رواية ظنها دميه بين أصابعه الفصل المائة والسادس عشر
أن تقضي الشطر الأخير من حياتك وأنت أعمى البصر والبصيرة؛ هذا هو العنوان الذي تتلخص فيه حياة "هارون" الذي طأطأ رأسه وهو يسترجع ذكريات مضى عليها سنوات طويلة.
مقتطفات من الماضي تعود لتقتحم ذاكرته بقسوة، فهو أنه لم ينسَى زوجته الراحلة يوماً بل ويشعر أنه كان مذنبً في حقها.
"أنا أسعد راجل في الدنيا دي كلها يا نجاة، متعرفيش أنا فرحان إزاي إني فزت بيكي."
ردت بفرحة وخجل: "وأنا كمان يا هارون، متعرفش أنا فرحانة إزاي عشان بقينا لبعض."
سعادته بعروسه البريئة تلك الليلة لم يكن يستطيع وصفها، ليلة تعاهدا فيها على الوفاء والحب. ومع مرور الأيام كان يزداد حبهما وترابطهما، ورغم انشغاله عنها في تكبير مشروعه الصغير، إلا أنه لم يغفل عن رعايتها. وفي ليلة جاءها مهموماً وحزيناً.
"فيك إيه يا هارون؟ في حاجة مزعلاك؟"
نظر إليها ثم أشاح بوجهه عنها قائلاً:
"مفيش حاجة يا نجاة، قوليلي رُحتي للدكتور عشان تعرفي سبب إن لسه مفيش حمل حصل؟"
ابتلعت لعابها بقلق وأخفضت رأسها.
"الدكتور قاللك إيه؟"
تساءل بها، لكن لا رد كان يحصل عليه، فزفر أنفاسه بقوة وكرر سؤاله:
"نجاة، قوليلي الدكتور قاللك إيه؟"
ارتجف جسدها على أثر صوته، فرفعت عينيها سريعاً تنظر إليه بخوف:
"الدكتور مقالش حاجة وحشة، قال مجرد وقت مش أكتر."
وبتوتر أردفت بعد أن أطرقت رأسها مجدداً حتى تهرب من نظرة عينيه التي تتفرسها:
"متقلقش يا هارون، أنا حاسة إنه قريب هكون حامل."
خرجت تنهيدة طويلة من شفتي هارون تحمل معها ارتياحه، ثم نهض واقترب منها.
تملكتها رعشة خفيفة عندما وضع على جبينها قبلة وتمتم بحنان:
"إن شاء الله يا حبيبتي، أنا داخل أريح شوية لأني محتاج أنام."
والدموع التي حبستها تحررت أخيراً من مقلتيها ثم أطبقت أجفانها وغمغمت بحشرجة:
"أقولك إزاي الحقيقة يا هارون؟ أقولك إن أنا باخد حبوب تمنع الحمل عشان قلبي مش هيستحمل الخلفة، وإن أنا نفسي أعيش أكبر وقت معاك وبعدها هحققلك حلمك يا حبيبي؟"
وأسرعت بوضع يديها على شفتيها حتى لا يخرج صوت بكائها:
"بقالك سنة معيشني في النعيم، كفاية عليا كده يا حبيبي."
ومنذ تلك الليلة قررت أن تترك الحبوب وألا تتناولها، لكنها لم تعرف شيئاً عن ذلك السبب الذي يجعله مهموماً وشاردًا.
"فيك إيه يا هارون؟ أسبوع وأنا مستنية تيجي تحكيلي همك، ومتقوليش مفيش حاجة يا نجاة."
نظر إليها بنظرة طويلة، فأسرعت بالجلوس جواره والتقطت يديه تذكره بعهدهما الذي اتخذاه في أول ليلة لهما معاً:
"أنت ناسي وعودنا لبعض يا هارون؟ اتعاهدنا إن همك هو همي ومحدش فينا هيخبي حاجة عن التاني."
تلك الكلمات التي خرج منها بصدق، تسللت بدفئها إلى فؤاده لكنها مزقت فؤادها هي.
