![]() |
رواية ما ذنب الحب الجزء الثاني من ضحايا الماضي الفصل التاسع عشر بقلم شهد الشوري
حالة من الصدمة العارمة سيطرت على الجميع، كأن الزمن توقف وفجأة دوت صفارات الشرطة في الخارج بقوة تخترق الصمت كصرخات إنذارٍ متتالية، فانتفضت القلوب قبل الأجساد كان يونس أول من تحرك بعينين متسعتين ووعي حاد رغم الفوضى تقدم سريعًا وانتزع السكين من يد قمر التي كانت واقفة كتمثالٍ فاقد الروح وملامحها شاحبة كأن الدم انسحب من وجهها......
دفعها برفقٍ ناحية شقيقته سيدرا وصوته خرج حاسمًا رغم الارتجاف الخفي فيه :
خديها فوق بسرعة !!!!
أمسكت سيدرا بـقمر دون أن تفهم ما يحدث حولها
لم يكن أحدٌ يفهم
كل شيء حدث أسرع من قدرة العقول على الاستيعاب
لكن لم تمر لحظات حتى اقتحمت الشرطة المكان
اندفعوا إلى الداخل بخطواتٍ حازمة، وما إن وقعت أعينهم على الجسد الملقى، الدم المنتشر، والوجوه المذهولة
حتى فهموا أن ما حدث ليس شجارًا عابرًا
تقدّم أحد عناصر الشرطة، ونظر حوله بتركيزٍ حاد ثم سألهم بصوتٍ حاد :
ايه اللي حصل هنا....؟!!
قبل أن ينطق أحد وقبل أن تخرج الكلمات في أفواههم
خرج صوت يونس قويًا، حاسمًا :
أنا اللي قتلته !!!!!
تجمد الهواء في المكان
اتسعت عينا قمر بصدمةٍ قاسية….
كذلك سيدرا التي كانت واقفة معها عند بداية الدرج في الأعلى كان صوت يونس كصفعةٍ أعادتها إلى وعيها بعد تيهٍ قصير، ظلت واقفة لحظة، تحاول استيعاب ما سمعت
ثم اندفعت فجأة نحو الأسفل
لكن قبل أن تصل إليه تقدم سليم بسرعة، ووقف في طريقها صوته خرج حادًا، غاضبًا، لكنه كان يحمل قلقًا خفيًا :
اسكتي خالص وغوري على فوق دلوقتي
هزت رأسها بعنفٍ رافضة، ودموعها بدأت تنهمر بلا توقف كلماتها خرجت متكسرة، مملوءة بهذيان وألم :
يونس مالوش ذنب أنا اللي قتلته هو كان يستاهل الموت يا سليم خليهم يسيبوا يونس أنا الغلطانة مش هو !!!
ارتفعت الأصوات وتدخلت نساء المنزل بسرعة وأمسكن بها بالقوة رغم مقاومتها وسحبوها إلى الأعلى بينما كانت تصرخ وتبكي كأن روحها تُنتزع من صدرها
في الأسفل كان قلب إلياس يتمزق وهو يرى ابنه يُقاد بعيدًا
اندفع خلفه بسرعة، ولحق به بعض رجال العائلة، بينما بقي آخرون في الداخل ينتظرون سيارة الإسعاف
لم تمضي لحظات حتى وصلت سيارة الإسعاف، ونُقل نوح إلى المستشفى تحت إشراف رجال الشرطة !!
تحول المكان إلى فوضى عارمة
هرجٌ......صراخ.....خطوات متسارعة......
قبل لحظات فقط كانوا يلتقطون أنفاسهم من مصيبةٍ سابقة فإذا بمصيبةٍ أخرى تضربهم دون رحمة
صدق من قال إن المصائب لا تأتي فرادى
في زاويةٍ بعيدة، كان أدهم واقفًا بصمتٍ تام، ملامحه جامدة لكن داخله عاصفة لا تهدأ
فكره لم يتوقف عن فكرةٍ واحدة
يتمنى أن تكون مجرد وهم.....مجرد سوء فهمٍ منه
لكنه أفاق سريعًا
استعاد وعيه، وهو يدرك أن عليه التدخل
أن ينقذ يونس الذي فدى ابنته وحمل ذنبًا لم يرتكبه
على مضض أمسك أوس هاتفه، واتصل بـغزل الصياد
كان يعلم أنها الوحيدة القادرة على إخراجهم من هذه الورطة
رغم خلافه معها ورغم بغضه لها
إلا أنها كانت محاميةً بارعة داهية في القانون
كما يقول الجميع وبالفعل لم تتأخر بل سبقتهم إلى هناك
وصلوا ليجدوها واقفة بثيابها الأنيقة المعتادة، حضورها قوي ملامحها مشعة بأنوثةٍ جريئة، وعيناها تلمعان بذلك البريق المعتاد مزيج من الذكاء والجنون وما إن عرفت أن من يتولى التحقيق مع يونس هو سراج تنهدت بارتياحٍ واضح فهو ابن عمها، دخلت إلى المكتب مباشرة، وتحدثت معه لبعض الوقت حديثٌ لم يسمع أحد تفاصيله
ثم خرجت، وطلبت حضور إلياس وآدم وأوس وأصر أدهم أن يكون معهم أيضًا اقترب أدهم من يونس، وربت على كتفه برفق، بنظرة امتنانٍ صامتة نظرة فهمها يونس جيدًا
ثم بدأت غزل حديثها، بنبرةٍ جادة لا تعرف المزاح :
سراج هيمحي أي اعتراف يونس قاله إنه قتل نوح وكل اللي هتقوله إن نوح حاول يتهجم على قمر واتطاول عليها بكلام مهين يمس الشرف وانت دافعت عنها بصفتها مراتك القصة دي تفضل ثابتة ما تتغيرش وطبعًا الخدم والحراس هيشهدوا بكده
توقفت للحظة ثم أكملت بعملية :
ده في حالة إن المجني عليه لسه عايش أما لو اتوفى ساعتها الأقوال كلها هتتغير وهنطلب من الطب الشرعي يعمل فحص مجهري لسلاح الجريمة وساعتها هنقول إن زوجتك هي اللي طعنته بعد ما التقرير يطلع ان بصمتك انت كانت قبل بصمتها
قبل أن تكمل انفجر ردد يونس بحدة وشراسة واضحة :
إياكي.....مراتي بره الموضوع ده
ابتسمت غزل ابتسامة جانبية، هادئة، ثم قالت بثقة :
قمر هي المفتاح عشان الليلة دي كلها تتفض في حالة إنها هي اللي كانت بتدافع عن نفسها وبشهادة الخدم إنه حاول يتهجم عليها وتطاول عليها بالكلام في الحالة دي هنقول دفاع عن الشرف وكانت بتحمي نفسها
ثم أردفت بنبرةٍ عملية :
لكن لو المجني عليه طلع عايش وهيطلع إن شاء الله ساعتها مهمتكم تجبروه يتنازل ويعترف إنه هو اللي بدأ لما استفز يونس واتطاول على مراته كل ده سابق أوانه طبعًا أهم حاجة دلوقتي في التحقيق تقول اللي قولت عليه تطاول على مراتك وانت كنت بتدافع عنها وخطوة خطوة هنمشي مع بعض.....أنا بس بفهمكم الوضع باختصار
قطع حديثها إلياس الذي قال بنبرةٍ حادة تحمل خوف الأب أكثر من غضبه :
ابني مش هيدخل السجن ولا يوم اتصرفي حتى لو هتاخدي ملايين بس دخول ابني السجن لا
نظرت إليه غزل بجديةٍ تامة، ثم قالت بهدوء :
دي سهلة من خلال معارفكم ومعارفي ممكن يبات مع الظابط في مكتبه لكن الأكيد إنه هيتحبس كام يوم على ذمة القضية لحد ما نعرف وضع المجني عليه وساعتها ممكن نعمل معاه زي ما عملنا في قضية مالك عشان مايفضلش في الحبس
ساد صمتٌ ثقيل بعد كلماتها صمتٌ يحمل خوفًا وترقّبًا.....!!!
.............
بعد صراعٍ طويل، وإلحاحٍ لا ينتهي منها للجميع ها هي قمر أخيرًا وذهبت لرؤية يونس كانت خطواتها ثقيلة كأن كل خطوة تحمل فوقها جبلًا من الذنب والخوف وقلبها يخفق بعنفٍ وهي تقترب من المكتب الذي يُحتجز فيه
ما إن فتحت الباب ودخلت
حتى انتفض يونس من مكانه فور أن وقعت عيناه عليها
تجمد لحظة وهو يتأمل هيئتها المزرية عيناها متورمتان من البكاء ووجهها شاحب كأن الحياة انسحبت منه !!!
اقترب منها بسرعة، وكأنّ المسافة بينهما تخنقه وأحاط وجهها بين كفّيه يسألها بخوفٍ ولهفة :
مالك يا قمر إيه اللي جابك في وقت متأخر زي ده
تنحنح الضابط الموجود في الغرفة ثم قال بهدوءٍ مقتضب إنه سيتركهما قليلًا، وخرج مغلقًا الباب خلفه وما إن خرج
حتى جذب يونس قمر برفق وأجلسها على المقعد ثم التقط زجاجة مياه وفتحها بسرعة، وقربها من فمها :
اشربي اشربي الأول !!
