رواية المعلم الفصل الحادي عشر
ظلت رنا تجوب الغرفة ذهاباً وإياباً وهي تستشيط غيظاً . جلست بإهمال على طرف الفراش وسحبت الوسادة ودفنت رأسها
بمنتصفها وظلت تصرخ وتصرخ بصوت مكتوم حتى انهارت قواها وبكت ، انهمرت دموعها كالشلال حزناً على حالها .
لن تتكر أنها أوقعت هاني في فح ألاعيبها الداهية لكي تصل فقط إلى ريان عندما فشلت في الاقتراب منه مباشرة ، لم يكن يوماً مثل بقية جنسه لم ينظر إليها نظرة مخلة أو خارجة لم تري سوي الاحترام الذي يأتب ضميرها إتجاهه باستمرار، عادت بظهرها علي الفراش وهي مازالت واضعة الوسادة أمام وجهها وواصلت بكائها المرير في صمت.
وقف زيان أسفل المنزل قيد انتظار أحد عماله الذي أمرهم باحضار كمية هائلة من الطعام وبعض المستلزمات المنزلية ، سحب
مقعد وجلس عليه وأسند رأسه علي خافته وأغمض عينيه بإرهاق .
زبان انت كويس ؟
تسائل خالد بإهتمام عندما رأي الإرهاق يعتلي ملامحه ، فتح ريان عيناه ورفقه بتفحص كأنه يتأكد من هويته ثم اعتدل في جلسته واردف مختصراً :-
أنا تمام
سحب خالد مقعد آخر وجلس بالقرب من ريان ووضع يده على فخذه يازره وهتف باسي ...
الدنيا اللخيطت عندك صح ؟
التفت زيان الى خالد وهو يريد ان ينوح بما في داخله لكنه لا يدري كيفية النوح ، لم يعترف من قبل عما يدور في عقله أو حتى التصريحبما لا يستطيع تحمله ، لم يعتاد على مثل تلك الأمور أو ربما لم يسأله أحد عن حاله في الأوقات التي كان يستطيع التحدث
والاعتراف ..
تنهد بحرارة مستاء من حالته المبهمة ثم أعاد رأسه للخلف وأغمض عيناه وقال بنيرة هادئة لكنها تحمل الكثير من التعب :-
انت كنت رايح فين كده في الوقت المتأخر ده ؟
رفع خالد حاجبيه بتعجب مستنكراً تغيره مساره للحوار رغم أنه يود معرفة ما حدث لكن ربما ليس أوانه ، لم يعقب عليه خالد وسحب نفساً وردد :-
كنت جاي اطمن عليك
ربت زيان على ظهر خالد بإمتنان وقال :-
فيك الخير يا خالد بس انا تمام قوم روح لعيالك الوقت أتأخر
تعجب خالد من أسلوب ريان على الرغم أنه يواجهه كثيراً لكن تلك المرة مختلفة في المصائب ازدادت عن حدها وهو مازال يتهرب من
المواجهة والاعتراف . تنهد خالد بيأس ثم نهض وهتف بفتور
تصبح علي خير لو احتجتني انا موجود
اكتفي ريان بهز رأسه بإيماءة خفيفة بينما غادر خالد وتركه يغوص في عالمه المرهق بمفرده
نهض زبان عندما رأي من كلفه بشراء بعض المستلزمات وأخذ الحقائب البلاستيكية منه ثم صعد للأعلي ، فرع جرس الباب وانتظر قليلا ثم ولج للداخل عندما لم يجيبه أحد . وضع الحقائب أرضاً فلا يوجد ما يضعهم أعلاه ، لم يسمع صوت لـ كليهما يا تري این هم ؟
لم يكن أمامه سوي فتح الباب بحذر فقط للاطمئنان عليهم ، تنهد براحة عندما رأي صغيرته تعفو بين أحضان الصغيرة الأخري . أغلق الباب يرفق ثم جلس أرضاً يحاول النوم هو الآخر لكن لا يعرف للنوم سبيل
عقله بات مشغولاً بما حدث إلى الآن لا يستوعب ما فعله ، لا يستوعب كيفية إجبار فتاة على الزواج منه ، بل والأغرب أنه يتزوج باخری دون إدراك منه أسفل غضبه المعروف به ناهيك عن ترك دينا لمنزلها وتشتت عائلته الصغيرة والوقوع في جدالات كبيرة . لماذا يحدث كل هذا يربك يا زيان ؟ ماذا اقترفت بحياتك حتى يعاقبك الله ويفرق شمل عائلتك ....
