![]() |
رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني ( هل من سبيل للغفران) الفصل الثاني عشر بقلم نورهان ال عشري
أحيانًا تُباغتنا الحياة و تضعنا في مواقف قد لا نجرؤ على تخيلها أو التنبؤ بها، فيجد للإنسان نفسه مُجبرًا على الاختيار و اتخاذ قرارات مصيرية من شأنها أن تقلب ميزان حياته. فهناك لحظات حاسمة قد لا تكون صاخبة أو مليئة بالأحداث بل أنها قد تأتي في صمتٍ خانق حين تضيق الدائرة، فلم يعُد هناك مجال للمراوغة أو البقاء في تلك المنطقة الرمادية التي تجمع الضدين معًا، فالقدر أحيانًا يرفض الحياد رفضًا قاطعًا، أو لنقل أن الحياة قد تمل من الانتظار، فلم يعد الصمت قرارًا قابلًا للتنفيذ، والمراوغة تُعد خيانة، والتخاذُل عذاب أبدي.
ولكن. ماذا لو أن هذا الاختيار يسير باتجاه مُغاير عكس ذلك الذي سارت عليه الحياة لسنوات! ليس لأجل العناد فحسب، ولا من باب التمرد! بل إنه استجابة لتوسل صامت يرتجف القلب لأنينه، فليس المنطق هو صاحب السيادة دائمًا على قراراتنا، فهناك قرارات لا تُقاس بمدى منطقيتها بل بقدرتها على إبقاء الروح على قيد الحياة.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ والله زمان. أخيرًا اتچمعتوا يا وتايدة!
هكذا تحدث رحيم الذي وصل من الصعيد منذ عدة ساعات لحضور خطبة عمر، و هاهو يجتمع مع أولاد عمومته بعد وقتٍ طويل.
ـ البركة في العريس!
هكذا قال خالد بتهكم وهو ينظر إلى عمر الذي كان يجلس شاردًا ليجذب انتباهه حديث خالد و لهجته الساخرة مما جعله يقول بسخط:
ـ يالا عدوا الجمايل.
كمال بسخرية:
ـ على آخر الزمن جه اليوم اللي يبقى ليك جميلة علينا!
هتف ياسر مازحًا:
ـ شوف ياخي يوضع سره في أهيف خلقه.
عمر بتحذير:
ـ بلاش أنت بدل ما اعملك أنا قفلة.
تدخل يزيد مازحًا:
ـ أوبا تخيلوا ياسر و عمر يدخلوا لبعض جولة مصارعة! أهي دي بقى اللي يتقال عليها مصارعة التيران بحق و حقيقي.
رمق خالد عمر شذرًا قبل أن يقول بجفاء ساخر:
ـ تصدق هو محتاج فعلًا بوكسين من إيد ياسر.
رحيم بمزاح:
ـ لا يا واد عمي ميصحش! احنا بردك بنعرِف في الأصول. خلينا نخرشمه بس بعد ما تخلوص الحفلة.
قهقه الرجال على حديثه ماعدا عمر الساخط على كل ما يحدُث ليتدخل يزيد بمرح:
ـ اسمعوا مني أنا بقول نخلص دلوقتي و نلحق بنت الحلال دي قبل ما تدبس فيه..
عمر بنبرة مُغترة:
ـ والله يا خفيف لو روحتلها برجل واحدة هي قابلة.
ياسر بسخرية:
ـ ليه أن شاء الله ؟
عمر بثقة:
ـ عشان بتحبني طبعًا.
كانت هناك نظرات ذات مغزى متبادلة بين كُلًا من خالد و ياسر الذي قال بتخابُث:
ـ طب أفرض جتلك هي برجل واحدة هتقبل بيها بردو!
توقف عمر أمام هذا السؤال قليلًا، فلم يجد بداخله إجابة تصلح للإفصاح عنها، ولكنه كان مُجبر على الإجابة فكل العيون منصبه فوقه ليقول بنبرة لا مُبالية:
ـ و أنا ليه اتجوز واحدة برجل واحدة؟! ليه اتجوز واحدة متكونش بيرفيكت في كل حاجة!
التفت خالد يناظره بتمعُن قبل أن يقول باستفهام:
ـ قولي يا عمر طيب لو اتجوزتها وهي مفيهاش غلطة و بعد كدا حصلها حادثة لا قدر الله اتشوهت و مبقتش بيرفيكت زي ما اتجوزتها هتسيبها! ولا هتكمل معاها؟!
رفع رأسه يطالع خالد بحيرة لونت نظراته، ولأول مرة يرى الأمر من هذه النقطة. ماذا سيفعل أن حدث مع شاهي هذا الأمر! هل سيتقبلها أم سيرفضها؟! و فجأة لاحت صورتها أمام عينيه فدق قلبه بقوة وهو يتذكر تلك الأيام التي كانت ساقها مكسورة وكيف كان يتمنى لو يبقى جالسًا بجانبها طوال الوقت. يخشى أن يتركها فتتأذى أو تضطر لمواجهة والدته وهي في موقف ضعف لا تستطِع الحركة. يتذكر كم كان السهر إلى جانبها أمرًا رائعًا، وكم كان احتياجها له يجعل النشوة تسري في أوردته، والحقيقة أن كل شيء معها كان مختلف و جميل.
ـ كل دا تفكير! يخربيتك دانت المادة الخام للوطينة!
هكذا تحدث ياسر ليشعر خالد بأن الغضب بدأ يتشعب بداخله من هذا الطائش الذي لا يعرف خطورة ماهو مُقبِل عليه ليُحاول تصحيح مسار تفكيره حي أعاد استفهامه ولكن هذه المرة وجهه إلى ياسر:
ـ طب و أنت يا ياسر. بعد الشر عن غنى طبعًا ممكن تسيبها لو حصلها اي ظرف!
ياسر باستنكار:
ـ لا طبعًا. دانا أشيلها على راسي و في عنيا العمر كله. هو في زي غنى؟! ولا أنا لو لفيت الدنيا بحالها ألاقي ضافرها!
يزيد بتهكم:
ـ أيه يا وحش! دي الغُريبة. الحتة الطرية يعني..
قهقه الجميع على حديثه ليقول ياسر بجدية:
ـ مش فكرة كدا. بس أن الإنسان يلاقي نصه التاني دي مش حاجة سهلة، و مش كل انسان في الدنيا دي محظوظ عشان يلاقي الشخص اللي يكمله. و يحس بالراحة جنبه.
تهكم عمر قائلًا:
ـ أنت اللي بتقول كدا! دا احنا قعدنا ليلة بحالها نقنعك تروح تتقدملها.
ياسر بتوضيح:
ـ أنا كانت ظروفي غير، وكان كبريائي مانعني، و واقف بيني و بينها، وبصراحة أنا مش هقدر انسالك الموضوع دا، وانك قدرت تقنعني وقتها. لو مكنتش اتجوزت غنى مكنتش عارف الأيام هتعدي عليا عاملة ازاي!
التفت خالد ناظرًا إلى رحيم الذي شعر بخطبٍ ما يحدُث لذا قال بنبرته الغليظة:
ـ مشكلتنا يا واد عمي أننا بنفكِر أن الحب ده عيبة، و بنتنكرو منيه، على الرغم أن الراچل منينا مهما بلغت قوته و چبروته محتاچ أنه يروح آخر الليل يلاجى الونس و الصدر الحنين اللي يرمي فيه كل همومه.
كان كمال ينظر إلى الجميع ويشعر بأن للكلمات أسنان مُدببة تُغرز بقلبه و توقظ جميع آلامه دفعةٍ واحدة لذا اختار الصمت، ليُتابع خالد الحديث من حيث وقف رحيم قائلًا:
ـ فعلًا عندك حق. مهما كان الراجل قوي و عنده سلطة و نفوذ بيحتاج لست تقف جنبه و تهون عليه. تكونله سكن و سكينة. دا ربنا لما خلق سيدنا آدم " عليه السلام" خلقله ستنا حوا عشان تكون ونيسه.
كان الحديث كأسهم اتهام تتوجه إلى عقله المتمرد مما جعله يقول ساخطًا:
ـ أيه يا وتايدة كلكوا بقيتوا عشاق على كبر!
صاح يزيد مازحًا:
ـ لا كله كوم ولا الوحش بتاعنا. اللي الناس كلها كانت تشوفه ماشي في طريق تلف من الطريق التاني دلوقتي بيتكلم عن الحب!
خالد مُحذرًا:
ـ خلي بالك أن الوحش بردو لسه الناس بتترعب منه. يعني لم لسانك الطويل دا وخاف على رقبتك.
يزيد بخوف ظاهري:
ـ يا كينج دا انت تقول اللي أنت عايزه، واحنا تقول سمعًا و طاعة. الحب الحب. الشوق الشوق.
تعالت الضحكات ليهتف عمر بجدية:
ـ بصراحة أنا مستغربكوا. الحب دا أكتر شيء في الدنيا بيضعف الإنسان.
قاطعه ياسر موضحًا:
ـ الإنسان الضعيف ضعيف بالحب أو من غيره.
