متمنها بقوله الهادئ:
مبقاش "عبد الرحمن" يا "يزيد" وأنت عارف كدا كويس سيبني أقعد أسمعه وإن كان خير قربك هيقريه لينا بإذن الله.
عاد الأمير منتصرا، وانهالت عليه التهاني "
في شقة "شهاب"...
جلس كما أعتاد فوق هذا المكتب الصغير هذا الذي شهد على نزيف دام لعام ونصف، وحمل في اعماقه صرخات مكتومة لم تسمع يوما، عائق عيراته ليال طويلة، ورأى في عيناه نظرة رجل مكسور
أما اليوم كان كغيره....
تلك الليلة لن تكون عبراته نابعة عن حزن مدفون، بل ستكون عن فرح كان مهجور، ابتسامة لم الرى يوما، وضحكة نابعة من قلب مره مظلوم، القمر حاضرا اليوم ولمعة النجوم تزين السماء الكحلية، والليل وسماءه نجومه وقمره شاهدين على تلك اللحظة، هكذا كما صدحت كلمات الأغنية من الراديو الذي ورثه عن أبيه ...
وضع الدفتر أمامه وأمعن النظر فيه قليلا قبل أن يفس الحبر أوراقه، أنكى بظهره على ظهر المقعد وأغمض عيناه أخذا شهيقا عميقا ملى صدره شهيق ملك استنزفت روحه حتى أعلن فوزه أمام عامة الشعب وخرجت صرخة النصر...
تغافل لحن الأغنية إلى قلبه قبل أذنيه، هذا اللحن الهادئ الذي يشبه هدوء طفل صغير لا زال يكتشف الكون حوله تنهد يعمق وهز راسه برفق بعد أن استطاعت كلماتها أن تصف شعوره والهيئة العامة من حوله:
يا حبيبي يا حبيبي يا حبيبي
الليل وسماه ونجومه وقمره، قمره و سهره
وانت وأنا يا حبيبي أنا يا حياتي أنا
يا حبيبي يا حبيبي
الليل وسماه ونجومه و قمره، قمره و سهره
وانت وأنا يا حبيبي أنا يا حياتي أنا
كلنا كلنا في الحب سواء
والهوى آن منه الهوى...
كانت تقف على عتبة الغرفة تستند بنصفها الأيسر فوق الإطار الخشبي والابتسامة الهادئة فوق فمها مرسومة، عيناها تلمع كحبات اللؤلؤ تحت الضوء الذهبي الخافت ترى شخصا خرا كالطير المحلق في عنان السماء، طفلا صغيرا نال الخزية أخيرا بعد أن تم اعتقاله...
وقفت خلفه دون أن يشعر هو، قالان هو يعالم آخر، فاليوم هو صاحب الحق المنصور، وبأعين الجميع كالملك المتوج على عرشه، وضعت كفيها الدافئين فوق كتفه برفق دون أن تزعجه، وجاء صوتها الهادئ ليعيده الأرض الواقع بقولها:
أول مرة أشوفك رايق كدا والضحكة متفارقش وشك، كنت يتمنى اليوم دا ييجي من زمان بس علشان أشوف الفرحة دي فعيونك.
فتح عيناه وكان وجهها أول ما يراه، تلك المعالم الجميلة التي طالما أحبها، وبنظرة واحدة لها تجعل الحياة وردية، تنهد بعمق وأغمض عيناه من جديد وقال:
حاسس إلي أتولدت من أول وجديد حسيت إلى مرتاح وهنام من غير خوف حالي أخيرا رجع بعدالة ربنا قبل عدالة الأرض أزاى ربنا هيردني مكسور الخاطر وهو اسمه الودود، أنا ياما قعدت على سجادة الصلاة فعز الليل والكل نايم وعيطتله، كام مرة اشتكيتله بقلب مكسور وأنا بقوله يا رب عبدك مظلوم، ربنا عمره ما رد حد لجاله بالعكس، بس أقولك على حاجة أدركتها دلوقتي بعد كل اللي مريت بيه دا..
همهمة قصيرة خرجت من حنجرتها وهي تترك أناملها الرفيعة تداعب خصلاته الناعمة، وكأنها مكافئته الخاصة على ما مز به فتح عيناه التي لمعت كالنجوم وقال:
الشكوة الغير الله مذلة فعلا.
بسمة حنونة رسمت فوق فمها ونظرتها أصبحت لينة، تنهدت بعمق وأجابته بنبرة هادئة:
ودا الدرس المستفاد والآخر ربنا حب يعلمك درس فابتلاك المهم أن فالآخر ربنا رجعتك حقك والحياة اللي أتمنينا نعيشها أخيرا هنعيشها.
ابتسامة حنونة رسمت فوق فمه عندما ذكرته بأمنياته التي طالما سعى لها، اليوم سيحظى بها ولن يجرؤ أحد على منعه، ترك كل شيء ووقف أمامها دون أن يفلت كفها الدافئ، شد برفق فوقه ونظر في عيناها التي تترت سحرها عليه منذ زمن طويل وقال بنبرة هادئة
هنبدأها من النهاردة، مش متضيع لحظة فيها، الأيام بتجري وإذا كنا إثنين النهاردة فبكرة هتبقى ثلاثة عايز أعمله كل حاجة مش عايز أحرمه من حاجة، وفنفس الوقت عايز أكون دايما مصدر الهامة وأمانه عايز أديله اللي أنحرمت أنا منه علشان ميخنش فيوم باللي حسيت بيه أنا، وأنا مش هعمل كل دا من غيرك علشان أتعودت على وجودك فأي حاجة بعملها وبثق فقراراتك في ما يتنقي فيا بالظبط .... أي حاجة هعملها عايزك تكوني جنبي وتشاركيتي فيها.
تأثرت بكلماته التي كانت كالزيد الناعم على قلبها، يعلم كيف يظهر حاجته إليها دون أن يخجل حتى وان كان أمام العامة فالرجل يحتاج لأنشاه دوما وهذا لا يعيب أحد، فتلك هي طبيعة المرء المرأة الخلقت من ضلع رجلها، فكيف لا يحافظ على ما أنعم به عليه ربه....
اقتربت بهدوء لم يتوقعه ووضعت رأسها فوق صدره، حاوطت خصره بذراعيها دون أن تقول حرفا، فهي تعلم أنه بحاجة الفعل قبل القول فما رأه لم يكن هينا على قلبه المسكين بتانا، وبدون تردد ضمها برفق وشد يحنو عليها بذراعيه، فتلك هي المرة الأولى لهما بهذا القرب وبذلك الهدوء..