كانت يداه حنونتين صوته هادئًا كأنه يحاول جمع شتاتها قبل أن تنهار شربت قليلًا، لكن جسدها ظل ينتفض بلا سيطرة
اقترب منها أكثر وضمها إلى صدره بحنان يربت على ظهرها برفق، ويتمتم بكلماتٍ هادئة يحاول بها تهدئتها ومن بين شهقاتها المتقطعة، فهم بعض الكلمات
فهم أنها تلوم نفسها أنها ترى نفسها السبب في وجوده هنا
رفع وجهها إليه، ونظر في عينيها بحنانٍ يفوق كل الحدود قائلاً بصوتٍ دافئ :
إيه يعني اتسجنت بسببك فداكي عمري كله يا قمر
بس إنتي تأمري وبعدين كان ينفع يعني أسيبهم ياخدوكي قدامي وأنا أفضل ساكت ده أنا أهون عندي ياخدوا روحي قبل ما أشوفك هنا
ثم شاغبها بخفةٍ، وهو يقبل جبينها لأول مرة :
متجوزة راجل يفديكي بروحه يا هبلة خليكي واثقة في كده وبعدين لو إنتي مكنتيش قتلتيه كنت أنا اللي قتلته وطلعت بروحه في إيدي
ارتجفت شفتا قمر ثم تمتمت بصوتٍ مبحوح تبوح بما ظل يحترق داخلها :
لما شوفته قدامي كنت حاسة إني شايفة شيطان مش بني آدم شيطان جاي يكسر أهلي بيا.....زي ما سبق وكسرني......
قاطعها يونس فورًا، بنبرةٍ حازمة ممزوجة بحب :
ما عاش ولا كان اللي يكسرك طول ما أنا عايش
نظرت إليه بصمتٍ ممتن ثم تابعت بصوتٍ مكسور :
محستش بنفسي غير وأنا باخد السكينة وبضربه بيها كنت عاوزة أموته قبل ما يموت حد تاني غيري بالبطيء مكنتش أعرف إنك هتتعرض لكل ده بسببي كنت سيبهم ياخدوني أنا....أنا المذنبة.....أنا اللي سمحت لواحد زي ده يلعب بيا
أنا اللي وثقت في واحد غدار اغتصبني عشان يذل أبويا اللي ياما حذرني منه أنا الغلطانة وإنت مالكش ذنب في أي حاجة مكنش ينفع تدخل من الأول وتتجوز أصلًا واحدة زيي يا يونس.....أنا مستاهلش إن حد يعمل معايا كده !!
ظل ينظر إليها بعينين ممتلئتين بحنانٍ صادق ثم قال :
إنتي تستاهلي كل حاجة حلوة يا قمر إنتي مالكيش ذنب في أي حاجة وزي ما قولتلك فداكي عمري كله.....
انتي اغلطي وكسري الدنيا كلها ومهما كان هتلاقيني في ضهرك دايمًا
نظرت إليه بامتنانٍ عميق والدموع تنساب بصمت على وجنتيها وهي ما تزال تنتفض بين ذراعيه التي تحيطها بحنان
في لحظة استسلم قلبه لدفء وجودها بين يديه
لأول مرة تحضنه دون خوف دون تردد
رفع يده ومسح دموعها برفقٍ شديد، بحنانٍ جعل قلبها يرتجف، اقترب منها أكثر وألقى جانبًا كل الأصوات التي كانت تمنعه ثم لامست شفتيه شفتيها في قبلةٍ طالما حلم بها
تجمدت قمر لحظة، صدمةٌ قصيرة تملكت منها
لكنها لم تبتعد.....
بل اقتربت منه بخجلٍ شديد تبادله القبلة على استحياء
تعالت دقات قلب يونس بجنون
كأنّ العالم كله اختفى، ولم يبقى سوى تلك اللحظة
لكنّه تمالك نفسه بصعوبة وابتعد عنها، ينظر إليها بابتسامة دافئة بينما احمر وجهها خجلًا وقبل أن يقول شيئًا
طُرق الباب ثم دخل الضابط قاطعًا تلك اللحظة
ليردد يونس بهدوء :
روحي إنتي يا قمر ومتتكلميش مع حد في أي حاجة
هزت رأسها بعناد، وتمسّكت به أكثر، قائلة بخوف واضح :
لا مش هسيبك لحد ما نخرج من هنا سوا
طار قلبه من الفرح وهو يراها تتمسك به بهذا الشكل
لو كان يعلم أن هذا سيحدث لقتل نوح من اللحظة الأولى فقط لتبقى قريبة هكذا وفي تلك اللحظة دخل إلياس
نظر إلى ابنه نظرة طويلة نظرة فخرٍ وحبٍ واضحين
ثم التفت إلى الضابط وقال بجدية :
عاوزك لو سمحت
بعد دقائق عاد إلياس وقال بهدوء وهو ينظر إلى يونس ثم إلى قمر :
تقدر تستنى معاك النهارده أنا كلمت الظابط واتفقنا بس متاخدوش على كده أنا بالعافية أقنعته كفاية إنه هيبقى متشرد في القسم للصبح بسببكم
ابتسم يونس لوالده بامتنان
أما قمر فنظرت إليه بحرجٍ وسألت :
طب وبابا وسليم هيوافقوا.....؟!!
رد عليها إلياس بهدوء :
هكلمه وأقوله وبعدين متخافيش إنتي المفروض مع جوزك
استعذب يونس تلك الكلمة.....زوجها !!!
حتى لو كانت الظروف قاسية
إلا أن سماعها وحده أشعل داخله شعورًا عميقًا بالانتماء
خرج إلياس فأغلق يونس الباب، والتفت إليها
كانت تقف بخجلٍ شديد وجهها ما زال محمرًا اقترب منها قائلاً بمرح :
كنا بنقول إيه قبل ما الظابط الرخم ده يدخل؟
ارتبكت أكثر، وتلعثمت وهي تقول :
انت اللي قربت أنا سكت بس عشان.....
عشان إنت هنا بسببي!!
ابتسم بمكرٍ لطيف ثم قال :
حد قالك إن كلامك دبش يا قمر؟
هزت رأسها نفيًا فضحك بصوتٍ خافت ثم سألها باهتمام :
إنتي كلتي؟
هزت رأسها نفيًا فتح الباب بسرعة فوجد والده ما زال جالسًا ينتظر :
بابا عاوزين أكل
نظر إليه إلياس وقال بسخرية :
حد قال لأهلك إنك هنا في أوتيل خمس نجوم
إنت في قسم يا يالا
أرسل يونس له قبلة في الهواء ضاحكًا :
متتأخرش عشان قمر ما كلتش حاجة من الصبح
ضحك إلياس رغم كل شيء
مندهشًا من ابنه الذي نسي مصيبته لمجرد وجودها بجانبه
عاد يونس إليها وجدها شاردة
اقترب، وقال بمكر :
لسه حاسس بطعم الشهد
شهقت قمر بخجلٍ شديد فضحك هو بقوة
لكنها اعتدلت، وقالت له بهدوءٍ مرتبك :
ينفع ما تعملش كده تاني يا يونس أنا وإنت عارفين إن دي لحظة وعدت إحنا إخوات مكنش ينفع ده يحصل !!
اختفت ابتسامته وقال بهدوءٍ ثقيل :
آه طبعًا إخوات
شد على شعره وهو يتمتم لنفسه بضيق :
إخوات قال !!
نظرت إليه بتعجب :
بتقول حاجة يا يونس؟
التفت إليها بابتسامة مصطنعة قائلاً :
بقول بابا اتأخر علينا بالأكل....يا أختي يا حبيبتي
مر وقت قصير وأكلت معه ومع والده
ثم أصر يونس على أن يذهب والده ويرتاح ويأتي في الصباح
جذبها برفق، وتمدد على الأريكة الجلدية الوحيدة في المكتب :
يلا خلينا ننام
انتفضت بفزع :
بتعمل إيه يا يونس عيب نام إنت هنا وأنا هقعد على الكرسي
ابتسم بسخريةٍ خفيفة :
آه وماله
ثم جذبها نحوه قائلاً بسخرية :
نامي يا أختي يا حبيبتي إنتي نايمة في حضن أخوكي.....مش جوزك ولا حد غريب !!!
ترددت بخوف وحاولت النهوض ليردد يونس بغيظ :
لو مانمتيش من سكات هخلي الظابط ينزلني الحجز مع المجرمين وأسيبك لوحدك
هزت رأسها بخوف واستسلمت، نامت على مضض
لكنه جذبها لتنام داخل حضنه، رافضًا أي محاولة منها للابتعاد
لم يكن يعلم متى ستتاح له فرصةٌ كهذه مرة أخرى ليستغلها
بينما كانت هي تغفو ببطء ظل هو مستيقظًا يتأملها
يمرر يده برفق بين خصلات شعرها البنية
ثم على وجنتها البيضاء الناعمة
قبلها قبلاتٍ صغيرة ناعمة تشبهها تمامًا
حتى غفا أخيرًا لأول مرة وهي بين ذراعيه
حقًا رغم كل ما حمله هذا اليوم من مصائب
إلا أنه كان بطريقةٍ غريبة يوم تحقيق أمنيات ظنها يومًا مستحيلة !!!