عمر بحدة:
ـ لا معلش بقى. يعني أنت عايز تقنعني انك بسبب غنى متنازلتش على حاجات كتير! و على فكرة قبل ما تجاوب التنازل دا نوع من أنواع الضعف.
ياسر بنبرة ذات مغزى:
ـ انك تتنازل بإرادتك عن اي شيء عشان تكون مع الشخص اللي بتحبه دا منتهى القوة. انك تختار و تقف على أرض صلبة دا في حد ذاته قوة.
عمر باستنكار:
ـ ازاي يا فيلسوف عصرك و أوانك!!
ياسر بتوضيح:
ـ أنا لما سبت كل حاجة و خدت غنى و مشيت محدش جبرني اعمل دا. أنا اللي اختارت. اختارت كرامتي و كرامة مراتي و مشيت. و على فكرة انا ولا لحظة ندمت اني عملت كدا. لأن فعلًا وجودها بيغنيني عن حاجات كتير اوي. و أصلًا انا لما كان عندي الحاجات دي لا كنت مبسوط ولا سعيد زي مانا مبسوط و مرتاح وانا معاها.
دارت الكلمات برأسه قبل أن يقول بجفاء:
ـ المشكلة مش فينا. المشكلة في الستات أنهم لما بيشوفوا الحب في عنينا يبدؤا يتحولوا، و بيكون دا سلاح في إيدهم ضدنا.
تدخل رحيم قائلاً بفظاظة:
ـ صوح. كلام زين، بس الراچل بجى هو اللي بيده بيحط النقط على الحروف. دلع زي ما تحب لكن وقت الچد. كلمتك توبجى سيف على رجبتها. هي بجى عرفت تمشيك يوبجى العيب فيك أنت لا فيها ولا في الحب.
كان خالد يوميء برأسه بالموافقة وعلى ملامحه ابتسامة هادئة بألف حديث، وكأنه في تحدٍ غير مباشر مع عمر ليستغل ياسر الموقف ويقول:
ـ على فكرة انا و غنى زعلانين، وانا عارف اني قرصت عليها و جيت عليها شويتين، بس انا عملت كدا عشان أفرملها وأردها عن الغلط. بالرغم من أني عارف أنه كان غصب عنها لكن في وقت من الأوقات لازم أكون حازم معاها.
عمر بسخرية:
ـ يا جماعة أنتوا بتتكلموا عن الستات. دول ملهمش كتالوج. أن كيداهن عظيم. محدش يأمن مكرهم ولا تفكيرهم. الست من دول تبقى بتمثل دور الزوجة المطيعة وهي ممشية جوزها على العجين ميلخبطوش.
ياسر بجفاء:
ـ هو أنت يا ابني بتفهم منين؟! بنقولك كله من الراجل. مش معنى انك بتقدر مراتك و بتحترمها أنها تبقى ممشياك على العجين. دا تفكير غبي.
يزيد ساخرًا:
ـ و حمار كمان.
تجاهل ياسر حديث يزيد و تابع موضحًا:
ـ طب استني. حصل موقف أول ما رجعت في المستشفى ما بين غنى و هيام، و حق الله هيام هانت غنى و أهلها. و غنى انفعلت وردت عليها. وقتها انا طلبت من غنى تعتذر لهيام..
عمر ساخرًا:
ـ و رفضت طبعًا!
ياسر باختصار:
ـ لا..
عمر يتهكم:
ـ يبقى عيطت عشان تصعب عليك.
ياسر بنفي:
ـ لا بردو. غنى اعتذرت لهيام قدام والدتها و خالتها، مع العلم انها قبل ما تعتذر والدتها قالتها ادي اللي سبتينا عشانه بيدوس عليكِ. لكن غنى مسمعتلهاش و اعتذرت لهيام قدام الكل.
ناظره عمر بصدمة ليُكمل ياسر بنبرة ذات مغزى:
ـ وقتها روحت بوست راسها و اعتذرتلها كمان و رديت اعتبارها هي و أهلها. كدا انا ابقى واحد مراتي ممشياني! ولا راجل مراتي قدرتني و اشترتني وأنا بردو قدرتها و احترمتها! ابقى انهي فيهم من وجهة نظر ؟!
تدخل خالد بفخر:
ـ تبقى ريس بحق و حقيقي.
هتف رحيم يؤيده:
ـ راچل يا ياسر طول عمرك. وتيدي على أبوه.
ناظرهم عمر بضياع وهو يشعر بأن رأسه يكاد ينفجر من كثرة تزاحم الأفكار به. لا يعرف الصواب. من الخطأ! فكل هؤلاء الرجال هو يعتبرهم رموز للقوة و الجبروت، و جميعهم يعترفون بالحب ولا يتنصلون منه. وقد كان هذا الأمر مُحيرًا كثيرًا بالنسبة إليه. لينتشله من ضجيج افكاره صوت يزيد الذي هتف مُستفهمًا:
ـ طب انت يا وحش أيه رأيك في الحب هل انت مع رأي عبد الحليم حافظ دا " أشار إلى ياسر" ولا مع فريد الأطرش دا" كان يشير إلى رحيم" ولا مع الذئب البشري صلاح ذو الفقار دا؟!
كان يُشير إلى عمر ليبتسم خالد قبل أن يقول بنبرة خشنة:
ـ كل واحد بيشوف الموضوع من منظوره و بيحكم عليه من خلال تجربته، لكن عمومًا الحب دا نعمة من نعم ربنا مش كل الناس محظوظة أنها تقابله، والإنسان اللي بيعتبر الحب ضعف دا معندوش ثقة في نفسه.
تدخل عمر مُستفهمًا بلهجة حادة بعض الشيء:
ـ طب ولو كان الحب دا مش مناسب بالنسبة ليه؟
يعلم أنه سيكون قاسيًا في إجابته ولكن القسوة أحيانًا تجعل الإنسان يستيقظ من غفوته لذا قال بلهجة جافة:
ـ المناسب دا بيختلف على حسب معايير كل واحد. لكن في المطلق إن الراجل اللي عنده ثقة في نفسه مش محتاج من مراته غير أنها تكون ست بجد تملى عينه وقلبه. لأنه مش محتاج إضافة منها ليه.
توسعت عيني عمر من حديث خالد الذي تابع بنبرة قوية:
ـ مش شرط بقى أني عشان دكتور فأروح اتجوز دكتورة وإلا متبقاش مناسبة ليا. ما أنت آخر الليل مش هتاخد البالطو بتاعها في حضنك وانت نايم. صح ولا أيه؟
عمر باستهجان:
ـ أيه يعني الدكاترة ميتحبوش!
خالد بجفاء:
ـ يتحبوا بس يتحبوا عشان شخصهم مش عشان مؤهل، ولا عشان عيلة ولا رصيد في البنك. الحب المشروط دا ميبقاش حب.
كانت الكلمات كأحجار ثقيلة تستقر في قلبه الذي كان يئن من فرط الألم و العجز أمام جبروت هذا العقل المُتحجر و الذي جعله يقول مُعاندًا:
ـ على فكرة الحب مش شرط عشان الانسان يعيش يعني. في ناس بتعيش عمرها كله من غير حب و عادي..
خالد مؤيدًا:
ـ صح. مفيش حد بيموت من غير الحب. بس مفيش حد سعيد من غير حب.
شعر بأنه لم يعُد يطيق هذا الحديث لذا قرر الانسحاب حتى يستطِع الاختلاء بنفسه ليصل إلى نقطة تفاهم بين قلبه المؤيد لهذا الحديث و بين عقله الناقم عليه، فاستأذن منهم باختصار دون النظر إلى أيًا منهما و خاصةً خالد، ولكن استوقفه يزيد الذي أخذ هاتفه و توجه إلى الناحية الآخرى
لينظر إليه عمر وهو يحاول تجاهل هذه الرغبة المُلحة التي تولدت بداخله ولكنه في النهاية رضخ لها و توجه إلى يزيد الذي أغلق الهاتف وهو ينظر إليه قائلًا باستفهام ساخر:
ـ قومت ليه؟ الوتايدة حطوا عليك ولا أي؟
عمر بحنق:
ـ حط عليك قطر ياله وريحني منك. أنت ايه لسانك دا مبرد!
يزيد بتهكم:
ـ أنا لساني مبرد و أنت إيدك مرزبة كدا متعادلين.
زفر عمر حانقًا، فهتف يزيد مُستفهمًا:
ـ مالك يا عمر!
عمر بنفاذ صبر:
ـ عايز منك خدمة من غير ما تتحفني بكلامك اللي شبه وشك.
ضيق يزيد عينيه قبل أن يقول ساخطًا:
ـ حتى حقي في التنمر عليكوا عايز تحرمني منه! اطلب يا سيدي.
عمر بتوتر بسيط:
ـ أنت بتتواصل مع جميلة؟!
يزيد بترقب:
ـ على حسب بتسأل ليه؟
عمر بغيظ:
ـ اتنيل رد..
يزيد بملل:
ـ أحيانًا..