"مش عايز أشيلك هم يا نجاة، ادعيلي أنتِ بس وكل حاجة هتتحل."
شددت من احتضانها ليديه قائلة بنبرة صوت رخيمة:
"بدعيلك من غير ما تطلب يا هارون، بس شاركني همك ما يمكن تلاقي معايا الحل."
تقابلت نظراتهما، فأسرع هارون بخفض رأسه ثم تنهد وقال:
"هحكيلك يا نجاة، هحكيلك عشان تقوليلي أعمل إيه."
استمعت إليه بإنصات وفجأة وجدها تنهض من جواره: "هو ده همك يا هارون؟ قول لصاحبك إنك معاك رأس المال ومتشلش هم حاجة."
"أنتِ رايحة فين يا نجاة؟"
ابتسمت إليه وسارت نحو غرفتهما ثم عادت بعد دقائق وهي تحمل مصوغاتها الذهبية:
"ده دهب الشبكة ودهب أهلي ليا، بيعهم يا هارون وبكرة أروح معاك البنك أسحب ليك فلوس ورثي."
أزاح ما وضعته أمامه سريعاً وصاح برفض قاطع:
"رجعي دهبك الدولاب يا نجاة، وإياك أسمع كلمة اعتراض، وأنا راضي بوضعي الحالي وبكرة فرصة تانية تيجي."
أسرعت بالرد بعد أن أعادت مصوغاتها الذهبية أمامه:
"الفرصة مبتجيش غير مرة واحدة يا هارون، ويا سيدي لما ربنا يكرمك ويوسع عليك، هاتلي بزيادة ورجعلي فلوسي الضعف ومش هقولك لأ."
هز رأسه رافضاً وقد أصر على هذا، لكن مع إلحاحها المتكرر رضخ في النهاية.
دخل مشروعه مع صديقه وبدأت الشركة الصغيرة يذاع صيتها، والكلمة التي كان يرددها لها دائماً:
"أنتِ وش الخير عليا يا نجاة."
وبعد مرور تلك الليلة التي قررت فيها أن تتوقف عن أخذ الحبوب، جاءت البشرى التي جعلت قلب هارون يزداد فرحاً، لكن فرحته لم تدم إلا ساعات لينكشف بعدها ما أخفته عنه.
"إزاي متقوليش ليا؟ ليه خبيتي عليا؟ قوليلي!"
قالها بصراخ وهو يهزها، فانسابت دموعها بمرارة:
"خفت تسيبني يا هارون، أنا عارفة إني كنت أنانية بس أنت حلمي الأخير من الدنيا."
سقطت دموع هارون واستند بجبينه إلى جبينها، فانهمرت دموعها بسخاء:
"ليه أنتِ قاسية كده يا نجاة؟ كنتي قوليلي وسيبتي ليا اختيار القرب."
ابتلعت مرارة غصتها وردت بصوت حزين:
"مقدرتش، صدقني حاولت ومقدرتش، سامحني، أنا كنت عايزة أعيش الباقي من عمري معاك."
ابتعد هارون عنها ووقف لبعض الوقت صامتاً، وقد ظنت أنه اتخذ القرار الأصعب:
"هنزل الحمل مادام غلط على صحتك، أنا مش هخاطر بعمرك عشان طفل."
أسرعت بمسح دموعها بيدين مرتعشتين، فهي لم تتوقع منه هذا القرار، وقد ظنت أنه سيختار الانفصال عنها وتركها وحيدة:
"لكن أنت نفسك أوي في طفل يا هارون، أنا عايزة أحققلك الأمنية دي قبل ما أموت."
احتدت عيناه وصاح بغضب ارتجف معه جسدها الواهن:
"وتموتي؟! لا يا نجاة مش عايز لو كان المقابل إني أخسرك أنتِ، مش عايز أكون أب غير منك افهمي."
ليلتها غادر المنزل كالتائه، يتملكه شعور لم يشعر به إلا يوم وفاتها.