..........
اقتربت غزل من سيارة أوس بعد أن خرجوا من القسم لم تبتعد عنه خطوة واحدة كأنها التصقت به عنادًا وإصرارًا
كان جالسًا خلف المقود ساكنًا كتمثال وعيناه غارقتان في فراغٍ ثقيل حزنٌ صامت يضغط على صدره كأن هموم الدنيا كلها تراكمت فوق كتفيه دفعةً واحدة
اقتربت أكثر وانحنت قليلًا نحوه وصوتها خرج رقيقًا على غير عادتها يحمل نبرة دلعٍ خفيفة :
مالك يا مالك قلب غزل؟
لم ينظر إليها ظل محدقًا أمامه كأنه لا يراها أصلًا ثم خرج صوته أخيرًا مثقلًا بكل ما يحمله في صدره :
انا تعبت هنلاقيها من مين ولا مين، وهنحل ورا مين ولا مين اتربينا كويس بس مقدرناش نربي عيالنا حتى الوحيدة اللي اخترتها في الدنيا وحبيتها من قلبي اتغشيت فيها
تنهد بعمقٍ موجع، كأن الهواء نفسه صار ثقيلًا في صدره :
كل ما أحاول ألاقي مبرر ليها مش بلاقي بحاول أخلي قلبي يحن ليها بس ولا بيحن، بحبها ولا بطلت مش عارف نفسي أنتقم منها على الكره اللي اتزرع بين ولادي واللي كانت هتعمله في بنت أختي.....
اشتدت ملامحه، وصوته صار أكثر قسوة :
نفسي أنتقم بس إزاي وهي أم أولادي لو أذيتها هخسرهم طول العمر بس في نفس الوقت قلبي مش مطاوعني أسامحها لحد دلوقتي مش مصدق إن لساني نطق كلمة عمرها ما خطرت على بالي انطقها ليها.....مش مصدق إني طلقتها !!
صمت بعدها صمتٌ ثقيل، كأن الكلمات نفسها أنهكته
نظرت إليه غزل لحظةً طويلة، تراقب ملامحه المنهكة
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة فيها ثقة ومكر في آنٍ واحد
قائلة بهدوءٍ محسوب :
طب واللي يقولك تنتقم منها إزاي من غير ما تأذي ولادك ولا توسخ إيدك في أي حاجة
التفت إليها أخيرًا نظرة استغراب واضحة ارتسمت في عينيه
رفعت حاجبها بثقة ثم قالت بغرور :
اتجوزني !!!!
زفر أوس بضيقٍ واضح، وكأنها عادت لعادتها التي يعرفها جيدًا لكنها لم تتراجع بل اقتربت أكثر ونبرتها صارت أكثر مكرًا :
ما تستخفش بكلامي يا روحي أنا ست زيها وعارفة إيه اللي يحرق قلب أي واحدة مهما كانت مين
مالت نحوه قليلًا وعيناها تلمعان بفكرةٍ خبيثة :
الست بتتقهر لما حد يشاركها جوزها تخيل تبقى معايا قدامها وتشوف المكان اللي فرطت فيه بقى لغيرها، تخيلها كده مهرة مش بعيد تولع فيا أصلًا من الغيرة والغل لما تشوفنا
ساد صمتٌ قصير لكن عقل أوس بدأ يعمل رغم إرادته
تذكر زواجه الصوري من سارة سابقًا
حتى الآن لم تنسى مهرة ذلك بل كرهت سارة وحياة بسببه
ليس بسببه فقط هي تكره من تشعر أنه أفضل منها
بل تحترق من الغيرة !!
تابعت غزل كلامها بمكرٍ أكبر وهي تراقب تغير ملامحه ومدى تأثير كلامها عليه :
تخيلها كده يا أوس وبعدين إنت عارفني يا روحي هحرقلك دمها واخليها تشعلل.....كيادة بقى وإنت عارفني
أنهت كلامها بغمزة شقية جعلته يضحك بخفوتٍ رغماً عنه
لكن خلف تلك الضحكة
كان رأسه يدور في أكثر من اتجاه
فكرة الانتقام كانت مغرية
خصوصًا حين تأتي بطريقةٍ لا تجرح أولاده ولا تجعله
يبدو ضعيفًا.......
بدا أنه، رغم تردده
بدأ يقتنع فعلًا بما تقوله غزل !!!!!
..........
كان البيت غارقًا في صمتٍ ثقيل صمت كأن الجدران نفسها تشعر بما يختلج في صدور من بداخله
يوسف ومروان وغنوة كلاً منهم في غرفته يحاول أن يستريح بعد تلك الليلة التي لم تترك فيهم طاقة ولا هدوءًا بعد أن أصرت حياة على يوسف أن يبقى معهم !!
لكن وسط هذا الصمت كان هناك قلبٌ واحد لا يهدأ
بدر التي كانت حياة تراقبه منذ الصباح تشعر أن صمته ليس عاديًا كان صمتًا مثقلًا، كأنه يحمل جبلًا فوق صدره
كلما سألته بقلقٍ عما به، كان يرد بكلمةٍ واحدة مقتضبة جافة كأنها تقطع الطريق على أي سؤالٍ جديد :
كويس
لكن ملامحه لم تكن توحي أبدًا بأنه بخير
كانت عيناه شاردتين، ووجهه مشدودًا، وداخله غضبٌ مكبوت ينتظر لحظة الانفجار ولم يصمد طويلًا
في منتصف اليوم، نهض فجأة كأن صبره انتهي واتجه بخطواتٍ حادة نحو غرفة مروان
في الداخل كان مروان جالسًا يشعر بثقلٍ خانق في صدره خجلٌ مرير وإحساسٌ بالخزي من مواجهة والده ومن نفسه قبل أي أحد فُتح الباب بعنفٍ مفاجئ
اقتحم بدر الغرفة دون استئذان متجاهلًا وجود يوسف الذي تعجب من اندفاع والده وغضبه غير المفهوم
دخل يوسف خلفه مسرعًا لكن ما إن دخل حتى تجمد مكانه
كان بدر واقفًا أمام مروان وملامحه مشتعلة بالغضب
ثم، في لحظةٍ خاطفة هوى بكفه على صدغ مروان بصفعةٍ قاسية مليئة بالغضب والعتاب والخذلان
دوى صوت الصفعة في الغرفة كأنه إعلان بداية عاصفة
انتفض يوسف وأسرع يغلق الباب خلفه ثم اقترب من والده بقلقٍ واضح يسأله :
إيه اللي حصل؟
لكن بدر لم يرد والأعجب أن مروان لم يعترض
لم يتكلم لم يحتج وقف صامتًا، كأنه كان ينتظر تلك الصفعة كأنه يعلم في داخله أنه يستحقها !!
لكن صدمة يوسف لم تكتمل بعد فجأة، التفت بدر نحوه بدون مقدمات هوى بصفعةٍ أخرى، قاسية، مباغتة، على صدغه هو الآخر اتسعت عينا يوسف بذهولٍ وصدمة
نظر بدر إليهما بغضبٍ مشتعل وصوته خرج مكسورًا بالقهر رغم حدته :
كل ما بشوفكم قدامي بقيت أشوف خيبة أملي وفشلي الكبير
إنتوا الحاجة الوحيدة اللي فشلت فيها، فشلت إني أربيكم محدش كسر ضهري زيكم، عمري ما كنت أتخيل إن اللي كبروا قدام عيني يوم بعد يوم يكونوا كده وبالأخلاق دي
ثم التفت نحو مروان، ونظر إليه بسخريةٍ مريرة :
واحد جايبه من حضن واحدة لمسها وهو عارف إن ده غلط مش بس غلط ده حرام.....قربلها مستغل.......
قاطعه مروان بسرعة، بصوتٍ مرتبك يحاول التبرير :
بابا أنا ما غصبتش حد ولا استغليت حد كله.......
