رواية أحببتها ولكن الجزء السابع ( حرب الاعداء ) الفصل المائة والثاني عشر
الحياة عبارة عن فرص عديدة.
ولكن برغم تعددها تعطيك ثلاثة فقط، إما أن تستغلهم أنت فيما تتمناه وتحققه، أو تهدرهم كالأحمق وتعود لتيكي على الأطلال أغتنم فرصك يا بني آدم، فلن تدوم لك حتى تقرر الاستفادة منها ...
عشاء خاص بنكهة وردية ناعمة. "
تختبرك الحياة دون أن تعلم لترى ردة فعلك.
فتمنحك في البداية شخصا لظنه محور الكون وعالمك الخاص، تزينه إليك حتى ترى ماذا ستفعل أنت في المقابل، وبأصغر مواقفها تظهر لك وجهه الحقيقي، وتنزع عنه هذا القناع الزائف...
قد تتلقى صدمتك وهذا طبيعيا، ولكن استسلامك للأمر يدمرك دون أن تشعر يفقدك متعة الحياة وتجاربها، يصيبك بالإحباط الشديد لتجد نفسك لم تعد تملك الرغبة للتجربة، فيحماقتك منحت قلبك ومشاعرك بأكملها لشخص لا يستحق، ليرحل مع أول قطار يقف له ويمضي قدماء ويتركك خلفه تبكي وتندب وتنوح على اللبن المسكوب...
في إحدى المطاعم الهادئة على ضفاف النيل...
كان الجو رافيا دافئا كقلوبهم العاشقة لطيفا ومريحا بشكل لا يوصف جلست "عزيم" إلى جوار النافذة الزجاجية الكبيرة التي توسطت الجدار، تظهر روعة المكان في الخارج.
حيث كانت أمواج النيل تتراقص بنعومة، وكان ثمة موسيقى هادئة في الخلفية تساعدها على ذلك، وسيارات تسير بشكل مستقيم هنا وهناك بسرعة مختلفة ولكنها ليست متهورة، وفي سماء تلك الليلة كان القمر لهما حاضرا، يشهد على تلك اللحظة...
كانت رائحة الطعام منتشرة في أجواء المكان، وهو أمامها ينظر في هاتفه مبتسقا، نظرت اليه "مريم " قليلا وقد شعرت بالفضول في تلك اللحظة، لم تستطع أن تمنع نفسها من سؤاله :
يتضحك على إيه يا "شهاب ".
نبرتها كانت تحمل شيئا من الغيرة والفضول، ولم يمررها هو بتلك السهولة فبرغم يقينها فيه ولكن في تلك الأيام يجب أن يعلم كيف يقتل أي شعور آخر يبدأ في التغلفل إليها، مال بنصفه العلوي للأمام اسند ذراعيه فوق الطاولة ونظر في وجهها بأعين تلمع شغفا ...
أشهر الهاتف في وجهها حيث يظهر فيديو مضحك في الخلفية هو من كان سببا في إضحاكه.
شاهدته هي مستمعة إليه في نفس الوقت عندما قال:
فيديو ظهر لي فجأة، حسيته حلو فقولت أكمله للآخر تحد ما شوفتي كدا ... مش بذمتك مضحك؟.
لا تعلم لم شعرت بالحماقة من نفسها، أخفت خجلها خلف ابتسامة هادئة تعكس ما يدور وراءها. لم تغفل عن ناظريه أن كانت تظن ذلك، فمد يده وأمسك بكتها بعد أن ترك هاتفه جانبا واستطاع مفاجئتها عندما قال بنبرة هادئة:
طبيعي أن يجيلك إحساس في دا، أنا فهمت اللي فكرتي فيه وقتها من نبرة صوتك حتى لو نظرتك قالت غير كدا ، وعارف ومتأكد إنك واثقة فيا حتى لو الناس كلها حاولوا يشككوا فتقتك ليا، أنا فاهم كل حاجة يا "مريم" ونظرة الكسوف اللي ظهرت فعيوتك دلوقتي أكدولي إنك. ندمتي فلحظتها.
دقلت وجهها بين راحتي كفيها وهي توبخ نفسها سرا على حماقتها، لا تعلم ماذا حدث لها ولكنها كانت لا تقصد كل ما حدث قبل تلك اللحظات، ولكن في الأخير هو يفهمها، ترك مقعده وجلس إلى جوارها وهو يمازحها بقوله:
أنا لو فكرت فيوم أخونك فأول واحد هيكون فوشي "أحمد"، تقريبا هيبيع الكيلو مني بـ ٢٠٠ جنيه، قليل عليا مش كدا؟.
رفعت رأسها تنظر إليه بعينين برقتين كانت خجلة من نفسها فوحدها تعلم كيف أحبها "شهاب " وكم مرة دعى فيها رله كي تكون حليلته، وشريكة رحلته والدار الأمن إليه، ضمها لصدره بذراعه القوي ولثم رأسها بحنو وقال:
عارف إن كل دا غصب عنك، وأنا فاهم دا كويس وهتلاقيني معاكي علطول يقف قصاد أي فكرة تجيلك، محصلش حاجة يا حبيبتي ولو عايزة تفتشي الفون معنديش أي مشكلة بس علشانك يعني بلاش لان كل اللي فيه يجيب عقدة نفسية.
أهي دي الحجة اللي كلكم بتقولولها وفالآخر بيكون عليه حاجات مش بس تودیکم و را الشمس.
نبرتها خرجت حادة أن تشعر وكأنها تتهمه بشكل صريح، فبدون تردد منة سحب هاتفه وطرق فوق شاشته لثوان معدودة قبل أن يضعه أمامها كدعوة مباشرة صامتة، ثقلت أنفاسها وهي تنظر إلى الهاتف شعرت بوخزة في قلبها وكأنها قررت معاقبتها على حماقتها وتشكيكها فيه...
اغمضت عيناها قليلا تؤنب نفسها سرا، كم هي حمقاء ومتسرعة حتى وإن لم تكن تلك سمانها. فقد قالتها له بصراحة دون تردد والآن تويخ نفسها، لم تلمس الهاتف أو سمحت لعينيها بالنظر إليه، تركته وخرجت نبرة صوتها خافتة يكاد يسمعها:
يجد أنا اسفة، معرفش في ايه شوية يكون رايقة وشوية بتعصب وبسبب دماغي توديني لبعيد، مبقتش فاهمه نفسي ومضايقة من الحالة اللي أنا فيها دي.
تنهد بهدوء واكتفى بالنظر إليها في أول ثلاث دقائق بخبرته في قراءة الأعين وفهم لغة الجسد استطاع أن يفهم هذا العنفوان الذي لا يرحمها، ترك أنامله تداعب طرف خمارها الأرجواني وبدأ يحدثها بنبرة هادئة عكس توقعها أنه سيمل منها ويتركها تصارع مشاعرها المتناقضة وحدها:
أنا فاهم كويس أوي الحالة اللي أنت فيها دي يا "ريمة". كنت بقرأ كتير أوي فالكتب اللي بتتكلم عن الحمل وأزاي البيت يتكون مش فاهمه نفسها فالفترة دي ويتمشي ورا أي شعور أو
إحساس يجيلها من غير ما تفكر فاللي وراه، أنا يحب أقرأ عن الحاجات دي وطرق التربية . السليمة لأني طالما دخلت الدايرة دي بكامل إرادتي فأنا مسئول مسئولية كاملة عن الست اللي دخلتها حياتي وعن الروح اللي ربنا هيرزقنا بيها ...
سحب كفها بين راحتيه وبدأ يملس على راحتها بإيهامه في دوائر صغيرة ناعمة الملمس وهو يكمل حديثه الذي جذب انتباهها إليه :
الروح اللي ربنا بيخلقها فرحم السبت مش جاية الدنيا علشان تتعامل بجفاء أو قسوة، أو نفتكر إن واجبتدا تجاهها إننا تصرف عليها وبعدين مع أول غلطة تصدر منها ندم ونقطع فيها، دا جاي علشان يعمر الأرض وعلى قد ذكاءه ونباهته يفيد، ينفع غيره وينشر الوعي فعقول مغيبة ومفتونة بمتاع الدنيا، أنا عارف كويس دا وعلى يقين بيه عارف الست يتتعب قد إيه فكل مراحلها وان دا مش دلع ماسخ ولا حاجة زي ما معظم الناس فاكرة...
البت بتهلك يا "ريمة" من قبل ما تبدأ حياتها، في طفل بيسحب منها فيتامينات بطريقة ميصدقهاش عقل، غذاءه فالأكل اللي بتطلبيه فالفترة دي بكميات كبيرة ودي مسمهاش طفاسة. انت بدل ما كتني بتاكلي علشان نفسك دلوقتي بتاكلي لنفسك واروح ثانية بتبدأ تتكون على مدار الشهور دي حالاتك المزاجية مش حاجة عبيطة المفروض إننا نهمتها بالعكس لازم لهتم بيها أصل يا هيفرق ايه عن مثلا واحدة مخطوبة وطلبت معاها تنكد على خطيبها علشان فضل الماتش عنها .....