عمر بلهفة غير مقصودة:
ـ يعني معاك رقمها!
ـ أيوا؟!
عمر بلهجة آمرة:
ـ طب اتصل عليها، واعرف منها شروق رجعت ولا لا؟
لمعت عيني يزيد بالخُبث الذي لاحظه عمر مما جعله يهتف مُحذرًا:
ـ لو سمعت حرف تريقة و لااستظراف هطرملك سنانك.
زفر يزيد بحنق قبل أن يقوم بالإتصال بجميلة التي كانت تدرس ليرن هاتفها فإذا بها تجد اسم يزيد مما جعلها تتحمحم قبل أن تُجيب بنبرة رقيقة:
ـ آلوو.
يزيد بغزل متناسيًا وجود عمر:
ـ أحلى آلوو في الدنيا كلها.
لكزه عمر في كتفه وهو يناظره بتحذير ليهتف يزيد مُغيرًا حديثه:
ـ أيه يا بت أنتِ آلو دي ما تنشفي شوية..
جميلة باستنكار:
ـ نعم! انت بتكلم مين؟!
يزيد بارتباك:
ـ بكلمك هكون بكلم خيالك!
جميلة بسخط:
ـ هو أنت عبيط ولا شكلك كدا! أنت متصل تتخانق معايا..
شعر يزيد بالغضب من هذا الضخم الذي سيتسبب بإفساد العلاقة التي لم تبدأ بعد لذا حاول جعل الأمر يبدو مُزاحًا حين قال:
ـ بهزر يا جميلة. أيه مبتهزريش؟!
جميلة بحدة:
ـ هزارك شبة وشك و دمك يلطش.
اغتاظ من حديثها ليضغط على كاتم الصوت ثم التفت إلى عمر قائلًا بحنق:
ـ الهي لا يكسبك ولا يربحك يا عمر يا ابن نبيلة. تفضل واقف في الأوف سايد كدا عمرك كله..
زجره عمر بعُنف ليقوم يزيد بإعادة الصوت وهو يقول بتلعثُم:
ـ و أنتِ عاملة أي! و شروق أختك ألا هي رجعت من السفر ولا لسه؟؟
برقت عيني عمر من غباء هذا المعتوه الذي طلب منه أن يستفهم بصورة غامضة وها هو يفسد الأمر، وفي هذه الأثناء سمعت شروق صوت سيارة في الأسفل لتهتف بلهفة:
ـ استنى كدا شكلها وصلت.
يزيد باستفهام:
ـ دا بجد وصلت!
فتحت جميلة باب الشرفة لتجد سيارة راجي التي توقفت أمام باب العمارة لتهتف بلهفة:
ـ أيوا وصلت عربية مستر راجي تحت اهي سلام أنت دلوقتي.
أغلقت الهاتف في وجهه ليلتفت إلى عمر قائلًا بتشفي:
ـ لسه جايه حالًا بعربية مستر راجي.
عض عمر على شفتيه بغيظ، وهو يتمنى زوال هذا المخلوق من الوجود، وقد استعرت نيران الغيرة في صدره مما جعله يتوجه الى سيارته يقودها غير عابيء بنداءات يزيد المتكررة…
اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك♥️
★★★★★★★★
ـ اللي سمعتيه يا سوزي. جيت اسمعه الفويس ملقتهوش على التليفون.
هكذا تحدثت أشجان على الهاتف وهي تروي لسوزي ما حدث لتقول الأخيرة بصدمة:
ـ أشجان أنتِ بتقولي ايه؟ ازاي يعني ملقتيهوش! أنتِ متأكدة أن الموبايل سجل أصلًا؟!
أشجان بتعب:
ـ متأكدة و سمعت التسجيل بنفسي وبعدين اتصلت على خالد قولتله أنا جيالك، وحطيت الموبايل على الشاحن ودخلت خدت شاور و طلعت لبست و روحتله بدور على التسجيل في التليفون ملقتهوش..
سوزان بريبة:
ـ طب خالد حس بحاجة ؟!
تذكرت أشجان ما حدث قبل عدة ساعات..
عودة إلى وقتٍ سابق:
ـ الحلو بتاعي اللي نور الشركة.
هكذا قال خالد وهو يفتح ذراعيه لاستقبالها فلبت ندائه على الفور واقتربت تعانقه بقوة وهو يبادلها العناق بأقوى منه و شفتيه تلثم جبينها بحنو قبل أن يقول بشوق:
ـ قاعد أعد في الدقايق مستنيكِ عشان تيجي تحلي اليوم الطويل اللي مش راضي يخلص دا..
ابتسامة متوترة ارتسمت على شفتيها، فقد كانت تشفق عليه كثيرًا مما تنوي إخباره به، ولكن ما باليد حيلة، فيجب أن يعلم حتى يحاول التصدي لأذى هذة المرأة.
شعر خالد بأنه هناك خطبٍ ما يحدُث معها، فقد كانت عينيها كمرآة شفافة تخبره بما يحدث داخلها ليمد يده يمرر أصابعه بحنو فوق خدها الناعم قبل أن يقول بنبرة خشنة:
ـ في كلام كتير في عنيكي الحلوة عايز اسمعه..
أشجان بصدمة:
ـ هو أنا مكشوفة أوي كدا قدامك؟!
ابتسم على صدمتها ليقول بابتسامة عذبة:
ـ مش كدا. بس أنا عاشق لعيونك الحلوين و دا بيخليني أعرف أقراهم و اعرف لو مخبيين حاجة عني.
لون الخجل ملامحها لترفرف برموشها وهي تقول بنبرة خافتة:
ـ للدرجادي!
أعطاها خالد غمزة عابثة قبل أن يقول مُغازلًا:
ـ اومال. أنا مذاكرك كويس يا حلو..
ابتسمت بخجل ليقوم خالد بجذب يدها متوجهًا إلى الأريكة التي تتوسط غرفة مكتبه ليتربع الاثنين فوقها و يبدأ هو حديثه قائلًا:
ـ عايزة تقولي أيه؟ أنا سامعك.
توقفت نظراتها عليه لثوان لا تعلم كيف تبدأ بالحديث لتختار تشغيل ذلك التسجيل أولًا، فهتفت بارتباك:
ـ استنى لحظة.
أومأ برأسه لترتجف شفتيها وهي تُتمتم بخفوت:
ـ بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم.
جذبت هاتفها بأيدٍ مُرتعِشة وهي تبحث عن هذا التسجيل الذي كان دليلها الوحيد لكشف جبروت هذه المرأة، ولكن كانت المفاجأة عظيمة حين لم تجده!
تعرق جبينها من فرط التوتر و الحيرة حين لم تجده، و أخذت الاستفهامات تتقاذف في عقلها كيف اختفى و كأنه لم يكُن موجود من الأساس!
كاد عقلها أن يُجن ليلحظ خالد حالتها فمد يده يمسك ذقنها ناظرًا إلى عينيها وهو يقول بقلق:
ـ مالك يا حبيبي؟ في ايه؟
احتارت بماذا تُجيبه لتخرج الكلمات من فمها مُرتعشة رغمًا عنها:
ـ ن. نبيلة..
تبدلت نظراته الى آخرى افزعتها كما جاءت نبرته جافة حين قال:
ـ مالها! ضايقتك ؟؟
لم تعرف بماذا تُجيبه، و كيف تخبره بما حدث، لتتوتر أكثر قبل أن تهتف بلهفة:
ـ شوية. يعني . قالتلي. قالتلي أن عمر هيخطب.
تفهم الأمر و ارتباكها بهذا الشكل إذن من أجل صديقتها لذا قام بجذبها لتستقر بين ذراعيه وهو يقول بنبرة حانية:
ـ متضايقيش نفسك، و مفيش داعي انك تتوتري. أنا متفهم انك زعلانه عشان شروق، وأنا كمان زعلان عشانها و عشانه. بس هو لازم يعرف قيمتها، ولو معرفهاش يبقى هو الخسران مش هي صدقيني.
كانت في وادٍ آخر تفكر كيف حدث ذلك؟ أنه لكارثة فهذا التسجيل لو وقع في أيدي تلك المرأة الكريهة ولو علمت بأنها أقدمت على تسجيل اعترافها حتمًا ستؤذيها وعند هذا الحد اجتاحتها موجة رعب عاتية جعلتها تدفن نفسها بين حنايا صدره تبغي الشعور بالأمان..
عودة إلى الوقت الحالي
ـ أنا هتجنن يا سوزي. محدش يعرف بموضوع التسجيل دا غيرك. مين حذفه! حاسة عقلي هيشت.
هكذا هتفت أشجان بقهر لتهتف سوزي مؤنبة:
ـ كنتِ استغليتي الموضوع و قولتيله وخلاص!
