رواية روح غائبة الفصل الرابع عشر بقلم السيد عبدالكريم
خلال الأيام الماضية حصلت حاجات غريبة في حياتي ، منها ظهور المعلم سحلب اللى ديما بحس إنْ ملامحه مش غريبة عليا ، واعتقدتُ في الأول إنّه يبقي والد الشخص اللى أنقذني من المدرسة ، لأنْ فيه شبه كبير أوي بينهم ، وفضلت ألمّح له في الكلام إذا كان يعرف حد في الصعيد وبالتحديد قريتي ، لكنه نفى ذلك تماما ، ولن اكتمكم أن هذا الشخص المعلم سحلب رغم غرابة اسمه وغرابة تصرفاتها أحيانا وظهور علامات الغباء عليه أحيانا اخرى ، لن أكتمكم سرا أنّه رجل ظريف خفيف الظل ويضيف للجلسة جوا من المرح خاصة لمّا يقول كلمة ( لامؤاخذة ) بطريقة درامية غريبة ، ولن أنسى ذلك اليوم الذي طلب من زيزو أنْ يغني أغنية رومانسية ، وما إنْ بدأ زيزو في الغناء بصوته الجميل حتى غادر المعلم سحلب جلستنا ، وخشيت أنْ يفهم المعلم سحلب ما بداخلي تجاه زيزو ، وهذا الشعور الذي بداخلي كان يسيطر على نفسي في كل الأوقات ، وكنتُ أسأل نفسي ..
إزاي أحس بشعور تجاه شاب حياته كلها معاصي !
إزاي صار هذا الشاب جزءا من حياتي !
إزاي أصبحت متعلقة بوجوده !
وكان هذا الشعور جديدا عليا ، وكنت أشعر أنّه مجرد شعور سينتهي في أحد الأيام ، لكن الشعور كان يزيد مع مرور الأيام ، ولا تخلو ليلة من حديث بيننا غالبا كنت أنصحه بترك المعاصي خاصة بعد أنْ شعرت بأنّ قلبي قد تعلق به ، وأنا لن أفعل ما يغضب الله ما دمت حية ، ولن أسمح لمشاعري أن تجعلني أتمناه زوجا إلاّ لو ترك هذه الذنوب التي يعيش فيها ، لكنه في كل مرة كان يسألني السؤال الذي أعجز عن الإجابة عنه ..
طيب ما انتي كمان بترقصي وتعصي ربنا ..
كنت أعجز عن الإجابة ، لأنني كنت أرقص وأنا مسحورة بلا وعي وبلا إرادة ، وفي كل ليلة قبل نومي كنت أدعو الله أن يغفر ذنوبي ويرحم أمي وأختي أن يهدي زيزو إلى طريق الصواب ، ومع مرور الوقت عرفت أنّ المعلم سحلب تاجر مخدرات ثري جدا ، ويبدو أنّه حير رجال الشرطة لسنوات لدرجة أنّه ينوي أن يستورد طنا من المواد الممنوعة ، وللاسف فقد تورط زيزو معه في هذه التجارة المحرمة والممنوعة قانونيا ، لذلك كان لابد أنْ أسجن مشاعري تجاه زيزو ، فهو فيما يبدو لن يتوب ، لأن هذه الطريق التي يسلكها ستكون نهايتها السجن والفضيحة ،،،
كنت أتعجب من زيزو الشاب مرهف الحس الفقير كيف يرمي بنفسه في هذه التجارة !!!
وكنت اتعجب من المعلم سحلب صاحب الظل الخفيف أن يعمل بهذه التجارة ! وكنت أتخيل أن زيزو لا يغني ولا يعمل في المخدرات ، كنت أتخيله موظفا مثلا أو يملك سوبر ماركت مثلا أو يعمل أي عمل في الحلال ، وقتها كنت أنا من صارحته بمشاعري وحبي ، لكن كتمت هذا الحب وهذه المشاعر حتي يمن الله عليه بالتوبة ، وكنت أتخيل المعلم سحلب تاجر سحلب فعلا ، تاجر سحلب بدون مواد ممنوعة ، وقتها سيكون أكثر بائع سحلب خفيف الظل وسيكون لديه الكثير من الزبائن الذين يشترون منه السحلب لسبب واحد لأنه خفيف الظل فيه شيء من الغباء المحبب ، أما زوجة أبي فكنت أتخيلها شيطانة طوال الوقت .
