![]() |
رواية عشق ودموع الفصل السابع عشر بقلم سوسو أحمد
حين يعود الأمل متأخرًا… لكنه صادق
لم تكن السماء صافية ذلك الصباح.
غيوم رمادية اصطفت فوق المدرج، كأنها تعرف أن القادم ليس رحلة… بل وداع أخير.
الطائرة الخاصة هبطت ببطء في مطار القاهرة، بلا ضجيج، بلا تصفيق.
نعش أبيض، مُغلّف بعلمٍ صامت، يحمل جسد آدم… ورجلًا لم يُسمَح له أن يشيخ.
وقف يوسف على بُعد خطوات، ملامحه ثابتة، لكن عينيه كانتا غارقتين في شيء يشبه الذنب.
إلى جواره، مريم.
سوداء بالكامل، لا زينة، لا دموع.
الوجع حين يكتمل… لا يصرخ.
حين أُنزل الجثمان، شعرت مريم بأن الأرض تميد.
ليس لأن آدم رحل…
بل لأن جزءًا من الماضي يُغلق بلا اعتذار.
فلاش باك
قبل اثني عشر عامًا…
كانت تقف في المكان نفسه تقريبًا، لكن بيدٍ ترتجف، وقلبٍ مكسور.
يوسف يومها قال لها:
— أنا عمري ما هسيبك.
لكن العالم كان أقوى من الوعد.
عاد صوت المؤذن.
عاد الواقع.
دُفن آدم في مقابر العائلة.
وقف الناس صفوفًا، تعازٍ، همسات، دعوات محفوظة.
بعضهم حزن…
وبعضهم اكتفى بالمشاهدة.
غزل كانت ممسكة بيد أخيها مؤيد بقوة.
لا يفهمان الموت، لكنهما شعرا بأن شيئًا ما لن يعود.
أما سيف وجنات، فكانا يقفان بعيدًا، بملامح جامدة، لا دموع، فقط غضب صامت.
غضب طفلين خُطف أبوهما فجأة.
مرّت الأيام…
ثم الشهور…
ثم عام كامل.
عام لم يكن نسيانًا، بل تعوّدًا على الغياب.
في مساءٍ هادئ، كانت مريم تجلس في شرفة بيت أهلها.
هاتفها يضيء باسمٍ لم يظهر منذ سنوات طويلة:
يوسف.
ترددت…
ثم ردّت.
— مساء الخير.
— مساء النور يا مريم… وحشتيني.
لم يكن اعترافًا.
كان بداية.
صار الحديث يوميًا.
ساعة…
ساعتين…
ذكريات، ضحك خفيف، صمت مريح.
فلاش باك
يوسف يتذكرها وهي تبكي ليلة طلاقها.
يتذكر كيف تركها خوفًا…
وكيف خسرها ضعفًا.
وفي ليلة، قال لنفسه وهو يغلق الهاتف:
لو استنيت أكتر… حد غيري هيحبها صح، وأنا هرجع متأخر.
بعد أسبوع واحد فقط،
وقف يوسف أمام بيت أهل مريم.
لم يحمل باقة ورد.
لم يتزين بالكلمات.
دخل بثبات رجل يعرف ما يريد.
جلس أمام والدها، وقال بصوت واضح:
— أنا جيت أطلب إيد مريم… للمرة التانية.
بس المرة دي،
من غير خوف،
ومن غير إجبار،
ومن غير دموع.
نظر الأب إلى ابنته.
لم تتكلم.
ابتسمت…
وهزّت رأسها موافقة.
لم تكن زوجة هاربة هذه المرة.
كانت امرأة تختار.
تم تجهيز كل شيء سريعًا.
قاعة كبيرة.
أهل، أقارب، فرحة ممزوجة بذكرى حزن قديم.
غزل ومؤيد كانا يركضان في القاعة بسعادة.
أما سيف وجنات، فوقفا بعيدًا.
ينظران إلى مريم…
ولا يقتربان.
يوسف لاحظ.
اقترب منهما بهدوء، انحنى لمستواهما، وقال:
— أنا مش جاي آخد مكان باباكم.
أنا جاي أكون معاكم… لو حبيتوا.
لم يردا.
لكن شيئًا ما انكسر داخلهما.
بعد الزفاف،
في البيت الجديد،
قال يوسف وهو يجمع الأطفال:
— غزل ومؤيد هيروحوا معانا،
وسيف وجنات كمان…
البيت ده يسع الكل.
فلاش باك
يوسف يتذكر أباه وهو يقول:
اللي يكسب قلوب العيال… يكسب الدنيا.
ومع الأيام…
أحبّه سيف.
ضحكت جنات معه.
لم يُفرّق بينهم.
لم يُقارن.
كان أبًا… دون أن يدّعي اللقب.
وفي ليلة هادئة،
وضعت مريم رأسها على كتف يوسف وقالت:
— اتأخرنا قوي.