أشجان باستياء:
ـ بتقولي ايه يا سوزي ؟ هو الموضوع بالبساطة دي؟ أروح أقوله أختك قالتلي انها قتلت مراتك و ابنك؟! من غير حتى دليل واحد يخليه يقتنع؟ دا غير أنه حتى لو صدقني أنا كدا ابقى قلبت البيت حريقة، و لا عمر ولا عز هيتحملوا اتهام زي دا عليها. و نبيلة عمرها ما هتسكت و وارد تأذي خالد نفسه. لازم يكون معايا دليل يخليها متقدرش تتكلم ولا تنفي التهمة عن نفسها. ولا يخلي حد منهم يقدر يدافع عنها.
سوزي بتفكير:
ـ طيب خلينا نفكر بالعقل. لو دي نبيلة اللي عرفت انك سجلتيلها مش معقول هتكتفي بأنها تحذف التسجيل! على الأقل هتهددك أنك متعمليش دا تاني. اللي حذف التسجيل دا حد عايز الحقيقة تموت أو تتأجل!
أشجان باستفهام:
ـ تتأجل!
سوزان بتوضيح:
ـ أيوا تتأجل. حد له مصلحة أن نبيلة متتكشفش دلوقتي.
أشجان بتعب:
ـ أنتِ لخبطيني أكتر.
قطع حديثهم صوت طرق على باب غرفة أشجان التي رغمًا عنها انتفضت مكانها لتهتف بلهفة:
ـ مين؟!
أطلت نجاة من باب الغرفة وهي تقول بمرح:
ـ أني يا خزان الأحزان..
ابتسمت أشجان باطمئنان قبل أن تنهي الحديث مع سوزان وهي تهتف بترحيب:
ـ تعالي يا نوجا.
دلفت نجاة إلى الداخل لتجلس على الأريكة بجانب أشجان التي قالت بحبور:
ـ مش مصدقة انك قاعدة قدامي. وحشتيني أوي..
نجاة بسعادة:
ـ ولا أنا والله يا شوشو. حاسة كني بجالي سنين مشوفتكيش. متوحشاكي جوي أنتِ و باجي البنات..
ـ أن شاء الله لازم نتجمع كلنا وحشتني لمتنا أوي..
هكذا تحدثت أشجان لتُجيبها نجاة بمرح:
ـ بإذن الله. ألا جوليلي هي مين الولية الملمعة المقمعة اللي جاعده تحت و فارشه و لا أكنه بيت أبوها!
برقت عيني أشجان التي ارتعبت أن تكون نبيلة هي التي تجلس بالاسفل، فقد كانت تخشى رؤيتها ظنًا منها أنها قد تكون من حذفت هذا التسجيل. ليدق باب الغرفة فانتفض جسد أشجان و خرجت منها شهقة قوية جعلت نجاة تهتف بلهفة:
ـ في أيه يا أشچان اتفزعتي أكده ليه ؟
أشجان بارتباك:
ـ لا . ولا حاجة. مين؟
جاءها صوت الخادمة التي هتفت باحترام:
ـ رحيم بيه كان بيسأل عن الست نجاة، وبيستعجلها..
هدأت دقات قلبها قليلًا لتربت نجاة على يدها وهي تقول بريبة:
ـ أنتِ مش عچباني. لكن ده مش وقته نتكلم. بس اعملي حسابك هتقري بكرة و تحكيلي ايه اللي لبشك أكده.
أشجان بقلة حيلة:
ـ لما ييجي بكرة أن شاء الله يبقى ربنا يحلها يا نجاة.
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين، وقهر الرجال ♥️
★★★★★★★★★
كانت نائمة على مخدعها تحتضن نفسها وهي تنظر إلى البعيد بعينين يتلئلئ بهم الدمع ولكنه يأبى السقوط، فقد كانت تعلم بأنه مُحق ولكنها تتألم و لم تستطِع سماعه يتحدث بهذه الطريقة على المرأة التي تسببت في هدم حياتهم و التي تحايلت و خدعتها و بسببها عاشت الجحيم على الأرض.
لقد كان قاسيًا عليها اليوم كثيرًا وهذا ما لم تعهده منه لذا تألمت بقوة و رفض عقلها تصديق ما حدث لتلجأ للنوم الذي ترأف بحالها ليجرفها في غفوة طويلة استيقظت منها ولم تجده في البيت، وقد أغضبها هذا الأمر كثيرًا و لأجل ذلك قررت أن لا تُمرر الأمر على خير..
طرقة قوية على باب الغرفة أفزعتها ولكنها هدأت حين سمعت صوته في الخارج مما جعلها تهب من مكانها تمحو عبراتها بقوة، وقد قررت تلقينه درسًا لن ينساه لتقوم بالتوجه إلى طاولة الزينة و وضع بعضٍ من مساحيق التجميل البسيطة حتى تمحي هذا الصورة الباهتة التي رأتها في المرآة قبل أن تمشط خصلات شعرها بيدها لتُزيد من توهجهم. ثم اندفعت إلى الباب لتفتحه و تناظره بجمود لترى بعينيها كيف تبدلت ملامحه، فقد كان ينوي الثبات على موقفه حتى تعود إلى رشدها و تتفهم أن ما فعلته خطأ، ولكن مظهرها الرائع و فتنتها الواضحة كانا لهم تأثيرًا ضاريًا عليه، فالتمعت عينيه بوهج العشق و الأعجاب غير أن جمودها جعلوه يعود لارتداء قناة الجمود الذي شاب نبرته حين قال:
ـ عايز اتعشى.
لم تُجيبه انما توجهت إلى المطبخ لتبدأ في تحضير الطعام في صمتٍ أغضبه ليتقدم ويقوم بلكزها في كتفها قاصدًا استفزازها وهو يقول:
ـ اعمليلي بيض بالبسطرمة.
لم تُجيبه انما شرعت بجلب البيض من الثلاجة لتنفيذ طلبه ليحاول قمع ابتسامته على غضبها ثم هتف بجفاء:
ـ و عايز جبنة بقوطة.
غنى من بين أسنانها:
ـ اللهم طولك ياروح..
ياسر باستفزاز:
ـ و حطي عليها خيار..
بلغ الغضب منها ذروته لتلتفت هاتفة بحدة:
ـ مش عايز أدعكلك رجلك بالمرة!
اقترب منها يحاصرها بيديه اللذان وضعهما حول طاولة المطبخ وهو يقول بتخابُث:
ـ الصراحة عايز.
قربه بهذا الشكل أضرم الرجفة في سائر أوصالها ليقوم بمعانقة خصرها وهو يُديرها إليه قائلًا بنبرة عابثة:
ـ و بصراحة اكتر الخصام دا مش جاي معايا سكة. خلينا نتصالح.
غنى بجفاء:
ـ مبتصالحش.
ياسر باستنكار:
ـ نعم ! دا ازاي يعني؟!
غنى بتهكم غاضب:
ـ زي السكر في الشاي.
يعلم كم هي غاضبة منه وقلبه لا يرتضي حزنها أبدًا لذا قال يشاكسها:
ـ طب خليكِ جدعة و شيلي الوش الخشب دا وتعالي نقعد نتكلم كلمتين فيهم المفيد
تشدقت ساخرة:
ـ كان على عيني والله بس انا مصدعة و عايز أنام بدري..
بدأ الغضب يزحف إلى داخله ليهتف مُحذرًا:
ـ عدي ليلتك يا غنى وخلينا نقعد ونتفاهم.
عاندته قائلة بجفاء:
ـ لا معلش مصدعة. ماليش مزاج اتكلم..
ياسر بحدة:
ـ يعني عايزة تفضلي ملوية كدا!
أرادت القصاص منه فتغنجت قائلة:
ـ مين قال اني ملوية! مانا أهو زي الفل أنت اللي مش شايف..
ضيق عينيه وهو يناظر ملامحها التي يعشق قبل أن يقول بتحسّر:
ـ ورحمة أبويا شايف. بس للأسف ممنوع عليا اللمس أو الاقتراب.
هتفت بتشفي:
ـ أحسن. اتفضل العشاء.
ناولته الصينية المُستديرة ليأخذها منها و يضعها فوق طاولة المطبخ وهو يهتف بحدة:
ـ خلاص شبعت.
توسعت عينيها غضبًا لتهتف مستنكرة:
ـ والله! يعني أنت مصحيني من النوم وجاي تقولي شبعت!
تراجع ساخطًا ليخرج إلى الصالة وهو يقول مُحذرًا:
ـ اعمليلك قفلة وروحي نامي يالا..
تبعته وهي تصيح حانقة:
ـ تصدق انا غلطانه اني رديت عليك و قومت اعملك حاجة..
كانت جميلة حد الفتنة وهو يشتاقها حد الجنون لذا حاول عدم الالتفات إلى جمالها و رغبته بها، فهتف مُحذرًا:
ـ وهتبقي غلطانه اكتر لو فضلتي واقفة تعانديني كدا . عشان أنا على آخرى منك ومش ضامن نفسي.
لم تعي المعنى خلف حديثه، فقد كانت غاضبة مما حدث هذا الصباح لذا صاحت بتحدي:
ـ لا والله! طب انا واقفة بقى و عايزة اعرف يا ياسر هتعمل فيا أيه؟!