لكن بدر قاطعه بسخريةٍ لاذعة وغضب :
حتى في دي مكنتش راجل عشان تقف وتتحمل مسؤولية اللي عملته مع البنت دي وعاوز تشيلها الليلة
ثم نظر إلى يوسف، الذي بدأ يجمع الخيوط ويفهم ما حدث وصوته ازداد تهكمًا :
والتاني الكبير ماسابش حاجة ما عملهاش إبليس ناقص يقوله تعالى اقعد مكاني من فجره
ساد صمتٌ ثقيل لثوانٍ ثم انفجر صوته مجددًا، هذه المرة أشدّ غضبًا وغيظًا :
هو أنا كنت رايح أجيبكم من قصر مخطوفين فيه ولا من جنينة الأسماك يا بن.....إنت وهو كل واحد فيكم عاملي فيها روميو وبيحب بس إنتوا ولا تعرفوا يعني إيه حب
كان صوته يرتجف، لا من الغضب فقط بل من وجعٍ حقيقي : مش لاقي كلام أقوله خسارة أصلًا فيكم خسارة كل السنين اللي تعبتها عليكم أنا وأمكم راحت هدر فكرت إني خيبت في تربية الكبير بس طلع الصغير كمان
أنهى كلماته واستدار مغادرًا لكن ما إن فتح الباب
تجمد مكانه كانت حياة تقف أمام الباب وجهها شاحب عيناها ممتلئتان بالحزن فقد سمعت كل شيء
نظرت إليه نظرةٍ موجوعة وغادرت معه
ثم وبعد إلحاحٍ شديد منها حكى لها بدر كل ما حدث بالتفاصيل ومع كل كلمة كانت دموعها تتساقط أكثر
حتى انهارت تمامًا، قلبها لم يحتمل كل ما يحدث !!!
بينما في الأسفل كانت غنوة مستيقظة منذ ساعات عيناها لم تذقا النوم منذ ما حدث كلما تذكرت ما حدث بينها وبين مروان انفجرت دموعها من جديد
لكن وسط هذا الخوف كان هناك شيء صغير يهدئها قليلًا
اعترافه لها كلمة "بحبك" التي قالها كانت تتمسك بها كطوق نجاة فمروان يستحيل ان يتخلى عنها
بدأ عقلها الصغير ينسج مبرراتٍ كثيرة يحاول أن يهدئ بها قلبها المرتجف تتذكر ثقتها به وخوفه عليها عندما حاول ذلك الرجل ان يسلب شرفها
لكن سؤالًا واحدًا ظل يخنقها هل والده سيقبل بها
بعد ما شاهدهما عليه....؟!!
شعرت بالاختناق فجأة كأن الهواء صار ثقيلًا في صدرها
كانت تحتاج أن تتحدث مع أحد....أي أحد
لكنها لم تجد نفسها قادرة على إخبار حبيبة بما حدث
كيف ستخبرها بخطئها الفادح وهي تعرف جيدًا ردة فعلها القاسية وربما تأتي وتواجه مروان أمام الجميع وتضربه ايضًا
خرجت من غرفتها ببطء ونزلت إلى الحديقة
كانت تتمنى أن تجده هناك.....أن تجده وحده.وبالفعل وجدته
كان مروان جالسًا في الحديقة، شاردًا، مثقلًا بما حدث
اقتربت منه بحذر تحاول ألّا تلتقي بـبدر أو أي أحد آخر
ما إن رآها انتفض جسده لا إراديًا لكنه تماسك سريعًا
وقفت أمامه، وعيناها منخفضتان، وصوتها خرج خافتًا مرتجفًا بالخجل والخوف :
أنا عاوزة أتكلم مع حد وخايفة !!
نظر إليها باهتمامٍ واضح وألمه قلبه حين رأى عينيها المنتفختين من كثرة البكاء بدأت غنوة تتكلم بتردد :
اللي حصل.....اللي حصل......
لكن مروان قاطعها سريعًا، محاولًا الهروب من حديثٍ لم يكن مستعدًا له وهو يعلم انها تقصد ما حدث بينهما ولا شيء اخر سوى ذلك :
اللي حصل امبارح كان صعب علينا كلنا يا غنوة وأنا فاهم خوفك أنا آسف إن حصلك كده بسببنا
احمر وجهها خجلًا كانت تريد أن تسأله عن ما حدث بينهما لكن مروان فهم ذلك بل ويراوغ يتجنب الدخول في تلك التفاصيل التي لم يكن مستعدًا لها
ضاقت بها الكلمات وحاصرته بالسؤال الذي ظل عالقًا في صدرها :
انت امبارح قولت إنك.....إنك بتحبني
تجمد للحظة وفي داخله لام نفسه بقسوة
غبي قالها في سره بغضب كان يعلم أن ما حدث لن يُنسى بسهولة وأن هذا الحديث لا بد أن يُفتح حتى ان لم يريد
لكن قبل أن يجيب جاء صوت عشق من الداخل :
مروان تعالى الدكتور موجود عشان نطمن على جرحك
نهض سريعًا وكأن النداء أنقذه من مأزقٍ لم يعرف كيف يخرج منه تحرك نحو الداخل ودخلت غنوة خلفه وفي البهو
التقت عيناها بعيني حياة كانت نظرتها غريبة
مليئة بعتابٍ صامت وفي تلك اللحظة فهمت غنوة
عرفت أنها علمت ما حدث بينها هي ومروان من زوجها !!
اجتاحها خجلٌ قاسٍ شعرت وكأن الأرض يجب أن
تنشق وتبتلعها في تلك اللحظة
أسرعت نحو غرفتها وأغلقت الباب خلفها.ثم ألقت بنفسها على الفراش تحاول الهروب من أفكارها وبعد وقتٍ طويل وبكاءٍ مرير استسلمت أخيرًا للنوم
نومٍ ثقيل، جاء كرحمةٍ مؤقتة بعد يومٍ أنهك روحها بالكامل !!
.............
في منتصف الليل
شق صمت البيت صراخٌ حاد صوتٌ مذعور كأنه استغاثة
انتفض الجميع من نومهم بفزع وكان أول من تحرك هو مروان الذي لم يكن نائمًا بل كان مستلقيًا وعيناه مفتوحتان في الظلام عاجزًا عن النوم منذ ساعات وما إن سمع الصوت حتى عرفه فورًا انه.....صوت غنوة !!
اندفع خارج غرفته كالسهم وقلبه في صدره يدق بعنف
لحق به الجميع مسرعين فتح باب غرفتها دون تفكير ليتجمد للحظة كانت غنوة تتقلب فوق الفراش تتلوى كمن يهرب من شيءٍ غير مرئي عيناها مغمضتان ووجهها مبلل بالدموع
تهذي وهي ما تزال غارقة في نومها
انتفض جسدها فجأة واعتدلت جالسة وهي تبكي بعنف صوتها خرج مرتجفًا برعبٍ حقيقي :
كان هنا....كان مقرب مني أوي، خليه يبعد، أنا خااايفة !!
كلمات متقطعة أنفاس متلاحقة رعبٌ حقيقي يسكن صوتها
لم يحتمل مروان رؤيتها هكذا اقترب منها بسرعة وجلس بجانبها وقبل أن تسقط مرة أخرى كانت قد ارتمت في حضنه بلا وعي كأنه الملجأ الوحيد لها في تلك اللحظة
تشبثت به بقوة وجسدها كله ينتفض بين ذراعيه
مرر يده على شعرها بحنانٍ بالغ وصوته خرج دافئًا، هادئًا، يحاول أن يطرد عنها أشباح الخوف :
اهدي يا حبيبتي مفيش حاجة كله عدى خلاص إنتي
هنا في أمان.....متخافيش
ظل يربت على ظهرها، ويمسح على شعرها، يكرر الكلمات نفسها بصبرٍ طويل، حتى بدأت أنفاسها تهدأ شيئًا فشيئًا
بقيت تنتفض قليلًا ثم استكانت أخيرًا، وسقطت في نومٍ متعب بين ذراعيه ظل لحظة يتأملها وقلبه ينقبض وجعًا عليها ثم أعادها برفق إلى الفراش ودثرها بالغطاء بعناية كأنها طفلة صغيرة يخشى أن تبرد وما إن استدار
حتى تفاجأ بالجميع واقفين خلفه يراقبون بصمتٍ
أما بدر فكانت نظراته حادة وصوته خرج ساخرًا قبل أن يستدير مغادرًا :
حنين ابنك أوي يا حياة
قالها بتهكمٍ واضح ثم صعد إلى غرفته وقفت عشق مكانها تنظر إلى غنوة بشفقة ودموعها انهمرت بصمت قبل أن تستدير وتصعد هي الأخرى إلى غرفتها
أما حياة فاقتربت قليلًا من الفراش ونظرت إلى غنوة بحزنٍ أمومي عميق ثم التفتت إلى إحدى الخادمات تخبرها أن تبقى بجانبها حتى الصباح......
بدأ الجميع بالصعود واحدًا تلو الآخر
حتى لم يبقى في الأسفل سوى مروان، ويوسف، وعاصم
جلس مروان في البهو، ووجهه شاحب، وقلبه مثقل بالحزن عليها أما يوسف فتنهد ببطء وشعر بوخزةٍ ثقيلة في صدره
كان يدرك الآن أن ذنوبه لم تقف عنده وحده
بل امتدت لتصيب الجميع حتى
تلك الفتاة البريئة تعرضت لكل هذا بسببه !!
