رواية ما ذنب الحب الجزء الثاني من ضحايا الماضي الفصل العشرون 20 بقلم شهد الشوري

 



رواية ما ذنب الحب الجزء الثاني من ضحايا الماضي الفصل العشرون  بقلم شهد الشوري 


اتجوزت عليا يا أوس؟!

قالتها مهرة بذهولٍ ارتجف له صوتها، وكأن الصدمة نزعت عنها توازنها في لحظة كان صدرها يشتعل بنارٍ لا تعرف لها اسمًا، وقلبها يرفض التصديق رغم أن الحقيقة كلها أمامها


لكن غزل قطعت عليها الشك حين قالت بثقة وهي تتمسك بذراع أوس :

قصدك اتجوز من بعدك مش عليكي والحمد لله ذوقه كان حلو المرة دي !!


في ثانية واحدة انقلب كل شيء....

اندفعت مهرة نحوها بغضبٍ أعمى، لكن أوس وقف بينهما ممسكًا يدها بقوة ليمنعها من الوصول فصرخت عليه وهي تبكي بانهيار :

ابعد عني سيبني عليها بعد كل السنين دي تتجوز غيري

ليه يا أوس ليه تعمل فيا كده أنا غلطت آه بس متعاقبنيش كده حرام عليك


كانت كلماتها تتكسر بين دموعها، بينما هو يقف أمامها بثباتٍ قاسٍ لم تعهده فيه يومًا لم يعد ذلك الرجل الذي كانت تعرفه

بل صار غريبًا يحمل ملامحه


حولهم سارة كانت تراقب بصمتٍ بارد لا شفقة في عينيها بل شيءٌ من الرضا المكتوم أما آدم فزفر بضيق يسب بداخله شقيقه الذي معهما مرت السنين عليه يظل متهورًا !!

لكن أوس لم يلتفت لأحد بالأساس

جذب غزل من يدها وصعد بها دون كلمة واحدة د


ركضت مهرة خلفه تصرخ عليه وهي تختنق بالألم :

مش هتدخلها اوضتنا يا أوس بلاش تكسرني كده انا مستاهلش منك كل ده


توقف أخيرًا والتفت إليها قائلاً بغل ونبرة حادة :

مين قالك اني هدخلها الاوضة دي.....

أنا لو أطول اولع في الاوضة دي باللي فيها وانتي معاها مش هتردد لحظة عشان امحي اي ذكرى تخصك من حياتي بس اللي مانعني عنك ولادي اللي ميستاهلوش ام زيك كانت هتدمر حياتهم عشان قلبها اللي مليان غل وسواد


خطا عدة خطوات ثم عاد إليها قائلاً بغضب ونفور :

واه انتي تستاهلي اللي إنتي فيه دلوقتي واس...من كده كمان 


ثم دخل مع غزل الغرفة وأغلق الباب سقطت مهرة على الأرض أمام الباب تضربه بكفها مرة بعد مرة ثم انهارت باكية

لم تبكي فقط على رجلًا فقدته بل تبكي على عمرًا كاملًا انهار في لحظة داخل الغرفة جلس أوس على طرف الفراش

يدفن وجهه بين كفيه كان يسمع بكاءها من الخارج وكل صوت يصل إليه كطعنة بطيئة في صدره


هو يحبها ويكرهها في الوقت ذاته

يشتاق إليها وينفر منها.....


أليست هي من بالخارج من أحبها يومًا.....؟!

لكنها في الوقت ذاته من خسرته، ومن حطمت العائلة التي سعى طويلًا ليحافظ عليها أذت الجميع، وكان هو أولهم

حتى بات لا يثق في حبها، ولا يطمئن لصدق مشاعرها، مهما قالت أو ادعت......

كيف لإنسانٍ يحب أن يكره كل هذا الكره....؟!

وكيف لمن أحبّ يومًا أن يتحول إلى كل هذا التناقض....؟!

أم أن الحب لم يكن موجود من البداية....!!!


اقتربت غزل منه تضع يدها على كتفه بدلال لكن أوس أبعد يدها فورًا قائلًا بنفاذ صبر وضيق :

سبيني في حالي دلوقتي يا غزل أنا مش فايقلك


مررت يدها على وجهها بعتابٍ ممزوج بدلال وقالت بنبرة ناعمة رقيقة :

إخس عليك الحق عليّا يعني حبيت أعملك مساج أريحك بيه وأنا شايفاك تعبان كده تقوم تزعق فيا كد بالشكل ده أهون عليك يا حبيبي


أبعد يدها عنه مجددًا بنفاذ صبر، لكنها لم تتراجع.ط

بل اقتربت أكثر ثم نزلت عند قدميه قائلة بدلال وثقة :

إيه اللي يريحك وغزل تحت أمرك إنت بس شاور،/ وأنا رهن إشارتك يا أوس


زفر بضيق، ووقف مبتعدًا عنها قائلًا بانفعال مكتوم :

يوووه إنتي مش بتزهقي من نفس الاسطوانة قولتلك سبيني في حالي دلوقتي قولت


لكنها اقتربت مرة أخرى ولفت ذراعيها حول عنقه بدلال وهي تردد بكل ثقة :

حبيبي أنا داخلة الجوازة دي وماعنديش غير اختيارين

يا أخليك تحبني يا أخليك تموت فيا وتعشق تراب رجلي زي ما بموت فيك غير كده،ط مفيش أي أوبشن تاني عندي 


قبل أن يرد باغتته بقبلة خاطفة، أربكته للحظة وجعلت عينيه تتسعان بصدمة من جرائتها التي تجاوزت كل الحدود

ابتعدت عنه بهدوء كأن شيئًا لم يحدث ثم ابتسمت ودخلت تستحم، قائلة بدلال :

بحبك يا روحي


أما أوس فبقي واقفًا في مكانه بين صدمةٍ لم تهدأ، وعقلٍ يحاول أن يستوعب ما يحدث حوله.....

بين نارٍ في الخارج تبكيه ونارٍ في الداخل تحرقه بصمت ولا أحد يعلم أي النارين أرحم عليه !!

.............

في اليوم التالي.....

لم تكن غنوة قادرة على الخروج من غرفتها أو حتى رفع وجهها أمام أحد تشعر وكأنها أصبحت مكشوفة للجميع وأن كل من يراها ينظر إليها بعين الشفقة حتى وإن لم يظهروا ذلك صراحة لكنها، رغمًا عنها، اضطرت للخروج

العمل ينتظرها، وكفاها ما نالها من إهانة

كانت تدعو في سرها ألا تراه…

قلبها الذي كان يتلهف لرؤيته كل يوم صار الآن يتحاشاه خوفًا من أن ترى في عينيه ذلها وانكسارها


فكرت للحظة أن تترك العمل وترحل لكنها تراجعت سريعًا

الرحيل الآن سيجعلهم يشفقون عليها أكثر وسيجعل حتى من لا يعلم شيئًا يشعر أن هناك ما حدث


كم اشتاقت لوالدتها الراحلة في تلك اللحظة

لو كانت هنا لارتمت في حضنها وبكت حتى يهدأ قلبها لتشكو لها ظلم الحياة وقسوتها

كانت تتمنى أبًا يكون سندًا لها يدافع عنها حين تُظلم، تلجأ إليه حين تضيق بها الدنيا لكنه نسيها شعرت ببرودةٍ قاسية تجتاح أوصالها حين أدركت أنها وحيدة في هذا العالم

بلا أم بلا أب بلا أخٍ أو أختٍ تشعر بينهم بالدفىء والأمان


كانت دائمًا ترى نفسها ضيفةً ثقيلة على خالتها وابنائها

حتى وإن لم يُظهر أحد ذلك لها فشعور اليُتم لا يشعر به إلا صاحبه مهما عاملك الجميع بحنان ورفق تشعر انك ثقيل وهي كانت تشعر به دائمًا رغم وجود أبٍ يشبه العدم رجلٌ لم يعتبرها يومًا ابنته، فكيف لها أن تراه أبًا.....؟!!!


داخل غرفة مروان......

وقفت حياة أمامه لا كأمٍ حانية، بل كقاضٍ يرى حبل المشنقة يلتف حول عنق مبادئها التي أفنت عمرها في غرسها نظرت إليه بعينين غائرتين، يسكنهما خذلانٌ لا تداويه الاعتذارات، واستحضرت طيف الماضي الذي كان أنقى بكثير من هذا المستنقع :

عشت في بيت أبوك سنتين بحالهم عمره ما فكر يقرب مني، حتى لما جاتله الفرصة على طبق من دهب عمره ما استغلني عارف قالي إيه.....قالي مقدرش آخد حاجة في يوم ممكن تكون لغيري، مقدرش أكسر حدود ربنا لأني عارف الصح من الغلط زي ما إحنا بالظبط علمناكم


تنهدت تنهيدةً خرجت من أعماق روحٍ متعبة، ثم أردفت بنبرة يملؤها الحسرة :

اهلنا رغم كل المشاكل اللي مرينا بيها ورغم إننا عشنا لوحدنا، بس كنا متربيين وبنعرف الأصول، لكن اللي أنا شايفاه دلوقتي إننا فشلنا، أنا وإخواتي للأسف معرفناش نربي


حاول أن يستجمع شتات نفسه، أن يرمم صورته التي تهشمت تحت أقدام الحقيقة، فقال بصوتٍ مختنق :

ماما أنا وقتها مكنش قصدي......