أصرت على الاحتفاظ بالطفل ولم يجد أمامه إلا تقبل ما حدث، خاصة بعد أن أخبره الطبيب أن وقت التدخل قد انتهى والخطورة ستكون أكبر إذا أجهضت الطفل.
ومرت أشهر حملها كالجحيم عليه، وجعلها تقسم له بأن بعد إنجابهم لهذا الطفل ومرور ولادتها بسلام لا تفكر في الأمر مرة أخرى.
واستجاب الله لدعائهم ، وازداد الخير مع قدوم "بيسان".
أغلق هارون عينيه بضعف بعد أن أتت إلى ذاكرته بداية اللعنة على حياتهم؛
"سمية"، المرأة التي تعرفت عليها زوجته عن طريق إحدى صديقاتها، وازداد تقاربهن بعد أن بدأت سمية تحكي قصتها لها. ونجاة زوجته لم تكن إلا امرأة طيبة القلب، فتحت لها بيتها ودعمتها ورأتها أختاً لم تلدها والدتها، ورغم تحذيراته لها ألا تثق بأحد، كان ردها الدائم:
"أنت عارف إن قلبي بيحس بالناس على طول وأنا ارتحت ليها يا هارون دي غلبانة."
ـ "معرفش إزاي خلتني أبص ليها وأخونك يا نجاة."
غمغم بها هارون بعد وضع رأسه بين يديه، فنظر إليه عزيز باستخفاف، فهو مثله استطاعت سمية استدراجه.
ـ "كنا عايشين كويسين لحد ما دخلت حياتنا، بدأت أكره نجاة وأشوفها زوجة ناقصة."
قالها هارون ثم رفع رأسه واستكمل حديثه بخفوت:
"كانت بتتعمد تظهر اهتمامها لـ بنتي وأنا موجود، ونجاة بدأت صحتها تضعف."
تلاقت عيناه بعيني عزيز التي صارت أقل حدة، وفجأة تجمدت ملامح وجهه عندما تذكر حديثها له في إحدى المرات:
"سافر وأنت مطمن ومتقلقش، ههتم بأكل نجاة وأدويتها، ومتخافش على بيسان أنا بشوفها بنتي اللي حرموني منها."
بدأ صدر هارون يعلو ويهبط، ثم دارت عيناه في غرفة مكتبه الفسيحة.
وضع يده على قلبه بعد أن أحكمت الذكريات وثاقها حول عنقه.
"أنا مكنتش أعرف إنك راجع من السفر، بكرة الصبح همشي."
قالتها سمية وهي تلف الرداء الرقيق من الصوف حول ذراعيها العاريين وما ظهر من مقدمة ثوب نومها. لم يرفع هارون رأسه وتحرك بخطوات مرتبكة نحو غرفة نومه بعد توتره أمامها عند رؤيتها هكذا.
وعند هنا كانت أجفانه تهتز، فلم يأتِ بعد هذه الليلة إلا الهلاك وبداية دمار علاقته مع نجاة، ولم يعد يراها إلا امرأة أهلكها المرض وتحرمه من حقوقه الزوجية وهو رجل في ريعان الشباب والصحة.
والسخرية هذه المرة كانت تعتلي شفتيه هو، فهل بعد خيانته لها استمرت الصحة؟
وهاهي الذكريات تجتذبه وتمر أمام عينيه.
"سامحيني يا نجاة، غصب عني ضعفت قدامها ."
همسها بصوت خافت مهزوز بعد أن جلس جوارها على الفراش وهي غافية باطمئنان ولا تعلم بأول طعنة خيانة حصدتها الليلة:
"لكن أنتِ السبب، دخلتيها بيتنا وحياتنا."
والخيانة كادت أن تتكرر مرة أخرى لكنها صدته في آخر لحظة بعد أن أغوته:
"مينفعش ده يحصل بينا تاني يا هارون."
وتمنعها عنه، أشعل رغبته فيها كلما وقعت عيناه عليها وهي تتدلل أمامه وتهتم بأموره كرجل، ولم تترك له اختياراً آخر.