ابتسم وقال:
— بس وصلنا صح.
في مكانٍ بعيد…
قد يكون الدم نسي،
وقد يكون الحساب أُغلق،
لكن القلوب…
حين تُمنح فرصة ثانية،
تعرف كيف تعيش.
:
لم يأتِ السلام دفعة واحدة.
لم يدخل البيت ضيفًا دائمًا منذ اليوم الأول.
السلام… تعلّم الطريق خطوة خطوة.
في الأسابيع الأولى، كان سيف وجنات يراقبان أكثر مما يتكلمان.
عيناهما تبحثان عن أثر الأب الغائب في كل زاوية.
في الضحك…
في صوت المفتاح…
في الكرسي الفارغ.
غزل ومؤيد لم يسألا كثيرًا.
الأطفال حين يشعرون بالأمان، لا يفتّشون في الجراح.
كانا يلعبان، يضحكان، يجرّان سيف وجنات إلى عالمهما دون قصد.
كرة في الصالة،
رسمة على الحائط،
ضحكة تسقط فجأة وتكسر الصمت.
يوسف لم يتعجّل.
لم يطلب حبًا،
لم يفرض وجودًا،
كان حاضرًا فقط… بثبات.
إذا مرض أحدهم، كان أول من يسهر.
إذا خاف طفل في الليل، كان صوته هو الذي يطمئن.
لم يفرّق يومًا بين ابنٍ وابنٍ آخر.
الطبق واحد.
العقاب واحد.
الحنان واحد.
فلاش باك
كان يوسف يتذكر نفسه طفلًا،
حين شعر لأول مرة أن أحدًا اختاره…
لا لأنه مجبر،
بل لأنه يستحق.
ومع الوقت…
سيف بدأ يناديه:
— عمو يوسف…
ثم صمت طويل…
مرت خمس اشهر علي زواج يوسف ومريم
ثم يوم قالها دون أن ينتبه:سيف
— بابا.يوسف
تجمّد يوسف في مكانه.
لم يلتفت.
لم يعلّق.
لكنه في تلك الليلة بكى لأول مرة منذ سنوات.
جنات كانت أهدأ.
اقتربت في يومٍ ممطر،
وضعت رأسها على كتفه، وقالت بصوت خافت:
— بابا… انت مش شبه بابا التاني.
انت طيب.
ضحك يوسف وهو يمسح دموعها، وقال:
— ولا عمري هحاول أبقى غير نفسي.
مريم كانت تراقب من بعيد.
قلبها كان ممتلئًا لأول مرة دون خوف.
لا صراخ.
لا تهديد.
لا هروب.
بيتهم صار هادئًا.
لا ضغوط.
لا دم.
لا ظلال ماضٍ تطارد الجدران.
الأيام مرّت عادية…
وهذا كان أعظم إنجاز.
في ليلة بسيطة، جلسوا جميعًا على مائدة واحدة.
ضحكوا.
تشاجروا على قطعة حلوى.
وتصالحوا بسرعة.
نظرت مريم إلى يوسف، وهمست:
— كنا نستحق ده من زمان.
أجابها بهدوء رجل وصل أخيرًا:
— كل حاجة بتيجي في وقتها… حتى الطمأنينة.
وفي زاوية بعيدة من هذا العالم،
قد يكون الألم خسر معركته.
وقد يكون الماضي سلّم أخيرًا مفاتيحه.
لكن هنا…
في هذا البيت،
الحب لم يعد جريمة،
ولا حلًا مؤقتًا،
بل حياة كاملة…
تُعاش.
كانت الليلة هادئة على غير العادة.
البيت غارق في سكون دافئ، والأطفال ناموا أخيرًا بعد يوم طويل من الفرح.
جلست مريم على طرف السرير، تلمس خاتمها كأنها تتأكد أن كل ما حدث حقيقي.
يوسف كان يقف عند الشرفة، ينظر للسماء، صامتًا.
الصمت هذه المرة لم يكن راحة…
كان انتظارًا.
قالت مريم بصوت منخفض:
— يوسف… لازم أحكيلك حاجة.
التفت إليها ببطء.
في عينيه شيء بين القلق والاهتمام.
— يوسف خير يانبض قلب يوسف؟
تنفست بعمق، كأنها تغوص داخل نفسها، ثم .
تحدثت قائله عايزه احكيلك ليه طلبت الطلاق من 12سنه
قال يوسف برقه ده ماضي ياريري لازم ننسه ونبداء حياتنا من جديد كانها اول مره متفكريش في الماضي ابدا
قالت مريم لا لازم احكيلك علشان نبداء حياه. كلها سعاده لازم نقفل صفحه الماضي حلوه او مره عشان ماعاشي بذنب من نحيتك وجحر قرص علي قلبي مش، عارفه اتنفس منه
يوسف لو كان ده هيريح ويشيل من علي علي قلبك عباء كبير قولي انا سمعك
بدات مريم تحكيله كل حاجه
فلاش باك
كانت مريم تجلس وحدها، والهاتف في يدها يرتجف.