كلماته بدأت تدغدغ أدنيها لتصل إلى عقلها الذي وافقه تلك المرة عندما بدا يتحدث بالمنطق بدلا من القلب، وهذا جعلها تستمع إليه بتركيز أكبر بعد أن تركز عقلها على غذاءه، ألا وهو المنطق تحدث معها لوقت لم يعلم إن كان طويلا أم لا، ولكنة لخدمة بقبلة حنونة استقرت فوق جبينها ثم أحب مشاكستها ولذلك همس لها قائلا:
تسمحيلي بقى أعاكسك يا جميل من غير ما "شهاب" الإتم الغيور دا يعرف ؟.
ضحكت أخيرا ورفقت بقلبه الذي أشتاق لتلك الضحكة الجميلة، نبرة ضحكتها الناعمة كانت تغدق مسامعه وكأنها تنافس أجمل المعزوفات التي أطربتها يوما، تسلل صوت رجولي ثالث بينهما متغزلا فيها بصراحة معهودة
اديني واطريني بضحكتك يا شكر كمان وكمان دا انا استاهل الضرب إلي فرطت فيكي وربنا.
وقف خلفها حينها ومال بجذعه نحوها ضامنا كتفيها بذراعه، سبقته رائحة عبقه المميزة والتي تعشقها في بطريقة أشبه بالهوس لثم خدها يحتو ثم نظر إليها مبتسما وهمس بنبرة حنونة. قرب أذنها :
وحشتيني.
لم يكن "أحمد" جديدا عليها، فكان يفعل ذلك معها قبل زواجها عندما يشتاق لها كل يوم تقريبا. بدت حينها كفراشة أخجلتها الكلمات المعسولة ولذلك بسطت جناحيها الملونين اتحلق فوق زهور الياسمين البديعة، تشبنت في ذراعه تضمه بحب أخوي صادق وأشرق وجهها بسعادة واضحة..
وحشتني أوي يا "أحمد"، إيه المفاجئة الحلوة دي...
بصراحة جوزك عزمنا وأنا مقدرش أقول لا طبعا، بس فنفس الوقت كنتي وحشاني أوي ومحتاج أشوف الحلو وصل لفين.
ضحكت على كلماته وشاركها هو دون تردد لكم خدها من جديد بحنو وقبل أن يبتعد شدت من
ضمتها فوق ذراعه وقالت:
اسنتى اديني جاكت البدلة علشان ريحة برفائك بصراحة جاية على هوايا دلوقتي ومحتاجة أفضل شفاها الفترة .
لم يتردد ليلبي طلبها نزع سترته السوداء ووضعها على كتفيها وهو يمازحها مبتسما :
الجاكت بس ؟ دا الجاكت وصاحبه كمان يا سلام هو أنا عندي أغلى منك يعني.
جلس رفقة "مسك" أمامهما وهو ينظر لهما مبتسمًا، فجذبته كلمات "شهاب" الذي مازحه بقوله:
عايزك بكرة تيجي تخبط على باب مكتبي والبرد مبهدلك علشان أديك من علاجي، علشان تقلع الجاكت بتاعك حلو أوي يا بطل.
ضحك "أحمد" على كلمات رفيقه الذي دوما على علم بالصغيرة قبل الكبيرة، أرتدى سترته الأخرى الثقيلة وقال مبتسما :
لا مش هيحصل مأمن نفسي وجايب البالطو بتاعي يا حبيبي، أنا حافظ أختي كويس.
اندمجت "مسك" معها في الحديث عن الكثير من المواضيع المختلفة، تارة عن الموضة والعصرية، أخرى عن العناية بالبشرة، والكثير والكثير عن ما يخص المرأة دون ملل، هكذا يكون دوما مجلس النساء، على النقيض بين هذان الرجلان حيث تمحور حديثهما عن العمل أو مباريات كرة القدم.
بعض الوعود لا تقال، ولكنها صادقة ">
في منزل "تريزا...
كان الهدوء يسيطر على أرجاء المنزل، كانت "تريزا" تنزوي في غرفتها، تجلس فوق حافة الفراش وبين راحتيها اليوم صور كبير، دون على غلافه المذهب ذكريات حبيبين كان البوفا حمل في قلبه ذكريات "تريزا" مع حبيبها الراحل "جرجس"، منذ أول صورة التقطت لهما في بداية تعارفهما وحتى آخر صورة جمعتهما رفقة أولادهم الثلاثة وأزواجهم....
كل صورة كانت لها ذكرى جميلة موقف لا ينسى وقلب ما زال أسيرا في سجن حبيبه الغائب اغرورقت عيناها بتأثر ورسمت الابتسامة فوق تقرها البوح عن شوقها إليه، تترك قبلاتها فوق كل صورة تذكرها به حتى استطاعت أن تكون فريسة لماضيها بكل سهولة...
فتح باب الشقة في الخارج على مهل، وأطل "مينا" بهيئته وعيناه تمشط الشقة من حوله حتى رأى ضوءا ينبعث من غرفة أمه، ولجت "برلين" خلفه دون أن تتحدث وأغلق هو الباب برفق
هي نامت ولا إيه؟.
همست بها وهي تنظر إليه تجهل الأمر، فحتى الآن لا تعلم عن والدته الكثير، وصل همسه المسامعها عندما لمح تاريخ اليوم بطرف عينه
النهاردة عيد جوازها هي وبابا، كل سنة بتبقى قعدة فاتحة البوم الصور من أوله لأخره كأنها بتشوفه لأول مرة.
حزنت "برلين" لأجلها ورق قلبها لها، نزعت معطفها الوتير ذو اللون الأسود وتركته دون اهتمام فوق المقعد واتجهت بهدوء نحو غرفتها، رثبت أناملها خصلات شعرها بخفة قبل أن تضرب قدمها خطوتها الأولى لها رأتها بالفعل تجلس رفقة البوم الصور كما أخبرها "مينا"، وصوت نحيبها الخافت يصل الأذنيها دون مجهود فقد شق سكون الغرفة وكالة سيم هذا الأمر...
اقتربت منها بخطى هادئة بطيئة حتى لا تخيفها وتخجلها في الوقت ذاته، جلست أمامها فوق المقعد المقابل إليها ولمست كلها الذي ضفت الامله صور "جرجس" يحنو دون أن تتحدث رفعت "تريزا" وجهها الباكي بعد أن جديتها تلك اللمسة لتجدها أمامها تبتسم إليها:
والله علي "جرجس" محظوظ أوي علشان حتى بعد وفاته لسه في واحدة قليها منسيش حبها ليه هو حاسس بيكي وشايف إخلاصك وحبك كمان هو مبسوط وصدقيني عايش جواكي وحاسس بكل حاجة بتقرى أنت بيها.
سقطت عبراتها الساخنة بغزارة فوق صفحة وجهها، وكان كلماتها لللى كحبات الملح فوق جرحها النازف بدلا من أن تطيبه نظرت إلى إحدى صورهم معا عندما كانا شابين في مقتبل العمر وأشارت عليها بسبابتها، وقد خرج صوتها مبحوحا مقتولاً بشوفه:
اليوم دا مميز أوي وكان مليان تفاصيل حلوة، كان قبلها بيومين مكلم بابا، طلب ميعاد منه علشان ييجي يتقدم، وقتها بابا كان عارف إننا ينحب بعض وعلشان كذا لم قعد معاه مسايهوش غير وكان داشته بأسئلته علشان يطمن عليا لأن الحب لوحده مكانش كفاية، شافه مناسب جدا وفاليوم دا كانت خطوبتنا، كنا مبسوطين أوي وهو فرحته مكانتش تتوصف بالكلام، هتصدقيني لو قولتلك إني فاكرة نظرته وكل كلمة قالها لي .....
عيونه كانت علطول فضحاه، كان بيعرف يقول كلام حلو ويعبر عن خله بأفعاله، يومها مصدق وكان مبسوط أوي والدنيا من سيعاه كأنه طلع السما وجاب حقة من القمر ونزل، كلهم استغربوا بس هو مكانش بيسمع الكلام الناس، كان يقولي طالما احنا مبسوطين يبقى میفر قلناش کلام حد الكلمة مبتلزقش المهم احدا متر هما.
نظرت "برلين" إلى "مينا" الذي كان يقف على علبة الغرفة ويميل بحمولة جسده فوق الإطار الخشبي الباب، يسمعها منذ البداية وكأنها مزته الأولى، اصتدمت أعينهم لوقت لم يعلمانه، الأول مرة تنتيه لتلك التفاصيل الصغيرة فاكنشتات الآن أن زوجها يشبه أبيه في الكثير من الأشياء...