لم تكد تُكمل جملتها حتى وجدته يقترب ليُجهز على ما تبقى من حديثها يروي شوقه الجارف لها، دون أن تستطِع المقاومة ولا حتى التحرك خطوة واحدة فقد باغتتها فعلته، ليبتعد عنها وهو يهمس بنبرة مُتحشرجة تحكي مقدار لوعته:
ـ حبك دا عامل زي ما يكون ذنب و أنا طول الوقت بكفر عنه.
آلمتها جملته، فهي لم تكن تتخيل كم يعشقها و يشتاق لها ولكنه يخاف عليها بقدر الاثنين غير أنها لم تتفهم ذلك لذا هتفت غاضبة:
ـ أنا لو مكانك بقى اتخلص من الذنب دا و اريح دماغي.
تراجعت عنه تنوي الدلوف إلى الداخل ليجذبها من يديها وهو يهتف بمزاح:
ـ خدي يا بت هنا. اتخلص منه أيه؟ دا لو على موتي يا بت مرزوق مسبكيش.
عاندته قائلة:
ـ مش بمزاجك.
ضاق ذرعًا من خصامها و من كل ما يحدث بينهم لذا قال بجدية:
ـ طب تقول كلمتين يا غنى عشان ننهي الفيلم الهابط دا. أنا مبقدرش آجي على اللي مني. لو قطعنا بعض أنا وهيام مش هاجي عليها قدام حد. حطي دا في دماغك.
بالرغم من أنها تقر بصواب حديثه ولكنه يغضبها لذا قالت بجفاء:
ـ حطيته حاجة تانية؟
تابع حديثه بسخط من جفائها:
ـ و تحطي في دماغك اني مابحبش العند، ولا الاندفاع دا. يعني تقعدي تتكلمي زي الناس. انما تتلوي و تتفردي و تتني كدا دا ميعجبنيش.
كظمت غيظها من حديثه وهتفت بلهجة حادة:
ـ حاضر حاجة تاني؟
ياسر بحدة زائفة:
ـ و تحطي في دماغك اني بموت فيكِ و مقدرش تزعلي مني.
رغمًا عنها لانت ملامحها و ارتسمت ابتسامة جميلة على ثغرها، فحاولت الهرب من براثن عينيه التي تغازلها بطريقة تُشعِل النيران بداخلها لتجده يُعيد أنظارها اليه وهو يقول بنبرة خشنة:
ـ تعرفي عن ياسر أنه ممكن يقل مع اللي منه يا غنى!
بدأ عقلها يعمل بعيدًا عن تأثير الغضب لتُجيبه بصدق:
ـ لا. بس الكلام حرق دمي يا ياسر.. انا بسببها شفت عذاب الدنيا والآخرة..
شدد من احتوائها وهو يقول بعتب:
ـ ولما اتكلم عن اختي وحش قدام جوزها العذاب دا هيتمحي؟!
ـ لا..
ـ طيب كنتي هتفرحي لو قولتله دي فيها وفيها وفيها! كانت صورتي هتفضل زي ما هي في عنيكِ!
هكذا تحدث لتُدرك أنه كان مُصيب في حديثه لتقول بخفوت:
ـ أنا مفكرتش في كدا..
مد يده يحتوي وجهها بين يديه وهو يقول بنبرة حانية:
ـ اسمعيني يا بنت الناس. اللي بيراعي ربنا في أهله بيراعي ربنا في مراته. واللي يقل من أهله اللي من دمه و يقطع فيهم مهما كانت وحاشتهم دا مالوش أمان.
كان مُصيبًا فلم تعترض انما قالت بخفوت:
ـ ماشي يا ياسر.
ياسر بنبرة عاشقة:
ـ لسه زعلانه مني؟
تغنجت قائلة:
ـ شوية..
اقترب يُلثم جبينها بحنو قبل أن يقول:
ـ طب حقك عليا..
كان دلاله لها مُغريًا لذا تعمدت تصنع الحزن لتذم شفتيها مما جعله يقول بنبرة تقطر عشقًا:
ـ طب بحبك..
اخفضت رأسها بدلال وهي تقول بنبرة خافتة:
ـ خلاص بقى..
ياسر باستفهام:
ـ اتصافينا!
غنى بخجل:
ـ اتصافينا.
أطلق زفرة قوية من داخل جوفه وهو يقول بصدق:
ـ زعلك دا غالي عليا أوي، ومقدرش تباتي يوم زعلانه مني.
رفعت رأسها تعاتبه قائلة:
ـ أنا ليا عتب كبير عليك يا ياسر. ليه منعتني اني اروح أشوف بابا؟!
ياسر بتوضيح:
ـ لا ممنعتكيش. بس اتضايقت انك عايزة تروحي لوحدك، و أنتِ عارفة اني مابحبكيش تخرجي لوحدك أبدًا.
ـ ليه بقى ؟
ياسر بنبرة عاشقة:
ـ بغير على الغريبة بتاعتي.
دغدغ حديثه حواسها لتهتف غنى بخفوت:
ـ عارف أنا مشكلتي معاك أيه؟
ـ ايه؟
ـ انك بتعرف تثبتني!
ابتسم ياسر على حديثها قبل أن يقول بتحسّر:
ـ اتقي الله هو انا لو بعرف أثبتك كان زمان دا حالي! يالا عشان نتعشى. شكلنا هتفضل مقضينها أكل وبس..
غنى بتشفي:
ـ احمد ربنا.
ياسر بسخط:
ـ حسبي الله ونعم الوكيل.
غنى بصدمة:
ـ فيا؟!
تجاهل استفهامها قبل أن يقول بجمود:
ـ عمر حجزلنا مع دكتورة زميلته و اعملي حسابك احنا بايتين في حضنها لحد ما تخفي أحسن وعهد الله هرتكب جناية هنا..
ابتسمت على حديثه بل و تعالت قهقهاتها ليطالعها بحُب قبل أن يقوم بجذب رأسها ليحتويه بين ضلوعه، فهاهي الحياة عادت لتبتسم له بعد أن رأى ابتسامتها العذبة..
ـ أيه روحتي جعدتي مع صاحبتك و جولتي عدولي؟!
هكذا تحدث رحيم يشاكس نجاة التي كانت تنظر إلى المكان بريبة، وكل دقة من دقات قلبها ترتجف ترقبًا ورهبة، فقد كانت غرفة نوم كبيرة، ولكن بها سرير واحد، وقد شعرت بإنسحاب الدماء من أوردتها و عقلها يرفض الأمر رفضًا قاطعًا مما جعلها تقول بارتباك:
ـ ما اجعد وياها. عايز مني ايه اياك ؟!
رحيم باستنكار:
ـ عايز منك ايه! هو أني لاقيكي في الشارع ولا اي! اني مستغناش عنك يا نجاة..
تعاظم ارتباكها وجف حلقها من حديثه و عينيه التي تشملها بنظرات تبعث الرهبة بداخلها مما جعلها تتجاهل حديثه قائلة بتوتر:
ـ اني معيزاش انام. نام انت واني هجعد مع أشجان شوية نتحدتوا..
شعر برغبتها في التهرب منه لذا قال ساخطًا:
ـ على أساس أن خالد هيسيبها عادي أكده تسهر و تسيبه! وبعدين في موضوع مهم عايز اتكلم فيه وياكي.
رفعت رأسها تطالعه لتقول بريبة:
ـ موضوع ايه؟
لا يعلم لما استفزته ريبتها و طريقتها ليشبك يديه خلف ظهره وهو يتقدم منها بخطوات سُلحفية بثت الذُعر بداخلها لتتراجع هي إلى الوراء إلى أن اصطدمت بالحائط خلفها ليستغل الفرصة و يقترب واضعًا يديه على الجدار حولها مما جعلها تهتف بذُعر:
ـ في أيه؟
كانت تخفض رأسها مما جعلها يقول بنبرة عميقة:
ـ بصيلي.
رفعت رأسها تطالعه بترقب لتشملها عينيه بنظرات عاشقة قبل أن يقول بنبرة تقطر ولهًا:
ـ لجل عنيكِ الحلوين دول اني وافجت انفذلك طلبك، وكلمت خالد يشوفلنا مهندس عشان نبدأ نبني المدرسة اللي أنتِ عيزاها.
برقت عينيها من فرط الصدمة التي تحولت إلى فرحة غامرة تجلت في نبرتها حين قالت:
ـ بجد يا عمدة!
رحيم بنبرة رخيمة:
ـ بجد يا ضي عنين العمدة.
جملته أصابت منتصف قلبها الذي تناحرت دقاته ما بين عشقٍ و خوف مما جعل نبرتها تخرج مرتبكة حين قالت:
ـ أنت عتجول ايه ؟!
اقترب رحيم حتى أوشك على ملامسه أذنيها ليقول بنبرة خشنة:
ـ أنتِ سمعيني زين. بس وماله نجول تاني. بجولك يا ضي عنين العمدة اني هبنيلك المدرسة اللي عيزاها، ومش بس أكده انا هچيبلها أحسن مدرسين عشان اللي تدخلها تتعلم صوح، و تطلع منيها تدعي لست البلد كلاتها.