صوت آدم على الطرف الآخر بارد، قاسٍ:
— لو ما طلبتيش الطلاق من يوسف،
قسَمًا بالله هأذيكي…
وهأذيه هو كمان ومعاكم هأذي اولادك واخطفهم مش هتشوفيهم مره تانيه.
لا يوسف لا وولادي كمان هم
— مالهش ذنب… سيبهم في حاله.
قالتها وهي تبكي.
ضحك آدم ضحكة خالية من الرحمة:
— ده بالذات اللي هيخليني أوجعه.
فاكرة نفسك بتحبيه؟
يبقى تختاري…
يا تبعدي عنه، توطلاقي
يا تشوفيه بيتكسر قدامك. وولادك كمان مخطفين هتزيد كسرته وهو مش قادر يعمل لي اولاده وهما بيتخطفوا قدام عينه
أغلق الخط.
وظلت هي ترتجف.
لم تفكر في نفسها.
فكرت في يوسف…
في قلبه الطيب،
وفي ضعفه الوحيد: حبه لها.
وفي الصباح…
طلبت الطلاق.
والفعل تم الطلاق وكانت وقتها برتجف لانه خسرت مبص قلبها وبكاءها وخي بتوقع اورق الطلاق
عاد صوتها إلى الحاضر.
باك
يوسف ليه مقولتيش ليه كل ده قبل مانطلاق ونتوجع كل يوم اكتر من اللي قبله بسبب الفراق ليه ليه يامريم عملتي فينا كده كسرتيني وقبل ماتكسريني كسرتي نفسك بوجودك بين يد رجل مابتحبهوش وعشتي معاه غصب عنك وانت مجبوره علشان تحميني وتحمي الاولاد
قالت مريم وهي تنظر في الأرض:
— ماكنش ينفع أحكيلك…
كان بيهددني. انه هيقتلك صدقني
خفت عليك.
مقدرتش أوجعك أكتر.
ساد صمت ثقيل.
يوسف اقترب منها فجأة، صوته خرج مكسورًا لأول مرة:
— يعني إيه خفتي عليّا؟ ليه وجعتني كده انتي عارفه انت عاملتي ايه انت كسرتي رجولتي
معقول للدرجة دي كنتِ شايفاني ضعيف؟ وجبان صغير اوي كده لدرجه تشكيني في رجولتي اني اهملت فيكي انت والاولاد واني؟
مش قد المواجهة؟
رفعت رأسها بسرعة:
— لا… والله لا.
أنا كنت شايفاك أغلى من إني أعرّضك للخطر.
هزّ رأسه بألم، صوته ارتفع:
— طيب وليه سيبتيني أتوجّع؟
ليه سيبتيني أفتكر إني قصّرت؟
إني ماستاهلش؟ اكون زوجك
ليه عشت وعيشتني سنين وأنا حاسس إني مكسور من غير سبب؟
اقترب أكثر، صوته ارتجف:
— ليه محكتيش من الأول؟
كنتِ رميني في نار وأنا فاكرهك هترجعي تاني او ان كل ده حلم او كابوس وهصحي القيقيك جمبي اتريني صحيت علي وهم ووجع وحلم عشته وصدقته لوحدي.
في اللحظة دي
انهمرت دموع مريم أخيرًا:
— لأني خوفت…
آه خوفت.
خوفت يقتلوك.
خوفت أخسرك للأبد.واخسر ولادنا
اخترت أضيع أنا…
ولا أضيعك. انت ولاولاد
سقط يوسف على طرف السرير، وضع رأسه بين كفيه.
صوته خرج منخفضًا، موجوعًا:
— كنتِ ظلماني يا مريم…
وظلمتي نفسك. وظلمتي ولاولادنا
إحنا كان المفروض نواجه سوا.
اقتربت منه، وضعت يدها على كتفه:
— سامحني…
كنت فاكرة إني قوية وأنا لوحدي.
طلعت أضعف من إني أستحمل من غيرك.
رفع رأسه، نظر إليها طويلًا، ثم قال بهدوء متعب:
— إحنا خسرنا سنين… في بعدنا عن بعض
بس خلاص.
من دلوقتي،
مفيش حاجة تتخبّى.
شدّها إلى صدره بقوة، كأنه يستعيدها من زمن ضاع.
قال وهو يغمض عينيه:
— أي خطر…
أي تهديد…
أي وجع…
نتقسمه سوا.
وإلا يبقى ملوش معنى.
هزت مريم راسها، وهي تبكي وتبتسم في آنٍ واحد.
هذه المرة…
لم تكن وحدها.
وفي تلك الليلة،
ناما أخيرًا بلا خوف،
بعد أن انكشف السر…
وسقط آخر جدار بين قلبين
تأخرا…
لكن التقيا بصدق.