وكأن القصة تعيد كتابة سطورها من جديد يبطلين جديدين وحكاية مختلفة، عنوان صفحتها الأولى احتضن العاشق المستحيلات هكذا كانت بداية حياته الزوجية، اقترب بهدوء منهما فوقف خلف والدته وانحنى بجذعه نحوها يتم رأسها بحنو حركة اعدادها منذ أن رحل أبيه يعلم أنها تواسي روحها فقد كان يفعلها الحبيب كتقدير لها...
على رأي "برلين" دا راجل محظوظ أوي علشان يفضل سايب ذكرى زي دي جواكي، معنى كدا إنه ساب بصمة كبيرة أوي فقلبك صعب تتمحي.
جاورها في جلستها بعد أن أنهى كلماته وحاوطها بذراعه، أمعنت "تريزا" النظر في وجه ولدها الذي كان يشبه أبيه ويحمل ملامحه الجميلة في شبابه، لامست شطره الأيسر بحنو ورقت نبرتها عند قولها:
فيك كتير أوي منه يا "مينا"، كل ما أشوفك الفكرني بيه.
رفع كفها ولثمه بحنو وكذلك فعل المثل على رأسها وقال:
وأنا أطول أبقى شبهه يا "تريزا" دا حبيبي وصاحبي اللي فراقه كسر ظهري.
وضعت "تريزا" رأسها فوق كتف ولدها الذي حاوطها بذراعه لدفء صدره، لم تكن تحتاج للبوحعلم تشعر به، فعيناها كانت دوما تكشف أكثر ما تخبئ أوجاعها، لم تستطع "برلين " الجلوس لوقت أطول ولذلك السحبت إلى المطبخ بهدوء تام بعكس البراكين والحمم التي تغلي في أوردتها عندما فهمت مغزى كلمات زوجها عن والده، إن كان حديثه غير واضح للغرباء فهي أولهم تعلم مقاصده المخبوءة خلف أحرفه اللعوبة ...
مسحت على عنقها مغمضة العين، شاعرة بغضة مريرة في حلقها تختلافها، كيف ستكون حياتها دون "مينا"، هل سيكون مصيرها كـ "تريزا"؟ تعيش على الذكريات وبعض الصور التذكارية التي سيتركها لها، بحق الله الفكرة وحدها تقتلها كيف ستكون حياتها بدوله وهو هواءها الذي اتستنشقه وتعيش عليه بعد أن تعذبت روحها من قبل ؟ لن تقدر على أن تكرر الأمر مرتين ستموت حقا
لمسة خفيفة أحاطتها فوق ذراعيها، أنفاسه الدافئة فوق بشرتها الناعمة تعيدها لتشتتها، هنا حيث تسكن هي قليه، منات الأحرف تتشابك كما تتحد الجيوش أمام العدو للشكل رابطا قويا يقف أمام الخوف آلاف الكلمات المغسولة وملايين الهمسات الدافئة لن تستطيع أن تبدد مخاوفها تلك المرة...
أنت كويسة ؟
برغم قلقه عليها عندما لمح امعة عيناها وهي تتركهما وتخرج، لم يستطع أن يتركها لأفكارها وعقلها الذي سيستغل الفرصة ويبدأ بتشكيل مئات السيناريوهات السوداوية، هو يعلمها ويحفظ أدق تفاصيلها ويعلم أصغر ثغراتها، هي كتاب مفتوح أمام عيناه كيف يصعب على صاحبه فك شفراته..
جعلها تلتفت إليه كي تصبح عيناها وكأنها لوحة رسمت فيها ملايين الخطوط المتشابكة، تلك التي تستطيع تشابكاتها أن ترسل لعيناه مكاتيب عن حالتها، نكست رأسها أرضا خشية من مواجهة لربما تهلكها وتقضي على آخر خيط من الأمل قررت التعلق به رفع کلیه و مرر ابهاميه فوق صفحة وجهها برفق وخرجت نبرته بعدها هادئة كأنها معروفة للحن حزين
مشكلتك معايا إلي ملاحظ اصغر تفاصيلك يا برلين"، عيونك دايما عاملين في الكتاب المفتوح قادر بسهولة أقرأهم وأفهم شعورك منهم، وكتمالك دلوقتي قدامي مخليني حاسس باللي حساه دلوقتي مكانش قصدي أخوفك بكلامي صدقيني.
شعر بحرارة جسدها ترتفع أسفل راحتيه، لقد انفجرت براكينها الآن واحرقتها بخممها دون تردد. تساقطت عبراتها المالحة كزخات المطر في ليلة شتاء باردة ورفعت في الأخير رأسها تواجهه. بدأ صدرها يعلو ويهبط وكأنها تصارع شيئا أكبر من مقدورها على تحفله وبلحظة انفجرت فيه تسقط مئات الكلمات على مسامعة بنبرتها المتهدجة:
أنت بتضحك على مين؟ ها، أنت فاكر إلى مخدتش بالى من كلامك ولا من اندفاعك فلحظة كنت هتقول فيها حاجة توجعني معاها، أقولك أنا كنت هتقول ايه ؟ كنت هتقولها يعني أو أنا بقيت مكانه في يوم من الأيام هسيب بصمتي فقلبها، مش كنت هتقول كدا بس سكت فجأة؟ عارف أنت بقى مشكلتك فين معايا؟ إلى حافظة إيه اللي ورا اندفاعاتك اللي بتسيبها توديك وتجيبك ومن اللي بتسيطر عليها فلحظة، أنا مش عبيطة يا "مينا" أنا فاهمة الحياة كويس أوي وفاهماك أكثر ما تتخيل مش مستعدة أكون زيها يا "مينا" إني أبقى بعيد عنك أهون عليا من إني أبقى زيها أنا التوجعت بما فيه الكفاية قبلك، مش عايزاك نسيب جوايا وجع أنا مش قده.
هدها لصدره وأطبق ذراعيها حولها بقوة طفيفة، لقد كشفت ما يصعب على غيره رؤيته، كان سيقول ذلك بالفعل ولكنة لأجلها تراجع ففي كثير من الأحيان تخوننا السنتنا وتقودنا قلوبنا النبوح بما تشعر به حتى وإن كان مؤلفا على غيرنا قبل أنفسنا، ضفها وكأنه يضم شيئا لن يقبل التفريط فيه يوما، فبمثابة أن ذكرت أمامه أمر انفصالها عنه جن جنونه كيف له أن يعيش بدونها ...
ضفته بما تبقى منها من قوة وهي تدفن رأسها في عنقه، تعلم أنها لن تقدر على مفارقته حتى وإن قرروا التخلص منها أولا، فستفعل ذلك فداء له القلب الأمر في لحظات وانتقل الخوف في عباءة سوداء مخبون لقلبها، شعرت بقبلته على رأسها تطول، وكأنه من خلالها بث فيها وعوده المكتومة ومشاعره الموجوعة وأماني لم تطمس بعد....
مش هسمحلك تبعدي على إلا فحالة واحدة بس يا "برلين" .... لم روحي تفارق جسمي ساعتها هتكوني حزة .......
ضربة قوية سددتها بقبضتها في صدره وهي تبثر كلماته بنبرتها الحادة:
اسکت متكملش، قولتلك كذا مرة مبحبش أسمع الكلام دا ..!!..
شششش خلاص اهدي مش هقول كدا تاني، خلاص
قالها بنبرة هادئة خافتة حنونة، فارضا سيطرته كما اعتاد قدوما تهدأ عندما يكون إلى جوارها هكذا، يضفها ويبث شوقه لها حتى لو تكالبت متاعب الحياة على عاتقيه فلن يمنعة شيء ما دام. يتنفس، برغم هذا الأمان الذي يسعى لبته لها كان هو لأول مرة يشعر بخطر مهنته على حياته. فلم ينسى بعد ما حدث إلى "إسماعيل" الذي استشهد قبل شهر....
لم ولن ينسى هذا المشهد الذي حفر ببراعة في ثنايا عقله، كيف تدفرت وترفلت زوجته من بعده وهي ما زالت في مقتبل العمر، وتيتم ولديه في سن صغير كل ذلك ما زال يطارده في غفلته ويقظته، حياتهم دوما أمام الخطر ونجاتهم في كل مرة، هي حماية رب العالمين لهم.
بصيض من الأمل دب في قلب هالك
تتعثر ونسقط ثم ننهض، ثم تتعثر ونسقط ثم تنهض مجددا....