قطعت قوله بصرخةٍ مكتومة، صرخة امرأة رأت ثمار تعبها تسقط متعفنة قبل أوانها :

مفيش مبرر للي عملته، مفيش مبرر يخليك تلمس بنت بالطريقة دي وتقرب منها وأنت عارف من الأول إنك مش عاوزها، ولا شايف إنها مناسبة ليك، كنت عشمتها ليه من الأول وعلقتها بيك طالما ناوي تبعد


هنا، انتفض كبرياؤه الزائف وقال بحدة وتسرع :

أنا مضربتش حد على إيده هي كانت موافقة على كل اللي حصل، رضت وقبلت بقربي، حتى مامنعتنيش، لو انا زي ما حضرتك بتقولي فيا العبر طب وهي كانت اي لما سمحت لغريب يلمسها.......


ساد صمتٌ رهيب، وكأن الكلمات تجمدت في الهواء قبل أن تهوي عليه كالصاعقة، اقتربت منه، وألقت في وجهه بحقيقةٍ أمر من العلقم :

المشكلة الوحيدة إنك مش راجل، راجل معرفش يراعي بنات الناس، عشان عنده اخت، راجل بيرمي غلطه كله على بنت لا ده كمان عاوز يشيلها الليلة لوحدها، أنا مش ببرأها، هي غلطانة زيها زيك، بس انت بـندالتك عاوز تلبسها المصيبة عاوزها تشيل اللوم لوحدها !!


انسحب الهواء من الغرفة وكأن الكلمات امتصت الأكسجين المتبقي، ساد صمتٌ جنائزي لم يقطعه سوى صوت أنفاسها المتلاحقة التي تشبه حشرجة الموت لمبادئٍ أفنت عمرها في حراستها، نظرت إليه، لم تره ابنها الذي حملته وهنًا على وهن، بل رأت فيه غريبًا مشوهًا، مسخًا صنعته الأنانية


أشاحت بوجهها عنه، وكأن رؤيته باتت تؤذي بصيرتها، وقالت بصوتٍ خافت لكنه حاد :

عارف يا مروان الوجع مش في اللي عملته بس، الوجع إنك شايف البنت طالما وافقت يبقى دمها مهدور وعرضها مستباح عارف، إنت مكسرتهاش هي بس إنت كسرت ضهري أنا لما دفنت التربية اللي فنيت عمري انا وابوك بنزرعها فيك !!

 

للمرة الثانية كان يُجلدها بقسوة كلماته

لقد استمعت إلى حديثه مع والدته حين خرجت من غرفة عشق بعد أن أنهت تنظيفها وتسمرت مكانها من هول ما سمعت ركضت نحو غرفتها تبكي بقوة بينما كان صوت بدر يتعالى في أرجاء المنزل يصرخ على مروان بعدما رأى حياة منهارة بسببه كانت تظن أنها ربت رجلين لكنها اكتشفت أنها خُدعت، وأن كل ما بنته صار سرابًا


كانت تسمع صوت بدر يصرخ ومروان يرد عليه بغضب وكلماتٍ قاسية جعلت كل من في المنزل يتأهب، حتى الخدم

وقفت غنوة عند باب غرفتها، تستمع

تستمع لكلماته التي كانت كالسياط على روحها

سمعته يقول بحدةٍ وغضب :

مش عاوزها هو عافية يعني جاين تحاسبوني لوحدي ليه؟!

أنا مغلطتش ولا ضربت حد على إيده من حقي أختار الزوجة اللي شايفها مناسبة ليا ومش على آخر الزمن هيكون

بيني وبين خدامة حاجة !!!!


كانت كلماتٍ قاسية......

خرجت منه تحت ضغطٍ وغضبٍ أعمى من نظراتهم ومن وجودها أمامه ومن شعوره بالذنب الذي حاول أن يهرب منه بإلقائه عليها، كلماتٌ كذبها وصدقها معًا

يرمي بها اللوم عليها، ليخفف عن نفسه ثقل ما يشعر به من ندم وذنب


لكنها سقطت على قلبها كالسكاكين

مزقته حتى شعرت أن قلبها يُؤكل من الداخل وينزف بصمت

كلماتٌ ستظل جراحها مفتوحة في ذاكرتها طوال العمر

لن تمحوها الأيام، ولن تُنسيها الزمن


وقفت مكانها جامدة حتى توقفت دموعها عن النزول

خرجت من غرفتها ببطء كأنها تريد أن تسمع المزيد

أن تذكر نفسها بذنبها في حق نفسها ذلك الذنب الذي لن تنساه ما حييت !!


نزل مروان غاضبًا، وقبل أن يخرج من باب الفيلا وقعت عيناه عليها نظراتها ذبحته أكثر من أي كلمة

كاد أن يغادر، لكنه تجمد في مكانه حين سمع كلماتها الضعيفة، التي خرجت من قلبٍ مسحوق بالقهر :

حسبي الله ونعم الوكيل فيك ربنا ينتقملي منك


نعم لقد ظُلمت ولم تجد طريقًا لاسترداد حقها سوى الدعاء

التفت إليها بصدمة، ليراها تغادر في صمتٍ ثقيل

كان يتوقع منها أن تثور أن تصرخ أن تبكي بحرقة

لكن أن تدعو عليه كان ذلك أقسى من كل شيء.....


غادر سريعًا، بألمٍ وغضبٍ يتفاقمان داخله من نفسه قبل أي أحد أما هي.....

فجلست داخل غرفتها، منكفئة على نفسها، حتى فوجئت بدخول فاطمة، زميلتها في العمل، والتي تكبرها بخمس سنوات كانت علاقتهما سطحية دومًا لكن فاطمة كانت تعاملها بهدوءٍ لطيف جلست بجانبها، وقالت بحزن وشفقة :

متزعليش مني يا أختي بس إنتي غلطانة لما بصيتي لفوق أوي كده مهما كان إحنا خدامين عندهم يعاملونا كويس ويعطفوا علينا، آه بس ما يتجوزوش مننا وفي الآخر وجع القلب هيكون ليكي انتي


نظرت إليها غنوة بصدمةٍ صامتة فتابعت فاطمة بحرج :

سمعت طراطيش كلام وكمان شفتك معاه كذا مرة قاعدين لوحدكم ما تخافيش محدش يعرف غيري


صمتت غنوة بينما واصلت فاطمة حديثها بنبرةٍ يختلط فيها الحزن بالقهر :

أنا حاسة بيكي عشان في يوم من الأيام كنت زيك

بصيت للي مش من توبي كان دكتور وأنا مجرد خدامة بتنضف عيادته كنت أشوف معاملته ليا وأقول خلاص بيحبني اتاريه مش شايفني غير خدامة ابوها ميت وبتصرف على امها واخواتها الصغيرين وبيعطف عليها


صمتت لحظة ثم تابعت بصوتٍ مكسور :

لحد ما أعلن خطوبته ساعتها اتجننت وروحت أواجهه

قلتله انت بتحبني ليه تتجوز غيري


ضحكت بسخرية مريرة وهي تتابع :

اندفاع أهبل بندم عليه لحد دلوقتي عشان لولاه كان زماني مسمعتش الكلام القاسي اللي قالهولي كله كلام من قساوته مش عايزة افتكره عشان قلبي ميوجعنيش


صمتت قليلًا، ثم تابعت بقهرٍ مرير :

كأن الفقر بإيدينا، شافوا فقرنا وماشافوش إن الواحدة مننا كان ممكن تبيع نفسها، وتبقى زيهم بس اختارت تشتغل عشان تكسب لقمتها بالحلال، عشان إحنا فقرا يبقى مش من حقنا نحب وكأن الحب اختيار نقول هنحب مين ونحبه


بكت غنوة بقهر شديد بينما ربتت فاطمة على ذراعها بحنان قائلة :

هدي نفسك يا أختي واتعلمي تعيشي قوية إنت ماغلطتيش هو اللي غلطان، هو اللي خسر حب لو لف الدنيا كلها مش هيلاقي زيه


أومأت غنوة في صمت، فغادرت فاطمة الغرفة ببطء وهي تنظر إليها وكأنها ترى نفسها قبل سنوات ثم تمتمت بقهر مكتوم :

يقطع الحب وسنينه


أما غنوة فكانت تجلس وحدها وعيناها جافتان من كثرة البكاء لكن داخلها كان قرارٌ يتكون ببطء وفي المساء

كانت قد حسمت أمرها !!!

.............