صمت قصیر دام بينهما هي تحظى بدفء تلك اللحظة وهو يتأمل بعيناه الهادئة صفاء السماء ولمعة النجوم وضوء القمر لحظات من الصمت دامت حتى قطعته هي بقولها:
أنت ليه قولت هو مش هي ؟.
رفعت رأسها تتأمله بعدها منتظره جوابه، فلمحت ابتسامة خفيفة تشق تغره، وتلك تخفي خلفها الكثير كلمتين رد بهما عليها دون أن ينظر لها:
علشان هو.
يعني ايه مش فاهمة بنقولها بثقة هو إحنا عرفنا هو إيه أنا لسه فاضلي أسبوع وابدأ فالرابع.
نظر في عيناها تلك المرة بعد أن التفتت أذنيه تبرة شرسة، رأى الضيق في عيناها بارزا تنتظر أن يعارضها حتى يبدأ الشجار بينهما، رفع كفه وأمسك بأنفها وضغط عليه برفق قائلا:
متأكد إنه ولد يا "مريم" متجاد لنبش كثير متاخيرك كبيرة.
ايه ال
دفعته بعيدا وهي تنظر إليه بغضب حقيقي بعد أن أغضبتها كلمته الأخيرة، فتلقى هو ذلك بضحكة عالية رنانة واقترب مجددا منها قائلا:
أنا بصارحك بالحقيقة، مناخيرك كبيرة يبقى حامل فولد أصل "بهيرة" بنت علي كانت حامل لم كنت فاقد البصر وكنت بسمعهم دايما بيقولولها قبل ما تعرف نوعه أن متاخيرها كبيرة ودا معناه إنها حامل فولد وفعلا فالخامس عرفت انه ولد.
وهي أي واحدة متاخيرها كبيرة تبقى حامل فولد يعني ؟ أبعد على علشان عصبتني دلوقتي ومش طايقة حد.
دفعته من جديد وابتعدت هي بجسد مشدود وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة تحت عيناه التي تابعتها ورافقتها ضحكته العالية، خرجت لغرفة المعيشة بوجه محتقن وقبل أن تجلس شفرت بكفه يقبض فوق كلها ويجذبها بحذر نحوه تبعها كلماته المشاكسة:
هو أنا قولتلك النهاردة إنك محلوة.
قاومته "مريم" أبية الخضوع لمكره تلك المزة قائلة:
انسی یا "شهاب " من المزة دي.
اقترب منها ولهم وجنتها بحنو أبيا تركها وهي غاضبة منه ثم همس لها بنبرته الرخيمة:
لا أنا عارف إن حبك أكبر من غضبك ليا وفالآخر قلبك هيرق قلبك مش موافقك الخصام المرة دي وشايف فعيونك حب من غضب، وبعدين سواء كانت مناخيرك كبيرة أو صغيرة التي بهمني فالآخر "ريمة " نفسها، وأنا يحبك فكل حالاتك.
حسنا هذا المتمرد الماكر يستطيع أن يسيطر على قلبها كيفما يشاء، ففي الأخير هذا الصغير يعشقه وان تظاهرت بالغضب أمامه فهذا لا يعني أنها هكذا حقا، لثم وجنتها مجددا وهمس إليها بقوله:
ها جدل وتطلع لتعشى يره النهاردة وتتمشى سوا...
صمت قليلا يراقبها بصمت بعينين ثاقبتين، فهو أصبح يعلم نقاط ضعفها في تلك الأشهر القليلة التي مضت، فقرر أن يثير رغبتها عندما أكمل قائلا:
هيكون في كنافة بالمهلبية ... قولتي ايه ؟.
سال لعابها عندما التقطت تلك الكلمتين، ولمعت عيناها يبريق يعلمه جيدا، توترت قليلا ورأی ذلك بسهولة فلم يستطع أن يخفي بسمته عنها، نظرت إليه بترقب وقالت:
يجد ولا يتضحك عليا ؟.
رفع حاجبه قليلا ومنحها نظرة ثاقبة وقال مترقبا:
من أمتى وأنا بوعدك بحاجة ويخلي بيها بعدها، أجيبلك أي حاجة بس مشوفكيس مضايقة مني بالشكل دا.
خجلت من كلماته التي أتهمتها بالتشكيك فيه، ولذلك هربت من نظرته معانقة إياه كما أعتادت.
فهي على يقين بألة لن يرفض عناقها مهما حدث، ولذلك ضفها هو وكالة يضفها لمرته الأولى
وداعبت أنامله خصلاتها برفق ثم قال بنبرة هادئة متسائلا:
لسه متعصية مني ؟.
هزت رأسها برفق تنفي سؤاله دون أن تبتعد ثم قالت بهمين:
طالما فيها كثافة بالمهلبية فلا.
تفاجئ من جرأتها حتى توقفت أنامله برهة من الوقت وقال:
الدرجة دي الكثافة أهم مني.
رسمت بسمتها فوق فمها ثم رفعت رأسها ونظرت اليه تري الصدمة في عيناه، فضحكت بعد أن فشلت في إخفاءها ثم رفعت نفسها قليلا ولتمت وجنته قائلة:
فكر فيها شوية، يعني لو أنت زعلان مني وجيت عملتلك السجق اللي بتحبه مش هتقبل ؟.
توترت أنفاسه عندما ذكرت نقطة ضعفه هو الآخر ابتلع لعابه ببطء ولم يجيب فقالت هي بنبرة مشاكسة
شوفت مش أنا لوحدي، فمتعيش دور الضحية لإنك إذا شوفت طبق السجق قدام عيونك فلحظة هتنسى زعلك وكل حاجة وعلشان كدا إحنا متعادلين.
نظر إليها بعد أن ابتعدت عنه دون أن يتحدث، وكأنه بذلك أعلن لها فوزها عليه تلك المرة كما تفعل دوما، تنهد يعمق وقال:
ماشي انت تكسي المرة دي.
ضفها بعد ذلك عناقا كان غريبا عليه، كان فريخا، دافتا بشكل يستشعره المرته الأولى، خاليا من قيود الحياة ومخالب الوحوش، كان فقط خزا؟ فتلقى عناقها الحنون الذي لم يكون يوما حبيبه. ففي أشد أوقاته يكون هو دواءه...
أقولك أنا نفسي فإيه دلوقتي ؟...
همهمة خافتة ناعمة خرجت منها، كدليل على انتظار سماع قوله، فأبتسم هو وقال بنبرة أهدأ:
نفسي أكل سحق.
ابتعدت "مريم" وهي تنظر في وجهه بذهول، لا تصدق ما سمعته قبل لحظات، فبخيته اقترب خطوتين منها ونظر يمكر في عيناها وقال:
وهنحلي بكثافة بالمهلبية بعدها، قولتي إيه ؟.