ـ "أنت ليه جيت دلوقتي تفوقني؟ ليه بعد السنين دي كلها يا عزيز؟"
نظر إليه عزيز بنظرة ساخرة:
"هتزعل لو قولتها لك صريحة، لكن خليني أقولها ليك النهاردة يا هارون بيه..."
أغلق هارون عينيه وانتظر أن يسمعها منه.
ـ "أنت كنت ماشي وراها زي المعمي، بالأصح جوز المدام.. تفتكر لو كنت قولتلك كنت هتصدقني؟"
خرج صوت هارون بصياح مهزوز:
"وتسيبني السنين دي كلها أربي بنتي على إيد اللي كانت سبب في موت أمها؟!"
وبنبرة حملت تهكماً قال:
"آه صحيح.. ما أنت عشان ولاد أخوك يكونوا بأمان تسبها ليا، وأول ما تحس بالخطر من وجود بنتي حوالين ابن أخوك تيجي تعترف لي.
تعرف أنا النهاردة فهمت ليه زمان وقت ما كنت أنا مرحب باقتراح سمية من جواز سيف وبيسان أنت كنت رافض وبتتحجج بسفر ابن أخوك وسعيه ورا تعليمه بره وبتدعم اغترابه رغم احتياجك لوجوده جانبك، لكن لما حطك وأرغمك قدام قرار جوازه وافقت عادي..."
حدق نحوه عزيز بنظرة ثاقبة ثم استدار بجسده هارباً من نظرته إليه:
"كلامك صح يا هارون، سلبيتي مع الست دي هي اللي وصلتني لكده، وأنا بعترف بجرمي النهاردة ليك ودفعت التمن معاك..."
وعندما تذكر رؤيته لـ "سيف" وهو يبكي أمامه كالطفل راجياً منه أن يتركه يرحل إلى بلد آخر.
ـ "أنا كنت مقرر أظهر الحقيقة لابن أخويا لكن مش هيستحمل، كفاية إنها كسرت نفسه بفضيحة مراته."
وأردف بعد أن أطبق على يديه.
ـ "دور كويس ورا مراتك وافتكر شوية في القديم."
....
استندت ليلى بساعديها باسترخاء على ذراع الأريكة ثم تنهدت بفتور وهي تتذكر أحداث هذا اليوم:
ـ "يا ترى سما اقتنعت بكلامي؟ أنا كان نفسي أساعدها، لكن أساعدها في الغلط إزاي؟"
قالتها لنفسها ثم أطلقت زفرة طويلة تعبر عن حيرتها، وسرعان ما كانت ملامح وجهها تنكمش عندما اقتحمت صورة "أشرقت" شرودها وقد اصطدمت بها عند مغادرتها شقة الجد نائل:
ـ "أنا شوفتها قبل كده كانت رافعة مناخيرها في السما، لكن المرة دي فيها حاجة غريبة وكأن روحها مطفية."
واعتلت السخرية شفتيها، فماذا عن روحها وملامحها هي وكأنها لم تنل من هذا الانطفاء رغم اختلاف الأسباب؟
زفرت أنفاسها دفعة واحدة ثم نهضت حتى تنظف الجزء المتبقي من الشقة، فهي أخبرت سما و زينب برغبتها في إقامة ليلة الحناء لديها حتى يستعيدوا تلك الذكرى الجميلة.
....
توقفت سمية بسيارتها على جانب الطريق بعد أن استمر هاتفها بالرنين لعدة مرات.
أغلقت عينيها لوهلة لتستجمع ثباتها قبل أن تجيب على المكالمة.
توقف الرنين، فزفرت أنفاسها بارتياح، لكن المتصل عاد يلح في اتصاله.
ـ "هو أنا مش كنت لسه بتعشى معاك؟"
همست بها سمية بنعومة لترتفع قهقهة المتصل.
ـ "وحشتيني."
حاولت أن تبتسم ، فواصل "فارس" كلامه وهو يترجل من سيارته:
ـ "عارف إن كل حاجة غريبة في علاقتنا، لكن واحدة واحدة هتتعودي يا حبيبتي."