كان يونس يقف أمام أدهم بإصرار واضح ملامحه مشدودة نبرته تحمل ضيقًا حاول إخفاءه لكنه لم ينجح تمامًا وهو يقول باعتراض :

أنا مش شايف سبب للتأجيل كل الوقت ده يا عمي


رد أدهم بهدوء ظاهري يخفي وراءه حذر الأب وخوفه على ابنته قائلاً :

قمر لسه بتدرس يا يونس ودراستها صعبة ممكن الفرح يبقى على إجازة السنة الجاية إن شاء الله


زفر يونس بغيظٍ مكبوت ثم قال بضيقٍ لم يحاول إخفاء.ه:

طب ما تدرس وهي في بيتي يا عمي فيها إيه يعني كتير أوي بيعملوا كده وأنا أوعدك هساعدها ومش هقف في طريقها خالص وكل حاجة تريحها هتحصل


ظل رد أدهم ثابتًا على هدوئه لكنه كان حاسمًا :

قمر مش هتقدر توفق بين الدراسة وبيتها حاليًا وأنا معنديش استعداد تيجي تقولي بعدين مش هكمل دراسة


رد عليه يونس بهدوء أكثر تماسكًا وكأنه يحاول إقناعه بالعقل لا بالعاطفة :

مين قال أصلاً إن أنا هسمح ليها بكده دراستها ليها كل الأولوية عندي وكل حاجة هتبقى متوفرة ليها كل اللي عليها الدراسة وبس وبعدين يا عمي قمر هي اللي تقرر هتقدر توفق بين الاتنين ولا لأ نسألها وهي اللي تحدد


اشتعل الغيظ في عيني أدهم وقال بحدة :

قصدك متدخلش وأطلع نفسي بره الموضوع


هز يونس رأسه سريعًا باحترام :

لا طبعًا حضرتك الخير والبركة وكلمتك تمشي علينا كلنا

بس أنا قصدي إنك رافض عشان خايف عليها متوفقش فخلينا نسألها ونشوف رأيها وأيا كان أنا هحترمه


صمت أدهم للحظات وغاص في شروده يرى أمامه شابًا قادرًا على الإقناع قادرًا على بث الطمأنينة في قلبه رغم كل الغموض الذي يحيط بالأمر ورغم شكوكه إلا أن شيئًا بداخله أخبره أن ابنته ستكون في أمان معه


تذكر كيف دافع عنها وكيف تحمل عنها ما كان يمكن أن يحطمها ورأى بعينيه نظرات العشق التي لا تفارق عيني يونس كلما نظر إليها 


قطع شروده صوت يونس وهو يسأله بترقب :

قولت إيه يا عمي؟!


تنهد أدهم ببطء ثم قال بهدوء عميق :

قولت مش هلاقي أحسن منك لقمر يا يونس رغم كل الغموض اللي في الموضوع بس أنا واثق فيك إنك هتحافظ عليها ماتخلنيش في يوم أندم على الثقة دي عشان لو ندمت هزعلك مني أوي


قال الجملة الأخيرة بشراسة جعلت يونس يضحك بفرح واضح ثم اندفع نحوه يعانقه بسعادة لم تكتمل تمامًا.....

لأنه يعلم أن هذا الزواج ما زال ناقصًا وأنه لم يكن إلا وسيلة لإنقاذها من نوح ووضعها تحت اسمه رسميًا


أما قمر فبعد وقتٍ قصير جلست معه وسألته بصوتٍ يحمل حيرة حقيقية :

يونس إنت ليه بتعمل كده وليه حساك فرحان بحاجة المفروض تزعلك ده جواز على ورق مزيف وهتتجوز واحدة إنت عارف إنها بغبائها خسرت نفسها......


صمتت دون أن تكمل حديثها والألم يثقل صدرها أما هو فكان صمته أثقل من الكلمات لأنه يعلم أنه إن تحدث بحقيقة عشقه لها فربما يخسرها للأبد لذلك اكتفى بأن يقول بهدوء :

غلطتي يا قمر بس دي مش نهاية العالم وأنا مش ربنا عشان أحاسبك أنا عملت كده عشان عارف إنك اتظلمتي واتخدعتي بس سذاجتك هي اللي وقعتك في مصيبة زي دي ويا ستي ليه مش عاوزاني أفرح وأنا شايف إن المشكلة بتتحل


نظرت إليه بحزنٍ وريبة، ثم سألته :

متأكد يا يونس مفيش حاجة تانية؟


رد عليها بهدوء ظاهري :

ليه مش مصدقاني؟


قالت بحيرة :

عشان يوم ما ضربت نوح قربت مني وكنت بتتكلم بطريقة غريبة حسيت.....حسيت منها......


لم تستطع إكمال كلماتها فتابع هو بهدوء كمن يلقي بسهم في قلبه قبل قلبها :

حسيتي إني بحبك مثلًا


أومأت برأسها، فتابع يونس بابتسامةٍ باهتة تخفي ألمًا عميقًا :

اللي حصل كان لحظة زي ما قولتي قبل كده واتكلمت بالطريقة دي عشان حسيتك خايفة وكنتي محتاجة حد يطمنك وأنا فعلًا بحبك يا قمر !!


رفعت رأسها نحوه بسرعة ليتابع فورًا بنبرة مرحة باهتة :

بس زي أختي مش إنتي كمان شايفاني أخوكي؟


تنفست بارتياح واضح ثم قالت :

طمنتني يا يونس عشان بجد كنت هزعل أوي لو كنت بتحبني !!


ابتسم رغم الألم الذي يعصف داخله وسألها بابتسامةٍ شاحبة :

ليه مش قد المقام عشان نتحب يا قمر هانم؟


حركت رأسها نفيًا ثم قالت بصدق :

بالعكس إنت أكتر واحد بقيت أحبه في الدنيا بعد بابا وماما إنت تستاهل تتحب بس أنا مستاهلكش ومينفعش يكون بينا حاجة ونعيش طبيعي عشان إنت لا هتنسى غلطتي ولا أنا هقدر أعيش وأنا حاسة إنك ممكن تبصلي باحتقار حتى لو كانت غصب عني !!!


توقفت قليلًا ثم أكملت بصوتٍ مكسور :

أنا مش جاهزة أحب ولا هقدر أنسى اللي حصلي بسهولة مشواري لسه طويل كنت هزعل لو حبتني عشان كنت هضطر أبعد وأنا مش عاوزة أبعد عن أخويا وصاحبي والوحيد اللي سري معاه لما اتوجع هجري عليه عشان عارف وجعي


ثم ابتسمت بحزنٍ خفيف وهي تضيف كلماتٍ لم تدرك أنها كانت سكينًا في قلبه :

وإن شاء الله ربنا هيرزقك ببنت جميلة تحبها وأنا اللي هختارها لك بنفسي


كلماتٌ جميلة....لكنها قيلت للشخص الخطأ

قيلت لرجلٍ يعشقها بصمت، لرجلٍ عاش عمره يحلم بها


لم يفعل شيئًا فقط ابتسم ابتسامةً هادئة تخفي خلفها ألمًا لا يُحتمل ثم ودعها وغادر !!


أقسى ما قد يختبره القلب....

أن يحبّ بصمتٍ لا لأن الحب عيب بل لأن البوح به قد يهدم كل شيءٍ جميلٍ تبقى

أن تكون قريبًا منها حد الأمان وبعيدًا عنها حد الوجع

تراها كل يوم تسمع صوتها تحفظ تفاصيلها الصغيرة

لكن لا يحق لك أن تطلبها لنفسك ولا أن تحلم بها علنًا

أن تختار بنفسك أن تكون جدارها الذي تستند إليه

وأنت تعلم في أعماقك أنك تتآكل حجرًا بعد حجر

هو لم يخشى رفضها.....

بل خشي أن يخسر مكانه الوحيد في قلبها

ذلك المكان الذي منحته له بثقةٍ بريئة حين سمته أخًا

بينما كان قلبه يهمس باسمها كدعاءٍ لا ينقطع

بعض القلوب لا تموت من الفقد

بل تموت من الصبر الطويل

من ذلك الصمت الذي يبتلع الاعترافات ومن تلك الابتسامة التي تُرسم على الشفاه

فقط كي لا ترى العيون كم النزيف الذي يحدث في الداخل !!

..........

في المساء بعدما غرق البيت في سكونٍ ثقيل ونام الجميع كانت هي قد أنهت جمع أغراضها منذ الصباح تستعد للرحيل كما يستعد القلب لاقتلاع نفسه من صدره......

وقفت أمام فراشها طويلًا، تتأمله بعينين غارقتين بالدموع دموع تنساب على وجنتيها في صمتٍ موجع صمتٍ يشبه صمت المقابر حين تُدفن فيها الذكريات


كانت قد وضعت فوق الفراش كل ما يذكرها به.....

كل شيء اشتراه لها كل هديةٍ ناولها إياها بابتسامةٍ خدعتها حتى تلك الأشياء الصغيرة التي أهداها لها في ذلك اليوم الذي أخذها فيه للتنزه يوم ظنت أن العالم ابتسم لها أخيرًا ولم تكن تعلم أن الابتسامة كانت فخًا !!