لا تنكر أنه استطاع أن يلعب على وتر حساس، فتلك نقطة ضعفها في فترة حملها وأول ما تشتهيه هي، فلن تستطيع أن ترفض عرضا كهذا خصيصا في تلك الأونة، أعطانه موافقتها بهزة صغيرة من رأسها وابتسامة خفيفة ترسم على ثغرها ...
ذهبت لتبديل ملابسها وتركته يقف مكانه ينظر في إثرها مبتسقا، تنهد بعمق لم أتجه بصره نحو هاتفه الذي صدح رئيته عاليا فوق الطاولة، فالنقطه وأجاب عليه قائلا:
أنت كمان نفسك تحلي ولا ايه؟.
استنكر "أحمد" قول رقيقه ولكنه سرعان ما تفهم مقصده ورد ضاحكا:
و الله لو هتدفع معنديش مشكلة.
قهقه "شهاب" جالسا فوق المقعد الذي كان قريبا منه وأجابه:
تعالى وملكش دعوة.
هدنة سلام مؤقتة برائحة الفانيلا "
يحتاج المرء إلى استراحة...
ليست تلك المتعارف عليها، بل تلك الخاصة بالمماليك والأمراء استراحة محارب قضى حياته
في المعارك والصراعات...
ولكن لن تكون تلك الاستراحة كغيرها.
فسكنون تلك المرة مختلفة وأكثر هدوءا.
لهدنة سلام مؤقتة برائحة الفانيلا...
في محل "برلين"...
كانت ترتب الورود بعد أن وصلتها مؤخرا، رائحتها تدغدغ أنفها بشكل لطيف جاعلة بسمتها ترسم فوق ثغرها دون تكلف، وفوق مكتبها الخاص جلس "مينا" الذي حظى مؤخرا بإجازة مدتها أسبوعا للقضاء العيد والراحة بعدها كتقدير له على ما بذله في الأونة الأخيرة....
دون آخر مبلغ نقدي تحصلت عليه زوجته وترك القلم فوق الكتيب أنكى بظهره فوق المقعد وقال:
خاصتاك شغلك يا عسولة، أي خدمة.
التفتت له المعنية بهذا النداء وضحكت عيناها قبل فمها استقامت في وقفتها وقالت:
خلصت بجد؟
رفع الكتيب لها ورد عليها مبتسما :
كله تحت السيطرة، متقلقيش.
تركت الورود واقتربت منة بهدوء، أمسكت بالكتيب وأطلقت نظرة سريعة عليه، لم تستطع أن تخفي انبهارها بهذا الترتيب الذي حل إليها عوائقها في العمل، نظرت إليه نظرة ذات معنى ولم تستطع أن تخفي دهشتها بالأمر، ثم قالت:
بجد مش عارفة أقولك إيه بجد حليتلي أزمة بواجهها كل يوم، ترتيب جبار بجد براقو يا سيادة الملازم.
منحها ابتسامة واثقة لا تخلو من الحنان بعد أن تلقى إطراءها على عمله، وبنبرة هادئة قال:
عجبني الوضع، عرفت هسلي نفسي فإيه وقت الملل.
تركت الكتيب مكانه ضاحكة ثم تناولت حياتها الصغيرة التي أوصتها بها الطبيبة للعلاج بهدوء. وبقيت عيناه عليها معلقة يتأمل أصغر تفاصيلها وأقل حركة منها، فيرغم زواجهما منذ أشهر ليست بطويلة ولكنه لا زال يكتشف بها أشياء أخرى تكفن فيها خجلا...
ولجت سيدة في عمرها الخمسين وبيدها علبة كرتونية أنيقة ينبعث منها رائحة طيبة، كانت انيقة ومهندمة بشكل لا يوصف، بشوشة الوجه وعيناها السوداء تلمع بالفرح، لمعت عينان "برلين " عند رؤيتها فاستقبلتها بعناق ودود وقالت:
مدام "ورد"، إيه المفاجأة الحلوة دي ..
نظرت لها "ورد" مبتسمة الوجه، وردت عليها بنيرة لم تخلو من الفرح والبهجة قائلة:
وحشتيني أوي يا "بيري"، قولت مينفعش معديش وأعيد عليكي، وبالمزة كمان أدوقك البسكويت اللي عامليته.
یاد يا مدام "ورد"، يجد حضرتك ذوق أوي مش عارفة أقولك إيه على لطفك دا.
وضعت "ورد" كفها فوق ذراعها بلطف وقالت بنبرة حنونة:
يا حبيبتي متقوليش حاجة إحنا أهل، وبعدين كفاية إنك بيت شاطرة بتحب شغلها وذوق مع الناس، وأنا أول ما تعاملت معاكي بصراحة حبيتك أوى، وعلشان كذا قررت متعاملش مع حد غيرك بخصوص الورد وبسبب ذوقك واحترامك مع الناس قدرتي تكسبي تقتهم ومحبتهم ليكي وأنا طبعا أولهم ....
كان "مينا" يقف خلف المكتب منذ ولوج تلك السيدة، ينظر إلى زوجته يفخر عيناه استطاعت أن تفضح مكنونه يسهولة فائقة، فهو يسعد لنجاحها وإطراء السيدات اللواتي كـ "ورد" لها، ففي منظوره هي تستحق الكثير والكثير...
انت جوزها مش كدا؟.
نظر "مينا" لها عندما باغتته يسولها، تفاجئ في بادئ الأمر ولكنه سرعان ما تمالك نفسه وقال بنيرة هادئة وابتسامة خفيفة:
ايوه.
نظرت لهما "ورد" برهة من الوقت، وكأنها تعيد تقييمهما من جديد، وببشاشة وأطف قالت:
"برلين" حكيتلي عنك قبل كدا كثير، كنت باجي مخصوص علشان أقعد معاها وتشرب الشاي مع بعض، وكان نفسي اشوفك علشان أقولك إنك معاك جوهرة غالية اوي. "برلين" بتحبك اوي وعلطول يتمدح فيك ودا شجعني إني أشوف الراجل اللي ربنا إداد زوجة زيها، وبصراحة حابة أقولك يا بختك بيها حقيقي، صحيح أول مرة أشوفك فيها بس شوفت فعيونك كل اللي أتحكى عنك ...
نظر إلى "برلين" وهو مشدوها، فقد فاجئته تلك السيدة واستطاعت أن تعجزه عن قول شيء آخر بعدها، فمنحته هي ابتسامة صافية محبة دون أن تتفوه بحرف، وكأنها تؤكد إليه صدق تلك السيدة..
جذبت "ورد" انتباههما إليها من جديد عندما فتحت الغلبة ومدتها نحوهما قائلة بابتسامة طبيبة:
البسكويت دا أنا اللي عاملاه، أتمنى يعجبكم إن شاء الله.