هكذا نحن في تلك الحياة نعيش طرقاتنا يملؤها العوائق والمطبات، تسقطنا حتى ننهض وتواصل، لا كي ليكي ونتوح هكذا كانت مسارات حياته التي كتبت إليه، سقط مزات كثيرة ولكنة كالخيل الخر يرفض الخضوع أو أن يتم أسره، ولذلك كلما حاولت الحياة أن تسقطه خضيفا كان هو حينها عنينا يرفض أن يكون لقمة يدهسها السن....
في قصر عائلة ال دمنهوري...
هذا القصر العتيق في وجهته الخارجية، والنابض بالحياة في أعماقه هذا القصر الذي ضم ثلاثة اجبال خلدت نفسها وذكرياتها على جدرانه، بداية من الجد ورب تلك العائلة إلى الجيل الثاني. أبناء هم الذين خرجت من أرحام نساءهم فلذات أكبادهم ولادة جيل ثالث سيكمل المسير بقصصه المختلفة وفي عصر يختلف عن غيره...
كانت تجلس في غرفتها تنسج كوفية سنوية لحفيدها الوحيد كانت ما زالت صغيرة في هيئتها. لقبوها بالجدة الصغيرة نظرا لملامحها التي لم تتغير كثيرا عن غيرها، كانت مندمجة حتى أنها لم تشعر به إلا عندما ترك قبلته فوق جبينها ...
جلس "عبد الرحمن" أمامها فتلامست ركبتيهم تلافتا خفيفا بدا لطيفا وكان هذا التلامس البسيط دغدغ قلبيهما، لامست أنامله طرف الكوفية البنية، برغم صغرها ولكنها كانت دافئة وناعمة لاحت بسمة خفيفة على تغره عندما تخيلها تعانق عنق حفيده الصغير، فخرجت كلماته بهدوء
"سديم" هيحبها أوي.
والقة ومتأكدة إنه هيحبها مليش غيره حبيبي حسينه زعلان فکر محدش هيفتكر عيد میلاده ميعرفش إن اليوم دا محفور فقلوبنا قبل عقولنا.
اتسعت الابتسامة فوق نفره وترك عيناه اللامعة تراقبها دون أن يقطع عنها صفاءها ذاك، فهو أكثرهم عشقا له؛ ولكن برغم ذلك كان سؤالها موجها إليه بعد أن رمته نظرة سريعة وعادت تركز على ما تفعله:
عارفة إنك جاي تتكلم معايا فموضوع أحكي يا "عبد الرحمن" بدون مقدمات أنت مش جديد عليا.
هكذا هي "رضوى " دوما تقرأ عيناه وتفهم ما يعجز فمه عن البوح به، لم يكن الأمر جديدا عليه فهذا ما اعتاده هو، زقر يعمق ثم قال بنبرة هادئة يتابع بتركيز تام نظراتها:
جويرية" جالها عريس..
تعمد أن يكتفي بتلك الكلمات الثلاثة وترك بقية كلماته معلقة، فكان بطبعه شفوقاً لرؤية رد الفعل خصيصا إن كان الأمر يجمعهما، تماما مثل هذه اللحظة، توقف كفيها فجأة ورفعت عيناها تنظر إليه وكأنها تشكك في صحة كلماته من نظراتها، فابتسم هو والتقط كفها يضفه يحنو مسترسلا بكلماته
اه والله زي ما يقولك "جويرية" جالها عريس.
عريس أزاى يعني ؟ وشافها فين ولا يعرفها منين؟.
أخذ شهيقا عميقا ثم زفره بهدوء وشرح الأمر ببساطة شديدة:
دا بینی صاحب "يزيد"، شافها ففرح "شهاب" و "مريم" وشافها مرة ثانية فكافيه كان بالصدفة الموضوع من يدري بس هو طلب من "يزيد" يديني فكرة عن الموضوع قبل ما أقعد معاه ولم طلب أنا متأخرتش قولت أقعد معاه وأسمعه، لو مناسب نشوف "جويرية" رأيها إيه وبناءا عليه تقرر إذا هتوافق أو ترفض.
أفهم من كلامك إنك قعدت معاه من كدا؟
أخرج تنهيدة عميقة وأجابها بإمادة صغيرة برأسه، ثم أضاف فكملا حديثه:
أنا كنت معاه ولسه سايبه من شوية بصراحة يعني يا "رضوى" الشاب كويس جدا، محترم و عارف حدوده و ابن ناس كان يهمني أخلاقه وأنا من قبل ما أشوفه عارف إله كويس طالما من طرف "يزيد"، ولكن بصراحة عنده شوية مشاكل كدا يعني مقدرش ألومه عليها ...
كلماته كأنها حفزت الادرينالين في جسدها، فلا شك بأن الخوف بدأ يتسلل بحذر مهيب إلى قلبها، كانت تسمع دقات قلبها العالية في أذنيها وتشعر بها في صدرها وكأن أحدهم يتربص لها، فراف بحالها وقال :
الشاب أسمه "نهاب"، شريك "يزيد" فالكافيه ومعاد من سنين تقدري تقولي من وهما عيال صغيرة، عنده مع أبوه وأمه مشاكل من سنين، يعني تقدري تقولي إنهم بيحاولوا يتحكموا فيه بس مش قادرين عليه بصراحة من وجهة نظري شايفهم غير أسوياء لأنهم وصلوه المرحلة نفسية وحشة أوي، هما بطبيعتهم كدا عايزين يتحكموا فحياة ولادهم أخوه الكبير طبقا مقبلش بتصرفاتهم فعائدهم واختار البنت اللي بيحبها اتجوزها وسافر بره يبدأ حياة جديدة...
مكانش وقتها قدامهم غير مهاب"، والله مش عارف إذا كانوا مرضى نفسيين ومحتاجين يتعالجوا أفعالهم مش طبيعية، "مهاب" بطبعه شديد مبيحبش حد يتحكم فيه حتى لو عيلته، بس مع الوقت بدأوا يلاحظوا أن حالته النفسية بتسوء فبدأوا يلعبوا على النقطة دي، بيشوفوا إيه أكثر حاجة بتأثر عليه ويستغلوها، مع حالته دي كان بيكره الصوت العالي والزعيق والتحكم. قطبعا كان غصب على بيفقد السيطرة ويدمر كل حاجة حواليه، هتصدقيني لو قولتلك إن فترة الجيش اللي بيقضيها دي بالنسبة له أفضل من جحيم أبوه وأمه ....
كان صريح معايا بصراحة حكالي كل حاجة بالتفصيل وقالي إن "يزيد" و "وهيب" أقنعود بعد عذاب إله يبدأ يروح ثيرابيست، حس ان في حد خايف عليه وشايل همه ووجوده مش من عدم اللي فمهته مؤخرًا إنه بدأ يشجعه باخد خطوات فحياته من ضمنهم فكرة الجواز. وبصراحة يا "رضوى" مكنتش متوقع انه يحكيلي تفاصيل زي دي حتى لو اترفض، ولأجل صراحته وأمانته معايا احترمته وبالنسبة لي شايفه مناسب .... قولت أفتح الموضوع معاكي الأول قبل ما أقعد معاها وأشوف رأيها خايف ترفض لأن مش هتلاقي واحد صريح وأمين مع اللي قدامه كدا ژبه.
تركت "رضوى" الكوفية إلى جوارها، تنهدت بعمق والتزمت الصمت قليلا تفكر في كلماته بجدية، فهذا مستقبل ابنتها لن تفرط فيه بتلك السهولة، خصيصًا بعد تلك الكلمات الكبيرة التي قالها زوجها يجب أن تهدم بالأمر جيدا حتى لا تفقد الكثير تمن كلمة حاسمة منها ...
نظرت إليه وفي عيناها كان صراعها الداخلي محتدما، فلن تستطيع أن تحكم عليه دون أن تراه بعينها الشاخصة هزت رأسها برفق وقالت بنبرة هادئة:
بصراحة يا "عبد الرحمن " مش عارفة أحد قرآن مش عايزة أضيع مستقبلها بقرار ممكن يأتر عليها، وفنفس الوقت مش عايزة أظلمه من قبل ما أشوفه، أنت عارف إننا مش بتدي بناتنا لأى حد "أحمد" متربي قصاد عيونا وعارفين عله كل حاجة بس مش هقدر برضوا أحكم على الشاب من غير ما أشوفه.
هر " عبد الرحمن" رأسه برفق يؤيد حديثها، فأجاب بنبرة هادئة:
عندك حق، خلاص هكلمه أتفق معاه تقعد مرة كمان معاه وادي بابا خبر برضوا علشان يكون على علم أن في عريس لـ "جويرية".
منحته هذة صغيرة استحسان براسها تؤيد قراره، ولم تستطع أن تمنع نفسها من التبسم، فيبدو أن ابنتها الوسطى ستكون لها حياتها الخاصة أن تمت الموافقة على هذا الشاب من كبار العائلة. وان يتبقى لها سوى ابنتها الصغيرة وقد للتها الحبيبة "علياء".