وضعت كل ما يخصه هناك كما لو أنها تعيد إليه ذكرياتها قسرًا كأنها تخلع قلبها قطعةً قطعة وتلقيه فوق ذلك الفراش


شهقة خرجت من صدرها ثم انفجرت بعدها في البكاء.....

بكاءٍ مقهور حارق كأن روحها تُسحق تحت وطأة خذلانٍ لم تكن تتخيله غادرت الغرفة بخطواتٍ مرتجفة ولسان حالها يردد بقهر ليتها لم تأتي إلى هنا من الأساس


دخلت تلك الفيلا يومًا محملة بالألم وها هي تخرج منها الآن بألمٍ يفوق كل ما ذاقته من قبل كأن قلبها يُنتزع من بين ضلوعها ببطء !!


كلماته مازالت تتردد في أذنيها كطعناتٍ لا تتوقف

كل حرفٍ قاله كان يعود إليها الآن يجلدها يفضح سذاجتها يذكرها كم كانت غبية حين صدقت أن الحب يمكن أن يخرج من قلب مثله


وقفت أمام منزل خالتها.......

ترددت لحظة، يدها معلقة أمام الباب وقلبها يخفق بعنف طرقت ففتح الباب وظهرت حبيبة من خلفه وما إن وقعت عيناها على وجهها حتى انهارت غنوة تمامًا

ارتمت في أحضانها باكيةً بقوة كطفلةٍ فقدت أمها وسط الزحام شهقت حبيبة بفزع وهي تمسكها بقوة :

مالك يا بت؟! حصلك إيه؟!


لكن غنوة لم تستطع الكلام كان البكاء يخرج منها كأنفاسٍ متقطعة وكأن صدرها لم يعد يحتمل كل هذا الألم

خرجت دينا ابنة خالتها الصغرى من غرفتها بنعاس تفرك عينيها لكنها ما إن رأت هيئة غنوة حتى تجمدت مكانها والصدمة مرتسمة على وجهها الجميل قالت لها حبيبة بضيق :

خشي نامي يا دينا يلا


دخلت دينا على مضض، بينما أخذت حبيبة غنوة إلى غرفتها ثم أغلقت الباب خلفهما

كانت غنوة لا تزال تبكي جسدها كله يرتجف لكن بعد وقتٍ طويل، هدأت قليلًا وبدأت تحكي

تحكي ما حدث.....

تحكي وهي تشعر أن كل كلمةٍ تخرج من فمها تقتطع قطعةً من روحها بينما حبيبة كانت تستمع ومع كل جملة كانت عيناها تشتعلان غضبًا والغليان يتصاعد داخل صدرها وما إن انتهت غنوة من حديثها وقبل أن ترد حبيبة بأي كلمة

انفتح باب الغرفة بعنف وقفت خالتها عند الباب شعرها مبلل أنفاسها متسارعة كانت تستحم وحين خرجت وجاءت لتدخل استمعت لكل شيء.....!!!!

انقضت على غنوة كالإعصار رفعت نعلها وضربتها بقوة وهي تصرخ بحدةٍ جارحة :

يا رخيصة يا زبالة سبيتيه يلمسك ويقرب منك


حاولت حبيبة إبعادها وهي تقول بفزع :

استني يا ماما.....اهدي بس


لكن الغضب كان قد أعماها تابعت ضربها وصفعها بقوة ثم قبضت على خصلات شعرها بعنف وهي تصرخ عليها بغضب :

عملتي كده ليه منك لله......فرطتي في نفسك ليه؟!


كانت غنوة مستسلمة لها تمامًا لم ترفع يدها لتدافع لم تحاول الهرب كأنها ترى في الضرب عقابًا تستحقه أو ربما عزاءً يخفف بعض ما يحترق داخلها !!


رددت حبيبة بضيق وهي تحاول إبعاد والدتها عن غنوة :

خلاص يا ماما ماحصلش حاجة الحمد لله البت سليمة


صرخت والدتها عليها بغضب أشد وصفعت غنوة بقوة :

وده اللي فارقلك إنها سليمة......!!

ده كله اصلاً من ستر ربنا بيها مع إنها ماتستاهلش رخصت نفسها وغضبت ربنا قبل أي حاجة لما تسمح لراجل يعمل فيها كده وتسكتله


ثم تابعت بمرارةٍ جارحة :

وفي الآخر سابك وراح لغيرك ما هو عنده حق من إمتى راجل بيتجوز واحدة سمحتله يلمسها من غير حاجة رسمي بينهم د


انفجرت غنوة بالبكاء قائلة بقهر :

كنت فاكرة إنه بيحبني!!


صرخت خالتها بسخرية لاذعة وركلتها في قدمها بقسوة :

اللي يحبك ييجي بيت أهلك يطلبك اللي يحبك يحافظ عليكي ويحميكي حتى من نفسه لو حبك كان اتحمل الغلط كله وشاله عنك انما هو شيلك الليلة كلها عشان واطي وزبالة


ثم أضافت بصوتٍ مليء بالخذلان :

سيبتك تشتغلي في بيت الشغلانة دي رغم اني مكنتش مقتنعة بس اللي سكتني اني قولت غنوة بمية راجل وتعرف تحافظ على نفسها اللي يقربلها تاكله بسنانها بس انتي بدل ما تقطعي ايده اللي لمستك روحتي سلمتيله نفسك بالساهل يا رخيضة ده لاولا ابوه وصل كان يا عالم حصل اي ربنا سترك لما لحقك في اخر لحظة وانتي متستاهليش عشان غضبتيه من غير ما تفكري زيك زي اللي زنا بالظبط 


كان بكاء غنوة يعلو.....يختنق.....يتمزق.....

جسدها كله ينتفض ليس فقط من ألم الضرب بل من ألم القلب الذي صار كقطعة زجاجٍ مهشمة داخل صدرها


غادرت خالتها الغرفة أخيرًا لكن قبل أن تخرج،ط بصقت نحوها بحدة....ظوكأنها تتبرأ منها !!


اقتربت حبيبة منها، واحتضنتها بشفقةٍ موجعة وغنوة تبكي بهستيرية جسدها يرتجف الضرب كان يؤلمها نعم

لكن ألم قلبها كان أشد…أعمق…أوجع…كجرحٍ لا يُرى لكنه ينزف بلا توقف


في الصباح كانت صدمة اختفائها ثقيلة على الجميع


أما هو فقد تظاهر بالبرود ملامحه ثابتة صوته عادي

لكن داخله كان كجمرٍ مشتعل الذنب ينهش قلبه بلا رحمة كوحشٍ جائع لا يهدأ


أرسل بدر لغنوة باقي حسابها بل زاد عليه مبلغًا كبيرًا

ربما ليُسكِت ضميره…الذي يؤلمه على ما فعله ابنه فيها

لكن ما إن رأت خالتها الأموال حتى ثارت كالإعصار :

الفلوس دي تحرم على البيت ده ترجعلهم دلوقتي وحالاً


نظرت إلى غنوة بحدةٍ جارحة وقالت بقسوة كالسكين :

بعتلك تمن اللي خده منك عشان رخيصة

زيك زي أي واحدة من الشارع رخصتي نفسك فهو رخصك


في تلك اللحظة اشتعل الدم في عروق حبيبة

ارتدت ملابسها بسرعة، وخطفت ظرف الأموال من يد والدتها قائلة بعزم حاد :

أنا هرجعها بنفسي


اقتحمت فيلا بدر بعاصفةٍ من الغضب

خطواتها قوية أنفاسها متلاحقة التف الجميع حولها بدهشة

حتى بدر خرج من مكتبه وكان برفقة إلياس يتناقشان في العمل.سألها يوسف بحدة :

داخلة بتهللي كده ليه....انتي مين؟!


تجاهلته تمامًا ونظرت نحو حياة بضيقٍ حاد :

فين ابنك يا هانم؟!


نزل مروان وما إن رآها حتى تجمد مكانه

اقتربت منه حبيبة نظراتها اشتعلت بالقرف وهي تقول له بحدة جارحة :

مش هقولك غير ربنا ينتقم منك على اللي عملته فيها عندنا في الحارة اللي إنت مستعر تناسب منها الرجالة بجد ما بيمدوش إيدهم على حاجة مش ليهم إلا بالحلال بس طبعًا كلامي ع الرجالة مش.......


صمتت للحظة لتشتعل اعين مروان بالغضب الشديد من اهانتها له ثم ألقت بظرف الأموال أرضًا :

فلوسكم اهي متلزمهاش


ساد صمتٌ ثقيل كانت حياة تعلم أن ابنها مخطئ وأن تلك الفتاة، رغم حدتها، معها كل الحق

انحنى عاصم، التقط الظرف وأعطاه لوالدته التي مدت يدها نحو حبيبة قائلة بهدوء حزين :

ده حقها ولازم متفرطش فيه


لكن حبيبة ردت بكبرياءٍ لاذع، وهي تنظر نحو مروان :

ميلزمهاش لا الفلوس ولا صاحبها اعتبروها نقوط للعريس


قالتها ثم استدارت وغادرت تعدل حجابها الذي تحرك من شدة غضبها أما إلياس فكانت عيناه تتابعانها بإعجابٍ خفي


رغم حدتها ورغم لسانها السليط....