خفق قلب سمية وارتعش سائر جسدها بوجل ولأول مرة يلجمها حديث رجل، رجل لا يناسب عمرها.
ـ "فارس.. أنا لحد دلوقتي مش قادرة أتقبل مشاعرك دي، ومتنساش إني ست متجوزة."
تجلجلت ضحكات فارس، فشعرت بالارتعاب وتساءلت:
ـ "أنت بتضحك على إيه؟"
توقف فارس عن الضحك وبرقت عيناه بالمكر:
ـ "مستغرب إخلاصك لهارون بيه وأنتِ ست جميلة وشيك، قوليلي ليه مضيعة عمرك معاه وحارمة نفسك من الحياة؟"
امتقع وجه سمية وتلاعبت بخصلات شعرها قائلة:
ـ "أنت قلت مستغرب إخلاصي، ومش عارفة إزاي وليه كسرت القاعدة دي معاك."
أسرع فارس بالرد:
ـ "نقول إنك مصدقة مشاعري."
ابتسمت سمية بعد أن بدأ كلامه المعسول يتسلل إليها:
ـ "نقول إني سيباك تضحك عليا شوية بكلامك لحد ما أشوف آخرتها معايا إيه."
صدحت ضحكاته بقوة هذه المرة:
ـ "مع الوقت هتتأكدي من حقيقة مشاعري..."
ابتلعت سمية ريقها وأنهت المكالمة سريعاً:
ـ "مع السلامة يا فارس."
سحبت نفساً عميقاً ثم زفرته بقوة، وكادت أن تُلقي بهاتفها على المقعد جوارها لكن اهتزازه في يديها مع صدور نغمة تنبيه الرسائل جعلها تنتبه على ما أرسله لها ذلك المدعو "كمال" الذي كان يعمل موظفاً لديها واستطاعت بمساعدته التخلص من "كارولين".
ـ "هو أنا نقصاك أنت كمان؟"
وبتأفف هتفت وهي حانقة:
ـ "أنا عملت إيه في حياتي عشان تصيبني اللعنة باسم كمال؟"
وأردفت بتهكم:
ـ "كمال الوزير وكمال الدنجوان."
....
عقدت ليلى حاجبيها بدهشة ثم انحنت بجسدها نحو ذلك الشيء الذي يلمع على أرضية الحمام:
ـ "الأنـسيال ده مش بتاعي."
وسرعان ما كانت تحصل على الجواب بعد أن تذكرت دخول أشرقت اليوم شقتها واستخدامها لهذا الحمام حتى تغسل وجهها وترتب مظهرها قبل توجهها إلى شقة الجد نائل:
ـ "أكيد بتاعها هي."
ضمت سوار المعصم في قبضة يدها ثم تنهدت:
ـ "هي طلبت مني معرفش حد إنها دخلت شقتي عشان محدش يسأل عن السبب، مش عارفة إزاي هعرفها إن الأنسيال وقع عندي."
وبحيرة أردفت مع نفسها:
ـ "أعمل إيه أنا دلوقتي عشان أعرف أوصل ليها؟"
وفي ثوانٍ معدودة كان ثغرها ينفرج عن ابتسامة واسعة:
ـ "أنتِ نسيتي أنك بكرة هتقابلي زينب وسما فممكن تيجي معاهم مشوارنا، وحتى لو مقبلتهاش بكرة، هقابلها أكيد يوم الحنة يعني الموضوع سهل أوي يا ليلى."
....
ـ "هارون بيه رجع من مشواره إمتى؟ وخد أدويته في ميعادها؟"
تساءلت سمية فور دلوفها الفيلا. أسرعت الخادمة شادية بالرد:
ـ "البيه مرجعش من ساعة ما خرج الصبح يا هانم."
ضاقت حدقتا سمية بدهشة واستدارت إليها:
ـ "إزاي لسه مرجعش من وقتها؟ الساعة عشرة دلوقتي."