اعتلت ثغرها ضحكة خجلة لكلماته العذبة لتخفض رأسها مما جعله يقول باعتراض:
ـ لاه. بقى اني هعمل كل دا و أنتِ عتبخلي عليا بالضحكة الحلوة دي!
همست بخجل:
ـ بزيداك تخچلني!
رحيم بنبرة متوعدة:
ـ لاه. احنا لازمن نطردوا الخچل ده من الدار خالص.
رفعت رأسها بلهفة وهي تهتف مذعورة:
ـ أنت عتجول ايه؟
لم تفلح في إكمال جملتها حتى وجدته يقوم بحملها لتشهق بصدمة وهي تراه يتوجه بها إلى مخدعهم وهو يقول بنبرة لا تقبل الجدال:
ـ من هنا ورايح ده مكانك اللي هتنامي فيه و تصحي فيه.
ضربت الرعشة سائر جسدها قبل أن تهمس بخفوت:
ـ رحيم..
تسطح بجانبها يضع رأسها فوق ذراعه وهو يقول بنبرة صادقة:
ـ وعد مني مش هجرب منيكِ غير برضاكي. لكن متحرمنيش اني ارتاح جارك.
كلماته الرائعة سرت كنهرٍ عذب بين أوردتها مما جعلها تبتسم بخجل انتزع قلب رحيم من موضعه ولكنه لم يخلف وعده معها أبدًا لذا قال بنبرة خشنة:
ـ تصبحي على خير يا ست البنته كلاتها…
اللهم رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك. شيء اقض عنا الدين وأغننا من الفقر ♥️
★★★★★★★★★★
كان كالتائه الذي لا يعرف بأي أرضٍ يقف، ولا يعلم أيًا من الديار ستحتويه يرغب بشيء بعيد كل البعد حتى عن أحلامه، ويحيا واقع يرفضه كل خلية به إلا من عقلًا متمرد لا ينفك عن المقاومة لأجل باطل يتنكر له القلب.
أخيرًا أوقف سيارته أمام المطعم الخاص بسوزان و عينيه تشملان المكان بنظرات ضائعة مُشتاقة و حديث أولاد عمومته يرن بأذنيه كالصواعِق.
ترجل من السيارة حالما رأى نورًا قوي يأتي من داخل المطعم لتقوده قدماه إلى الداخل، فإذا به يشُم رائحة شهية تأتي من المطبخ، فتحمحم قبل أن يدلف إلى الداخل ليجد سوزان تلتفت ناظره إليه وهي تقول باندهاش:
ـ عمر!
عمر بحرج:
ـ ازيك يا سوزي..
توجهت إليه بعكازها وعلى وجهها ابتسامة مُتحفظة وهي تُجيبه:
ـ أهلًا يا عمر اتفضل.
أشارت إليه ليتبعها إلى الخارج و يجلس على المقعد حول أحد الطاولات بعد أن ساعدها بالجلوس لتقول بنبرة هادئة:
ـ نورت المكان.
عمر بنبرة متعبة:
ـ الحقيقة المكان هنا منور دايمًا ويمكن دا اللي بيخلي الواحد ييجي عليه من غير ما يحس..
ابتسمت سوزان بهدوء قبل أن تقول:
ـ تعرف. أنا أول مرة أسهر هنا لدلوقتي. بس حسيت إن في حد هييجي.
رفع رأسه يطالعها بحيرة هل يشكو إليها تخبطه وحيرته و ألمه؟ هل يخبرها أنه ما أتى إلا مشتاق و بقلبه لوعة تحجب عنه الراحة! لا إراديًا التفت ناظرًا إلى الجهة الآخرى ينظر إلى هذه الشرفة، ويتمنى لو أنه يلمح طيفها، لتطالعه أعين سوزان بشفقة قبل أن تُقرر التطرق إلى منتصف الأمر قائلة:
ـ سمعت أن خطوبتك آخر الأسبوع مبروك. فرحتلك من قلبي.
نجحت كلماتها في إضرام الدهشة بداخله للحد الذي جعلها تلون ملامحه و تحتل نبرته حين قال:
ـ فرحتيلي من قلبك!
سوزان بهدوء وبساطة زادت من ادهاشه:
ـ أه طبعًا فرحتلك. الحقيقة أنا بفرح لأي شخص ياخد خطوة زي خطوة الارتباط دي، و خصوصًا في الزمن دا.
لا يعلم لما شعر بأن الأمر مؤلمًا! هل لأنها من الواضح أنها غير مبالية لأمر زواجه، وهو يعلم بأنها أصبحت بمثابة أم لها ومن المفترض أن تحزن لحزنها! ولكن هنا يخرج استفهام مرعب وهو أن أمر زواجه لا يُعد أمرًا مؤلمًا بالنسبة إليها، ولهذا فسوزان صادقة!
شعر بقبضة قوية تمسك بقلبه من خافته وهو يتخيل أنها لم تعُد تهتم لأمره، أو أنه أصبح شخصًا عاديًا بالنسبة إليها، وقد استنكر عقله هذا الشيء لذا وجد نفسه يقول بنبرة يغلب عليها التحدي:
ـ يعني لو عزمتك على خطوبتي هتيجي ؟!
صمتت سوزان للحظة تتذكر ما حدث قبل ساعة من الآن
عودة إلى وقتٍ سابق
ـ راجي عايزني اروح معاه خطوبة عمر..
هكذا تحدثت شروق بنبرة لا روح فيها لتشهق آسيا بصدمة:
ـ هو المتخلف دا هيخطب!
تخطى الأمر بداخلها حدود الألم، فقد كان مُريعًا ولكنها لازالت تحافظ على رباطة جأشها لتقول سوزان بهدوء:
ـ ليه طلب منك الطلب دا؟
شروق بنبرة مُشجبة:
ـ واحنا مسافرين طلب إيدي في الطيارة، و أنا قولتله هفكر، و لما جتله دعوة الخطوبة سألني هو إذا كان لسه بيفرق معايا ولا لا؟ وأنا طبعًا قولتله له، ولما سألته بيسأل قالي أنه جاله دعوة خطوبة عمر آخر الأسبوع.
آسيا بلهفة:
ـ و بعدين ؟
شروق بنبرة تتضور ألمًا:
ـ مش هنكر اني حسيت و كأن في سكينة اتغرزت في قلبي بس كالعادة كان لازم مبينش، وقولتله أن أنا وعمر عمرنا ما كنا لبعض وان جوازنا كان غلطة، و اتصححت. بس هو معرفش مصدقنيش ولا حابب يتأكد لقيته بيقولي أنه عايزني اروح معاه.
سوزان باستفهام:
ـ بصفتك أيه؟
شروق بسخرية مريرة:
ـ مديرة مكتبة أو أقرب صديقة ليه؟! أو اريحه و أقبل عرضه و اروح معاه بصفتي خطيبته. دا بالظبط اللي قاله..
آسيا باندفاع:
ـ يخربيته دا مصطبح ولا اي؟ طب و رديتي عليه قولتي ايه؟
سقطت عبرة يتيمة من طرف عينيها وهي تُجيبها بنبرة مـلتاعة:
ـ قولتله اني مش حابة اتقابل بالعيلة دي تاني. بس وعدته اني هفكر.
اهتاجت آسيا وهتفت مغلولة:
ـ لا ركزي معايا كدا و اتعدليلي الواد دا عايز يتأدب. أنتِ بقى لو بنت جدعة تلبسي أشيك فستان عندك، و تعملي احلى ميكب و تروحي و أنتِ ايدك في ايد راجي تقهري ابن نبيلة وتيجي. و يبقى يفرح بالسلعوة اللي خطبها دي..
شروق بنبرة جريحة:
ـ ماهو مش لوحده اللي هيتقهر يا آسيا. أنا ببان قدام الناس جامدة بس التظاهر بأنك بخير و أنتِ من جواكي بتنزفي دا شيء صعب. صعب أوي.
اقتربت آسيا منها تعانقها بقوة لتبكي شروق بألم جعل سوزي تشعر بالتعب مما جعلها تتوجه إليها لتربت على خصلات شعرها وهي تنظر إلى آسيا نظرات ذات مغزى لتتراجع الأخيرة و تهتف سوزي قائلة بحنو:
ـ نامي يا حبيبتي و ارتاحي دلوقتي، و أن شاء الله على ما تصحي بكرة نكون فكرنا و شوفنا هنعمل أيه؟
عودة إلى الوقت الحالي
ـ طبعًا هاجي، ومش بس كدا. دانا هعملك حاجة حلوة بإيدي كمان.
اغتمت ملامحه وشعر بالألام تتفشى في سائر جسده، فمن الواضح بأنها قد محته من حياتها، ولم يعد يؤثر بها، فحديث سوزان يؤكد هذا الأمر كما جعله يحاول اغتصاب ابتسامة باهتة وهو يقول بنبرة مُتحشرجة:
ـ هستناكي. عن اذنك.