تنهد بضجر بائن عندما لم يأتي بإجابة صريحة على اسئلته، ثم جذب هاتفه وهاتف أحد عماله قائلا بنبرة رحيمة :-معلش يا عم إبراهيم عارف ان الوقت متأخر بس كنت محتاج شوية طلبات من المعرض تيجيلي البيت هنا
اجابة عاملة بإحترام وعملية .
الساعة دي يا معلم ريان ؟
أماء زبان رأسه كأنه أمامه ورد عليه بإرهاق :-
معلش يا عم إبراهيم محتاج الحاجة دي ضروري
أغلق الهاتف بعد أن أخبره بما يريد وهم بالهبوط الى الأسفل قيد انتظار وصوله .
أستيقظ جميع من بالمنزل علي طرقات الباب ، أسرعت دينا بوضع حجاب رأسها لأنها من كانت أقرب وصولاً للباب ، فتحته
وتفاجئت برنا أمامها ، وتمتمت يتعجب :-
رنا
سحبت رنا نفساً عميقاً ثم قالت بحزن زائف :-
باين عليكي أنك متمتيش عشان كده انا جتلك من يدري نشوف حل لموضوعك ده انتي برده متهونيش عليا
قطيت دينا جبينها بغرابة ثم تراجعت عدة خطوات للخلف وهتفت مرحبة :-
اتفضلي ادخلي مش هنتكلم علي الباب
ولجت رنا الي الداخل وابتسمت بتصنع عندما رأت والدة دينا وشقيقتها وصاحت بود مصطنع -
اخبارك ايه يا حجة يارب تكوني كويسة ، اخبارك ايه بابت يا اسراء وحشاني
اجابتها اسراء باقتضاب :-
تمام
وما إن أنهت جملتها حتي ولجت داخل غرفتها سريعاً بينما رحبت بها والدة دينا بحفاوة :-
الحمد لله في نعمة الفضلي اقعدي
جلست رنا ومن ثم جلست دينا بجوارها ورافاقتهم والدة دينا . مرت دقائق معدودة ثم ازدرفت رنا بعض الدفوع الزائفة و تصنعت
الحزن وهتفت بنبرة منكسرة :-
أنا معرفتش انام خالص من وقت ما عرفت ما بالك انتي بقا ربنا يكون في عونك .
تنهدت دينا بضجر عارم وأردفت بفتور شديد ..
رنا لو ريان باعتك عشان أرجع في روحي قوليله اني مش مرجع بوسايط
رمقتها رنا بنظرات ساخرة لتلك البلهاء التي لا يعباً لها زوجها وهي تظن أنه يركض خلفها ، تنهدت مستاءة ثم أكملت ما أنت لأجله. وقالت
أنا جاية ليكي انتي محدش باعتني ، أنا جاية اشوف لك حل ترجعي بيه بيتك
عقدت دينا ما بين حاجبيها بغرابة في العلاقة بينهم متوترة وليست على ما يرام فمن أين جاءت هي بتلك الجرأة والتلقائية التي
تتحدث بها .
استشعرت رنا ما يدور في عقلها وأسرعت في بالحديث قائلا يحب زائف :
ليكي حق متصدقيش اللي انتي بتسمعيه مني بس انا واجب عليا أقف جنبك في محنتك دي رغم اني مش شايفة أنها محنة ولا
حاجة وممكن تتجل بسهولة بس ده لو انتي حابة يعني مش حابة بقا هاخد بعضي وامشي وابقي اطمنت عليكي
نهضت رنا وأولتهم ظهرها لتكمل لعبتها التي بدأتها ، أسرعت والدة دينا يرمق ابنتها تحثها على رفض ذهابها ، بينما تنهدت دينا تم أسرعت بالحديث .
استني يا رنا قولي اللي عندك .
ابتسمت رنا بإنتصار ومن ثم التفتت إليها وجلست مرة أخري وهتفت يمكر :
اول حاجة معدتك هنا غلط ولازم ترجعي مينفعش تسيبي الجمل بما حمل انتي كده سيبتي جوزك للبت دي على طبق من ذهب
وكده انتي بتخسري ، متفكريش بدور الصحية اللي انتي عملاه ده هيفرق ، جوزك هيلاقي واحدة صغيرة هدلعه ولا هيسأل فيكي
عشان كده لازم ترجعي .