يجد شكرا لذوق حضرتك مش عارفة أقولك إيه.
أخذت "برلين" الغلبة على استحياء وقد هربت منها كلمات الشكر والامتنان أمام هذا الموقف النبيل، فقهقهت "ورد" وقالت بنيرة حنونة
مفيش كدا بينا، المهم إنه يعجبكم، وقبل ما أنسى نسيت أقولك إني دعيتلك باللي نفسك فيه الدعوة كانت من قلبي يا "برلين" وإن شاء الله تتحقق ونفرح قريب بالخبر الحلو اللي مستنييته ... يلا أسيبكم أنا بقى.
غادرت "ورد" كما جاءت ولكنها تركت إثرها في الجو داخل هذا المحل الذي يعج بالورود المختلفة، وضعت الغلبة ونظرت إليه بهدوء دون أن تتحدث فهو تولى الأمور في ذلك الوقت عندما اقترب منها وعلى محياه ابتسامة هادئة ...
الست دي شكلها كدا كشفتك قدامي يا جميل وقالت اللي مبيظهرش قدامي.
ابتعدت "برلين" عنة وهي تحتج على كلماته حتى تهرب من هذا الحصار الماكر الذي كان يحاوطها ببطء حتى يتملك منها في الأخير، وأمامها أبى هو الخضوع تلك المزة فذهب خلفها وهو يقول ضاحكا:
تعالي بس ومتتهر بيش شكلك باين أوي ومكشوفة بطريقة تكسف.
انشغلت هي في ضب أغراضها دون أن تجيبه، فحقا قد أخجلتها نظرته وتلك النبرة الماكرة. أسند نصفه الأيسر فوق الإطار الخشبي الداكن وهو يتابعها بشغف لا يستطيع وصفه، وكأن كلماتها أيقظت شيئا في أعماقه ...
اقترب في الأخير بعد أن رأى توترها قد تملك منها وبدأت الأغراض تسقط من يديها المرتجفتين دون إرادة منها، أوقفها أمامه وأمسك بهما مشددا فوقهما بلطف قائلا:
أهدي، إيديكي بيتر عنوا زي اللي عاملة عاملة وخايف يتمسك بيها ... تحدي نفس ممكن؟.
رجفة خائنة تملكت من جسدها عند ملامسته الكفيها الباردين هكذا كانت دوما أمامه، لا تستطيع أن تخفي خجلها مهما فعلت، فبالنسبة إليه أصبحت كتابا مفتوحا يسهل قرأته، نفذت طلبه
وأخذت شهيقا عميقا حتى تهدأ قليلا...
ولكنها لم تستطع الهروب من حصار عيناه عليها، قبض بقوة أكبر بكفيه الدافئين فوق خاصتها التي قابلته ببرودتها حتى هدأت في الأخير وعادت إلى طبيعتها التي اعتادها، تركها بهدوء ولكنه لم يستطع أن يبتعد، فعيناها كمغناطيس يجذبه لها دون إرادة منة ...
كل دا علشان قالت الكلمتين دول؟
بس يا "مينا" يقي، والله حسيت الأرض بتلف بيا خصوصا لم بصيانلي.
قهقه هو وضعها إلى صدره بقلة حيلة بعد أن علم السبب الرئيسي في ذلك. ترك قبلته على رأسها وتسللت أنامله لتداعب خصلاتها الناعمة بعد أن نجحت في مفاجئته للمرة التي لا يعلم عددها. اسند ذقته فوقها وتنهد بعمل ثم قال:
مش عارف هتفضلي تفاجئيني كذا لحد أمنى بس معاكي لحد الآخر يا بنت "فوزي" مش هسيبك.
ابتسمت بعد أن وضعت رأسها فوق صدره، حيث يصلها إيقاع هادئ دافع مصدره هذا الصغير الذي سقط في حبها بلا شروط لفت ذراعيها حول خصره وأغمضت عيناها تحظى بهدوء تلك اللحظة وصفاءها قبل أن يعكرها ما ينتظرهم....
سمعت إن حماتي عملتلي حلة ورق عنب متتوصفش، عارفة نفراتي.
قالها بعد أن تذكر محتوى رسالتها التي راسلته بها في الصباح خفية دون علم ابنتها، وعلى ذكرها رفعت رأسها تنظر إليه في تعجب ثم قالت:
انت عرفت مدین
نظر لعيناها المصحوبة بنظرات من الشك ثم ابتسم وقال :
خمنتها.
يعتتلك من ورايا صحة انا قولتلها متقولكش
قالتها يحدق بعد أن أفسدت لها والدتها مخططها، فأخمد هو هذا الغضب قبل تصاعده عندما لتم وجنتها بحنو وقال:
مش هتفرق فالحالتين كنت معرف، وبيني وبينك أنا مش مستنى غير التحلية اللي بعد الأكل. و عارف هتكون إيه بس هعمل نفسي متفاجئ ساعتها.
ابتعد عنها بعد أن غمر إليها بمشاكسة ثم خرج وهو يقول:
يلا بسرعة يا "بيري" علشان وحشني محشي حماتي جدا.
هزت رأسها بقلة حيلة عندما وجدت أن لا فائدة من الحديث الآن، فلطالما رأسه منصبا على الطعام فلن يفكر في غيره بعدها، لحقت به وهي ترتدي سترتها السوداء وتغلق إضاءات المحل بالكامل قبل ذهابهما.
بين ماضي وحاضر لم يطمس النقاء ">
في قصر ال دستهوري...
لم يكن كغيره من القصور الأخرى التي يمتلكها الأثرياء، كوجهته الشامخة كان كذلك، ولكن في أعماقه كان أعمق بكثير، فقد حمل ذكريات السنوات وبصمات الأحباب الذين غادروه وخلدوا ذكراهم في قلبه العريق...
كانت الغرفة هادئة كعادتها، تحمل رائحة لا تشبه غيرها، كانت مزيجاً منه ومنها: شبيهين والتقيا في بلد لم يعرف سوى الخب، كانت تقف بشموخ امرأة بت فيها رجلها الثقة والعزيمة، منحها القوة والحب كطفل تجزع عقاره الحلو ودغدغ قلبه الصغير...
التقت فيروزتها مع ضوء القمر الفضي الذي توسط صفاء السماء في المدينة تلك الليلة، وكانة يخبرهم أن تلك هي ليلة العشاق، خصلاتها المشابهة للونه تؤنس المعته وكأنها قصة حب أخرى. رات السيارة مصفوفة أمام باب القصر تعلن عن قدوم شخص وحده يستطيع أن يظهر ضعفها أمام نفسها ...