ظل عاصم جالسًا بينهما، ينظر إلى هذا…ثم إلى ذاك…
الصمت يخيم على المكان بكآبة خانقة لم يحتمل ذلك الجو الكئيب فتدخل أخيرًا بنبرةٍ مرحة، محاولًا كسر الصمت :
لا ما هو مش عزا ده واحد حاطط إيده على خده زي المطلقة والتاني زي اللي اترملت بدري
رمى يوسف الوسادة نحوه بغيظ :
ملافظك يا حيوان أنا أخوك الكبير
فعل مروان الشيء نفسه، فألقى وسادة أخرى عليه
ضحك عاصم بغرورٍ مرح محبب :
كبار كسن إنما كعقل أنا مفيش في عقلي ولا في حلاوتي ولا جمالي أنا تفوقت عليكم في الوسامة وفي كل حاجة هييييح هروح فين بمميزاتي دي بس
سحبه يوسف من قميصه وهو يردد بوعيدٍ مرح :
تعالى وأنا أقولك تروح بيهم فين
في لحظة انقض عليه هو ومروان معًا، يلقنانه درسًا خفيفًا بينما بدأ عاصم ينوح بصوتٍ مقلدًا النساء :
يالهووووويتي
ضحكت حياة بحنينٍ واضح وهي تراقب أبناءها
تذكرت ضحكاتهم القديمة ومشاجراتهم الصغيرة وكأن الزمن عاد بها سنواتٍ إلى الوراء أما بدر فكان يقف بعيدًا يراقبهما ثم قال بسخرية :
عيال متربتش أنا مخلفتش غير عشق أصلًا
ضحكت حياة عليه، وقالت بحنينٍ صادق :
نفسي كل حاجة ترجع زي الأول يا بدر
تنهد بدر بعمق، ونظر إلى الفراغ أمامه بشرود ثم قال بنبرةٍ عاقلة تحمل اعترافًا صريحًا :
مش زي الأول يا حياة قولي نبقى أحسن من الأول لأن البداية أصلًا كانت غلط ولو رجع الزمن ولادك كانوا هيعملوا نفس اللي بيعملوه دلوقتي إحنا مربناش كويس والعيال دي محتاجة شدة جامدة
صمت للحظة ثم أكمل بنبرةٍ حازمة :
افضى بس ليهم وقسمًا بالله لهسففهم التراب سف
رغم قسوة كلماته كان في صوته خوف أب
يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن يضيع كل شيء !!
...........
في ظلام منتصف الليل.....
كانت ليان تتحرك بخطواتٍ حذرة داخل منزلها، أنفاسها متقطعة، وقلبها يخفق بعنفٍ داخل صدرها
استغلت نوم والديها، وتسللت ببطءٍ شديد، كأنها تخشى أن يصدر منها أدنى صوتٍ يفضح خروجها
منذ أن رأت ذلك الفيديو على وسائل التواصل وهي لم تهدأ
فتاةٌ تقف بجانب حمزة داخل ملهى ليلي وهو يبدو بحالة مذرية، هزيلًا، غارقًا في عالمٍ مظلم
الغيرة كانت تنهش قلبها
لكن القلق عليه كان أقسى من الغيرة نفسها
لم تفكر كثيرًا لغت صوت العقل والمنطق وخرجت في هذا الوقت المتأخر إلى مكانٍ سيء السمعة فقط لتراه وعندما وصلت خطت إلى الداخل بتردد لتتجمد مكانها فورًا
المشهد أمامها كان صادمًا مناظر لم ترها إلا عبر شاشة التلفاز لكن الواقع كان أقسى، وأكثر فجاجة
أضواءٌ متراقصة وأصواتٌ صاخبة وضحكاتٌ مبتذلة وأجسادٌ تتمايل بلا حياء !!
شعرت بالاختناق…
لكنها تماسكت، وبدأت تبحث عنه بعينيها المرتجفتين
حتى وجدته جالسًا عند البار يرتشف الخمور ببرودٍ قاتل ملامحه شاردة، وكأنه منفصل عن العالم.والفتاة الجالسة بجانبه قالت بمللٍ واضح :
إنت النهارده بره المود خالص يا بيبي فرفش كده خلينا نسهر سهرة حلوة مع بعض
اقتربت ليان بخطواتٍ ثابتة رغم الارتجاف داخلها وما إن رآها حمزة حتى اتسعت عيناه بدهشة، وسألها بلسانٍ ثقيل من أثر الكحول :
انتي بتعملي إيه هنا....؟؟
لم ترد بل أمسكت بيده فجأة، تجذبه ليقف قائلة بحدة :
قوم خلينا نمشي من هنا عاوزة أتكلم معاك
ردت الفتاة التي معه بفظاظة وكانت تُدعى نيلي :
يقوم فين يا بت إنتي مش شايفاه قاعد معايا غوري من هنا شوفيلك حد تاني تتسلي معاه
صرخ عليها حمزة بحدة رغم سُكره :
اخرسي يا زبالة إنتي إزاي تتكلمي معاها كده
صمتت نيلي بغيظٍ مكبوت أما ليان
فشعرت بسعادةٍ خفية، لمجرد أنه لم يسمح لأحد بإهانتها
دفع حمزة الحساب، ثم خرج معها في صمتٍ ثقيل
لكنها لم تصمت وقبل أن تبتعد، التفتت إلى نيلي وأخرجت لسانها لها بطفوليةٍ غاضبة لتشتعل الأخرى من الغضب
ركبا السيارة وكان الصمت بينهما خانقًا حتى سألها حمزة بحدة :
إيه اللي جابك مكان زي ده والوقت متأخر كده
لم ترد فصرخ بغضبٍ أفزعها :
ما تنطقي
ردت عليه أخيرًا بغضبٍ مماثل رغم خوفها :
جيت عشانك
صمت لحظة فتابعت بصوتٍ مكسور، يحمل حزنًا صادقًا :
جيت عشان شوفتك لوحدك وغرقان في عالم آخرته وحشة جيتلك عشان إنت مش كده يا حمزة إنت من جواك كويس وأنا متأكدة من ده بس إنت محتاج تعقل وتبطل تصرفاتك دي لازم تفوق يا حمزة قبل ما تخسر الكل وتخسر نفسك
صرخ عليها بغضب يخفي خلفه قهرًا داخليًا :
وإنتي مالك؟ بتتدخلي ليه؟ كنت اشتكيتلك؟
ردت عليه بحزنٍ عميق :
ما اشتكتش بس أنا بتدخل عشان يعز عليا أشوفك في الحالة دي قلبي مش مطاوعني أشوفك كده وأسكت وألف وشي عنك كأني مش شايفاك خايفة عليك من نفسك يا حمزة
صرخ مرة أخرى بنبرةٍ خشنة، يخفي بها ارتباكه :
أنا مش عيل ولا طلبت منك مساعدة سبيني في حالي هي جت عليكي يعني أنا كويس من غيركم كلكم أنا طول ما أنا وسطكم هوا وشفاف مهما عملت عمر حد ما شافني أنا مش غلطان أنا أحسن واحد فيكم وأنضف منكم كلكم
اشتعل غضب ليان فجأة وصرخت عليه بحدة :
انت اللي خليت الكل معاك كده دول أهلك وأهلي يا غبي لو وقعت محدش هيسندك غيرهم إنت اللي بتبعد الكل عنك بغرورك وكلامك الدبش إنت اللي بتصرفاتك بتكره الكل فيك جربت تبقى كويس وتشوف هيعاملوك إزاي مستني منهم حلو ليه وإنت على طول مصدر الوحش يا أخي عمري ما شوفت حد من العيلة وقع في مصيبة ولقيتك فيها
صمتت لحظة ثم تابعت بحزن أعمق :
انت السبب يا حمزة مش حد تاني اللي إنت عملته في
أخوك وعشق ما يتغفرش مستني الكل يهنيك وياخدك بالأحضان على اللي عملت بطل تشوف نفسك مجني عليه وشوف إنك بجد ظلمت عشان تعرف تصلح من
نفسك وتكسب الكل
شعر حمزة بوخزة عارٍ داخله
لكن كبرياءه كان أعلى ليردد بعناد :
حقي وكنت باخده
صرخت عليه بغضب :
حق إيه اللي تاخده ومن مين من أخوك وبنت عمتك تتشطر على بنت وكمان من لحمك ودمك وتسجن أخوك ده مش أخذ حق دي قلة أصل وبجاحة
زمجر بغضب لكنها لم تتراجع ساد صمتٌ ثقيل
حتى قال بصوتٍ مثقل من أثر الشراب :
هي السبب مش أنا مهرة هانم اللي فشلت تكون أم سوية هي السبب وأوس باشا السبب لما دار وشه عني لمجرد إني ما طلعتش زي مالك في كل حاجة الاتنين أسوأ من بعض كانوا مستنيين مني إيه أنا نتيجة تربيتهم هما
ردت عليه ليان بهدوء منطقي :
طب ما هما ربوا مالك وليلى
صرخ عليها بانفعال وكلمات غير مرتبة :
ربوهم وغفلوا عني أنا أوس باشا ركز مع الكبير ونسيني لمجرد إني مش نسخة من مالك ومهرة هانم ركزت مع ليلى نسيتني أنا في النص هي اللي زرعت جوايا الحقد كل اللي كانت تعمله معايا تزعلني لو شافت حد أحسن مني
خلوني أغير من مالك وأكرهه
وواصل حديثه كأن جرحًا قديمًا انفتح فجأة :
كرهته عشان بابا ركز معاه ونسيني كرهته عشان مشربش حقد مهرة زي ما شربتهولي كرهته عشان أحسن مني وعشان لقى اللي يحبه والكل حبه وأنا كنت حاجة نكرة جنبه هما السبب.....مش أنا !!