رغم جرأتها التي كادت أن تدفعها يومًا لصفعه إلا انها تعجبه

ليس إعجابًا بجمالٍ ظاهر.....

بل إعجابٌ بتلك النار التي تسكنها…

بقدرتها على الوقوف وحدها وسط رجالٍ كثيرين دون أن تهتز نبرة صوتها أو ترتجف يداها !!!!!

..............

بخطواتٍ مترددة لكنها حاسمة، تقدم إياد نحو مكتب آدم

قلبه كان يخفق بعنف كأن كل خطوة يخطوها نحو ذلك الباب كانت مواجهة جديدة مع ماضي ومع خطأٍ لم يتوقف عن مطاردته منذ لحظة وقوعه


توقف لثوانٍ أمام الباب أخذ نفسًا عميقًا ثم اقتحمه

في الداخل كان آدم يجلس خلف مكتبه يتحدث مع شقيقه أمير في بعض أمور العمل بينما جلس ياسين إلى جوارهما

وما إن وقعت عينا ياسين على إياد حتى غلى الدم في عروقه دفعةً واحدة هب من مكانه كالإعصار وقبل أن ينطق أحد بكلمة اندفع نحوه ولكمه بقوةٍ عنيفة ارتد على أثرها إياد إلى الخلف وكاد يفقد توازنه ارتطمت قبضته بشفتيه فانفجرت الدماء من طرف فمه


لكن رغم ذلك تمالك نفسه بصعوبة شديدة ورفع يده يمسح الدماء من شفتيه وقال بهدوءٍ ظاهري يخفي وراءه غضبًا مكبوتًا :

أنا هسكت عشان عاذرك وحطيت نفسي مكانك


لكن ياسين لم يهدأ.....

قبض على مقدمة ثيابه بعنف غير عابئ بمحاولات أمير الذي حاول الفصل بينهما،بينما ظل آدم جالسًا في مكانه بهدوء مريب كأنه ينتظر ما سيحدث دون تدخل


صرخ ياسين بغضبٍ مشتعل :

ليك عين يا بجح يا بن.....تخطي برجلك بعد اللي عملته انت واهلك ما اتعظتش من العلق اللي خدتوها واللي لسه هتبقى سواد عليكم


زفر إياد بقوة، وتجاهله ثم تحرر من قبضته واتجه بخطواتٍ ثابتة نحو آدم، وقف أمامه مباشرة ونظر في عينيه بثبات قائلاً بصوتٍ صارم رغم الرجاء الواضح فيه:

أنا من حقي أشوف مراتي أم ابني أنا عارف إن اللي حصل صعب ومالهوش غفران بس ده حقي إني أشوفها


صرخ ياسين من الخلف بحدةٍ غاضبة :

خسرت الحق ده يوم ما سيبتها وهربت يا جبان


تنهد إياد ببطء وكأنه يحمل فوق صدره جبالًا من الندم ثم قال بصراحةٍ موجعة :

أنا معترف إني غلطت ومعترف كمان إني كنت غبي لما صدقت اللعبة دي كلها ومعترف إني جبان وفيا العبر ومعترف إني مستاهلش بنت زي بنتك


توقف لحظة ثم تابع بصوتٍ أكثر صدقًا بينما آدم يستمع في صمتٍ أثار ريبة الجميع :

بس فيه حقيقة لا أنا هقدر أنكرها ولا انتوا هتقدروا تنكروها فيه طفل هيتولد هيربط بينا وأنا مش عاوز ابني يعيش اللي عيشته ولا عايزه يجي الدنيا يلاقي الوضع بين أمه وأبوه كده


ابتلع ريقه بصعوبة ثم قال بنبرةٍ مكسورة لكنها صادقة :

ولا عاوز أخسر بنتك وأفرط فيها لأني محبتش غيرها آه البداية بينا كانت زي الزفت بس أنا جايلك وبقولك شاريها ومستعد لأي حاجة مهما كانت تطلبوها بس خليني أتكلم معاها وأشوف هي عايزة إيه في طفل رابطنا دلوقتي وأي قرار متسرع منك أو منها أو مني أو من أي حد هيأثر على حياة الطفل ده قدام وأنا مش هسمح بكده


رد عليه ياسين بحدةٍ وقرف واضح :

صافي هتطلق منك بس طبعًا بعد ما نعمل فرح نعلن فيه جوازك منها


تنهد إياد ببطء ثم قال بصرامة :

اسمعها منها


هنا تدخل آدم أخيرًا وصوته خرج هادئًا لكنه يخفي نارًا مشتعلة في أعماقه :

ولو سمعتها منها هتعمل إيه.....هتطلقها !!


رفع إياد عينيه إليه ونظر له بثباتٍ واضح، ثم قال بحزم.: 

لا


أعجبه تمسكه بها وإصراره لكن رغم ذلك

كان قلبه يرفض أن يغفر أو أن يسلم ابنته مرةً أخرى لرجلٍ خذلها وهرب وتركها في موقف كهذا حتى وإن كانت مخطئة

تنهد إياد ببطء ثم قال برجاءٍ صادق :

أنا عاوز أشوف صافي


تدخل أمير بهدوءٍ عقلاني :

آدم رغم إنه ميستاهلش بس الاتنين فعلًا لازم يقعدوا مع بعض ويتكلموا


التفت إياد إليه بنظرة امتنانٍ صامتة

لكن آدم لم ينظر نحوه

اكتفى بأن يشير بيده ناحية الباب وهو يقول ببرودٍ قاسٍ :

خليه يغور بره لحد ما أفكر وأبقى أشوف هوافق ولا لا


زفر إياد بضيقٍ مكبوت…

ثم استدار وغادر المكتب في صمتٍ ثقيل على مضض


أما ياسين فكان على وشك الاندفاع خلفه مجددًا والنار مازالت تشتعل داخله كلما تذكر ما حدث لشقيقته


لكن أمير تمسك به بقوة، يمنعه من اللحاق به يحاول إخماد تلك النيران التي لم تهدأ.....ولن تهدأ بسهولة !!!!


ومن قال إن آدم العمري سيجعله يرى ابنته بتلك السهولة

فها هو يوم الزفاف قد جاء ومع ذلك لم يسمح له برؤيتها ولم يمنحه تلك اللحظة التي انتظرها طويلًا إلا في يوم زفافها نفسه كأنما أراد أن يذكره ولو لمرةٍ أخيرة أن الطريق إليها لن يكون سهلًا أبدًا وأن كل خطوة نحوها ستظل مشوبة بثمنٍ يدفعه من قلبه !!!!

...........

جاء موعد الزفاف......

ذلك الموعد الذي كان بالنسبة لأحدهم كقدرٍ ثقيل بينما كان للآخرين بابًا للسعادة والراحة امتزجت في القاعة مشاعر متناقضة فرحٌ ظاهر على الوجوه وحزنٌ مكتوم يثقل صدورًا لا يعلم بها أحد


كان الحزن من نصيب صافي التي وقفت بثوبها الأبيض كتمثالٍ جميلٍ يخفي داخله انكسارًا موجعًا وكذلك إياد الذي كان قلبه يؤلمه على زواجهما بتلك الطريقة التي لم يتمنها يومًا أما قمر فكانت الحيرة والخوف يتناوبان على قلبها

حياةٌ جديدة تقف على أعتابها لا تعلم كيف ستسير ولا ما الذي ينتظرها خلف أبوابها المغلقة......


لكن وجود يونس بجانبها كان يمنحها قدرًا من الأمان

نظرت إليه بنظرة امتنانٍ صامتة وتساءلت في داخلها

كيف كان سيكون مصيرها لو لم يعثر عليها ذلك اليوم ويقف بجانبها....؟!!


أما يونس فكانت سعادته ناقصة يشوبها شيءٌ من القلق لكنه قرر أن يعيش تلك اللحظة رغم كل شيء

اليوم ترتبط به رسميًا أمام الجميع

حلمٌ ظنه يومًا مستحيلًا أصبح الآن حقيقةً يراها بعينيه

بدأت موسيقى رقصة العروسين تعلو في القاعة فتجمدت صافي في مكانها، رافضة أن تتحرك !!