اتسعت مقلتي دينا بصدمة ومررت انظارها بين رنا ووالدتها بذهول، التوي ثغر رنا بابتسامة خبيثة لأنها أوقعت بـ شباك تلك الحمقاء دون عناء وواصلت حديثها مضيفة ..
الراجل مش عايز غير اللي يدلعه وبس ولو على العشرة هتهون في ثانية فانتي لازم تثبتي نفسك وتمشي البت دي . أنا سمعت يعني أنه اتجوزها عشان يخلصها من عيلة ابوها ودي في حد ذاتها حاجة كويسة لأننا هنقدر ببعدها عنه بسهولة
صمت حل لدقائق بينهم ثم هتفت والدة دينا مرحبة بفكرة رنا ...
قومي يا بنتي اليسي رنا عندها حق مينفعش تقعدي تندبي حظك هنا قومي شوفي مستقبلك ومستقبل ينتك
تنهدت دينا وهي تعيد ما قالته رنا لتوها ثم نهضت وولحت داخل غرفتها وشرعت في ارتداء ثيابها لكي تعود إلى منزلها وتستعيد زوجها من بين يدي تلك الفتاة التعيسة .
استيقظت على ضوء الشمس الذي يغازل عينيها لكنه كان شديد للغاية فلم تستطع فتح عينيها بسهولة ، وضعت أحدى الف كفيها أمام وجهها تحجب ذاك الضوء المسلط عليها ثم فركت عينيها لتعتاد تلك الإضاءة القوية، نظرت بجوارها لتتفاجي بالصغيرة غافية تماماً ولا تشعر بمن حولها ، نهضت بحذر وتوجهت نحو الباب أدرات مقبضه لكنه لم يفتح ، أعادت المحاولة مراراً والنتيجة ذاتها حتماً أنه موصد من الخارج، تنهدت عنود ثم طرقت بخفة على الباب ليأتيها صوته الذكوري قائلا :-ثواني وهفتح لك
عقدت ما بين حاجبيها بغرابة فما يعني هذا . لم يكن أمامها سوي الإنتظار، مرت دقائق ولم يحدث أي جديد ، توجهت نحو المرأة وشهقت بصدمة عندما رأت حالتها الغير مهندمة، شعرها ميمتر بشدة وملابسها تتناثر عليهم الدماء حتماً من جرح رأسها .
تنهدت يضجر لحالتها المدرية تلك منذ متي وهي بذلك المظهر السي - أغمضت عينيها بعصبية ثم حاولت جمع خصلات شعرها قدر الإمكان وعدلت من وضعية ثيابها ثم رفقت صورتها المنعكسة بنظرة متفحصة لم تكن بتلك الروعة التي تكون عليها دائما لكن
لا بأس بذلك الآن .
خرجت من شرودها على فتح الباب استدارت إليه بجسدها حيث تفاجئت بمظهره المرهق بل أكثر من ذلك بمراحل يبدو أنه لم يتم طوال الليل ، هزت رأسها بإنكار لما تفكر فيه ، فما شأنها به لكن لن تذكر أنه يريكها كثيراً بنظراته الثاقبة تلك، وقوفه أمامها يسبب ارتفاع الادرينالين المندفع في شراييتها ، اضطرابات قوية تجتاحها أثناء وجوده
ابتلعت ريقها ثم اقتربت منه على استحياء شديد . وكلما اقتربت منه خطوة تزداد نبضاتها عنفاً عن ذي قبل .
وقفت أمامه مع المحافظة على بعض المسافة بينهم ثم أردفت بتردد :-
عايزة أتكلم مع حضرتك
أماء رأسه بموافقة على الرغم من أنه يكاد يفقد وعيه من قلة النوم ، لكن لا بأس سيتحمل قليلاً بعد ذلف كلاهما إلى الخارج متفاجئت عنود بما رأته ، لقد قام بتجهيز المنزل وإعداده لم تكن هناك زاوية خالية عكس ما رأته أمس .
خمنت سبب الإرهاق البادي علي تعابيره بالتأكيد هو من قام ببناء جميع الاثاث هذا بمفرده ولكن لماذا فعل ذلك ؟
جلست على أقرب أريكة بينما جلس هو على الأريكة المقابلة لها في انتظار ما ستقوله، لكن عقله يود أن يذهب بعيداً وينعم ببعض النوم .