وقبل أن تتحدث أو تملك فرصة في الالتفات غمرها دفته قبل عبله، برغم كل شيء وبرغم الصعاب التي مروا بها كان فيه إليها قويا لم يحمد بل كان كوحش مفترس يأبي الخضوع، لتم وجنتها بهدوء وحدو كعادته، وراقب تلك الحالة التي تتملكها عند اقترابه ...
هدوها غريبا يفرض نفسه عليها حتى عندما يكون الضجيج رفيقها، وسلاما لا تعرفه إلا في قريه وطمانينة تعانق روحها قبل قلبها، هكذا كان صاحب الكلمة والسمو العال، وتبقى في الأخير نقطة ضعفه المجهولة التي فشلوا منافسيه في استغلالها ...
عجبتيني النهاردة، كنت قاعد مبسوط وأنا شايفه يبغلي وهو بيحاول يقنعك.
ابتسمت "روز" عندما فهمت مغزى كلماته فلة دوما لغة خاصة معها لا يفهمها أحد سواها. التقنت برأسها ونظرت في عيناه البنية التي لم تتجرد من حنانها وجرأتها يوما، لتمت وجنته بحنو ثم قالت:
كنت قاعد بتاكله بعيونك، كانوا بيضحكوا وفي انتصار شوفته ساعتها، مغفلتش عنك أنا حافظات
قهقه هو بخفة بعد أن كشفته للمرة التي يجهل عددها، شد يرفق من ضفته إليها وهمس قرب أذنها ببحته المميزة:
اصل منظره كان مكيفني أوي قبلها كان بيكلمني بثقة وبيقول إله هيعرف يقنعك تدخلي شراكة مع شركته وتلغى الشراكة اللي بينا، مع أول ضربة منك خليتني عايز أقعد أضحك على منظره، تعرفي إنه مكانش يعرف إنك مراتي .....
رفعت حاجبها عاليا وهي تنظر إليه باستنكار لكلماته، فهز راسه برفق وأكمل:
اه والله مكانش يعرف بس مخفيش عليه حاجة والمساعد بتاعه عرف وقاله قبل ما تدخلك فعلشان كدا اول ما رفضتي وعارضتيه استخدم النقطة دي علشان يستفزك .... بس للأمانة يعني فاجنتيني بصرامتك كنت قاعد بشوف نسخة مصغرة مني.
ابتسمت الله "روز" عند قوله وإطراءه عليها، وبنبرة هادئة قالت:
كويس إني عجبتك، وحتى لو مقولتش عيونك دايما بيفضحوك قدامي، وبعدين مطلع لمين
يعني أكيد ليك.
تنهد هو بعمق واسند راسه فوق كتفها نتابع صفاء السماء وضوء القمر الساطع معها كما أعتاد. وفي أعماقه راحة وسعادة لا يستطيع وصفها بكلمات ولغات العالم، ولكنه بمثابة أن وضع رأسه فوق كتفها شعر بضجيج رأسه يصمت، وكأنه قرر احترام تلك اللحظة الصادقة بين الحبيبين...
صوت مألوف وصل إليهما مقررا قطع هذا الهدوء السائد في الجو، صوت لم يفشل في أحياء هذا الصرح الكبير يوما، التقتا لة حيث كان يتقدم منهما مبتسما وعبداه تلمع بشقاوة مجنونة لن تسر صاحبنا تلك الليلة، لثم وجنته وهو يشاكسه بكلماته
أحلى مسا عليك يا صاحب البيت، أخبارك ايه يا بوب ؟
مغلطتش لم قولت عليك بيئة.
هكذا أجابه "ليل" وهو ينظر إليه بضيق من تلك الكلمات الدارجة التي يشمئز منها، وعلى اثرها . ضحكت "روز" التي شعرت بقبلة ولدها على وجنتها تخلد ذكراها، تلك القبلة العميقة التي لا تخرج إلا أمام هذا الرجل الغيور الذي تشتعل فتيلة غضبه عندما يتم تقبيل زوجته خصيصا من أولاده الذكور، قدوما يستغلون ذلك لإغضابه إن تطلب الأمر...
دفعه بعيدا عن زوجته وفرض نفسه عليها، يضمها وكأنها كثرا غير قابل للمس، وعيناه رمقته بشر يرافقها نبرة الوعيد في صوته:
او قربت منها تاني و تعمدت تبوسها بالمنظر المستفز دا قدامي هتلاقيني المرة الجاية عاملك سجادة فالأرض.
قهقه "معاذ " عاليا عندما رأى تلك النظرة ووصلته هذه النبرة الشرسة في كلماته، ضم "روز" يتملك كتحذير مباشر إن تجرأ على الاقتراب، وعلى المعنية بذلك الاستسلام لغيرة هذا الرجل ومشاهدة ما سيحدث يصمت تام...
هاتها بس هقولها كلمة سر فودنها وهرجعهالك ثاني.
او راجل قرب
قالها "ليل" ينبرة حادة، أعلنها حربا أمام ولده الذي استمتع بتلك اللحظة وقرر السير خلفه. اقترب "معاد" بالفعل وهو ينظر بتحد في عينان أبيه الذي لم يتردد وجذب بعنف من سترته وهو يقول بنبرة حادة:
ليلة أمك من معدية النهاردة يا عملي الأسود ..!!..
ولت ضحكته عاليا وأمسك بكفه ليحافظ على ثبات أبيه الذي لن يجعل الأمر يقر مرور الكرام تلك المرة، جذبه الآخر وأحكم قبضته فوقه فقابله صياحه متألقا عندما شعر بقبضته القوية على مؤخرة رأسه...
ضحكت "روز" واقتربت في محاولة منها لإبعاده عنه، هي تعلم أن ولدها مستقرا الأبعد الحدود وزوجها سيد من ينجح في استفزازه، ولكنها كعادتها فشلت في ذلك فوقفت مكتوفة الأيدي تشاهد بقلب متألم ولدها تحت قبضة أبيه ظنا اله كما يلقبه عجوزا فلن يستطيع تأديبه...
ولح "قاسم" في تلك اللحظة ويرافقه أخيه الصغير "غدي" عندما مروا من أمام الغرفة ووصلهم صيحات أخيه ...
كالعادة، باس أمي واستفز الحج فكانت في النهاية.
قالها "قاسم " بنبرة باردة وابتسامة ماكرة ترسم بزاوية فمه، وعيناه يملؤها الخبت؛ وقف إلى جانب والدته وعقد ذراعيه أمام صدره يشاهد أخيه يطحن دون أن يتدخل، مال قليلا نحوها
وقال بنبرة هادئة:
متقوليش اله استفز الحج للمرة التريليون.