عودة فتى السعادة بعد تعثر ضرب أضعف نقطة به ">
في غرفة المعيشة الواسعة حيث ملئها صحيح لطيف...
كان "ليل" الجد يقف بعيدا عن هذا الضجيح، يتحدث في هاتفه بتركيز وجدية عن أمر هام يخص عمله، عيداه البنية تسلط الحديقة من خلف الزجاج وكأنه يترقب شيء ما، برغم كبر سنه ويرغم الشيب الذي أكنسى خصلات شعره ما زال يحتفظ بشيء غالي على قلبه، لم تكسره مصاعب الحياة...
وبالقرب منه كان هناك صوت وقعة على أرضية المكان ذو رئة ناعمة ولطيفة، "رودينا"، تلك الفتاة الصغيرة، إبنة أكبر حفيد العائلة آل دمنهوري، تقترب وعلى تغرها الوردي ابتسامة واسعة. وأعين كلاسيكية واسعة تتلتلي كحبات الكريستال اللامعة ترتدي بيجامة صغيرة رمادية اللون تناسب حجمها الصغير.
خلي صغير ذهبي لامع يتوسطه قطعة صغيرة لامعة لونها وردي، زين أذنيها الصغيرين مضيفا عليها لمسة أنثوية ناعمة، وعن الخصلاتها الداعمة القصيرة فاكتفت والدتها بترتيبها لتعطيها مظهرا لطيفا، كعادتها تترك الجميع وتتبع جدها لكل مكان يذهب إليه، عندما تسمع نبرة صوته تخرج ضحكتها بعذوبة وتحبي خلفه سريعا كي تستقبله أولا قبل الجميع ...
وتلك المزة اقتربت منة تحيي على أطرافها وترفع عيناها له بين الفينة والأخرى حتى استقرت أسفل قدميه جلست الصغيرة وانتظرت أن يحملها جدها كما أعتادت، ولكن يبدو آله لم ينتبه تلك المرة، استقرت سبابتها الصغيرة في فمها حيث بدأت تعض عليه بعد أن أزعجتها لتتها من جديد..
اندمجت معها قليلا حتى بدأت تهدأ من جديد، ومجددا رفعت رأسها ونظرت إليه قليلا، خرجت نبرتها الناعمة لناديه باللقب الذي أطلقته عليه والذي كان أحب إلى قلبه:
...."ليلو"
ولت ضحكتها الطفولية عاليا عندما رأته ينظر إليها ويبتسم، فقد نجحت في جذب انتباهه وهذا بالنسبة إليها إنجازا كبيرا، رفعت ذراعيها الصغيرين له بحماس وهي تناديه بنبرة عالية أكثر حنا وشغفا :
..... "لينو"
لم يستطع أن يرفض لها نداء، ولذلك سرعان ما مال نحوها بجذعه ورفعها بكفيه عاليا مقبلا اياها بشغف كما اعتادت هي ضمها لصدره واتنه قهقه خفيفة من الطرف الآخر عندما سمع الحاجها ونداءها اللطيف لجدها ورب عمله، أنهى المكالمة معة بعد أن أخبره بما يجب عليه أن يفعله وصب "ليل" الجد تركيزه على تفاحة قلبه مثلما أطلق عليها ...
وحشك "ليلو" مش كدا؟.
ضحكت هي عندما كانت تنظر له، وكأنها تفهم ما يقال إليها، قلتم وجنتها الصغيرة من جديد واقترب من هذا التجمع الذي يخرج منه صبحات أحفاده وضحكات أولاده، كانت لعبة وقد أشترك فيها الجميع تقريبا، كانوا يلقون بأوامر محددة على شخص ما بينهم وإن رفض تلبيتها كانوا يصدرون عليه أحكامهم ووجب عليه جبرا تنفيذها...
رن جرس القصر الداخلي عاليا، فتقدمت إحدى الخادمات الجدد كي تفتحه، توان وكان "ليل" الحفيد يقترب وبصحبته أخيه "خذيفة" يبدو أن مفعول تلك القطرة لم ينتهي بعد، هكذا فهم الجد من تمسك "خذيفة" بأخيه، أبتعد "ليل " الحفيد قليلا عندما رأى اقتراب "أيسل" منهما ...
دون أن تتفوه بحرف عانقت زوجها بشوق والعبرات في عينيها تدليلي، فقد وصلتها آخر أخباره وعلمت ما أصاب حبيب فؤادها، كان قلبها قبل ساعات يتأكله الخوف عليه وكانت تتوق شوقا وخوفا لرؤيته، وها هو الآن أمامها وبين ذراعيها يستقر....
ضفها "خذيفة" وهو لا يقل عنها شيئا، كان يتتوق لهذا العناق الدافئ المليء بالهدوء والسكينة والأمان، ما زال لا يرى شيئا ولكنه يشعر بأنظار الجميع نحوه، ابتعدت "أيسل" عنة قليلا وهي تنظر في عيناه يحزن واضح خرجت نبرتها حزينة ومجروحة رغما عنها عندما أرادت أن تطمئن عليه قائلة:
أنت كويس يا "خليفة"؟ حاسس بايه قولي.
متخافيش عليا يا حبيبتي أنا كويس، مسألة وقت مش أكثر.
لا مش حاسة بكلامك، ولا بنبرة صوتك، أنت مخبي عليا حاجة مش كدا؟.
قرر "ليل " أن يرد عليها تلك المزة بعد أن شعر باضطراب رفيقه مجيبا اياها بقوله الهادئ:
مفيش حاجة يا "أيسل" متقلقيش، ولو فيه هو هيقولك مش هيحيي عليكي بس هو مضايق وموجوع شوية بس مش أكثر، وزي ما هو قالك هي مسألة وقت بس ومفعولها هيروح ويرجع زي الأول.
نظرت هي إلى زوجها الذي كان يلتزم الهدوء بشكل مريب، ضمته من جديد بعد أن شعرت بحاجته لها في هذا الوقت العصيب عليه، وقد بادلها ضمتها وهو يهمس لها بصدق:
خليكي جنبي يا "أيسل".
جنبك علطول يا حبيبي.
هكذا كانت قلوب الصادقين في قولهم، وعودها صادقة وكلماتها سيف، جذب "ليل" من أخيه وأولاد عمومته وكذلك شحب "خذيفة " وجلس إلى جوار أخيه الذي حاوط كتفيه بذراعه و همس إليه بمكر مبتسما:
وحشتني تعرف إن سريرك مريحني بطريقة مكنتش أنخيلها، كأني نايم فالجنة أنا عرفت ليه كنت بتنام النوم الطويل دا.
أبتسم "خذيفة" الذي وكره بمرفقه في معدته يرفق وقال بنبرة تحذيرية
لم نفسك ياض بدل ما أمنعك من دخولها خالص.
قهقه "يزيد" الذي ضفه لصدره يحب أخوي ثم صب تركيزه على أولاد عمومته حيث عادوا يكملون اللعبة التي ستدهس كرامتهم باحكامها، اتجهت جميع الأعين على "ليل" الحفيد وكانهم اتفقوا عليه في غضون ثوان، اعتدل "فاروق" في جلسته ووجه حديثه إليه مبتسما:
بص يا ابن بلدي قدامك أمر إذا رفضت تنفيذه فيصدر لك بداله حكم يمسح ببرستيجك أرض القصر كله، أمين ؟.
ألقى المعنى بذلك نظرته على عائلته بهدوء تام، وكأنه يفكر في الأمر قبل أن يتهور ويعطيه. إجابته، كانت أنظار الجميع تترقب رده يمن فيهم جده الذي علم جوابه من نظرة عيناه، تنهد بعمق و هز راسه برفق مؤكدا على كلماته انتصب "فاروق" على قدميه واقفا وقال بنبرة عالية حتى يسمعه الجميع
حلو خليكم شاهدين على اللي حصل علشان ميرجعش يقولي أنت أجبرتني هو وافق من نقشه
نظر إلى "ليل" بعدها مبتسما ثم قال بنيرة ماكرة:
الأمر إلك تقول آخر مزة تعاملت معاك واحدة ست وكان فين وليه، ولو رفضت هيتحكم عليك مرتين مرة منى ... والثانية من مراتك.
أنهى كلماته الأخيرة بخيت مشيرا تجاه "روزي " التي كانت تتابع بأعين هادئة وابتسامتها
مرسومة على تغرها أسفل نقابها تعلم أن "فاروق" يختبره وتثق في زوجها بنفس الوقت فهو لا يحجب عنها شيئا كما اتفقا كليهما من قبل...
وكما توقعت "روزي " أختار زوجها الحكم فلن يستطيع أن يروي شيئا من ذلك فهذا يخص عمله في الأخير، فأصدر "فاروق" حكمه في الحال عندما قام بتشغيل الموسيقى من هاتفه وقال مبتسما :
ارقص
نعم يا روح امك ؟!.