ذات مساء طلب مني زيزو أنْ نخرج للتنزه لكنني رفضت ، وأخبرته بحده أنني لست من الفتيات اللاتي يتسكعن مع الشباب ، وكان يبتسم ويقول :
ـ اه ... ما أنا عارف .
لكنه كرر طلبه ووافقت بشرط أن نجلس في مكان عام ، وطبعا كنت أعلم أن هذا تنازل مني ، لكنني كنت أود أن أنصحه في مكان بعيد عن زوجة أبي ، وبالفعل في اليوم التالي خرجنا وجلسنا في مكان عام على النيل ، قلت :
ـ أختك عاملة إيه ؟
أجاب :
ـ كويسة .. عملنا العملية والحمد لله .
قلت :
ـ هو ينفع أجي اتطمن عليها ؟
هنا تغيّرتْ ملامح وجه وقال في ارتباك :
ـ لا .. أه .. أكيد .. بس بعدين .
قلت :
ـ مالك متردد ؟ عامة خلاص .. مش هاجي .
قال :
ـ مش قصدي .. بس إحنا فقراء وعايشين فى مكان فقير فى بادروم و..
قاطعته :
ـ علشان الفلوس الحرام مفيهاش بركة وبتضيع في الحرام ... لو اشتغلت أي شغلانة غير الكازينو هتلاقي فيه راحة نفسية وبركة في الفلوس .. لازم يا زيزو تفكر بعقلك شوية وتخرج من جحيم المعاصي ده .
قال شاردا :
ـ مش عارف أقولك إيه بس أنا تعودت على كده .
قلت :
ـ وكمان مش مكسوف من ربنا وبتقول إنّك تعودت على الذنوب .. أنا عارفة إنْ سكة المخدرات هتعميك عن التوبة .
قال :
ـ أنا أكيد هترك الكازينو والمخدرات في يوم .. بس أكوّن شوية فلوس علشان مستقبلي .
قلت :
ـ التوبة مفيهاش الهبل كده .. التوبة مفيهاش تأجيل ... وبعدين إنت عمرك ما هتعمل فلوس من الشغلانة المشبوهة دي ...حتى لو عملت فلوس .. إيه فايدة الفلوس الحرام .
قال :
ـ ما هو أنا مش هعرف أكوّن مستقبلي وأنا فقير.. يعني ينفع أتقدم لواحدة وأنا فقير كده .
شعرت بدقات قلبي تتسارع وقلت :
ـ على حسب اللي هتتقدملها .. لو هي خايفة من ربنا وعاوزه تعيش في حلال ربنا أكيد هترفضك حتى لو كنت أغنى الاغنياء طالما من حرام .. لكن اللى عايزه رضا ربنا مش هيفرق معاها فقير ولا غني .
قال :
ـ كلام روايات ... كلام خيالي ... مفيش حد بيفكر كده .
قلت :
ـ كلام روايات لأن اللى بيعملوا كده قليلين ... لكن موجودين .
قال وهو ينظر في عيني مباشرة :
ـ يعني لو تقدملك واحد فقير توافقي ؟
أجبت :
ـ بلاش تخلي الموضوع شخصي لو سمحت .. أنا بنصحك عادي بكلام عام .
قال :
ـ طيب أنا عاوز أخطبك .
كنت وقتها أمسك كوب العصير ، اهتز الكوب في يدي ووضعته على المنضدة حتى اخفي رعشتي ونهضت في عصبية وقلت :
ـ إنت قليل الادب .