نظرت إليه "روز" بقلة حيلة وهي حقا لا تعلم كيف تبعد ولدها من تحت يدي زوجها، فاستغل "قاسم " ذلك وأحب إلقاء البنزين أكثر فعال اکثر نحوها وليم وجنتها، وكأنهم جميعا قد اتفقوا على هذا المسكين الذي لم يحظى بلحظة رومانسية معها ولو لنصف ساعة فقط...
لمحه بطرف عينه وللحظة توقف ونظر إليه بعينين انقدت فيهما الشر، راه يقبل زوجته عمدا وينظر له بطرف عينه كالة يتحداه بذلك، دفع "معاد" يعتف واضح بعد أن ارتجف جسده من شدة غضبه واقترب منه كالقذيفة وهو يصيح به بقوله:
هو في إيه النهاردة انتم متفقين عليا يا ولاد الـ """.
أبتعد عنها "قاسم" سريعا قبل أن يصل إليه والده وهو يضحك بصحب، مستمتعا برؤية هذا المشهد أمامه، أمسكت به روز" قبل أن ينجرف خلف غضبه ويعود في الأخير نادما على ما اقترفه، تنهد "غدي" وهز رأسه بقلة حيلة وهو ينظر لهما بيأس....
بره يا ابن الـ *** أنت وهو بدل ما أحلى منظركم عزة قدام أحفادكم.
ضحك "معاد" واسند على أخيه الذي لف ذراعه خلف على كتفيه وقال بخبث:
حبيبي يا حج، أي حاجة مقبولة منك.
يا "معاد" الحق، "كمال " بيبوس مراتك تحت ......
تجمد "معاد" مكانه وجحظت عيناه بصدمة واضحة عندما وصله صياح "عبد الله" من الأسفل. اندفع إلى الخارج بسرعة الصاروخ وهو يصرح فيه بقوله:
هكسرك يا "كمال " ...!!.
رمقوا الجميع إثره بذهول عدا "ليل " الذي أبتسم بزاوية فمه بتهكم وتمتم قائلا:
كما تدين تدان.
المشكلة إنه أخوها، لأول مرة اكتشف أن أبنك أهطل يا حج.
هكذا قال "قاسم" ثم إنسحب وكأن شيئا لم يكن مغلقا الباب خلفه بهدوء نام تنهدت "روز" ونظرت إلى زوجها الذي تمتم بتذمر :
عيال قطاعة أرزاق.
ضحكت "روز" بخفة بعد أن رأت كيف أصبح طفل صغير في غضون لحظات، جلست إلى جواره و وضعت رأسها فوق كتفه، ضمت ذراعه وهمست إليه قائلة:
كنت شيك أوي النهاردة، كنت طول الوقت يحاول مبصلكس كثير علشان متكشفش
كلماتها كأنها بلسفا سريع المفعول، استطاعت إذابة هذا الغضب بكلماتها البسيطة ونبرتها الحنونة، فتراخي جسده بشكل ملحوظ ورسمت ابتسامة صافية على نفره، نظير لها بطرف عينه وقال :
كنت حاسس بيكي طول الوقت بس فنفس الوقت كنت متكيف وأنا شايفه متعصب قدامي ومش طايق نقشه
يعني بقيت شاطرة ويعتمد عليا خلاص؟.
او مكنتيش كدا مكنتش فكرت أمسكك قسم فشركتي الأم يا "روز"، بس تقني فيكي كانت كبيرة أوي وأنت طلعتي قدها وقدود كمان فيجد أنا فخور بيكي وبنجاحك، وفكل لحظة بيتقالي فيها أنت متجوز بست شاطرة وناجحة، خلتيني ماشي رافع راسي وسط الكل زي ما عملت معاكي قبل كدا .... يجد برافو عليكي.
شدت من ضفتها إليه ميتسمة الوجه الفرحة تكاد تحملها على أجنحتها وتحلق بها عاليا، فلم تفشل كلماته أن تأثر قلبها الهش رفع هو ذراعه وضمها لدفء صدره وشرد بنظره فوق الباب الذي لم يعلق كليا ...
نجاح المرأة لن يقلل من نجاح الرجل، بل كلاهما يكمل الآخر تماما كلعبة البازل، يجب أن تتشابك القطع ويملئ الفراغ حتى تتكون الصورة أمام أعين الجميع، هكذا يكون نجاح الطرفين: ونجاح علاقة مبنية على الود والاحترام قبل الحب...
صوت خطوات صغيرة كحبة اللوز يترك رنينه اللطيف على أرضية المكان خارج الغرفة، يقترب بتمهل وكان صاحبها يخشى الإمساك به، ترقبت حواس "ليل" في تلك اللحظة ونظر بتركيز إلى الباب متأهبا ...
دفع الباب دفعة صغيرة وولجت صاحبة تلك الرئة تحبي وتستكشف ما لم تراه بنفسها من قبل. ابنة حفيده الأكبر، حفيدة "باسم" و "كارما" تطل عليهما يفضول لم تستطع إخفاءه، فهكذا يكون الأطفال في هذا العمر، فضوليين لأبعد الحدود...
رفعت رأسها ورأت جدها ينظر إليها وإلى جواره جدتها التي ابتسمت يحنو عندما رأتها، صمت دام للحظات قصيرة فقط، قبل أن تعلو ابتسامة طفولية واسعة هذا الفم الصغير المفتوحسارعت بالزحف نحوهما بحماسة وهي تضحك...
رفعها "ليل" وضفها لصدره ضاحكا بعد أن اختارته هو دونا عن غيره، فبينه وبين الأطفال علاقة خاصة لا أحد يفهمها، لتم وجنتها الصغيرة بحنو وقال:
كالعادة هربتي من ماما وجيتي تستكشفي مش كدا، مزة أوضة "خذيفة" ومرة جدو.
نظرت إليه "روديدا" بعد أن رأته يتحدث، نعم هي لا تفهم كلماته ولكنها تفهم نبرات الصوت جيدا وبناء على ذلك تصدر ردها ضحكت له ويفرحة طفولية بريئة صفقت لنفسها وكأنها حققت إنجازا كان مستحيلا.
لثمت "روز" كفها الصغير وضحكت على أفعالها التي تشبه أمها في صغرها، استكشفت "رودينا"
الغرفة بعيداها الواسعة وهي تشير إلى إتجاه ما وتتمتم بكلمات طفولية لا أحد يفهمها غيرها.
دفع الباب يرفق ووقف على عتبة الغرفة ناظرا بيأس إلى الصغيرة...
ضحكة عالية بريئة خرجت منها عندما شعرت بوجوده وعند التفاتها رأته، وضعت كفيها الصغيرين فوق فمها ودفنت رأسها في عنق جدها:
لا و الله ؟ كذا أنا مشوفتكيش يعني.
اقترب من جده مبتسفا والذي بدوره قال ضاحكا:
طالعة المضة لأبوها، هتجيبها منين يعنى أكيد مش من بره.