صيحة عالية معترضة كانت كفيلة بأن تجعل جميع الجالسين يشجعونه على الرقص، أشار إليه "فاروق" بقوله:
ترقص قدام عيلتك اللي منك أحسن ما ترقص فوجود حد من زمايلك فالشغل، ساعتها شكلك هيكون وحش اوي .... تخيل معايا كداء الملازم ليل باسم اشرف الدمنهوري " يرقص في مكتبه. أقسم بالله مش بعيد تهاجر موسكو.
اقترب منة "ليل" وسدد إليه ضربة بقبضة يده على كتفه وهو يجيبه مغتاظا:
رقصت شياطين الإنس والجن فنفوخك، أنت هتحل عن أمي أمتي أنا مش ضرتك.
والله لو كنت ضرتي كنت وريتك عجايب العالم السبعة، ذا أنا كدا رحيم بيك على فكرة مشوفتش أنت أحكامي اللي توجع بجد.
وقبل أن يجيبه "ليل" ويطرق على مسامعه الكلمات اللاذعة جاءت صيحة الشباب من خلفه مهللة فجأة، فالتفت ينظر خلفه ليعلم سبب ذلك فرأى ما جعله يقف مدهوشا في مكانه، بعفوية طفولية برينة كانت "رودينا" ترقص على إيقاع الموسيقى، حيث بدأ جسدها الصغير يعلو ويهبط برفق...
عندما رات تهليل الجميع إليها وتصفيقهم العفوي كردا تايغا عن هذا الفعل ضحكت بفرحة طفولية وأزداد الحماس في نفسها، وهي ما زالت في أحضان جدها الذي ضحك واندهش كذلك. من أفعالها التلقائية، توقفت فجأة ووضعت سبابتها الصغيرة في فمها وهي تصحك يعقوية...
عندنا رقاصة صغيرة فالعيلة الله على تربيتك يا عيلة الدمنهوري الأحفادك ..!!..
هكذا هلل "معاد" عاليا، فتتبعته ضحكات الجميع تعلو في أرجاء القصر حتى الخدم الذين توقفوا عن أعمالهم تلقائيا لمشاهدة تلك الصغيرة التي دوما تدهشهم بأفعالها، لثم "ليل" الجد خدها بحنو وابتسامته لم تفارق ثغره منذ أن حملها على ذراعه...
بدأ إيقاع الموسيقى يعلو وعادت هي تكرر فعلها عندما رأت تشجيع الجميع إليها وابتسامتها لا تفارق تغرها الصغير، تعالى صوت التصفيق من حولها شاركها الجميع في تلك اللحظة وكانت هي صاحبة أجمل لقطة في هذا اليوم، اقترب "ليل" الحفيد من جده وابتسامته الواسعة لا تفارق وجهه...
وقف أمام جده لم حملها عنه ورفعها عاليا، فأخذت تركل الهواء بقدميها الصغيرة بحماسة طفلة ما زالت لا تعلم شيئا عن العالم الخارجي، فأخذ "ليل" بهزها عاليا يمنة ويسرى يزيد من حماستها، صرخت بحماسة وأشارت يكفيها الصغيرين نحو أبيها الذي أنزلها ضامنا إياها لصدره لتم وجنتها بشغف وقال:
والله ما حد مهون عليا غيرك أنت و "رائد".
صرخت بحماسة طفولية عندما قبلها أبيها، وبدأت ضحكاتها الرنانة تعلو بعدها عندما غمرها بقبلاته كما أعتاد، فجلس الجد يهدوه معتاد وهو يتابع الجميع مبتسما فيبدو أن اليوم سيكون مميزا بتجمعهم...
منتهریش یا "ليل" وقوم نفذ حكمك بدل ما أفضحك باللي مستخبي.
انقسم الحاضرين إلى تصفين، البعض ينظر إلى المعني بترقب والنصف الآخر يتأمل "فاروق" الذي كان يظهر ابتسامة خبيثة علانا أمامهم كي يزيد شكوكهم حول هذا الحفيد الغامض، علم "ليل " اله لن يهرب من الحاجهم ولذلك زفر بحنق وقال:
خلاص علشان عارفكم زنانين ومش هتسكنوا.
انتصب على قديمه واقفا، وما زالت " رودينا على ذراعه محمولة على كفوف الراحة، قام "فاروق" بتشغيل الموسيقى من جديد واتجهت عيناه إلى الصغيرة قبل ابن العم، التي عندما النقطت أذنيها إيقاع الموسيقى يعاد من جديد بدأت ترقص من جديد بفرحة بريئة...
عاد المشهد يتكرر من جديد صيحات الشباب تعلو وبدأ "ليل" في تلك المزة يرقص بصغيرته التي تعالى حماسها في لحظة ونسيت كل شيء، ضحكات تعلو بصدح زنان بين الفينة والأخرى فكانت تلك الصغيرة تفاجتهم حقا بأفعالها تلين قلونا، وتلعب على أوتار امومة والدتها بمهارة لا تفهمها ولكنها تسعدها عندما تجد ردا في المقابل ....
اخترق "طه" هذا التجمع بعد أن عاد من الخارج وحقيبة ظهره معلقة فوق كتفه، تفاجئ بهذا المشهد الذي ببساطة رسم الابتسامة فوق ثغره وجعله يندمج مع هذا الجو الأكثر من رائع، ولكن توقفت الموسيقى فجأة وصدح صوت " حذيفة " يجذب انتباههم إليه بقوله:
أسف يا رجالة على المقاطعة دي بس في عريس هذا قريب بإذن الله عايزين لهيصله شوية ولا مش من حقه يعني ؟.
اتجهت أعين الجميع نحو "يزيد" الذي تأهيت حواسه واشتدت عضلات جسده بتحفز بالتزامن بقوله:
مالكم بتبصولي كدا؟ لا يقولكم إيه بأدب بدل ما أوريكم أنا قلة الأدب.
لم يصدر أحدهم أمرا شفهيا، بل كانت النظرة كلمة وأمرا صامنا، غاب "شريف" عنهم للحظات داخل إحدى الغرف القريبة، ثم عاد وهو يحمل جهازا متوسط الحجم على ذراعيه، قام بتوصيل الأسلاك اللازمة بينه وبين هاتف أخيه الذي كان يساعده ويهمس إليه بكلمات لا تسمع ...
وفي غضون دقائق قليلة قام بتشغيل إحدى الأغاني التي يستخدمها عامة الشعب ونظر إليهم بابتسامة توحي بأن طلب العزيز لن يرفض بأي شكل، تقدم "عادل" من صاحب هذا الاحتفال العائلي وشده دون تردد وكأنه يخبره بأن لا أعذار سوف ثقال الليلة...
استسلم لهم "يزيد" الذي رسمت ابتسامته على ثغره ولمعت عيناه تفاجؤ بقرارات أولاد عمومته التي تؤخذ في غمضة عين شخص واحد يدا وسحب خلفه الجميع دون مجهود، هكذا كانوا الرجال، يفهمون بعضهم من نظرة واحدة فقط.
لا تعبت وتساوم رجلا على قلبه "
الغيرة في قلوب الرجال تكون أكثر شراسة عن النساء، غيرة خلق بها الرجال لحماية نساءهم من أعين الذئاب وشرور الأنفس....
الغيرة من شيم الرجال هكذا ترددت تلك العبارة على مسامعنا منذ زمن طويل، ليست غيرة تسبب الضيق، بل تلك التي تثير الأدرينالين في غمضة عين فتترك القلب يتحرك والجسد يأخذ ردا عفويا كي يلبيها، ولذلك لا أحد يستطيع أن يعبث ويساوم رجلا على قلبه حتى وإن كان الثمن غاليا..
في إحدى الكافيهات الهادئة في وسط البلد...
كان "ديفيد" قد قرر أن يحظى بقسطا من الراحة، ولذلك قرر أن يأخذ "مارينا" للتنزه قليلا في شوارع المدينة، ولكن صدقا لم يرحم من تلك المكالمات التي كان يتلقاها بين الحين والآخر حتى بدأت "مارينا" تسلم من هذا الوضع...
أخرجت زفيرة طويلة من جوفها بعد أن أصابها الملل، نظرت إلى "ديفيد" الذي كان يتحدث في هاتفه مع أحد موكليه منذ ربع ساعة تقريبا، كم هذا الموكل ثرثازا كما وصفته، أنهى اخيرا مكالمته بعد خمس دقائق وهو يتنهد بعمق:
أنا تعبت.
أصاب الألم رأسه عند تفوهه لتلك الكلمتين، ذلك جانبي رأسه بأطراف أنامله وهو يغمض عيناه. تنهدت "مارينا" وقالت بنبرة هادئة:
أنا والله تعبت يا "مارينا". كل ربع ساعة مكالمة شكل، دماغي صدعت.