اقتربت منها زينة سريعًا وانحنت نحوها هامسة بصوتٍ خفيضٍ يحمل غضبًا مكتومًا :

اتلمي وعدي ليلتك أبوكي على آخره كفاية اللي حصل مش هتفضحيه كمان وسط المعازيم ويقولوا إنك مغصوبة


أغمضت صافي عينيها للحظة ثم تحركت على مضض

اقتربت من إياد بخطواتٍ بطيئة وقلبها يرفض كل ما يحدث

ما إن لامست يده يدها حتى شعرت بنفورٍ حاد، كأن لمسته نارٌ على جسدها حاول إياد أن يتحدث معها بنبرةٍ هادئة :

صافي خلينا نعدي الليلة دي على خير وأنا أوعدك


لكنها قاطعته ببرودٍ قاسٍ دون أن تنظر إليه :

لو سمحت ماتتكلمش


صمت إياد وقد شعر بكلماتها كصفعةٍ خفية لكنه تماسك وأكمل الرقصة معها بصمتٍ موجع


في الجهة الأخرى، كان الجو مختلفًا قليلًا

كان يونس يتحرك مع قمر بخفة يحاول كسر توترها الذي لاحظه منذ بداية الحفل مال قليلًا نحوها، وقال بنبرة مشاكسة مرحة :

طول عمري نفسي أعرف الناس لما بترقص الرقصة دي بيتهامسوا في إيه


ابتسمت قمر بخفوت وقد تسلل إليها شيءٌ من المرح رغم توترها وقالت :

وعرفت دلوقتي؟


ضحك يونس ضحكةً قصيرة ثم اقترب قليلًا وهو يقول بنفس النبرة المرحة لكن بنغمةٍ تحمل مغزى خفيًا :

لا هعرف إزاي وانتي ساكتة كده ولا ناوية تفضلي ساكتة طول العمر يا قمر.....؟!


رفعت قمر عينيها إليه، وتلاقت نظراتهما للحظةٍ قصيرة

لحظةٍ حملت بين طياتها توترًا خفيفًا، وارتباكًا، وبداية ألف سؤالٍ لم تجد له إجابة بعد


لحظةٌ امتزج فيها الارتباك بشيءٍ خفي من الطمأنينة يحاول أن يجعلها تقرأ في عينيه ما يعجز لسانه عن قوله

ترددت قليلًا ثم قالت بنبرةٍ خافتة تحمل شيئًا من التوتر :

اعتقد بيتكلموا عن حبهم ومشاعرهم شيء طبيعي لأي اتنين بيتجوزوا وبيحبوا بعض


ابتسم يونس بخفة ثم مال قليلًا نحوها وهو يواصل الدوران بها على نغمات الموسيقى وقال بنبرةٍ هادئة أقرب للهمس :

طب وإحنا نتكلم عن إيه عشان نبقى طبيعيين قدام الناس


تعلقت عيناها بوجهه للحظة ثم قالت بعد تفكيرٍ قصير محاولة إخفاء ارتباكها خلف ابتسامةٍ باهتة :

نتكلم عن أي حاجة


رفع حاجبه بمكرٍ لطيف، وقال بنبرةٍ مشاكسة وهو ينظر نحو شفتيها الجميلة :

أي حاجة أي حاجة


نظرت له بتوجس وخوف ليسألها يونس بحنان :

انتي لسه خايفة يا قمر.....؟!!


ترددت للحظة ثم زفرت بهدوء وكأنها سلمت أخيرًا باعترافٍ لم تكن ترغب في قوله :

ايوه خايفة يا يونس.....خايفة اووي، خايفة من اللي ممكن يحصل قدام ومن نوح ومن كل حاجة حواليا أنا حياتي كلها اتغيرت في لحظة وفجأة لقيت نفسي في حرب مكنتش عارفة هعمل فيها اي لولا وجودك في حياتي، ورغم كل ده ساعات بخاف منك انت !!


هدأت ملامحه فجأة، واختفت نبرة المزاح من عينيه ليحل محلها شيءٌ من الجدية والطمأنينة شدد قبضته قليلًا حول يدها دون أن يضغط وكأنه يحاول أن يمنحها شعورًا بالأمان بعدما ألمه قلبه على حديثها وبكل ما تشعر به :

ماتخافيش.....

طول ما أنا جنبك مش هسيبك تواجهي حاجة لوحدك

أنا احميكي من نفسي يا قمر مش بس من الدنيا كلها


ارتجف قلبها لكلماته وشعرت بحرارةٍ غريبة تسري في صدرها

لم تكن تعلم إن كان ذلك بسبب خوفها أم بسبب تلك الثقة التي بدأت تتسلل إلى داخلها رغماً عنها

خفضت عينيها سريعًا حتى لا يلحظ ما دار بداخلها بينما استمرت الموسيقى تدور من حولهما


في الجهة الأخرى كانت صافي تتحرك بجانب إياد بجسدٍ متخشب، كأنها تؤدي واجبًا ثقيلًا لا مفر منه

حاول إياد مرة أخرى كسر الصمت بينهما فقال بصوتٍ خفيض مليء بالحزن :

أنا مش عدوك يا صافي


لكنها لم تنظر إليه، بل قالت بحدة :

انت بالنسبة ليا اكتر من عدو انا لو أطول اولع فيك بأيدي مش هتردد وكل عقلك يتخيل ان ممكن الأمور بينا تبقى تمام بص حواليك وانت تعرف انت اذتني قد اي


تلقى كلماتها بصمتٍ موجع وشعر بشيءٍ ينكسر داخله بهدوء

أغمض عينيه للحظةٍ قصيرة ثم فتحهما مجددًا، محاولًا التماسك أمام العيون التي تراقبهم !!!


بعد قليل......


فجأة خيم صمتٌ مهيب على القاعة كأنما توقفت الأنفاس حين تقدم يوسف بخطى مترددة مثقلة بالندم وقبض على مكبر الصوت بيده ثم انطلق صوته يتردد في الأركان :

أنا آسف إني هقاطعكم بس حابب الكل يسمعني أولاً مبروك للعرسان ربنا يسعدكم يارب تاني حاجة معظمكم إن مكنش كلكم حضرتوا فرحي على بنت خالي ليلى أوس العمري من سنتين وشوية واللي حصل يومها كان صعب وسوء تصرف مني أنا.......


توقف للحظة ابتلع غصةً مريرة ثم تابع وعيناه تجوب الوجوه المذهولة :

أنا حابب أعتذر منها ومن خالي، ووالدي والدتي وعيلتي كلها قدام الكل ليلى أجمل إنسانة ممكن الواحد يقابلها في حياته يا بخت اللي تكون من نصيبه بس يارب يحافظ عليها ومايكونش غبي زيي، أنا خسرتها وظلمتها كتير أوي وظلمت عيلتي كلها معايا.....سامحوني لو تقدروا


هنا، التفتت أنظاره نحوها مباشرة وانخفضت نبرته لتصبح أكثر شجناً :

عاوز أقول لليلى إني بحبها ومحبتش غيرها أنا ضيعت عمري اللي فات ظالمها وببعد عنها وعمري الجاي هقضيه في عذاب فراقها لأنها متستاهلش واحد زيي غلط كتير في حق كل اللي بيحبهم وهي أولهم


انطلقت الهمهمات في المكان كأمواج البحر المتلاطمة؛ط كان أوس وبقية أفراد العائلة يشعرون بمزيجٍ من الذهول والرضا كأن جُزءاً من كرامتهم التي هُدرت يوماً قد استُرد الآن بهذا الاعتراف العلني أما ليلى فقد كانت تقف كتمثالٍ من مرمر،ط شامخةً صلبة تظهر عدم مبالاةٍ تحسد عليها رغم أن أعماقها كانت تضج بتناقضاتٍ مريرة وثورةٍ لا تهدأ فالحب والوجع والندم تصارعت جميعاً في لحظة واحدة.....


نزل يوسف من فوق المنصة والقى عليها نظرة أخيرة طويلة مليئة بالحزن والندم قبل ان يغادر الحفل تاركاً خلفه دوامة من التساؤلات وقلباً يحترق بصمت !!!!!

...........

انتهى الزفاف الذي ضجت به عدسات الصحافة وأصوات المهنئين، وانتهت معه كما ظنت صافي محنتها التي أثقلت صدرها لساعات طويلة كانت تظن أن خيوط تلك الليلة قد انقطعت أخيرًا وأنها نجت من وطأة اللحظات الثقيلة لكن كلمات والدها الصارمة هبطت عليها كحكمٍ لا يقبل الجدل حين قال بلهجة حازمة لا تحتمل نقاشًا :

حسين السواق هياخدكم بالعربية ويرجع ع القصر كل حاجة لازم تبان طبيعية قدام الصحافة


تردد إياد قليلًا وقد لمع في عينيه رجاءٌ خافت كأنما يبحث عن فرصة أخيرة يلتقط فيها أنفاسه معها فقال :

ممكن نروح الفيلا عند بابا مؤقتًا لحد الصبح


قالها وهو يتمنى الموافقة لعله يجد مساحة يتحدث فيها معها يبوح بما عجز قلبه عن احتماله طوال تلك الفترة الماضية

لكن الرد جاء قاطعًا حادًا، كالسيف منها هي ووالدها معًا :

لا


ساد الصمت كغيمةٍ ثقيلة وابتلع كمده في صدره ثم انصاع للأمر دون جدال وكأن الكلمات فقدت قدرتها على الاعتراض !!