ضحك "ليل" الحفيد بعد أن وقف أمامه ورد عليه قائلا:
مش للدرجة دي برضوا، دي ينحطها عالأرض فنانية مبتلاقيهاش
قهقهت " روز" على كلماته ثم أجابته وهي تمسح على خصلاتها الناعمة التي لملمتها والدتها بلطف حتى بدت تشبه القطة الصغيرة.
فيها نشاط وحيوية، وفضولها محركها سيبوها بس خلوا عليكوا عليها فنفس الوقت.
تنهد "ليل" الحفيد بعمق ورد عليها قائلا:
والله ما بسيبها بخاف عليها بفضل وراها ولو فكرت بس مجرد تفكير أرفعها عن الأرض يتعملي فضيحة.
كانت الصغيرة تتابعه بتركيز بعد أن جديتها حركته المستمرة وتبرته التي لم تفشل يوما في جذب انتباهها إليه، شعر هو بها ولذلك نظر إليها ومال نحوها قليلا وهو يسألها قائلا:
مش كدا برضوا ولا بتيل عليكي أنام.
ضحكت "رودينا" ضحكة عالية بريئة ودون تردد منها رفعت ذراعيها الصغيرين نحوه ثطاليه بأخذها، فلم يتردد هو وصفها لصدره ممسنا يحنو على ظهرها الصغير، يمنحها في تلك اللحظة أيضا قبلة حنونة...
تمتمت هي كلمات غير مفهومة برهة من الوقت، وبلحظة توقفت واستطاعت أن تجذب انتباهه عندما بدأت تتململ بين ذراعيه، وكأن شيئا ما جاء ليزعجها، حاول "ليل " تهدأتها وتقبيلها كما أعداد ولكنها تلك المرة رفضت ذلك وفتحت فمها الصغير تبحث عن شيء غير معلوم بالنسبة اليهم ...
مالك بس ما كنتي كويسة من شوية إيه اللي حصل ؟.
انين متواصل واحتجاج على كل شيء، هكذا أصبحت في غضون ثوان، نظرت إليه بوجه عابس و عينان اغرورقت بعبرات دافئة، تنتظر أن يفعل من أجلها شيئا يجهله هو، بدأت أعصابها تقلت وصبرها على التحمل ينفذ، رفعت كلها الصغير وقبضت على ذقته بأناملها الصغيرة تشدها....
دفعت رأسها في عنقه لثوان معدودة فقط، وبعدها تألم فجأة بصوت عالي نسبيا بعد أن فاجته
هي بفعلها، عضة صغيرة لم تكن مؤلمة إلى حد كبير، نظرت إليه "روز" بتوتر ملحوظ فنظر هو
إليها وقال مذهولاً:
دي بتعضني
اقتربت "روز" منة بعد أن تركت زوجها وتفحصت بلطف فم الصغيرة التي كانت تتن بضيق قرأت لنتها الصغيرة ملتهبة وهذا ما عكر مزاجها بسهولة، نظرت إلى حفيدها وقالت:
شكلكوا هتعانوا حامد أوي الفترة الجاية، "رودينا" بتسنن.
تفاجئ "ليل " الذي نظر إلى الصغيرة التي بدأت نيكي وتضرب صدره يكفها الصغير احتجاجا على هذا الألم المزعج الذي زارها فجأة، ربت برفق فوق ظهرها ونظر إلى جدته وقال متسائلا:
طب أعمل ايه دلوقتي؟.
استناني رجع الك علطول.
تركته وولجت إلى الداخل بعدها، قنظر هو إلى صغيرتها التي يأست وأول ما لمس فمها كان فكه، عضته يعزم قوتها حتى يخف هذا الألم، وأمامها لم يكن الألم قويا بالنسبة إليه، كل ما كان يريده أن يخفف عنها ويجعلها تشعر بالراحة...
حقك عليا أنا يا حبيب عيوني معلش أنا عارف إله وحش أنا أسف.
نبرته كانت لينة هادئة ومطمئنة في الوقت ذاته، هذا ما رأى عليه فعله حتى تعود إليه جدته بالحل الفعال، وأمامه كان جده يشاهده بأعين لامعة وابتسامة صافية مرسومة على تغره، فتلك هي مزته الأولى التي يرى فيها حفيدة بهذا الهدوء أمام صغيرته....
عادت "روز " إليه وحول إصبعها قطعة قماش نظيفة وباردة، وقفت أمامه وقالت:
لفها خلي وشها ليا.
لبي مطلبها وأدار صغيرته التي تململت بغضب تلك المرة، ولكن كان تصرف "روز" الحكيم في ميعاده تلك المرة، وضعتها فوق لثتها فأسكنت برودتها تلك الصغيرة في الحال ودون تردد عضتها في الحال بعد أن أشعرتها بالراحة التي سلبت منها ...
الحركة دي هنريحها جدا، بس طبقا لا غنى عن العضاضة دي لازم تبقى موجودة متحتاجها كثير.
قالتها وهي تمسح على رأسها يكفها الخر يحتو، فنظر إليها الحفيد بعد أن هدأت صغيرته وقال:
منكم تستفيد والله لو عليها هبعت "طه" يجيبه الها دلوقتي علطول.
أنهى حديثه ولئم رأسها بحنو، وتابعها بهدوء حتى هدأت تماما وسقطت في الأخير فوق صدره تحظى بقيلولة هادئة مليئة بالأحلام الوردية، كفها الصغير يتشبت في سترة أبيها وكأنها تخشى أن يتركها ويبتعد، وفي الأخير ودع "ليل " جده وجدته التي شكرها مؤخرا وعاد إلى غرفته ضامنا صغيرته لدفء صدره مقبلاً إياها بين الفينة والأخرى.
خبر جاء كصاعقة على قلبه "
في أمسية اليوم الموالي...
داخل هذا المرسم الكبير...
كان "يزيد" يجلس أمام لوحته الجديدة عودة بعد غياب طويل عودة الفني إلى عالمه الخاص الذي هجره قبل أشهر مرغفاء اليوم عاد ولو بشكل مؤقت يثبت فيه لنفسه أنه لا زال حاضرا...
فرشاته العزيزة السير بنعومة فوق اللوحة البيضاء، تترك إثرها عليها بلطف ألوانا دافئة نسجت لوحة جديدة تحمل في أعماقها رسالة أخرى، فرد ظهره بعد أن شعر ببعض الألم فيه، أغمض عيناه وخرج صوتا مكنونا متأوها من حنجرته...