انهمرت دموع ليان وهي تستمع إليه
لأول مرة رأت داخله طفلًا مكسورًا لا شابًا قاسيًا كما يظهر
في تلك اللحظة
شعرت بكرهٍ عميق تجاه مهرة
كرهٍ تضاعف داخلها، لأنها رأت أثرها المدمر على أبنائها
نظرت إليه بحبٍ صادق، وقالت بصوتٍ دافئ لامس قلبه.:
طب ما تجرب تتغير يا حمزة جرب وهتلاقي إيدي ممدودة ليك وهساعدك جرب اتغير وإنت هتشوف محبة الكل
جرب تبقى إنسان لطيف ومحترم.ومتربي وإنت هتلاقي الكل اتغير معاك خالص
قالت الأخيرة بمرحٍ خفيف وهي تشدد على كلمتي
محترم ومتربي
ابتسم حمزة ابتسامة صغيرة خافتة لم تصل إلى عينيه بالكامل ثم سألها بحيرةٍ صادقة :
بتحبيني أوي كده يا ليان؟!
هزت رأسها سريعًا، وقالت بكذب واضح :
حب إيه مفيش الكلام ده....أنا مابحبكش
ابتسم بسخريةٍ خفيفة
فقد سمع همستها الخافتة، التي خرجت دون وعي :
أنا بموت فيك بس
ضحك بخفوت لكن قلبه ارتجف للحظة
أوصلها إلى منزلها في صمت نزلت ليان ببطء والتفتت إليه بنظرة أخيرة قبل أن تصعد أما هو.فبقي جالسًا في السيارة أسفل المنزل ورأسه مثقل والنعاس بدأ يغلبه من أثر الكحول
أغمض عينيه ببطء وغفا هناك وحيدًا
تحت بيتٍ كانت تقف خلف نافذته فتاة تدعو له بصمت أن يجد طريقه قبل أن يضيع للأبد !!
...........
اللي اسمه نوح فاق يا باشا !!
قالها الرجل المكلف بمراقبته في المستشفى بصوتٍ متحمس يحمل خبرًا كان الجميع ينتظره على أحر من الجمر
لم تمضي لحظات حتى كان أدهم وإلياس في طريقهما إلى المستشفى بسرعةٍ واضحة، والقلق يسبق خطواتهما
كان هدفهما واحدًا أن يصل إلياس إلى نوح قبل أن تأتي الشرطة وتأخذ أقواله قبل أن ينطق بكلمة قد تدمر كل ما حاولوا إصلاحه لكن إلياس أصر أن يدخل وحده
دون أدهم ورغم اعتراض الآخر وغضبه، وافق في النهاية على مضض بعدما أصر إلياس بشدة وكأنه يخفي في صدره نيةً لا يريد لأحدٍ أن يشاركه فيها وقف إلياس أمام باب الغرفة وأحد رجاله يمد يده نحو العسكري الواقف عند الباب يضع في يده ظرفًا ممتلئًا بمبلغٍ مالي كبير فُتح الباب ودخل
كان نوح مستلقيًا على الفراش، وجهه شاحب، وعيناه تتحركان بحذرٍ حين لمح إلياس يقترب نحوه بخطواتٍ بطيئة لكنها كانت ثقيلة تحمل في داخلها وعيدًا مخيفًا
اقترب إلياس حتى صار قريبًا منه جدًا ثم قال بصوتٍ منخفض، لكنه مليء بالغضب والتوعد :
حيوان مكنتش تستاهل غير القتل بسببك ابني ومراته دخلوا في مصيبة بس أنا مش جاي أخد وأدي معاك هما كلمتين هتنفذهم من سكات هياخدوا أقوالك بعد شوية هتقول إنك اتهجمت على مراة ابني يونس وقولت كلام كتير يمس
شرفها وهو كان بيدافع عن مراته وهيحصل تصالح والمحضر القضية كلها هتتفض
فهم نوح فورًا.....فهم أن يونس حمل تلك التهمة بدلاً من
قمر وأن ما حدث لم يكن كما ظن
اشتعل الغضب في عينيه، وصرخ بحدة :
مش هتنازل وخلي ابنك اللي عاملي فيها بطل وشجيع السيما يلبس ويشوف لسه اللي هعمله فيه
في لحظةٍ خاطفة قبض إلياس على فكه بقسوةٍ مؤلمة وعيناه تشتعلان بشرٍ صريح، وقال بصوتٍ مخيف :
مش بمزاجك هو يا روح امك ده غصب عنك وعن أهلك كلهم هتعمل اللي بقولك عليه عشان ابني ولو فضل في الحبس كل يوم هيقضيه هناك هيكون واحد من رجالتي نايم في حضن اختك ومراة ابوك الزبالة
تجمد نوح مكانه، صدمة باردة اجتاحت جسده
سلبت انفاسه وعيناه اتسعتا برعب واضح.وفي اللحظة التالية
أخرج إلياس هاتفه، وفتح اتصال فيديو.ووضع الشاشة أمام عينيه ظهرت بسمة شقيقته مقيدة تبكي برعبٍ هستيري ملامح الخوف تكسو وجهها.وبجانبها سمر بحالةٍ لا تقل ذعرًا عنها ابتلع نوح ريقه بصعوبة، وشعورٌ مرعب بالاختناق سيطر عليه لم يعد الغضب هو المسيطر......بل الخوف !!
أغلق إلياس الهاتف بهدوء، ثم قال بسخرية باردة :
اللي قولتلك عليه يتنفذ وبالحرف وإلا انت عارف بقى
ساد صمتٌ ثقيل صمتٌ مليء بالقهر ثم قال نوح بصوتٍ مخنوق بالغضب :
موافق أتنازل بس عندي شرط
ابتسم إلياس بسخرية لاذعة، وقال بتهكم.:
حبييي صباح الفل انت مالكش رفاهية إنك تتشرط انت هتنفذ اللي قولتلك عليه والجزمة فوق رقبتك ومع ذلك
أنا هكون راجل ديموقراطي وهسمعك
نظر له نوح بعينين مشتعلة بالغضب، ثم قال بشراسة :
ابنك يطلق قمر
في لحظة اشتدت قبضة إلياس على فكه مجددًا وغرس أظافره في وجنته بقسوة، وقال بنبرةٍ مليئة بالتوعد :
سيرة مراة ابني متجيش على لسانك والا قسما بالله أقطعهولك
دفعه بعيدًا بقسوة، ثم قال بحدة :
واللي عملته في مراة ابني ورحمة أمك لهدفعك تمنه غالي أوي بس تقوم الأول وتقف على رجليك زي الرجالة ده لو اعتبرتك راجل أصلًا ده انت حتى عار على الستات لو صنفتك منهم......
زمجر نوح بغضبٍ موجع، بينما تابع إلياس بسخريةٍ مهينة :
معرفش أمك وأبوك سموك نوح واعتبروك راجل على إيه
أمك وأبوك مكنش عندهم بعد نظر وكمان معرفوش يربوا خالص
صرخ نوح بحدة، وقد بدأ جرحه يؤلمه من شدة الانفعال :
اطلع بره غور من وشي.....برررره
ضحك إلياس بسخريةٍ باردة، تزيد اشتعال غضبه، ثم قال قبل أن يغادر :
مش عاوز اختك تطول عندي أصلي بتلكك ونفسي أحرق قلبك حتى لو بيها فزي الشاطر الليلة دي كلها تتفض بدل ما همحيك انت وعيلتك كلها من على وش الدنيا كأنكم متخلقتوش عليها من أساسه
خرج إلياس من الغرفة وقد تعمّد أن لا يسمح لـ أدهم بالدخول فهو يعلم لو دخل قد يسمع ما لا يجب أن يسمعه
قد ينهار كل شيءٍ حاول ابنه دفنه واخفاءه !!
نعم لقد سمع حديث يونس لـ قمر وعرف الحقيقة كاملة
كان بداخله فخرٌ خفي بابنه رغم كل شيء
اقترب أدهم منه فور خروجه، وقال بضيقٍ واضح.:
مخلتنيش أدخل ليه يا إلياس؟
رد عليه إلياس بهدوء :
عشان لو دخلت مش هتمسك نفسك وأنا كان لازم أخلص الموضوع وأقفله قبل ما يجوا يحققوا معاه وبعدين يا سيدي هو مش هيطول هنا مسيره يقوم وابقى صفي حساباتك معاهساعتها....أهم حاجة دلوقتي إن احنا نخرج يونس
أومأ أدهم برأسه، والغضب يشتعل داخله ثم غادرا المكان سريعًا قبل وصول الشرطة بلحظات !!!!