جمجمت عنود يحرج ثم قالت يتلعثم ..
أنا كنت عايزة أقول إني ، يعني أنا عايزة ......
توقفت عن الحديث من تلقاء نفسها عندما رأته يحاول جاهداً أن يصغي إليها ولا يسلم عقله للنوم لكن لم يستطع أن يقاومه أكثر من ذلك ولم يشعر بغقوه مطلقا .
ركضت هي نحوه بخطي سريعة لكي تمنع وقوعه وأمسكت برأسه التي تمايلت للأمام فجاءة ثم حاولت وضعه على الأريكة لكنها لم تستطع بمفردها مجسده مضاعف لجسدها الصغير ، يا الله ماذا تفعل الآن ؟
تنهدت مستاءة ونظرت اليه وهو بين يديها ولم يكن أمامها سوى تلك الفكرة التي رادوتها ، أغمضت عينيها يتردد كبير فهي لا تتمني أن تفعل ذلك لكنها مجبرة ، أخذت نفساً عميقاً تم احتضنت رأسه بقوة حتى يسهل حمله ووضعته على الأريكة .
الأمر لم يكن هين عليها لكنها قاومت حتي ضبطت وضعية جسده على الأريكة، ابتعدت عنه ثم نظرت إليه غير مصدقة ما فعلته .
لقد احتضنته بالفعل وضعت يدها أمام وجهها خجلاً ثم ركضت مهرولة الى الغرفة وأوصدت الباب خلفها ووقفت تستنشق الصعداء وهي تعيد ما حدث منذ قليل، هزت رأسها تطرد أفكارها وعادت الى الفراش وظلت تداعب خصلات الصغيرة برفق لكي لا توقظها .
وصلنا كلاً من رنا ودينا أسفل البناية ، قابلهم يحيي في طريقهم حيث توقف وهتف يحيي بحفاوة :-
حمد الله على سلامتك يا دينا كويس انك رجعتي
رمقته دينا بنظرات مشتعلة فهي عادت على مضض وتم تصفي بعد من تلك العائلة التي باتت خدمتهم هي شاغلها الأساسي وبالأخير لم يعترض أياً منهم علي زيجة زيان .
أخوك فين ؟
تسائلت دينا بفتور شديد بينما أجابها يحيي بتلقائية :-
نايم فوق من امبارح منزلش
تقوس تغر دينا بإبتسامة سعيدة ظناً أنه لم يغادر منزلهم فقدان لها ، تركتهم وتوجهت إلى الأعلى بالمصعد ثم فتحت باب شفتها وولجت الى الداخل و طبول السعادة تدق قلبها ، لأول مرة يتأخر ريان عن عمله بسببها، ولحت داخل غرفتها ولم تجده بحثت في جميع أرجاء المنزل وأيضا لم تجده ، وقفت بمنتصف الردهة تمرر نظراتها عليه كـ طفلة تائهة أضاعت سبيلها ، وكأن الكون بات خالياً من اي أصوات سوي صوت نبضات قلبها التي تزداد عنقا وقسوة .
إذا لماذا أخبرها يحبي بمكوته في المنزل طيلة الليل ، ماذا يقصد بالمنزل إن لم يكن هنا . أين مكت طيلة الليل إن لم ينام هنا علي فراشه . من غفي بجانبه إن لم تكن هي موجودة 15
اشتعلت نيران الغيرة في قلبها . أيعقل أنه بات طيلة الليل بجانب عروسه الجديدة ، أيعقل أنه حدث شئ آخر بينهم . لم تشعر بقدميها التي هرولت مسرعة إلى الاعلى وطرقت الباب بعنف .
انتفضت عنود بذعر أثر صوت الطرقات هرولت مسرعة نحو الباب لكنها توقفت فجاءة عندما تذكرت ما حدث لها بالأمس ، أخذت زميراً عميقاً وتراجعت للخلف بضعة خطوات حتى ارتطمت بجسد صلب خلفها ، التفتت بجسدها وتفاجئت به يقف أمامها ، ابتعلت ريقها بخجل ثم ابتعدت من أمامه وركضت مهرولة الى الغرفة بينما توجه ريان الي الباب وقام بفتحه ليتفاجئ به دينا تقف أمامه والشرار ينطق من عينيها .