في الخارج، كانت سيارة سليم تستعد للانطلاق يجلس خلف مقودها بثبات وإلى جواره سيدرا شقيقة يونس بينما جلس يونس وقمر في الخلف وخلفهم مباشرة كانت سيارة أخرى يقودها أدهم،ط والد قمر وإلى جواره هنا فقد أصر أن يوصل ابنته بنفسه وكأن الطريق إلى القصر هو آخر ما تبقى له من حقٍ في صحبتها وحين توقفت السيارات جاء الوداع قاسيًا

بصعوبةٍ شديدة أفلت يدها ودموعه تنساب ببطءٍ على وجنتيه كما لو أنها ترفض الرحيل قبله هو وهنا لم يصدقا بعد

لم يصدقا أن صباحًا سيأتي ويستيقظ كلٌ منهما في بيتٍ لا يجمعهما أن ضحكتها لن تتردد في أركان منزلهم كما اعتادوا وأن صوتها لن يوقظهم كعادته كل يوم


اقترب أدهم من يونس وعيناه محملتان بوصايا أبٍ يسلم قطعة من قلبه :

خلي بالك منها يا يونس دي أمانة عندك


هز يونس رأسه بثبات لكن داخله كان يعج بمشاعر لا تُحصى

لم يستطع مقاومة تلك الرغبة العارمة التي اجتاحته فجأة

مد ذراعيه وحمل قمر بينهما في حركةٍ مفاجئة

شهقت قمر بخجلٍ شديد وقد اشتعل وجهها بحمرةٍ دافئة قائلة بصوتٍ مرتبك :

يونس إنت بتعمل إيه؟!


انحنى قليلًا وهمس عند أذنها بنبرة ماكرة يختلط فيها المرح بالاعتزاز :

سلو عيلتنا إن العريس يشيل عروسته ويدخلها بيتها الجديد يرضيكي أكسر عادتنا يا قمر


ارتبكت أكثر وتعلقت بعنقه بخجل بينما هو يمضي بها نحو القصر بخطواتٍ ثابتة واثقة تعالت أصوات الزغاريد من حولهما دخل بها القصر ثم اتجه إلى جناحهما وهو لا يزال يحملها وكأنه يحمل عالمه بأكمله بين ذراعيه


أسفل الدرج وقف إلياس وحده ينظر إلى أثر خطوات ابنه الذي كان بالأمس القريب طفلًا صغيرًا يتعلق بثوبه وها هو اليوم يصعد الدرج ذاته رجلًا يحمل عروسه


كم أن الأيام سريعة امتلأت عيناه بنظرات فخر عميق 

ظل واقفًا يراقب المشهد حتى اختفى يونس وقمر خلف أبواب الجناح وعندها فقط تنفس ببطء يدعو الله له ان يكون نصيبه في الحياة والحب أفضل منه بكثير ان يعيش ما لم يعيشه هو !!!

.........

ما إن دلفا إلى جناحهما حتى وضعها يونس على الفراش برفقٍ وكأنها قطعة من البلور يخشى تهشمها فانكمشت هي على نفسها، يغلفها خوفٌ فطري تضاعف خلف نظراتها المرتعشة استدار يونس وأغلق الباب بإحكام ثم عاد إليها بخطى وئيدة، واقفا يتأملها بذهول المحب الذي لا يصدق أن الحلم تجسد أمامه فهي التي استوطنت خياله طويلاً ها هي الآن داخل مملكته تفترش فراشه الذي تمنى يوماً أن يشاركه معها بدت كآية من الجمال بفستانها الملكي الذي استمد رونقه من سحر جسدها وتاجها الذي يلمع فوق رأسها كإكليلٍ لأميرة في أسطورة قديمة كان يغرق في تفاصيلها وفي عينيه لهفة جامحة لتقبيلها لكن صفعة الواقع كانت أقوى تذكر أن هذا الرباط ليس إلا عقداً زائفاً على ورق وأنها ما كانت لتقبل بوجوده لولا الظروف انتشل نفسه من غيمات عشقه واكتفى بطبع قبلة رقيقة على جبينها هامساً بنبرة دافئة :

ألف مبروك يا قمر


حاولت رسم ابتسامة باهتة وهي تهم بالنهوض لكن ثقل الفستان وعلو كعب حذائها خذلاها فتعثرت في لحظة كان يونس قد انحنى أمامها وأجلسها برقة بالغة رفع قدمها بحنو ملموس وبدأ في نزع حذائها الأول ثم الثاني وسط دهشتها التي تحولت إلى رعبٍ صامت من نظراته المركزة وصمته الذي بات يضج بالمعاني وفجأة انتفضت كمن مسها تيار كهربائي حين رفع قدمها وقبل باطنها برقة متناهية سحبت قدمها بذعر وصوتها يخرج متحشرجاً بتوترٍ حاد :

يونس أنت بتعمل إيه؟!


استفاق من سكرته على صوتها فارتد إلى الخلف بهدوء معتذراً بنبرة خفيضة :

أنا آسف. كنت بساعدك بس.....


لم تنتظر سماع المزيد بل نهضت بسرعة البرق وركضت نحو المرحاض الملحق بالغرفة بينما لاحقها صوته العالي ليطمئن روعها :

أنا أخدت هدومي وهغير بره الأوضة خدي راحتك


زفرت بضيقٍ وقد بدأت أنفاسها تتسارع مع كل محاولة فاشلة لنزع ذلك الفستان فقد كان تصميمه معقداً والأساس في ارتدائه كان بمساعدة جوري لذا استعصى عليها فك سحابه وحدها استسلمت في النهاية وخرجت من الغرفة بخطى مترددة لتجده جالساً في ركن المعيشة الخاص بجناحهما الواسع وقد استبدل حلته ببيجامة زرقاء مريحة رفع بصره نحوها باستغراب متسائلاً بنبرة هادئة :

أنتي لسه مغيرتيش؟!


تلعثمت الكلمات في حلقها وأجابت بخجلٍ صبغ وجنتيها باللون القاني :

ينفع.....ينفع تنادي لسيدرا


قطب جبينه للحظات قبل أن يستوعب السبب الحقيقي لطلبها فخمنه في صمتٍ مريب اقترب منها ببطء ووقف خلفها مباشرة كانت أنفاسه تلفح رقبتها حين رفع يده بتوتر حاول مواراته وبدأ يفك سحاب الفستان بتمهلٍ متعمد وكأنه يطيل أمد تلك اللحظة التي تتلمس فيها أنامله بشرتها المخملية انتفضت قمر بذعر ما إن شعرت ببرودة يده تلامس ظهرها فقبضت على مقدمة الفستان بقوة حتى لا يسقط ثم ركضت نحو الغرفة كغزالٍ يفر من قناصه


بقي هو في مكانه يطرد الهواء من صدره بصعوبة وصراعٌ مرير يدور في رأسه كيف سيصمد في الأيام القادمة هو في النهاية رجل وهذه الجميلة التي خلف الباب هي ذاتها التي عشقها بجنون وتمناها لسنوات أغمض عينيه محاولاً ضبط إيقاع أنفاسه الثائرة حتى أذنت له بالدخول بعد وقتٍ ليس بالقصير.......


دلف إليها، ليجدها بانتظاره بملامح غاضبة لا تخلو من

البراءة وقد ارتدت بيجامة طفولية امتلأت برسوم كرتونية اقتربت منه قائلة بنبرة حادة حملت في طياتها تحذيراً صريحاً :

يونس إياك تعمل اللي عملته ده تاني


سألها بمكرٍ وعيناه تلمعان بمشاكسة :

إيه اللي عملته؟


رمقته بغضب محبب إلى قلبه وقالت بخجل :

إياك تقرب مني ولا تشيلني تاني ولا تعمل في رجلي زي ما عملت أنا قولتلك ناديلي سيدرا مقولتلكش فكلي سوستة الفستان كل ده غلط ومينفعش إحنا متفقناش على كده


أجابها بمرحٍ وهو يحاول كتم ضحكته :

يعني هو اللي كان ينفع أروح أقول لسيدرا تعالي فكي سوستة الفستان لمراتي ده ساعتها الكل هيفكرني بسكلتة !!


ابتسمت رغماً عنها بخجل وهي تفهم مغزى كلماته المبطنة ساد الصمت للحظات وهما ينظران نحو الفراش قبل أن يقطعه يونس بهدوء :

خلينا ننام


أومأت له بالموافقة فمدد جسده على الفراش لكنه تفاجأ بها تسحب وسادتها من جانبه سألها بتعجب ودهشة :

بتعملي إيه؟


أجابته بكل بساطة :

هنام على الكنبة !!!


نظر إليها باستنكار وذهول وسألها بضيق :

وليه متناميش هنا؟


أجابت بارتباكٍ جلي، وعيناها تتهربان من حصار نظراته :

هكون مرتاحة كده أكتر. وبعدين مايصحش أصلاً


زفر بغيظٍ مكتوم ثم اتجه نحو أحد الأدراج يبحث عن شيءٍ ما بعصبية وعاد وبيده ورقة فتحها أمام عينيها قائلاً بهدوء يسبق العاصفة :

إيه دي؟!