اللهم إن كان رزقي في السماء فأنزله، وإن كان في الأرض فأخرجه، وإن كان بعيداً فقربه، وإن كان قريباً فيسره، وإن كان قليلاً فكثره، وإن كان كثيراً فبارك لي فيه ♥️
★★★★★★★★★
مر يومان وقد آتى اليوم الموعود لتهتف سوزان بنبرة آمرة:
ـ هتروحي يا شروق و هتثبتي للناس دي كلها أن الموضوع دا مأثرش فيكِ و هتخليه يشوف نفسه ولا حاجة في عنيكِ و يشوفك جنب واحد بيحبك و روحه فيكِ.
شروق بصدمة:
ـ سوزي. أنتِ اللي بتقولي كدا؟!
سوزان بجمود:
ـ أيوا. آسيا عيزاكي تطلعيها النهاردة عروسة..
هكذا قالت وهي توجه أنظارها إلى آسيا وقد كانت عينيها تلمع بالخُبث مما جعل شروق تهتف باستنكار:
ـ سوزي أنتِ بتقولي أيه؟
سوزان بغموض:
ـ بقول اللي سمعتيه، وأتأكدي يا شروق انك مش هتخرجي من المكان دا غير وأنتِ منتصره.
مر الوقت وقد كان خالد يقف بوجه جامد و ملامح مُغبرة يستقبل المدعوين وبجانبه عز الدين و كمال الذي خاطبه خالد قائلًا:
ـ بقولك ايه انا هروح أجيب سوزي، وانت خليك هنا مكاني!
لا يعرف من أين خرج هذا الشيطان بداخله والذي صرخ مُفصحًا عن شوقًا ضاريًا يجتاح سائر كيانه مما جعله يقول بلهفة:
ـ لا خليك أنت. مينفعش تسيب الناس وأنا هروح أجيبها وآجي.
لم يفت عليه ما يحدث مع كمال لذا لم يعترض انما اومأ برأسه بالموافقة لينطلق كمال الذي كان يدعس على دواسة البنزين بغضب وكأن عقله يُعنفه على اندفاعه، وهو يحاول خلق المبررات له، ولكن حالفه الحظ و وصل بسرعة إلى مطعم سوزان ليتوجه إلى الباب الرئيسي ليُصدم عندما شاهدها تجلس على أحد الطاولات وهي تهتف حانقة:
ـ رايح يخطب ابن نبيلة! فاكر نفسه مين! توم كروز ولا براد بيت! بكرة يضرب نفسه بالجزمة و يقول ياريتني.
كانت الغضب يمضغ تقاطيعها لتهتف بغل:
ـ شايفة نفسه الواد اللي مفيش منه قال ايه عشان وتيدي! كان يوم أسود يوم ما شوفنا الوتايدة دول! فاكرين نفسهم مفيش منهم، وهما أصلًا معقدين و توكسيك. قال وتيدي قال! حصلنا الرُعب يا سي وتيدي!
من شدة غضبها لم تكُن ترى نظرات سوزان التحذيرية، ولكنها سرعان ما صُدِمت حين سمعت ذلك الصوت الغاضب القادم من الخلف:
ـ حقك تترعبي فعلًا!
انتفضت تستدير بحدة حالما سمعت صوته لتفزع حين تأكدت من كونه خلفها و من الواضح أنه استمع الى كل ما قالته لتخرج منها شهقة فزع مما جعلها تهب من مكانها لتقف على قدمها المجروحة، فخرجت منها صرخة ألم قوية جعلته يهرول تجاهها هو وسوزان ولكنه كان اقرب، فحالت يديه دون وقوعها أرضًا لتصطدم عينيه الغاضبة بخاصتها المصدومة المتألمة ليقوم بإسنادها لتجلس على المقعد ثم اعتدل واقفًا وهو يقول بتقريع:
ـ دا عقاب من ربنا عشان تبطلي تجيبي في سيرة الناس.
اغتاظت من حديثه فتجاهلت ألمها لتتشدق ساخرة:
ـ اتعاقب لما أكون قولت حاجة غلط..
كمال بوعيد:
ـ والله! يعني احنا توكسيك!
لم يرعبها وعيده إنما أضافت بجرأة:
ـ و معقدين..
كمال بنبرة جافة:
ـ كمان!
آسيا بحنق:
ـ أيوا بالظبط.
ـ في أيه انتوا اللتنين! ولا عاملين لوجودي اعتبار!
هكذا هتفت سوزي بحدة مما جعل كمال يقول بوعيد:
ـ والله يا سوزي انا لو مش عامل لوجودك اعتبار كان هيبقى رد فعلي صادم.
اغتاظت منه، فقد جاء في وقتٍ كانت تغلي من شدة الغضب من ابن شقيقته وما فعله بصديقتها، و أيضًا أتى بكل هذه الأناقة و الوسامة المهلكة مما جعلها تستدير إلى الجهة الآخرى، تحمي عينيها من الوقوع في طغيان هيبته و رجولته المطعمة بالقسوة لتسمع صوت سوزان تقول:
ـ خالد مقاليش أن انت اللي هتيجي تاخدني!
كمال بجمود:
ـ خالد مشغول باستقبال الناس.
تمتمت آسيا بحنق:
ـ يارب القاعة تولع بيك يا عمر يا ابن نبيلة.
لم يستمع إلى ما تقول جيداً ولكن من الواضح أنها غاضبة، وقد حاول رفع عينيه عنها، فقد كانت ترتدي بنطلونًا ضيقًا كاللعنة وبلوزة وردية تبرز لون بشرتها الرائع كما كانت ترفع خصلات شعرها في كعكة مهملة، ولكنها مكنته من رؤية رقبتها النحيلة بوضوح، كانت فاتنة بدرجة جعلته أقرب إلى الجنون لذا أراد الهرب حتى يُفلِت من بين براثن سحرها ليقول بجمود:
ـ جهزتي خلاص؟!
سوزان بهدوء:
ـ أه خلصت يالا بينا..
تحدثت آسيا التي كانت تُعطيهم ظهرها بحنق:
ـ متنسيش تاخديله التورتة، و ابقي لبسيهاله في وشه.
قالت جملتها الأخيرة نبرة خافتة ولكنها وصلته، و لسبب لا يعلمه شعر بأنه يريد الضحك على حديثها ولكنه لم يفعل ليجد سوزان تتقدم وهي مازالت جالسة بمكانها ليقول باستفهام:
ـ هو أنتِ مش هتقفلي المحل؟!
سوزان باختصار:
ـ آسيا هتبقى تقفله.
لم يُعجبه الأمر، فلن يجازف بأن يراها أحد بهذه الملابس كما أنه لا يريد أن يراها أحد من الأساس ليتقدم تجاه سوزان وهو يقول بجفاء:
ـ أنا هقفل المحل و هنمشي..
لم يجد منها أي حركة و كأنها كانت تعانده لتحاول سوزان تهدئة الموقف قائلة:
ـ طب يالا وانا هكلم جميلة تنزل تقفله و تسند آسيا لحد فوق..
لم تستمع لإجابته ولكنها سمعت صوت خطواتهم تغادر لتشعُر برغبة قوية في البُكاء وقد أطاعتها لتسقط عبراتها بغزارة لا تعلم أن كانت شوقًا أو ألمًا أم هي نداء صامت له كي يعود لأجلها، ولكنها لا تعلم بأنه يشاركها أعمق أحاسيسها. فقد اجلس سوزان بالسيارة و عاد إليها ليتفاجيء بأنها تبكي!
شعر برغبة مُلحة في احتضانها و اخبارها بأنه يعشقها رغم كل هذا الألم، و الشعور بالخذلان الذي ناله منها، ولكنه قمع رغبته خلف ستار الجمود الذي شاب لهجته حين قال:
ـ يالا عشان هقفل المحل.
انتفضت في جلستها، فلم تتوقع أن يعود مرة آخرى لتستدير ناظره إليه باندهاش تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ أنت أيه اللي رجعك؟!
كان مظهرها تحدي قاتل لثباته ولكنه خسر بسببها مرة و لن يُكررها لذا قال بجفاء:
ـ ما أنتِ سمعتي..قولتلك هقفل المحل.
اغضبتها لهجته لذا لم تُجيبه إنما تحاملت على نفسها و حاولت النهوض ليُفاجئها للمرة التي لا يعرف عددها حين مد يده يساعدها، ولكنها باغتته و نزعت يدها من بين يده وهي تقول بجفاء:
ـ متتعبش نفسك انا هعرف امشي لوحدي.
ضغط على أسنانه بقوة يحاول تهدئة غضبه الذي تُثيره ببراعة ليهتف بأنفاس مُلتهبة و كأنها لهب جهنم:
ـ اتسندي عليا خليني أوصلك. أنا مش فاضي للدلع دا..
اغتاظت من وقاحته وهتفت بحدة:
ـ دا اللي بقوله بالظبط. الحق مواعيدك أنا مش محتاجة مساعدتك أصلًا!
لا يعلم لما تذكر بداية علاقتهم و تلك المعارك الكلامية التي كانت تنشب بينهم حالما يتواجدون بمكان واحد وكأن الهواء من حولهم يحترق، ولكن اتضح أن الوحيد الذي احترق كان هو!