طأطأت شادية رأسها بعد أن رأتها ترمقها بنظرة مُخيفة:
ـ "معرفش يا هانم، وكمان ست بيسان من ساعة ما رجعت من بره وهي قافلة على نفسها وكان شكلها راجعة منهارة."
أزاحت سمية عينيها عن هاتفها:
ـ "منهارة إزاي؟! ومكلمتنيش ليه يا غبية وقولتيلي؟!"
تراجعت شادية للوراء بذعر وهتفت بصوت متقطع:
ـ "أنا قلت بلاش أقلقك..."
ألقت سمية عليها نظرة ساخطة أرعبتها، وأسرعت في صعود الدرج تهتف بمقت:
ـ "حسابك معايا بعدين يا شادية."
....
استيقظت بيسان من غفوتها القصيرة التي لا تعرف متى سقطت فيها بعد بكائها المتواصل منذ عودتها.
فركت عينيها ثم اعتدلت في رقدتها، وقبل نهوضها من الفراش وجدت سمية تدخل غرفتها وتتساءل:
ـ "شادية قالتلي إنك رجعتي من بره منهارة، أنتِ رُحتي لسيف زي ما قولتيلي؟"
أجهشت بيسان بالبكاء بعد أن عادت كلمات سيف تقتحم رأسها:
ـ "رُحتله وطردني تاني، قالي مش عايز يشوفني وإنه بيكرهني زي ما..."
هزت سمية رأسها متفهمة عدم استرسالها:
ـ "وأنتِ صدقتي يا بيسان؟ سيف لسه مفقش من الصدمة."
وبنبرة صوت لينة أردفت بعد أن جلست جوارها:
ـ "ابني لحد دلوقتي متجاوزش صدمة جوازي زمان من عمه وبعدها من هارون، ودايماً على لسانه إنه بيكرهني.. تفتكري هيقدر يتجاوز صدمة خيانة كارولين بسهولة؟"
توقفت بيسان عن البكاء وجففت دموعها بظهر كفيها:
ـ "وأنا هفضل لحد إمتى أحاول يا طنط؟"
كادت سمية أن تعيد عليها ما يجعلها تستمر في محاولاتها البائسة، لكن صوت صياح هارون أصابهم بالفزع:
ـ "بيسان! بيسان!"
انتفضت بيسان من الفراش وانتفضت معها سمية وقد سيطر الرعب على أوصالها.
استمر هارون في صياحه الذي أدهش الخدم، لتهبط بيسان الدرج مهرولة ومثلها فعلت سمية.
ـ "أنتِ لسه بتقابليه؟"
تساءلت بلسان ثقيل وهي تهرب من النظر إليه.
ـ "بقابل مين يا بابا؟"
وصفعة قوية كان يسقطها على خدها:
ـ "لو فاكرة إني في يوم ممكن أوافق عليه يبقى بتحلمي."
تمالكت سمية دهشتها وأسرعت باحتضان بيسان التي سيطرت عليها الصدمة:
ـ "في إيه يا هارون؟ دي تاني مرة تمد إيدك عليها!"
التقط هارون ذراعها ثم دفعها بعيداً لتفتح سمية فمها ذاهلة من فعلته:
ـ "مالكيش دعوة بتربية بنتي يا سمية، وياريت توقفي سعيك ورا إنها تتجوز ابنك!"
ـ "أنت بتقول إيه يا هارون؟"
بقوة خرج صوته الذي أصاب الخدم بالغرابة:
ـ "بقول اللي سمعتيه يا سمية، وياريت تهتمي بشئون ابنك أفضل وابعدي عن حياة بنتي."
وبأمر أردف:
ـ "اعملي حسابك هتسافري الصين تتابعي شغلنا هناك، مش أنتِ سعيتي يكون لينا شراكة فيها؟ يبقى وريني شطارتك.. يا إما تتجوزي راجل اختاره أنا ليكي."