انت رميتي عند اهلي وحضرتك قاعد هناا
صاحت بيهم دينا بعصبية فائقة لم يعتادها زيان من قبل بينما أمسك زيان رأسه بقوة يمنع ذلك الألم الشديد الذي يعتلي رأسه .
انت كمان مش طايق تسمع صوتي ؟
هتفت بهم دينا بحنق عندما رأته يوصد عينيه بينما صاح بها ريان قائلا :
ششششش مش قادر اسمع حاجة اسكتي
اتسعت حدقتي دينا بصدمة كبيرة وقالت باندفاع :-
من اول يوم يحصل كده اومال كمان اسبوع هتعمل معايا مطلقني ، بس انا مش هستني لما تيجي منك اتفضل طلقني و حالا
ضربت رنا وجهها بخفة وهي تقف في زواية تراقب ما يحدث وتمتمت قائلة ..
يخربيت غبائك جيتك عشان نخلص من الثانية مخلص منك الأول . يلا مش مهم المهم اخلص من حد فيكم ..
ابتسمت رنا بخبث بينما انهار زيان تماماً وصاح بدينا هدراً :-
ششششش قولتلك اسكتي ، أن مش قادر
زاد من ضغط يديه علي رأسه لكي يمنع الألم الذي ازداد أضعافاً بسبب صوتها المرتفع أمامه . صعد يحيي علي صوته الذي صدح
في الدرج ، وتسائل بتوجس :-
في ايه يا زبان مالك ؟
مش قادر مش قادر خليها تسكت
هتف بهم زيان وهو يولج الى الداخل يتعب شديد أسرع يحيي خلفه ومن ثم تبعته دينا التي بدى لها الأمرى لعبة حتى يقر منها .
وقفت بمنتصف الردهة ترمق كل أنش وزواية التي أعدت من أجل تلك الفتاة .
بينما تسللت رنا الي الداخل دون أن يشعر بها أحد وكادت أن تنفجر باكية على حالة ريان المزرية للغاية ، لم تستطيع تحمل رؤيته يتألم أمامها بل ينازع من شدة الألم البادي عليه كما أنها لن تغادر قبل أن تطمئن عليه ، لم يكن أمامها سوي الانتظار مكانها ،
من الصعب أن تتألم روحك التي ليست من هي حقك وتقف تتأملها وهي على بعد خطوات بسيطة منك . ولا تستطيع التحرك تحوه ومساعدته وأيضاً لا يكن بمقدروك الهروب قبل تطمئن قلبك عليها
دلفت عنود الي الخارج بعد أن ارتدت كامل ثيابها على أثر صوتهم ، لم تفهم شئ من همهماتهم المتداخلة فأسرعت نحوهم لكي تعلم ماذا يحدث .
تنهدت ثم تسائلت بارتباك لحالة زيان :-
في ايه ؟
التفت إليها يحيي قائلا بذعر ريم علي تعابير وجهه ...
مش عارف
اقتربت منه عنود وقد شعرت لوهلة بكلتي يديها كأنهما معقودتين من حالته المتدهورة . ابتلعت ريقها وهتفت وهي تطالع زيان بخوف شديد :
اطلب دكتور بسرعة
مرر يحيي انظاره بينها وبين ريان ثم هرول الى الخارج لكي يحضر طبيباً بأقصى سرعة بينما اقتربت منه عنود وهي تطالعه بشفقه لحالته التي لا تعلم سببها لكنها تشعر فقط بذاك الألم الذي راودها منذ أن رأته علي تلك الحالة .
مرت دقائق معدودة وقد عاد يحيي برفقة الطبيب الذي قام بعمله وفحص زيان بعملية ثم نهض ونظر إلي يحيي مباشرة وأردف بهدوء ..