............
تهللت أسارير قمر بسعادة حقيقية حين علمت أن يونس قد أُفرج عنه بكفالة، وأن الأمر في طريقه للانتهاء وسيحصل على براءة شعورٌ عارم بالراحة غمر قلبها بعد أن كانت تحمل فوق صدرها ذنب ما حدث له بسببها، وكأن حجرًا ثقيلًا أزيح أخيرًا عن روحها
كانت تركض بحماسٍ لا إرادي مدفوعة بامتنانٍ عميق لما فعله من أجلها ركضت لتكون أول من يستقبله عند الباب بينما تجمع الجميع في منزل إلياس لاستقباله والاحتفال بعودته
ما إن رأته يدخل حتى اندفعت نحوه دون تفكير وارتمت بين ذراعيه أمام الجميع تحتضنه بقوةٍ كأنها تخشى أن يختفي فجأة أما هو فكان أكثر من مرحب يلتقطها بين ذراعيه بعدما قفزت نحوه بسعادةٍ جارفة
بالنسبة لها كان عناقًا أخويًا، ممتلئًا بالامتنان والراحة بعد الخوف أما بالنسبة له فكان عناقًا أعاد إليه روحه حضنًا طالما حلم به طويلًا وتمنى أن يأتي يومًا دون خوفٍ أو قيود
تنحنح أدهم بغضبٍ مكتوم فابتعدت قمر عنه بخجلٍ شديد ووجهها قاني من شدة الحرج ليقول يونس بمرح واضح :
مراتي يا عمي والله
انفجر الجميع ضاحكين، بينما انهالت التهاني عليه، لكنه ظل ممسكًا بيد قمر طوال الجلسة، كأنه يعلن للجميع دون كلمات أنها أصبحت جزءًا منه
لكن سليم لم يستطع التحمل أكثر
كان الغضب يشتعل داخله، والأسئلة تنهش رأسه
فقال بحدةٍ واضحة :
اي اللي نوح عمله واي الكلام اللي كان بيقولوا يخلي قمر تهجم عليه وتضربه كده احنا عاوزين تفسير للي بيحصل واظن صبرنا لحد ما الموضوع اتقفل.اهو
ارتجفت قمر فور سماع السؤال وشعر يونس برجفتها بين أصابعه فاشتدت قبضته على يدها في محاولة لطمأنتها ورد على سليم بهدوء :
كلام فاضي بيقولوا يا سليم
لكن سليم لم يقتنع، ورد بحدةٍ أكبر.:
كلام فاضي يخليك تضربه والهانم تجيب سكينه تضربه بيها
مكنتش اعرف ان الكلام الفاضي بيعمل كل ده
اشتعل الغضب في عيني يونس، وقال بحدة :
كنت عاوزني اقف ساكت وانا شايف واحد داخل يتكلم عن مراتي كده وبيقول كلام في حقها محصلش ليه اختك مش متجوزة راجل عشان يدافع عنها
صاح سليم بغضب :
يووونس!!
لكن يونس لم يتراجع، بل تابع بصوتٍ أكثر حدة :
اللي حصل طبيعي لواحد جاي يقول كلام في حق مراتي اللي دافعت عن نفسها كرد فعل طبيعي لواحد جاي يدمر سمعتها وسط الكل عقلها اتغيب من اللي سمعته ومحستش بنفسها غير وهي بتضربه بالسكينة واهو عندك روح اسأله هيقولك بنفسه كان كلام فاضي بيقولوا عشان خاطر العداوة اللي بينه وبين ابوك واللي انت كمان عارفها كويس الموضوع اتقفل لحد هنا يا سليم اختك مراتي دلوقتي انا مش هسمح بأي كلمه تتقال في الموضوع ده ممكن تضايقها
ساد الصمت صمتٌ ثقيل، يحمل داخله شكوكًا لم تختفي رغم إغلاق الموضوع ظاهريًا صمت سليم على مضض وكذلك أدهم الذي لم يقتنع تمامًا بما قاله يونس بل إن بعض الحاضرين شعروا بالأمر نفسه
لكن الموضوع أُغلق على مضض وكان يونس يعلم ذلك جيدًا
فجأة… تدخل آدم بصوتٍ هادئ لكن كلماته كانت ثقيلة على قلبه :
الفرح لازم يتعمل في اقرب وقت فرح صافي....
لو عاوزين تعملوا فرح يونس وقمر في نفس اليوم ابتدوا بالترتيبات في اسرع وقت
في لحظة قفز يونس نحو آدم واحتضنه بقوة يبّله بحماس :
حبيبي يا عمي اقسم بالله
ضحك الجميع…
بينما شعر آدم بغصةٍ خفية في قلبه
كم تمنى أن يزف ابنته بيده، وأن يراها تُساق إلى عريسٍ يلهث حبًا خلفها، كما يرى الآن لهفة يونس على قمر
لكن ابنته سلبت منه ذلك الحق وجعلته يخسر أبسط أحلامه
شعرت زينة بما يدور داخله
فدّت يدها تمسك بيده، دعمًا صامتًا، وحزنًا يشبه حزنه
لكن ادهم قال بتسويف :
نبقى نتكلم في الموضوع ده بعدين يا يونس
زم يونس شفتيه بضيقٍ واضح وصمت على مضض
أما عن قمر فكانت شاردة في عالمٍ آخر
عالمٍ تبدلت فيه حياتها فجأة كل شيءٍ تغير
أشياء لم تتوقعها حدثت وأقدار لم تحلم بها صارت واقعًا تعيشه وهي من فعلت بنفسها هذا !!!!
............
كان إياد جالسًا في غرفته داخل فيلا والده، والهدوء من حوله خانقٌ كأنه جدارٌ يطبق على صدره
لم يكن يرى الجدران ولا الأثاث كان يرى وجهها فقط
يراها تبكي يراها تهرب منه يسمع صراخها وهي تطرده من أمامها، صوتها الباكي ما زال يتردد في أذنه حتى الآن
كلما تذكر تلك اللحظة، اشتعلت في صدره نارٌ حادة
نار لا تُطفأ، ولا تهدأ، نار تأكل قلبه ببطءٍ موجع
لقد خُدع لعبة قذرة دُبّرت له وهو بسذاجته صدق، وانساق خلف الشكوك دون أن يفكر لحظةً فيما قد يخسره
نهض ببطءٍ واتجه نحو المرآة وقف أمامها طويلًا يتأمل انعكاسه وكأنه ينظر إلى غريبٍ لا يعرفه
كانت عيناه مثقلتين وملامحه متعبة وفي أعماقه شعورٌ عميق بالقرف من ذاته
راح يتساءل بصمتٍ مرير من هو في هذه الدنيا....؟!
ما الشيء الذي فعله بحياته ليفتخر به.....؟!
ماذا فعل سوى أنه حصل على شهادةٍ لم يصنع بها شيئًا
ثم ضيع عمره في اللهو خلف الفتيات والسهر والملذات العابرة
لا عمل حقيقي....لا إنجاز.....لا شيء يستحق أن يُذكر
حتى علاقته بربه كانت مهملة، منسية، كأنه لم يعرف يومًا معنى القرب أو التوبة سخر من نفسه بمرارةٍ لاذعة
هنا فقط الآن تذكر ربه.....!!
تذكره بعدما أضاع نفسه في طرقٍ مظلمة بعدما تنقل من فتاة إلى أخرى بلا وعيٍ ولا حساب
مد يده فجأة والتقط زجاجة عطرٍ ثمينة كانت على الطاولة
قبض عليها بقوة ثم دفعها بعنفٍ نحو المرآة
لم يكن يريد تحطيم الزجاج فقط
كان يريد تحطيم صورته
ذلك الشخص الذي صار يمقته ويكرهه ويشعر بالغثيان من رؤيته تبعثرت قطرات العطر على سطح المرآة وانعكست صورته مشوهةً بين البقع، كأن حياته كلها انعكاس مكسور
استدار بعصبية حتى وقعت عيناه على ركنٍ في غرفته حيث ذلك البار المليء بالخمور الذي كان يومًا مصدر متعته
تجمدت نظراته عليه لحظة
ثم تقدم نحوه بخطواتٍ متسارعة كأن شيئًا داخله يدفعه دفعًا أمسك أول زجاجة وحطمها.ثم الثانية...ثم الثالثة.....
صوت تكسر الزجاج كان يتردد في الغرفة كأنه صدى غضبه من نفسه كان يحطمها واحدةً تلو الأخرى، بقرفٍ شديد برغبةٍ خفية في أن يحطم نفسه معها أن يحرق كل ما كانه أن ينظف روحه من قذارته القديمة
بعد لحظات سقط جالسًا على الأرض، بين شظايا الزجاج المبعثرة أسند ظهره إلى الجدار ومرر يده في شعره بعجز
تسللت فكرةٌ ثقيلة إلى رأسه
عندما يأتي طفله إلى الدنيا.....كيف سيراه !!
كيف سينظر إليه....
كيف سيفتخر به وهو نفسه لا يفخر بذاته.....؟!!!