ردت عليه بتعجب وعدم فهم :

قسيمة جوازنا


هنا ارتفع صوته فجأة ممزوجاً بتهكمٍ مضحك :

اللهم صلي ع النبي عليكي نور! قسيمة جوازنا إحنا الاتنين يعني مش جوازي على واحدة تانية لا سمح الله عشان كل ما أعمل حاجة تقوليلي مينفعش ما هو أنا مش شاقطك يا قمر


اشتعلت عيناها غضباً وصرخت فيه بغيظ :

يووونس اتلم مالك في إيه


رد بضيق وهو يحاول السيطرة على أعصابه :

في إنك تنامي دلوقتي على السرير من سكات وبلاش الكلام الأهبل ده أنا مش هاكلك ووعدتك مش هقربلك يا قمر فيه بينا اتفاق وأنا مش هخلف بيه


ردت عليه بضيق وبلاهة :

بس أنا مش هكون مرتاحة كده يا يونس ترضى إني أنام جنبك ترضاها على أختك سيدرا


تسمر يونس في مكانه هل حقاً قالت ذلك جذبها من أذنها برفقٍ مشوب بالغيظ وقربها منه قائلاً :

أنتي يا بت حافظة مش فاهمة ولا كنتي شاربة حاجة لما المأذون كتب الكتاب ولا يكون الفرح اللي لسه خلصان ده كان فرح خالتي وأنا معرفش


تأففت بضيقٍ وحرج وهي تحاول التملص منه :

برضه مش هنام جنبك


سألها بقلة حيلة :

طب والعمل دلوقتي؟


أجابته بهدوء : هنام بره على الكنبة


اعترض فوراً قائلاً برفض قاطع :

مستحيل دي صغيرة ومش هتاخدني وأنا مستحيل أصلاً أخليكي تنامي عليها لو حد المفروض ينام هناك فهو أنا


ردت عليه بضيق :

بس ده سريرك أنت، وأنا هنا مجرد ضيفة


كادت مرارته أن تنفجر من منطقها الغريب فجذبها من يدها دثرها بالفراش بقوة ليقطع عليها سبل الجدال ثم وضع وسادة كبيرة كحواجز تفصل بينهما واستلقى على الجهة الأخرى مغلقاً الأضواء على مضض......


ساد الصمت، لكن القلوب كانت تضج بالحديث التفت يونس بجسده يتأمل ملامحها في العتمة بهيامٍ وحب فالتفتت هي الأخرى وتلاقت نظراتهما في سكون الليل حتى همس بكلماتٍ فشل في كبتهـا :

تعرفي إنك حلوة أوي


ابتسمت بخفوت وخجل وأجابت بتواضعها المعهود :

فيه أحلى مني بكتير أنا جمالي عادي أمال صافي وجوري وجوان وعشق يبقوا إيه


رد عليها وعيناه لا ترى في الكون سواها :

يمكن هما حلوين بس ولا واحدة فيهم اسمها قمر ولا واحدة فيهم خلت القمر نفسه يبان عادي قدام جمالها


ارتبكت خجلاً، فمد يده يمسك يدها بصدقٍ جارف :

تعرفي إني مبسوط أوي انهارده


سألته بتعجب :

اشمعنا؟


أجابها بقلبٍ عاشق :

عشان أخيراً حد شاركني أوضتي حتى لو أختي حبيبتي اللي نايمة جنبي


قال جملته الأخيرة بمرحٍ جعلها تبتسم رغماً عنها وفي لحظة عاصفة، تهاوت كل حصون العقل والمنطق أزاح الوسائد التي تفصلهما وجذبها إلى صدره بقوة حاولت الاعتراض والابتعاد قائلة بضيق :

يونس مينفعش كده....ابعد


أجابها بهدوء ساخر وهو يشدد من ضمها :

نامي يا قمر أنتي في حضن أخوكي اعتبريني سليم


استسلمت في النهاية لدفء صدره وبينما كانت تجاهد للنوم كان هو يصارع بركان مشاعره وحين غطت في نومٍ عميق ابتعد قليلاً ليتأملها مرر أنامله بقدسية على ملامحها على خصلات شعرها التي تسلب لبه وأنفها الصغير......

انحنى يستنشق عطرها الفواح، وطبع قبلاتٍ خفيفة كالنسمة على وجهها وختمها بقبلة خاطفة على شفتيها يعلم أنه يستغل استسلامها للنوم لكن قلبه الذي ظمأ لسنوات لم يعد يحتمل العطش أخيراً، استكان وغرق في نومٍ لم يذق

عمقه ولا راحته من قبل !!!!

..............

كانت عشق تجلس في غرفتها، تمرر أناملها على وجنتها بخجلٍ تارة، وعلى شفتيها تارة أخرى، وهي تستحضر في مخيلتها تفاصيل ما حدث ليلة الزفاف تذكرت كيف تسللت خلف مالك الذي بات يتجنبها منذ تلك الواقعة الأليمة بل يتجنب الجميع ولولا ضغط والده لما وطئت قدماه الزفاف


وجدته جالساً وحيداً في إحدى زوايا حديقة الفندق والحزن يرتسم على ملامحه كظلالٍ ثقيلة اقتربت منه وجلست بجانبه وسألته بنبرةٍ يملؤها العتاب والحزن :

أنت بتهرب مني ليه يا مالك من يوم الاصطبل قولت إن كل حاجة رجعت زي ما كانت بس لقيتك بتبعد أكتر أنت مش مصدقني لما قولتلك إني عملت كده عشان أحميك


تنهد بعمق وكأنه يخرج أوجاع صدره ثم أجاب بصوت مخنوق :

الموضوع مالهوش علاقة بكده خالص يا عشق الموضوع ليه علاقة إني مش قادر أصلاً أرفع عيني في عينك بعد اللي عشتيه بسببي


نفت برأسها بحزم وعيناها تلمعان بصدق جارف :

بس أنت مش السبب، أنت كنت ضحية اتعمل فيك زي ما اتعمل فيا ماتلومش نفسك اللي يستاهل اللوم هما ناس تانين إحنا عارفينهم كويس


رد عليها بألم يمزق قلبه :

كفاية إنهم من دمي يا عشق

كفاية إني هفضل طول عمري فاكر إني كنت هخسرك بسببهم


لم تحتمل رؤية انكساره، فنزلت دموعها رغماً عنها واقتربت منه تمسك يده بتصميم :

يكون اللي يكون وحتى لو كنت السبب وحتى لو تفكيرك صح، أنا معاك وجنبك وعمري ما هبطل أحبك ابعد زي ما أنت

عاوز واهرب مني كل اللي يطلع في إيدك اعمله برده هتلاقيني جنبك ووراك منين ما تروح هبعد في حالة واحدة بس.....لو حسيت إنك بطلت تحبني


ابتسم بحب جارف وهو يتأملها باشتياقٍ كاد يفتك بقلبه وردد بولهٍ غلب حزنه :

وأنا عمري ما بطلت أحبك يا عشق...

قلبي ده عمره لحظة ما بطل يدق باسمك


ابتسمت بسعادة غامرة وعانقته بحب ليبادلها العناق بعشق أكبر وكأنه يستمد منها الحياة ثم ابتعد قليلاً يتأملها في صمت وفجأة جذبها بغتة خلف إحدى الأشجار الضخمة حيث يغمر المكان الظلام وقبل أن تستوعب ما يحدث كان يهمس لها بصوتٍ مبحوح بالعشق :

سامحيني بس مش قادر


استشعرت غرض ذلك الوقح عندما مال برأسه نحوها ولفحت أنفاسه الساخنة شفتيها فدفعته عنها بقوة وسرعان ما هوت بصفعةٍ قوية على صدغه صفعةٍ صدمته وجعلته يقف مذهولاً في مكانه رفعت إصبعها الصغير نحوه بتهديدٍ وصوتها ارتعش من فرط الخجل والارتباك :

أنت قليل الأدب وسافل كنت ناوي.....ناوي.....


تلعثمت في كلماتها ليتابع بمكر بدد صدمته :

كنت ناوي إيه؟


ارتبكت أكثر فانحنى يقبل وجنتها بسرعة خاطفة وهو يهمس لها بمشاكسة :

كنت ناوي أبوسك مثلاً !!!


شهقت بخجلٍ ودفعته بعيداً عنها قائلة بغضب طفولي محبب لقلبه المتيم بها :

الحق عليا إني وقفت مع واحد قليل الأدب زيك هقول لبابا على اللي أنت عملته


ثم ركضت من أمامه سريعًا بينما ظل هو مكانه يتحسس موضع صفعتها التي لم تقع على صدغه بل هوت مباشرة على قلبه لتوقظ فيه إصراراً جديداً......


فاقت من شرودها على وقع ضحكتها الخافتة وهي تذكر صدمته حينها نامت تحلم به،ط لكنها لم تكن تعلم أن الواقع سيسبق أحلامها فقد استيقظت صباحاً على وجوده لديهم يقف أمام والدها بكل ثباتٍ يقول :

أنا عاوز أتجوز عشق آخر الشهر ده !!!!

.............

الفصل الواحد والعشرون من هنا

stories
stories
تعليقات