معلم ريان ضغطه كان عالي جداً فوق معدل الطبيعي وده خطر ومينفعش يتكرر ثاني عموماً الحقنة اللي خدها نزلت الضغط لحالته الطبيعية بس لازم متابعة كل مدة على مدار اليوم نطمن على معدل الضغط ولو حصل حاجة كلمني على طول
أماء يحيي رأسه يحزن وردد ممتناً له :-
شكراً يا دكتور
رافق يحيي الطبيب عند مغادرته، بينما اقتربت منه دينا وجلست بجواره بعد أن رمقت عنود بنظرات احتقارية ثم عادت بنظرها إلى
ربان وأردفت بندم :-
كنت فكراك بتعمل كده عشان تتهرب مني
لم يرفع زبان بصره اليها بل ولم يكترث لما قالته فهو لا يتحمل هرائاتها السخيفة الآن ، يشعر بتعب ، بإرهاق شديد ويريد فقط بعض الوقت لكي يستجمع نفسه ثم يغادر هذا المنزل بجدالاته التي لا تنتهي .
استشاطت دينا غيظاً عندما لم يجيبها وضاحت به قائلة بهجوم ..
انت برده مش هترد عليا ، أنا غلطانة أصلاً اني رجعت
نهضت دينا بتدمر وسحبت حقيبتها قاصدة المغادرة بينما نهض زيان هو الآخر بعد أن رمقها بنظرات مشتعلة معانقة لـ للوم تم توجه نحو الباب يخطي ثقيلة ودلف إلى الخارج وطرق الباب يعنف وهيط الى الأسفل سريعاً هارباً من كل شئ .
سحق يحيي أسنانه بغضب ثم نظر إلى دينا وصاح بها ...
مكننيش قادرة تسيبي زعلك علي جنب شوية لما يفوق ويكون كويس
رمقته دينا بنظرات مشتعلة ممزوجة بالذهول لاسلوبه القط معها التي تتعامل معه لأول مرة :-
انت بتكلمني أنا كده ازاي ؟ وبعدين أخوك اهو نزل الشغل يعني بقي كويس الدور والباقي عليا اللي مسألش فيا وهو عارف اني ماشية ثاني ده حتي مفكرش يسأل أنا جابة ليه ولا حتي حسبها جميلة عليه
رمقها يحيي شزراً ثم صاح مندفعاً بها ...
هو مشي عشان الكلام اللي مش في وقته خالص انتي مش شيفاه ماشي عامل ازاي وبعدين جميل ايه اللي انتي بتتكلمي عنه ده حقه أنه يتجوز أربعة علي فكرة يعني اللي عمله ده لا حرام ولا غلط ومش من حقه ياخد رأيك كمان وانتي لو مش قابلة الوضع هو
ملوش دعوة انتي حرة تقبلي أو لا إنما أنا مش مسمح أن أخويا يتعب بسبب واحدة فيكم
انهي يحيي حديثه ثم دلف للخارج بخطي سريعة مندفعة ثم طرق الباب يعنف هو الآخر وأسرع خلف ريان لكي لا يتركه وحده ، بينما
طنت دينا انه يقصدها هي وتلك الفتاة لا تعلم أنه يقصد تلك العقرية رنا ...
تنهدت يضيق واقتربت من عنود التي تراجعت عدة خطوات للخلف وضاحت بها :-
انتي مبسوطة وانتي خارية بيتي كده ؟ أكيد يعني مش هيهمك حاجة واحدة خطافة رجالة زيك هيفرق معاها بيت يتخرب ولا بنت تتحرم من ابوها ولا زوجة تطلق من جوزها ، منك لله مش مسمحاكي ويارب زي ما اتجوزك عليا يتجوز عليكي عشان تعرفي القهرة اللي على حق
وضعت عنود كلتي يديها على فمها بصدمة لحديثها اللاذع معها ناهيك عن دعواتها التي ليس لها صحة من الأساس لتدعوها . حاولت كتم بكائها لكنها فشلت في هرولت مسرعة إلى الداخل وارتمت على الفراش بإهمال ودعت العنان لدموعها في الإنطلاق واجهشت باكية بمرارة مؤلمة .
بينما أمسكت دينا بيد صغيرتها وغادرت المكان سريعاً .
وقفت رنا في منتصف الردهة ورمفتها ببعض وحقد . هي الأحق أن تعيش فيها وليست تلك الفتاة هي من لها أحقية الزواج من ريان وليست هي ، هي من أحبته بصدق وعلى أتم الاستعداد لـ تلبية مطالبه كرجل وكزوج وكحبيب .
تنهدت بحرارة ثم غادرت قبل أن تنهار بين يدي الفتاة التي سرقت وبكل سهولة من خططت لأعوام في الإقتراب منه
تقابلنا دينا وهاجر في مدخل البناية . توقفت كليهما وبعد نظرات طالت لدقائق أردفت دينا قائلة بحدة ...