تنهد بعمق وتأمل اللوحة قليلا وكأنه يقيمها قبل أن ينتهي منها، أغلق سماعة أذنه عندما رأها تقف أمامه وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها، فأبتسم في الحال وقال:
أنت لو معششة جوه دماغي مش هتعرفي اللي بفكر فيه بالسهولة دي، كتني على بالي حالا
ابتسمت "روان" ورفعت كتفيها قليلا قائلة:
شكلي كذا فعلا كنت معدية بالصدقة ولقيت المرسم مفتوح فعرفت انك هنا، قولت أجي أرضي فضولي وأشوف اللوحة الجديدة بتتكلم عن إيه.
قهقه "يزيد" بخفة ثم نظر إليها بطرف عينه وقال بنبرة هادئة
تقريبا ممكن تزهقي مش عارف بس مفيش مانع أوريكي.
أدار اللوحة بعد أن أنهى كلماته لها مترقبا ردة فعلها، نبضات قلبه تكاد تسمع بسبب شدة نبضه. لم تكن تلك المرة الأولى التي يرسم فيها عيناها الفاتنة كما لقبها من قبل، رأى عيناها تضحك قبل فمها كما توقع، ستفشل في النهاية ولن تستطيع إخفاء سعادتها ...
ضحكت بلا وعي منها ويتلقائية وضعت كفها فوق فمها تسارع نبضها بشكل جنوني دون استطاعتها، وللمرة التي لا تعلم عددها سقطت أسيرة أعماله الفنية...
حببتني فعيوني من كثر حبك ليها.
وربنا المعبود ما في حاجة موقعاني قد جمالهم وصاحبتهم، هي عمتي كانت بتتوحم عليه أنت الوحيدة اللي عيونها ملونة فيهم.
ابتسمت بغرور واخذت تلف خصلة حول سبابتها وهي تجيبه مبتسمة الوجه:
مش عارفة بصراحة، بس خلاص حبيتهم من حبك فيهم.
قهقه بخفة وهز رأسه بقلة حيلة وعاد يكمل لوحته تحت عيناها التي كانت تتابعه بين الفينة والأخرى، كم اشتاقت لتلك الجلسة الهادئة التي لا يعج فيها الصحيح وتملؤها مزحاتهم ويتخللها ضحكتهم تابعته بهدوء كعادتها حتى ينتهي هو، ولكن لا بأس من إلقاء النكات حتى
یکسر هذا الروتين العمل ...
صحيح أخبار الفستان ايه معقولة لسه مخلصش ؟.
القي نظرة خاطفة عليها قبل أن يصب كامل تركيزه مع اللوحة، منتظرا جوابها على أحر من الجمر قلم تبخل عليه به وقالت بنبرة هادئة ووجه مبتسم:
مین قال كدا، خلصته إمبارح وهعمله بروقة كمان شوية.
نظر لها مذهولا لا يصدق ما قالته، فهذا أجمل شيء يمكن أن يسمعه قبل انتهاء اليوم، ضحك بسعادة لم يستطع إخفاءها وقال بنيرة غمرتها الفرحة:
قولي أقسم بالله دي أحلى حاجة أسمعها النهاردة أنت عارفة انت بتقولي ايه ؟.
ضحكت هي على ردة فعله وعادت خطوتين إلى الخلف بعد أن أخذ هو ردا ليس متوقعا بسبب تلك الكلمات التي ألقتها على أذنيه، كأنها أسقطت إناء من العسل الحلو على قلبه العطش لختها ...
دي أحلى حاجة سمعتها النهاردة بجد. أخيرا حسيت إننا قرينا نوصل أنا زهقت وربنا من الانتظار دا...
نظر في عيناها ضاحكا وصدره يعلو ويهبط كدليل صادق على سعادته ولهفته للأمر، وبمزحة لم تكن في موضعها تلك المرة قال:
طب مينفعش أحضر البروقة دي وبعدين ثم أشوفه ثاني أعمل نفسي متفاجئ وبشوفه الأول مرة وكدا؟.
هزت رأسها بشكل قاطع ترفض مطلبه وهي تجيبه قائلة:
انسي مستحيل تحصل مش هتشوف الفستان غير يوم الفرح.
اكيد مش هفضل مستنى لحد يوم الفرح عندي فضول أشوفه.
فضوله أكله لرؤية هذا الفستان الذي انكيت عليه أشهر لتنتهي منه، فأبت في موافقته على الأمر وقالت بنيرة حاسمة:
انسى مينفعش تشوف الفستان قبل الفرح دا قال وحش ومهما عملت متن هخليك تشوفه أنتهى النقاش متحاولش معايا لأنك مش هتستعطفي المرة دي.
جلس فوق مقعده من جديد متذمرا كطفل عائد والدته فقررت هي معاقبته وحرمه من الحلوى تأفف بضيق واضح بعد أن قتل في استعطافها وألقى عليها نظرة غير راضية بطرف عينه قبل أن يعاود لإكمال لوحته من جديد...
ولكن في قرارة نفسه كان في غاية سعادته عندما علم أنها أنهت فستان أحلامها ولن يتبقى فقط سوى القليل ويعلنان حفل زفافهما، ابتسمت عندما رأته يتجاهلها عن عمد بعد أن رفضت طلبه بشكل قاطع...
منتقم صش كذا اللي خلاك تصير كل دا مش هتصبر الشوية اللي فاضلين دول يعني.
تجاهلها من جديد ببرود ظاهري، ولكن قلبه أم يوافقه هذا الخصام تلك المرة ولذلك تنهد بعمق
ونظر لها بعد أن علم بأنه سيصبح مكشوفا للمرة التي لا يعلمها:
خلاص هستنی و امري لله
رسمت ابتسامتها باتساع فوق فمها، وجاورته تعامل إبداعه وشغفه بحث كما اعتادت معه دوما.
تستمع إلى أحاديثه التي لا تمل منها بإنصاب تام، ويشاركها لحظاتها الهامة في يومها، يعطيها
رأيه إن طلبت هي ذلك واقتراحاته التي تنال إعجابها بلا شك...
جلسة أفتقدها كليهما بشدة، وها هما اليوم يتشاركان كل شيء تقريبا بحماسة وشغف، ولكن في بعض الأحابين لا تكتمل بداية المشهد كما بدأت، فارتفع رنين هاتفه الموضوع أمامه فوق الطاولة يقطع أحاديثهما فجأة ...
ترك ما بيده وأخذه عندما لمح اسم "ليل"، لا يعلم ما ينتظره بعد تلك المكالمة ولكنه أجاب بنبرة هادئة، وسرعان ما جاء خبرا صادما ليبدل معالم وجهه مائة وثمانون درجة عندما قال "ليل" بديرة مذعورة لأول مرة:
بكلم أبوك مبيريش عليا ليه؟ أنا متسوح فالمستشفى لوحدي بأخوك .......