شعر بانقباضٍ حاد في صدره
ماذا فعل ليستحق الفخر.....
ماذا قدم في حياته سوى الضياع.....
هل سيخطئ في تربية طفله كما أخطأ والدايه معه.....
هل سيتركه وحيدًا تائهًا كما تُرك هو.....؟!
هنا انتفض جسده فجأة هز رأسه بقوة وكأنه يطرد فكرة مخيفة من عقله
لا لن يسمح بذلك
لن يسمح أبدًا أن يكون طفله نسخةً منه
لن يكرر الأخطاء ذاتها لن يورثه الضياع الذي عاشه
سيتغير لأجله ولأجلها
لأجل الوحيدة التي استطاعت أن تملك قلبه رغم كل شيء
لأجل أن يستعيد ثقتها ان يجعلها تغفر له
أن يعوضها عن كل ما سببه لها من ألم
أقسم في داخله
أنه سيؤسس عائلةً جميلة
عائلة حقيقية، مليئة بالأمان الذي افتقده يومًا
نهض فجأة بنشاطٍ غير معتاد، كأن قرارًا حاسمًا قد وُلد داخله
اتجه إلى خزانته وأخرج ملابسه الرسمية
ارتداها بعناية ثم وقف أمام المرآة مرةً أخرى، لكن هذه المرة بنظرة مختلفة نظرة رجلٍ يحاول أن يبدأ من جديد
كان يستعد للذهاب إلى العمل
إلى شركة والده التي خسرت كثيرًا في الفترة الأخيرة
سيعمل.....سيتعلم.....سينجح !!
لكن الأهم من كل ذلك يجب أن يراها
يجب أن يتحدث معها لكن كيف وهي لا تسمح بذلك !!!
............
وصل الجميع إلى منازلهم بعد يومٍ طويلٍ مثقلٍ بالأحداث
لكن رغم التعب، كانت ملامح الراحة بادية على الوجوه بعد عودة يونس وخروجه بسلام
رحبوا به، وباركوا له خروجه، وانتهت الجلسة على شيءٍ من الطمأنينة المؤقتة تلك الطمأنينة التي تأتي بعد العواصف لكنها لا تضمن هدوءًا طويلًا أما أوس فلم يحضر
كذلك مهرة التي رفضت الذهاب معهم من الأساس لم يرحب احدًا بها الجميع ينفرون منها بقيت في غرفتها غارقة في صمتٍ ثقيلٍ يشبه ما قبل الانفجار
بعد قليل نزلت مهرة الدرج بخطوات سريعة مليئة باللهفة، إذ أتى صوت سيارة أوس إلى مسامعها، فسارعت بخطاها نحو بهو القصر حيث كان الجميع مجتمعين !!!
لكن قلبها غاص في لحظة صمت مفاجئ حين توقفت عن الحركة، إذ وقعت عيناها على أوس وهو يدخل بخطوات واثقة، بجانبه امرأة أقل ما يقال عنها إنها فاتنة، ذات جسد أنثوي مهلك، يشي حضورها وقوة طباعها بأنها من عائلة مرموقة ومن طبقة مخملية، تتجلى أناقتها في هيئتها
وقفت المرأة بثقة، وأوس يحيط خصرها بذراعه بطريقة جعلت قلب مهرة يختنق بشدة، وشعرت بالخطر يقترب منها كظلٍ داهم.......
سألت زينة زوجة آدم أوس بنظرة فضولية :
مين دي يا أوس؟
نظر أوس إلى مهرة بنظرات مليئة بالنفور والمقت، ثم حول عينيه إلى المرأة التي تقف بجانبه بفخر وثقة، وقال بصوت هادئ :
أقدملكم غزل الصياد......مراتي!!!
ساد الصمت الحاد المكان، وكأنه ثقل يضغط على الجميع لكن فجأة انطلقت زغرودة عالية من سارة التي جاءت منذ
قليل ونظراتها المشبعة بالشماتة تتجه نحو مهرة التي شعرت بأن الدنيا تدور من حولها، وأن أنفاسها تكاد تتوقف عن الخروج، حاولت أن تتماسك لكنها لم تستطع كبح شعور الدهشة والصدمة وكل ما حولها أصبح ضبابياً في لحظة واحدة !!!!
............
بوهنٍ شديد كانت شدوى تنهض من فوق فراشها في ذلك المنزل الصغير المختبئ داخل أحد الأحياء الشعبية الضيقة
خطواتها كانت متثاقلة، وجسدها ما زال واهنًا من أثر التعب لكن الضيق الذي يسكن صدرها كان أشد من ألم جسدها
ملت السكون وكرهت فكرة أن تظل حبيسة الجدران تنتظر مصيرًا لا تعرف شكله
ما إن خرجت من الغرفة حتى ركضت نحوها فيروز تسندها بسرعة، ونبرة العتاب واضحة في صوتها :
اي اللي قومك يا شدوى نسيتي تعليمات الدكتورة
جلست شدوى على المقعد القريب تتنفس ببطء وكأن كل نفسٍ تخرجه يخرج معه جزء من صبرها ثم قالت بتعب :
زهقت من الرقدة على ضهري يا فيروز نفسي اغير جو
تنهدت فيروز بضيق وعيناها تمتلئان قلقًا عليها قبل أن تسألها بنبرةٍ أكثر حدة :
انتي بس لو تقوليلي هربانة من اي بالظبط وليه خايفة كده انتي حامل وابنك لازم يتولد يكون ليه اب
ساد صمتٌ ثقيل صمتٌ مليء بالتردد والخوف
لكن شدوى هذه المرة شعرت أنها لم تعد تملك رفاهية الصمت
تنهدت ببطء، ثم قالت أخيرًا، وكأن الكلمات
تُنتزع من داخل صدرها :
ابو اللي في بطني لو عرف بوجوده هو اول واحد هيخلص منه وانا قبله اللي زيي دول تسليهم شوية انما اتهف في دماغي واحمل من واحد فيهم كأني حفرت قبري برجليا
نظرت لها فيروز بحزنٍ عميق وكأن قلبها انقبض لسماع تلك الكلمات، ثم قالت بعتابٍ موجع :
كان اي اللي جبرك على كده كان في ايدك تعيشي بشرف بعيد عن كل العك ده
تبدلت ملامح شدوى فجأة قساوة قديمة لمعت في عينيها قساوة تعلمتها من سنين الألم، ومن ذكرياتٍ لم تُغفر وقالت بمرارةٍ قاسية :
البركة في امك الله لا يسامحها
انتفضت فيروز من كلماتها، وقالت بتعقلٍ حازم :
استغفري ربنا يا شدوى امك ماتت متجوزش عليها غير الرحمة وبعدين امك كانت سبب آه بس اهي ماتت وكان ممكن تعيشي على نضافة من بعدها وبشرف
انفجرت شدوى وصرخت بقهر وحسرة :
حاولت بس معرفتش لا فلوس ولا أكل هجيب منين اضطريت اكمل في الكباريهات كرقاصة بس مفيش حد لمسني غيره هو اللي قدر يوقعني وقولت خلاص
هيتجوزني وابطل وابعد عن كل القرف ده
توقفت لحظة وارتجف صوتها وهي تكمل، وكأنها تعيد مشاهدة كابوسٍ قديم :
بس لقيته عاوز يسلمني من راجل لراجل وأنا أرفض وهو يزود في قساوته عليا مكنش في ايدي حاجة كنت بحبه يا فيروز حبيته اكتر من نفسي
انكسرت نبرتها، وأكملت بصوتٍ مبحوح :
يوم ما قررت ابعد بسبب الطريق اللي عاوزني امشيه طلع بيصورلي فيديوهات وانا معاه وبيهددني بيها عشان اوقع اللي هو عاوزني اوقعه.....غدر بيا !!!
أغمضت عينيها، وكأنها تحاول إيقاف دموعٍ أبت أن تتراجع :
لا منه سابني الرقاصة اللي على الأقل كانت محافظة على حاجة واحدة لنفسها ولا منه خدني وبعدني عن الطريق ده لا ده خلاني اغرس فيه اكتر وفي الاخر طفل اهو معرفش مصيره هيكون اي في كل الفيلم ده
وضعت يدها فوق بطنها، وهمست بصوتٍ منكسر :
واللي يبكي اكتر ان بعد كل اللي ضحيت بيه عاوز
يفضحني ويقتلني
نظرت لها فيروز بقلقٍ شديد وقد بدأ الشك يتسلل إلى عقلها فسألتها بترقبٍ واضح :
ايوه مين بقى ابوه اللي في بطنك سليم ولا الراجل ده
ولا مين يا شدوى....؟!!
ساد صمتٌ طويل
صمتٌ ثقيل، كأن الهواء نفسه توقف عن الحركة
أما شدوى فاكتفت بالنظر بعيدًا، وعيناها تمتلئان بحديث لا تزال تخشى النطق به
سؤالٌ واحد
لكن إجابته كانت كفيلة بأن تغير مصير الجميع ولهذا
احتفظت شدوى بالرد داخل صدرها !!!!
.........