كويس إنك جيتي عشان تشوفي الطفلة التي اخوكي عاملها مراته
اتسعت مقلتي هاجر بصدمة لقد أكدت دينا ما أخبرها به زوجها ، فلقد كذبت أذنيها وجاءت لتتأكد من صحة الخبر وها هي قد أكدته لها ، لم تعلم ما عليها فعله في مثل هذا النوع من المواقف ، هل لها أن تواسيها ما على فعله أخيها أم تقف بجانب أخيها ، لا تدري ما عليها فعله حقا في تلك اللحظة
تنهدت بخرج وأردفت بتلعثم ..
طيب اهدي علي الأقل انتي عارفة زيان. أكيد مش هيعمل كده غير بسبب وسبب كبير جدا ده ريان روحه فيكم هو أنا اللي هقولك
برده با دینا !
قهقهت دينا بسخرية ثم أردفت بتهكم ...
أه أخوكي اللي كان بابت معاها طول الليل وأول لما شافني سابني ومشي . اه فعلا روحو فينا سلام يا هاجر
غادرت دينا أسفل أنظار هاجر المسلطة عليها وما أن اختفي طيفها توجهت إلى الداخل وصعدت إلى الأعلى لتعلم حقيقة الأمر
استقبلتها رنا بفتور شديد وقالت بحفاوة متصنعة ..
نورتي يا هاجر
ابتسمت هاجر بتهكم واجابتها بنبرة سريعة :-
تسلمي ، بابا موجود ؟
رفعت رنا بصرها للاعلى وهتفت مستاءة :-
هو بيخرج من هنا أصلا ، قاعد في أوضته
رفقتها هاجر بنظرات تحمل اللوم علي جرأتها في التقليل من شأن والدها ثم توجهت نحو غرفته سريعاً ، طرقت الباب وولجت الي الداخل عندما سمح لها . اقتربت منه وقبلته من وجنتيه ثم جلست بالجهة المقابلة له على الفراش وترددت في الحديث لكنه أسرع هو متسائلاً ..
عايزة تقولي ايه يا هاجر ؟
تنهدت هاجر بضيق ثم بدأت حديثها مباشرة ...
هو ريان ليه يعمل كده يا بابا الموضوع مكنش مستاهل أنه يتجوز على دينا ، كان ممكن يساعد البنت دي وخلاص بس كده حياته باظت خالص والله أعلم هتتصلح ولا لا . هو أكيد حر في تصرفاته بس دينا طيبة ومتستاهلش أنه يتجوز عليها دي كفاية أن كل حاجة
علي راسها ومش بتتكلم واحدة غيرها مكنتش رضت بكده ده كفاية معاملة رنا ليها ولسه مستحملة ومش بتشتكي
شهيق وزفير فعل ماهر وهتف بنبرة متريثة :-
ربك بيسبب الأسباب يا هاجر يا بنتي يعني دي حكمته ، حكمته أن اخوكي يتعصب في الوقت ده ومفيش حاجة تيجي علي باله غير أنه يتجوزها .
رمقت هاجر والدها بذهول واردفت بعدم تصديق ...
يعني انت يا بابا موافق على اللي عمله ده ؟
اجابها ماهر بهدوء :-
أنا مين يا بنتي عشان اوافق ولا موافقش ؟
تنهدت هاجر بحرارة ثم تابعت حديثها مضيفة بعدم اقتناع .. انت أبوه يعني المفروض كنت توقف الجوازة دي قبل ما تحصل وتخرب عليه
ابتسم ماهر لسذاجتها المفرطة وأردف موضحاً ...
زبان مش صغير يا هاجر ريان كبر قبل أوانه وبقا رجل يعتمد عليه وقرارته طلاما لحياته سواء صح او غلط فهي لنفسه هو موافق يتحمل نتيجتها زي ما اتحمل مسئولية وعبى كبير فوق كثافة ومحدش ساعده ولا حس بيه مينفعش أنا أجي بعد كل ده وامنعه عن قرار اخده مش هتكون لكلمتي معني، وبعدين مينفعش أصغره قدام كل اللي واقف كأنه عيل صغير بياخد أوامر من أبوه . محدش عارف الخير فين يا هاجر يمكن الخير فيها يا بنتي وأحنا مش عارفين )
اتسعت مقلتي هاجر بصدمة جلية انعكست على تعابير وجهها لحديث والدها الذي لم يروق لها بالمرة ونهضت ثم قالت مندفعة :-الخير فيها ازاي يا بابا أنا مش قادرة أصدق كلامك بصراحة
اتسعت ابتسامة ماهر وأردف بتريت ..