قال وهو ينهض ليهدأ من روعي :
ـ قليل أدب علشان عاوز أخطبك ..
ثم نظر بعيدا وقال دون أنْ ينظر نحوي :
ـ ولا قليل أدب علشان تجرأت وطلبت إيدك وأنا فقير ؟
قلت :
ـ آسفة أنا مش قصدي ... مش قصدي اللى في دماغك .. أنا بس تلخبطت من كلامك .. أنا أول مرة شاب يقولي كده .
قال :
ـ عرفتي ليه عاوز أكوّن فلوس الأول سواء بالحلال أو بالحرام .. علشان لمّا اتقدم لواحدة متقوليش قليل الأدب .
قلت :
ـ إنت إزاي تفكيرك كده .. أنا قلتلك قليل الأدب علشان أنا متلخبطة ومش متعودة اقعد مع شاب يقولي كده ... وأول مرة واحد يقول أخطبك ... وفي قريتي مفيش حاجة اسمها الشاب يقعد مع البنت الأول ويتعرف عليها .. أنا مش عارفة أفهمك إزاي .
قال :
ـ يعني انتي ليكي شروط فى اللي ييجي يتقدم ليكي ؟
أجبتُ في ارتباك وشرود :
ـ إنت ليه أسئلتك كلها شخصية .. إنت مالك بيا ؟
قال :
ـ مالي إزاي ؟ ما أنا عايز أخطبك انتي ؟
قلت وأنا مرتبكة وشفتي السفلي تترعش من التوتر :
ـ عارف أنا أصلا بدعيلك فى صلاتي ... بدعيلك بالتوبة والبعد عن المعاصي المخدرات .
قال :
ـ لو ربنا استجاب لدعائك هتقبلي يعني ؟
قلتُ في نفسي :
ـ يا بني فيه حاجات البنت مينفعش تقولها .. بس بتكون واضحة .
ثم سمعته يقول :
ـ بس انتي غنية .. فلوس .. إيرادات ... وكمان عرفت إنْ معاكم أفدنة في الصعيد .
قلت :
ـ ما هو إنت لو رجعت لربنا وتركت الكازينو والمخدرات واشتغلت أي شغلانة بالحلال هتبقي حاجة كويسة .
قال :
ـ طيب وأشتغل إيه يا نسمة ؟
قلت :
ـ احنا معانا أرض وزراعة كتير .. وابويا ربنا يرجعه بالسلامة ممكن يشغلك معاه .. إنت أنوي بس تسيب المعاصي دي وأنا هكلم بابا يشغلك معاه .
ابتسم ولم يرد ، فقلت :
ـ إيه ؟ ! متكبّر تشتغل في الزراعة وتجارة القصب والفواكه ؟
أجاب مبتسما :
ـ لا مش متكبر .. بس خلاص .
قلت :
ـ خلاص إيه ؟ انت عايز تجنني ؟
قال :
ـ خلاص عرفت إجابتك .
قلت :
ـ إجابة إيه ؟
قال :
ـ متشغليش بالك بقا يا نسمة .
قلت :
ـ لا .. لازم إعرف .
قال :
ـ يعني عرفت إنْ لو تقدمتلك .. قصدي لو تقدملك واحد شغّال شغلانة شريفة هتوافقي حتى لو كان فقير .
قلت :
ـ طيب إعمل حسابك دي اخر مرة أخرج معاك فيها ... ولولا إنّي عوزاك تهرب قبل ما تتمسك في عملية بيع مخدرات مكنتش وافقت أخرج معاك ... يلا نمشي .
نهضنا فأشار للنادل وغادرنا .
حينما وصلت الكازينو تركني زيزو وغادر ودخلت الكازينو ، وبينما أنا أصعد رأيت عز ( اللى شغال على العود ) وأمامه جهاز لابتوب بينظر إلى شاشته ، وحينما اقتربت منه أغلق جهاز اللابتوب في ارتباك وقال :
ـ الدلوعة ... حمد الله على السلامة .