تنهدت "مارينا" التي وافقته القول بهزة صغيرة من رأسها، فهي تعلم جيدا مدى المعاناة التي يفر بها زوجها، مدت كفها ولامست كفه في حنو وهي تنظر إلى وجهه الذي حمل الإرهاق على معالمه، ابتسمت إليه وقالت بنبرة هادئة:
أقولك حاجة بس متقولش عليا مجنونة، أقفل موبايلك وخلينا تقعد شوية مع بعض، من غير شغل أو موكلين.
ظهرت الدهشة على معالم وجهه وهو يطالعها، فلم يسبق إليه أن فعل شيئا متهوزا كهذا يوفا. فهو معروفا بجديته في العمل دوما، وكونه ميفعل ذلك الآن فهو التهور بأم عينه، فكر في الأمر قليلا فيرغم تردده كانت نظرة عيناها تنقل الوضع على قلبه، فهو يشتاق إليها أيضًا ويريد قضاء بعض الوقت رفقتها كأي شخص آخر...
نظر إلى هاتفه الذي كان يعلو سطح الطاولة إلى جواره، كان ساكنا ولكنه يعلم أنه لن يكون كذلك بعد دقائق قلة، ولذلك قرر أن يتهور ولو لمرة واحدة لأجل حبيبة الفؤاد، فهي كذلك تستحق بعض الوقت بصحبته، أغلق هاتفه تماما تحت عيناها التي لمعت بفرحة واضحة...
مفيش مشكلة لو أنهورنا مرة.
رسمت ابتسامة واسعة على ثغر "مارينا" التي لمعت عيناها على الفور وقالت بحماسة
وأخيرا، كدة بقى في يوم بدون موكلين قولي بقى تعمل إيه أنا متحمسة أوي.
قهقه "ديفيد " على حماسها الذي ظهر من العدم فجأة، ولذلك تأملها بأعين لامعة وابتسامة هادئة
مرسومة على ثغره ثم قال:
بصراحة مكنتش متوقع يوم زي دا بس خليني أقولك إني حاسس دلوقتي بالخزية ولو ليوم واحد بس، وعلشان كدة هتستغل اليوم دا وتعمل أي حاجة كان نفسنا فيها.
اعتدلت في جلستها ونظرت في عيناه بجدية شديدة وكأنها وجدت ملادها أخيرا:
حلو ممكن تروح تتغدى فأي مطعم بصراحة نفسي أوي فأكلة سمك، بعدها ممكن نمشي عالكورنيش وتشرب حمص لأني نفسي فيه برضوا معرفش ليه من الآخر يا سيادة المحامي اليوم مش هيعدي من غير ما تصرف وتتبسط.
ابتسم "ديفيد" الذي هز رأسه برفق يؤكد على كلماتها، وقبل أن يجيبها لمح بعينه نظرة رجل في الزاوية ينظر إلى زوجته أشعلت النار في قلبه قبل جسده، لم تكن نظرة عادية عابرة؛ بل بها شيئا من الإعجاب الظاهري، تحفزت خلايا جسده واخذ عقله الرد في لحظة لم تكن محسوبة حيث نظر إليه مباشرة ووجه إليه الحديث بنبرة حادة
في حاجة يا أستاذ أنت.
توتر الرجل للحظات ولكنة احتفظ بنياته الخارجي ورد عليه بنبرة باردة:
هو أنا عملت حاجة يا عمهم ؟.
أصلك باصص هنا يعني خير إن شاء الله ......
أنا ببص فالمكان عادي أنت يقى لو شايف غير كدا فدي مشكلتك أنت مش مشكلتي.
انتصب "ديفيد" على قدميه واقفا بعد أن استطاعت كلمات هذا الرجل المستفز في إشغال الغضب بنفسه، ولذلك سرعان ما أشهر سبابته في وجهه وقال بنبرة حادة:
دي مشكلتي ؟ أنت شايف كدة يعني أنا ملاحظ نظرتك لمراتي قولت أول مرة أكيد ميقصدش بس أنت كل شوية عمال تتمادى فقلة أديك وأنا مش مفضل ساكت أكيد إذا دا بالنسبة لك عادي فمعلش مش عادي بالنسبة لي أنا واحد عنده نخوة.
هب الآخر في وقفته منتفضا وصاح في وجهه منفعلا:
لا بقولك إيه أنا مسمحلكن مش علشان أنا ساكذلك.
اقترب منة مندفعا وكأنه يريد مهاجمته بعد أن جرح رجولته، وهذا بدا واضحا للجميع بلا شك. فتدخل بعض الجالسين كرنا طبيعيا نابعا عن الفطرة من الشباب الصغير، وقفوا أمام الرجل بمنعوه من الوصول إلى "ديفيد" الذي سحب هاتفه بحركة عنيفة وأبقى "مارينا " خلفه...
أنا هوريك يا سافل أستنى عليا شوية.
قالها متوعدا إليه بنبرة حادة، ولم تخفى رجفة جسده وكفه عن عيناها وهي تتابع الأمر بخوف بعد أن فاجتها هذا التحول المفاجئ، وضع "ديفيد" الهاتف فوق أذنه وقال بنيرة حادة
"إقدام" ابعتلي أي حد دلوقتي حالا على الكافية القريب من العدلية، في واحد محتاج يتربى
يا ريت متتأخروش علشان میهریش
أنزل الهاتف من على أذنه وهو ينظر إلى الآخر الذي كان يصبح بنيرة يملؤها الغضب ويحاول الوصول إليه، نظر إليه بوعيد وقال:
أغلط كمان وكمان، أبقى شوفلك محامي يعرف يخرجك منها بقى.
بعض الأحباب يرحلون دون عودة "
في مكان دفن فيه أحبابا لن يعودوا مجددا.
كان "حسام" يجلس أمام قبر رفيق دربه وعيناه لم تفارق بابه الذي دون فوقه أسمه ويوم مولده ووفاته، والتاريخ الهجري والميلادي، أغمض عيناه مستعبدا ذكرياته الماضية بضحيته...
ضحكات وصيحات ونقاشات تداهم رأسه عناقات وكلمات ووعود قبلت ولم تكتمل، اعتدل في جلسته و اسند مرفقيه فوق قدميه مسح على وجهه بهدوء تام وكانه بعيد عقله إلى الواقع المرير من جديد، فكل ما تم تذكره الآن ما هو إلا ماضي...
تنهد بعمق ورفع رأسه ينظر إلى قبره بأعين حزينة وتائهة أول زيارة إليه بعد استشهاده ولكنها لن تكون الأخيرة بعد اليوم، فلا أحد غيره يعلم كيف سعى لكي يأتي إليه اليوم ويؤنسه قليلا. أخرج زفيرة عميقة ثم قال بنبرة هادئة:
أكيد أنت عارف أنا عملت ايه مع نفسي علشان أجي أزورك مش كدة؟ عقلي مش قادر يستوعب الوضع لحد دلوقتي، أول ما يفتح الواتساب أول واحد بدور عليه هو أنت مستني اشوف منك مسدج زي ما عودتني مستنيك تبعتلي صورة جديدة ليك قشرم، وتقعد تغيظني وتقولي تعرف تعمل زيها يا ظابط ...
ابتسم عندما عادت تلك الذكريات تلوح إليه من جديد وأكمل قوله:
كنت اضايق بس مبعرفش مکملش کلامي معاك أنا مشتاقلك يا صاحبي، ومهما أقولها فمش هتحس بيها بس إحساسي ليك مش عايز يموت يا صاحبي انا مش عارف أعيش بجد قلبي موجوع مش قادر بشوفك فكل جنة وصوتك جوه قلبي لسه حي حقك مفضلش كثير كنت بتعصب واتجنن من فكرة أن الوضع ممكن يطول ومير جعس، بس احنا مقدرناش تسكت لا عن حقك ولا عن حق الشباب الصغير اللي كانوا معاك...
منتصورش كم الفل والحقد اللي كان جوانا واحنا بنتتقم منهم واحد واحد، وإحنا بندوقهم اللي دوقوه لكل واحد فيكم، يمكن حسينا بالنشوة ساعتها، وقولنا خلاص حقهم رجع وهيرتاحوا بس بعدها إحنا مرتاحناش أبدا...