هو اخوكي مبسوط في حياته ؟
قطبت هاجر حبيتها وتسائلت بقرابة :-
ايه السؤال الغريب ده بس يعني مش هيكون مبسوط ليه عنده بيت وعيلة ومش ناقصه حاجة وهو عمره ما اشتكي ولا حد حس بعكس كده
تتعد ماهر بضيق عارم وقال بحزن ...
يبقي متعرفيش اخوكي يا هاجر انتوا اخدين بالظاهر بس شايفينه مستقر مادياً وعنده زوجة وبنت هيحتاج ايه ثاني بس اخوكي محتاج وناقصه كتير اوي اخوكي عكس ما انتوا فاكرينا
عادت هاجر لجلستها وقالت متسائلة بفضول :-
ناقصه ايه ؟
واصل ماهر حديثه مضيفاً بعدما أخذ زفيراً وقال :-
ناقصه حنية يمكن هو نفسه مش شايف انه محتاج لحاجة بس انا عارف ومتأكد
لم تقتنع أيضا بحديث والدها وجادلته قائلة :-
عارف منين يا بابا وانت بنفسك بتقول انه هو مش شايف أنه ناقصه حاجة
ربت ماهر على يديها الموضوعة على الفراش وأجابها برزانة :-
نبرة صوتك وانتي بتتكلمي بيبقي باين فيها الراحة والرضا وأنك مبسوطة حتى اخوكي هاني رغم ان مراته مطلعة عينه بس نبرته ديما فيها امل وحيوية عكس خالص زيان نبرته جامدة وأسلوبه خشن وشديد أنا كنت فاكر أنه من ضغط الشغل والمسؤولية عليه. بس اكتشفت اني غلط وانه السبب الأساسي أنه مش مرتاح في بيته مش شرط عشان مراته كويسة المفروض عليه أنه يكون مبسوط ، أنا علي طول بسمع هاني مع مراته وهو بيدلع عليها وبسمعك وانتي بتضحكي مع علي جوزك واسلوبكم مع بعض سهل ولين ومفيش فيه تكلف خالص ، أنا عمري ما سمعت ريان بيتكلم مع دينا بسهولة ولا حتى بيضحك علي حاجة معاها ديماً جامد وبيتكلم بأسلوب عمل وده بيأكد أن ده روتيتهم وحياتهم حتى مع بعض . أنا فاكر لما كنت اتخانق مع امك الله يرحمها كان يومي بيتقفل وكل حاجة بتكون ثقيلة عليا لحد ما تتصافي وترجع كويسين مع بعض كانت كل حاجة بتمشي بسهولة . البيت أساس الحياة لو مكنش فيه دلع وحتية بعيد عن المسؤولية بينتج عنه شخص جامد مش شايف احتياجه ولا شايف حقوق نفسه أصلا عشان كده بقولك اخوكي ناقصه كتير ويمكن يكون الخير فيها الله أعلم لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا
شعرت هاجر لوهلة بالندم خيال أخيها بسبب سوء ظنها به ايعقل أنه يعاني في صمت لدرجة أنه لا يشعر به . تنهدت بضيق ثم
قالت بقلة حيلة :-
طيب أنا في أيدي ايه اعمله يا بابا عشان اساعده زبان غالي عندي ومش حابة أشوف حياته بتتخرب وانا واقفة الفرج كده
التوي تغر ماهر بسعادة وقال مرحباً :-
متعمليش حاجة ادعيله مش اكثر بس انا طالب منك طلب اطلعي اطمني على الغلبانة اللي فوق دي يحيى قالي آنها نرفت كثير
من راسها والله أعلم حالتها ايه وهي لوحدها.
لم يروق لها طلب والدها لكن ليس بيدها ما تفعله سوي تلبيته، نهضت ثم قالت على مضض :-
حاضر رغم أنه صعب عليا بس هحاول ...
اتسعي ثغره بإبتسامة عريضة وأردف بإمتنان :-
ربنا يبارك فيكي يا بنتي