جحظت عينا سمية ومعه خرج صوت بيسان متحشرجاً:
ـ "ليه يا بابا بقيت بتكره سيف أوي كده؟"
ألقى هارون نظرة تفتقر للحياة نحو سمية، نظرة استرجع معها ليلة وفاة نجاة عندما وجدها ملقاة على الأرض تحاول التقاط أنفاسها وعُلب أدويتها فارغة:
ـ "أنا مقولتش بكرهه، أنا لسه شايفه زي ابني لكن مش شايفه راجل يستحق استأمنه على بنتي، وقراري اخدته خلاص والرد اسمعه منك بكرة الصبح.. لأما تختاري تسافري أو تتجوزي، وسهل أوي أرجع موضوعك مع فارس وتتجوزوا في أسرع وقت."
شحب وجه سمية ونظرت إليه:
ـ "إحنا مش قفلنا موضوع فارس يا هارون؟"
سار هارون دون أن يرد عليها، فصرخت بضجر:
ـ "أنت مبتردش عليا ليه يا هارون؟!"
لم يعطها هارون اهتماماً وتمتم وهو يصعد الدرج ببطء:
ـ "تبعد بس بيسان من هنا، وأعرفك مين هو هارون جوز الست."
....
التمعت عينا ليلى بالأرتياح عندما أرسلت إليها زينب بعض القنوات التثقيفية عبر الإنترنت. أسرعت ليلى بتصفح تلك القنوات حتى تجد من أين تبدأ، لكن قبل أن تفتح أحد الفيديوهات انتبهت لعودة عزيز. أغلقت هاتفها سريعاً ونهضت ثم اتجهت إليه:
ـ "عزيز أنت مكنتش بترد على تليفونك ليه؟"
نظر إليها ثم سار من أمامها قائلاً:
ـ "معلش يا ليلى مأخدتش بالي من مكالمتك."
ضاقت حدقتاها واتبعته:
ـ "أنا في حاجة عملتها من غير ما أرجع ليك، أنا قلت لعيلة الجد نائل إن شقتنا مفتوحة ليهم أيام فرحهم وأننا هنتبسط لما نشاركهم فرحتهم.. لكن بعد ما قلت كده افتكرت...."
لم تستطيع استكمال حديثها بعد شعورها بالحرج، فهو في دوامة بين أعماله الملزم بها وبين قلقه على نيهان وقلقه على سيف، ومن ناحية أخرى خوفه عليها.
ـ "مفيش مشكلة..."
تعجبت في البداية من رده وتساءلت:
ـ "هو ينفع أنزل معاهم بكرة نشتري شوية حاجات؟"
خلع سترته واستدار إليها:
ـ "آه يا حبيبتي روحي معاهم."
انفرج ثغرها عن ابتسامة وبرقت عيناها بالسعادة وهتفت حتى تتأكد مما سمعته منه:
ـ "عزيز.. يعني أنت مش معترض ولا زعلان؟"
أطبق أجفانه متنهداً:
ـ "وأزعل ليه؟ ده حقك يا ليلى، أهم حاجة تتبسطي وتكوني فرحانة."
تهللت أساريرها بالسعادة وأسرعت إليه تحتضنه:
ـ "أول مرة أحس إني مبسوطة كده يا عزيز..."
وأردفت بحماس:
ـ "تعرف أنا قلبي بيقولي إني هكون حامل هنا."
وبأعين دامعة استطردت:
ـ "ماما عائشة كانت دايماً تقولي في بيوت وشها بيكون سعيد على أصحابها..."
ابتسم لها وقال في نفسه:
ـ "بتحطي ليه الأمل جوايا يا ليلى؟"
ـ "عزيز أنت سرحت في إيه؟" تساءلت بها وهي تمرر يديها على خديه.
ـ "ليلى.. هو إحنا لو ربنا مرزقناش بأطفال هتزعلي؟"
وليته لم يسألها هذا السؤال الليلة!
....
شعرت زينة بالخوف وهي تخرج اختبار الحمل المنزلي الذي دسته بين أوراق دراستها. نظرت إلى باب غرفتها الذي أوصدته، ثم التقطت أنفاسها واتجهت نحو الحمام حتى تُجريه وترتاح من ذلك الشك الذي صار يُرعبها...