ضرب بقبضته فوق صدره حيث موضع قلبه وهو يقول بلوعة:
النار مسكت فقلبي معرفتش أطفيها، كنت بتوجع طول الوقت ومش قادر اتخطى وكانو الحياة لسه عايزة تموتنا بقهرتنا .... معرفتش آزاي اندفنت بدون غسل، كل ما أفتكر وصيتك بتقهر من جوايا وبموت من العذاب، وانت بتختص ناس معينة تحضر غسلك بس للأسف حتى دي مكانتش حالك حرقوك بقلب بارد وإحنا حرقناه بغلنا وشرنا قبل النار ... يا صاحبي أنا مش عارف أعيش بجد
انهار بعدها باكيا بعد أن فشل في لجم مشاعره المكبوتة أكثر من ذلك بكي بنحيب واهاته تخرج بوجع حقيقي لم يعد يقدر على إحجابه، جملته الأخيرة خرجت من أعماق رجل فقد أعز ما يملك دون إرادته للمرة الثانية على التوالي، دون أن يملك حقا في الحفاظ على أقرب رفاقه ...
اقترب بخطى خفيفة من خلفه دون أن يتحدث، فقد كان تراقبه منذ فترة وجيزة بعد أن لاحظ حالته التي بدأت تتدهور من جديد، قاده الخوف عليه حينها ولم يفكر مرتين وبدأ ملاحقته دون أن يشعر حتى استقر به الحال في نهاية المطاف هنا ....
جلس إلى جواره بهدوء كما جاء وحاوط كتفيه بذراعه، ضمة خفيفة ولكنها حقيقية لثم رأسه في حتو وقال بنبرة هادئة
كنت واثق إنك هتكون هنا فالآخر.
لم يصدر ردا من "حسام"، ولكن " على " لم يكن ينتظر تجاوبا على كلماته، بل رفع عيناه يتأمل صفاء السماء الزاهية وكان قلبه يناجي ربه سزا، تنهد يعمق ثم قال بنبرة أكثر هدوء :
فقدان شخص كان اقرب منك لقلبك صعب الوجع را منیمیزش بین راجل وست، ودي حاجة بتكون مشتركة بينا، عارف انك بتضحك وتهزر طول الوقت مع إنك من جواك بتنهار هي دي الحياة يا صاحبي للأسف منقدرش نعمل حاجة غير إننا نرضى وتستعوضهم عند ربي وريك من الشهداء.
نظر إليه بعدها وشد برفق فوق كتفه ثم استطرد كلماته:
"حسام " كدا مش هينفع يا صاحبي صدقني لو هتيجي تزوره كل مرة وتقعد تعيط على قبره بالمنظر دا بیشی بلاها احسن علشانه، هو مش مرتاح وهو شايفك كدا يا "حسام"، عارف إنك مش بإيدك بس حاول علشانه قبل أي حد بإذن الله نشوفه فالجنة وساعتها مفيش أي حاجة متفرقنا عن بعض ثاني، احمد يا صاحبي
ما هي لحظات من الصمت دامت بينهما، وكأن كلماته ما زالت تتغلغل اثدايا عقله كي تنتشله من بؤرته العميقة، رفع رأسه بعد دقائق لم يعلم عددها، ونظر بطرف عينه الحمراء إلى رفيقه الذي منحه الوقت الكافي ليسترد نفسه ويعود كما كان في سابق عهده...
لا يعلم هل وجوده الآن هي رسالة ربانية أراد ربه إيصالها إليه، أم أنه كان يحتاج إلى المعونة وجاءت دون أن يطلبها، ريت " على " فوق كله في جنو كرسالة صامتة مشجعة، فعلى أثرها تنهد هو يعمق يخرج نقل اللحظة من أعماقه، نظر بعدها إلى تلك الورود الصغيرة التي زرعوها إليه منذ وقت قريب والتي ثبتت وبدأت تتفتح لتزين قبره ينور أوراقها وعطرها الفواح ....
انتصب على قدميه وافقا دون أن ينبت بحرف واحد وأخذ دورة المياه المخصص للزراعة وبدء يسقي الزهور بعناية كما يفعل مع زهور شرفته، فكانت تلك الحبات التي زرعها تعود إليه فهو مميز بها بين الجميع، أثناء اندماجه لمح نبتة بدأت تزهر خلف قبر "إسماعيل"، فاقترب بخطي خفيفة يتأملها بتركيز...
علي " تعالى ثانية.
لبي " على " نداءه واقترب بالفعل يجلس إلى جواره القرفصاء، فأشار "حسام" نحوها وقال بنبرة مبحوحة
حد منكم زرع شجرة ؟.
شجرة ؟ أكيد لا إحنا زارعين مع بعض الورود دي آخر مزة جينا فيها هذا بعد الأربعين معتقدش أن حد فينا زرعله حاجة هذا بتسأل ليه ؟.
كان مستنكرا كلماته البسيطة بلا شك، فمن الذي سيزرع له شجرة دون علمهم فعلى حسب ما يتذكره أن لا أحد بدأ زيارته إلا عندما تخطى الأربعين حينها بدأوا زراعة تلك الزهور التي جلبها "حساد" خصيصا له..
مش عارف ما أنا بقول كدا برضوا أنا كنت جايب ورد بس علشان كدا بسألك.
نفى "علي " معرفته بتلك الشجرة التي بدأت تنبت ويشتد جذرها، سقاها بالماء الذي تحتاجه وحجب عليه ظل صغير استطاع أن يجذب انتباهه فوزا، رفع رأسه واذ به يرى طفل صغير في عمره السادس تقريبا يحمل دورها آخر بذراعيه الصغيرين ينظر إليه وكأنه اعتدى على ملك يخصه ...
راقب " على " الموقف بتأهب منتظرا ما سيحدث، كان الطفل مترددا وخائفا بعض الشيء وعيناه الواسعة كانت تجوب بين الشجرة و "حسام"، جاء صوت الثوي من بعيد وهي لنادي على الصغير الذي لم يتحرك قيد أنملة وظل يراقب الأمر برمته....
يا "إسماعيل" عم ناديك يا بابا جاوبني.
توقفت المرأة وهي تنظر إلى صغيرها والرجلين، فاستشفت أنهما اقرباء صاحب هذا القبر ولذلك ألقت عليهما تحية السلام بتهذب كما أعتادت ثم أوضحت لهما الأمر بنبرة حجلة:
يعتذر الظاهر إنكم مستغربين، هاد "إسماعيل" ابني نحنا هون كنا ينزور أبوه الله يرحمه وهو كان بدو يزرع شجرة لهاد القبر لأنو المتوفي مثل اسمه لهيك قلي بدي ازرعله شجرة مشان يجي جدا بعد هيك يزر على مثلها، وهو متعود يسقيها كل يوم تقريبا لهيك أنفاجئ بوجودكم مو أكثر.
أغمض "حسام " عيناه عندما تكرر اسم رفيقه على مسمعيه من جديد، وثمة قشعريرة صارت في جسده دون تردد عندما اخترقت كلماته تلك السيدة أذنيه، حاول الحفاظ على رباطة جأشه وعاد خطوتين للخلف مشيرا إلى الصغير دون أن يتحدث، فقط إشارة صغيرة كانت في الحقيقة واقع ...
اقترب الصغير وبدأ يسقي الشجرة كما أعتاد وابتسامته الطفولية أرتسمت فوق فمه، وببراءة طفونية أثرت قلب رجلين يرونه لأول مرة بدأ يدعو له ويردد بنبرته الطفولية وكلماته البسيطة:
الله يرحمك يا أخي "إسماعيل"، الله يدخلك الجنة حبيبي ما يعرفك بس حبيتك لأنو أسمك مثل اسمي، ولهيك زرعتلك في الشجرة لتمنع عنك الحر بالصيف راح صير بسقيها كل يوم لحد ما تكبر ويكتب عليها شجرة الشهيد وحبيب الله "إسماعيل"...
اهتز "حسام" في تلك اللحظة من وقع كلمات هذا الفتى الصغير فبرغم بساطتها كانت نابعة من قلب فني صادق لا يعي لبشاعة العالم من حوله، ولكنه يعيش على براءته، فاستطرد كلماته الأخيرة:
إذا شفت أبي بوسلي ياه وقله "إسماعيل" أينك بيحبك كثير ماشي.
أنهى مهمته وهو يقف سعيدا وابتسامته مرسومة فوق ثغره، تأمله "حسام" قليلا ولم يستطع أن يخفي عبراته لوقت أطول من ذلك، فيهدوء ترك الدورق وفرق ذراعيه قليلا في الهواء وهو ينظر إليه قائلا:
ينفع أحضنك ؟.
نظر إليه الفني ولم يتردد في تلبية طلبه، أرتمى في أحضانه يضمه في حلو فطري نابغا من قلب صادق، بينما صفه "حسام" بقوة وأغمض عيناه، كأنه يضم رفيقه في طفولته طال العناق لوقت لا يعلمه، ولكنه لم يستطع أن يبعده فقد كان ممنونا له على هذا الفعل الحسن وتلك الراحة التي أعطاها إلى رفيقة دون مقابل، فهكذا تكون قلوب الصغار.