ضيق عينيه بغضب و هتف متوعدًا:
ـ تعرفي أن الأدب عمره ما جاب معاكِ نتيجة! عشان كدا هلغيه من قاموسي خالص.
جذب المقعد الذي يفصل بينهم ليقذفه إلى الجهة الأخرى بقوة وهو يقترب منها ينوي حملها لتتراجع بذُعر وهي تقول بلهفة:
ـ خلاص خلاص همشي معاك.
رفع أحد حاجبيه لتقوم هي بمد يدها إليه وعينيها أسيرة لعينيه فامتدت يده تلقائيًا تحتوي كفها و التفتت يده الآخرى تحيط ظهرها لتشعر بنفسها قريبة منه إلى درجة كبيرة جعلت الشوق يزحف إلى صدرها الذي يعبأه الألم مما جعلها تقول بتعب:
ـ أنت بتعمل كدا ليه يا كمال؟
وهل يجرؤ على الإجابة؟! يعشقها حد الجنون و يرفض قربها حد الهلاك، وهو حائر مُمزق لا العقل يصفح ولا القلب ينسى، ولا الألام تهدأ. يكفيه بعض اللحظات المسروقة من الزمن و التي تخلقها الصدف ليتنعم بقربها ولو ظاهرياً كان يرفضه.
طال صمته لترفع رأسها تناظره بألم تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ أنت كدا بتاخد حقك مني، و بتردلي اللي عملته بأنك تعذبني بالشكل دا؟!
كانت لحظة ضعف مسروقة من الزمن جعلته يستند بجبهته فوق خاصتها ليعبأ صدره بالهواء المُحمل برائحتها العذبة عل ذلك يُطفيء تلك الحرائق المُندلعة بداخله ليقول بنبرة مُلتاعة:
ـ عارفة يا آسيا أنا لو فكرت للحظة أني آخد حقي منك، و أدوقك الألم اللي دوقتيهولي. مكنتيش هتقدري تقفي على رجلك كدا.
أنين خافت خرج من أعماق قلبها يهتف باستنكار: أه لو تعلم! فقد نال منها التعب و أنهك جسدها الحزن. الذي تعاظم حين سمعته يُتابع بنبرة تئن وجعًا:
ـ النار اللي جوايا دي عمرك ما هتقدري تتحملي حتى ربعها.
عادت برأسها للخلف تناظره للحظات قبل أن يرتسم الأسف على ملامحها لتقول بيأس:
ـ تمام.. يالا عشان متتأخرش.
لازالت حروف بسيطة قادرة على سحق ثباته بين طياتها، فقد كان لكل حرف مذاق خاص بينهم، ولكنه لا يعلم بأن الذي أسعده سابقًا من شأنه أن تقتله ذكراه اليوم!
قادها بصمت إلى البناية ليُساعدها على صعود الدرج وقلبه يتوسل إليه بحملها حتى يستمتع بقربها ولو لدقائق ولكنه للآن يُعنف نفسه حين يتذكر حمله لها في الموقع، فلن يكرر هذا الخطأ مرة آخرى.
دقت آسيا الجرس لتفتح جميلة التي تفاجأت حين رأت كمال ولكن آسيا لم تُعطيها الفرصة لاستيعاب صدمتها بل هتفت بنبرة حادة:
ـ اسنديني عشان ادخل جوا.
بالفعل مدت جميلة يدها لتسندها و تدخلها إلى الداخل، وقد كان يتابعها إلى أن وصلت إلى باب غرفتها الذي ما أن انفتح على مصرعيه حتى تجمد بمكانه حين شاهد ذلك البرواز الكبير والذي تتوسطه أحد صوره الفوتوغرافية التي كانت بغرفته في قصرهم لتقوده قدماه إلى الداخل، فشعرت آسيا بالحرج حين رأته خلفها، وعينيه مثبته على صورته لتحاول شحذ بعضًا من ثباتها وهي تقول بجفاء:
ـ يالا عشان متتأخرش..
لم يُعيرها اهتمامًا بل تقدم الى الداخل ليقف أمام الصورة مبهوتًا من الصدمة، والتي تعاظمت حين لمح قنينة العطر الخاصة به على طاولة الزينة لتمتد يده و تمسكها ليتأكد من أنها هي. فالتفت ليجدها تنظر إلى الجهة الآخرى فقد غمرها الحرج حين شاهد أشياءه الخاصة في غرفتها ليقول بنبرة خشنة:
ـ أيه اللي جاب الحاجات دي هنا؟
حاولت تجاهل موجه الخجل التي غمرتها لتتحمحم قبل أن تقول بنبرة مُتحشرجة:
ـ أنا خدتهم من القصر قبل ما امشي. و اطمن أنا مخدتش حاجة غيرهم. حتى خاتم جوازنا لسه هناك.
حاولت محاربة العبرات التي تلسع جفنيها وهي تُتابع بنبرة مُرتجفة:
ـ هي دي حقوقي اللي مقبلتش أتنازل عنها.
رفعت رأسها تناظره، وكما هي عادته كان الجمود يُسيطر عليه ظاهرياً بينما في الداخل هناك قلب ينتفض فرحًا و لوعة و يموت شوقًا لاحتضانها حتى تئن عظامها من فرط الألم، ولكن على الناحية الآخرى فسرت صمته غضب مما جعلها تقول بلهفة:
ـ تقدر تاخدهم لو عايز. ملهمش لازمة هنا.
يعلم لما قالت جملتها الأخيرة، فصمته جرحها، ولكنه كان في حالة من الألم واليأس والشوق مما جعله يضع الزجاجة فوق طاولة الزينة ثم استدار مُغادرًا دون أن يُضيف كلمة واحدة..
اللهم أجعل لنا نصيباً في سعة الأرزاق وتيسير الأحوال وقضاء الحاجات وإجابة الدعوات اللهم لطفك بقلوبنا وأحوالنا وأيامنا اللهُمَّ تولنا بسعتك وعظيم فضلك إنك على كل شيء قدير ♥️
★★★★★★★★
كان جالسًا بجانب عروسه و قلبه في وادٍ آخر ينظر إلى الوشوش حوله و يشعر بالغربة، تطوف عينيه في المكان بأكمله فلا يجد ركناً واحدًا يمكنه اللجوء إليه. الكثير من البهرجة و الترف، وابتسامات جميعها زائفة، وهذه المرأة بجانبه هل ستكون سكنه مثلما قال خالد! هل ستكون ونيسه و ملجأه الذي يهرب إليه من ضجيج العالم؟
الكثير من الاستفهامات تدور بعقله ذلك العقل الذي كان لعنته الأبدية، فهاهو الآن يستعرض ذكرياته معها و كم كانت أنثى رقيقة كالنسمة بين يديه يتذكر كم كان يشعر بأن للحياة معنى حين كان معها، و كم أن لكل شيء مذاق رائع فقط بجانبها.
أخذ يهز برأسه يحاول نفض هذه الذكريات اللعينة حتى أنه مد يده ليأخذ كوب مياة من النادل ليتجرعه دفعةٍ واحدة وهو يحاول استرداد أنفاسه الهاربة لتقع عينيه على سوزان الجالسة على طاولة خالد و عينيها تناظره بتحدٍ لم يُخطيء في فهمه. ليجذب عينيه من عينيها و يلتفت ناظرًا إلى شاهي وهو يحاول اغتصاب ابتسامة فوق شفتيه و كأنها اعلان مزيف بالسعادة، ليأتي الوقت حتى يقوم بإلباس خاتم الخطبة، وفي تلك اللحظة بالتحديد كانت تتقدم إلى داخل الحفل بأقدام مُثقلة بالألم الذي يتنافى مع جمالها الآخاذ في هذا الثوب الكريمي الذي كان يُحيط جسدها بنعومة، يبرز تقاسيمه دون ابتذال، يضيق عند الخصر و يتسع هبوطًا للأسفل، و كان يتخلله خيوطً ذهبية في مقدمة الصدر، فقد كان الفستان جريئًا على غير عادتها فقد كشف عن قوس الجمال خاصتها المُتمثل في عظمتي الترقواة و قد لائم لون الخيوط الذهبية لون بشرتها كثيرًا، و خاصةً حين جذبت جميع خصلات شعرها إلى الجانب الأيمن كاشفة بسخاء عن الجانب الأيسر، فبدت فاتنة، تتأبط ذراع رجل وسيم قوي يتقدمان إلى الحفل بثقة و ابتسامة هادئة لتتبدد هذه الابتسامة وهي تراه يقف ممسكًا بخاتم الخطبة بين يديه وبجانبه تلك المرأة التي من المفترض أنها تناسبه!
تألم قلبها حتى أن الألم كاد أن يقتله لتشعر بيد راجي تمسك بكفها، فالتفتت تناظره ليقرب كفها من شفتيه ينوي تقبيله، و لكن فجأة و بلمح البصر نال لكمة فولاذية من عمر الذي لم يكتفي بذلك إنما قام بجذبها من يدها مُغادرًا الحفل بأكمله..
