![]() |
الضحية الثامنة الغراب الأسود الفصل الاول بقلم اية السحماوي
" المشكلة ان مفيش جثث للتشريح. مفيش غير هدوم الضحايا ؟!! "
قولت كده و نزلت من العربية أنا و رحمـة، قربنا من المنطقة الغريبة.
اللي وصل لينا بلاغات كتير من أهالي كتير، بختفاء بناتهـم.
و مفيش خطف، الموضوع أرعب من كده.
البنت بتختفي بليل، تاني يوم الصبح بتكون هدومها قدام بيت الأهل.. هـدوم غرقانه زيت أسود!!
وقفت أنا و رحمـة و اتقدمنا من الشارع، الساعة كانت خمسة المغـرب..
دي بلد ريفيـه، مليانة أراضي زراعيـه، و مواشـي.
البيوت بالنـي و لازقيين في بعضـهم.
بين البيت و البيت، مسافة بسيطـة..
وقفت قُدام شارع منهـم، حاولت ادخل بجسمـي لكن لو وصلت لنص الشارع مش هعرف اعدي للنحية التانية..
خّرجت تاني و انا بدقق في الشارع، يعني كده الخاطف مش بيعدي من أي شوارع، لأن مش هيعرف يهرب بالبنـت..
اتقدمنا اكتر للبلد عنيا على كل رُكـن، لفبت بسرعة على صرخة رحمة و كلبشت فيا، لما خرج كلب كبير من شارع و متسلسل بيهوهو علينا بطريقة مرعبـه..
مشيت إيدي على ضهر رحمة عشان تهدى من الخضه دي، و ضميت إيديها في إيدي، و كملت الطريق..
لقيت تجمع بعض الحريم وكام راجل..
الحريم بتبكـي، و واحـدة بتهـدي واحـده، و كل أم شايلة هـدوم في ايـديها و ضمها..
قربت منهـم الرجالة قبلتنـا سألتهم بهدوء:-
" ممكن تحكـولي البنات بتختفي ازاي؟
رد عليا راجل منهـم باين عليه الكسرة و الحزن و في إيده طرحـه أكيد دي لبنتـه:-
" زي ما يكون لعنة و صابت البلد كلها، عشر ايام
اختفى سبع بنـات.. مش بيختفي غير البنات بس.
و الصبح بدري نلاقي الهدوم قدام الباب.. مش عارفين في إيـه "
لفيت عنيا على صوت ست منهم، بتعيـط و ضامه الهـدوم و صوتها مخنوق:-
" دي بنتـي الوحيدة، بعد تعب سنين من غير الخلفة..
كنت رايحـة أحلب البقرة و هي في العادة بتيجي تقف معايا، لكن لقيتها بتقولي يا ماما في غُراب متعلق في الشجـرة مش عارف يطير، هفُكـه و أجي..
قولتلها متغبيش يا ياسمين.. راحت مرجعتش
رجعلي هـدومها بس.. "
لفيت لصوت راجل تاني قال بستغراب:-
" فعلاً، افتكرت.. و ساميه بنتي كانت قاعدة بتذاكر وقفت تبص من الشباك و قالت و هي بتجري لبرا، يا بابا هفك الغراب من الشجرة.. و مرجعتش "
بقى حال الكل، نفس الشىء، دا يحكي عن الغراب و دي تحكي عن الغـراب الأسـود..
بصينا أنا و رحمـة لبعض بستغراب، هل من الممكن يكون غراب هو سبب اختفائهـم؟
" هي فين الشجـرة دي! "
سألتهم الكل شاور في اتجاه مُعيـن.
لفيت أنا و رحمـة، لقيت شجـرة كبيرة و عالية جدا، متعلق فيها خيوط رفيعه جداً شجـرة فعلاً عتيقـه.
قربت منها أنا و رحمـة خطوات بسيطة.. هي كانت في الجزء المنعزل بتاع القرية، يعني مش وسط البيـوت.. و حواليها أراضـي كتيـر.
وقفت قدامهـا رفعت عنيـا عليها، شجرة عاديـة.
و الخيوط دي اللي الغراب بيتعلق فيها.
لكن اشمعنى البنات بس اللي بتشوفه في الوقت دا؟
طب الصبيان الصغيرين محدش بيشوفه!!
عدى خمستـاشر يوم على شهر العسل و الأوضاع استقرت نوعًا ما، لكن وصل ليا القضية دي " الغراب الأسود "
كنت هسلمها لضابط تاني، لكن عرفت ان في ترجي من اهالي البلد، عايزين الضابط أحمـــــد علّـوَنِـي..
نورت الكشاف و اخدته من رحمـة، و قربنا نمشي في الأراضي.. أي دليل. حتى لو بصمة جزمة، هتنفعنـي جداً.
وقفنا في نص الأرض لما لقينا راجل جنب مكنة رّي و بيقرأ في المصحف بالكشـاف.. أول ما شافنا وقف يبتسم لينا و قال:-
" حمدلله بسلامتك يا حضرة الظابط، أنا اللي قولت للقرية عليك.. قولتلهم الظابط احمد علوني، شاطر جداً و بيتقي الله في شغله، و هيحل القضية دي في اسبوع.. "
ابتسمت له على ثقتـه، راجل عادي في التسعة و الأربعين كده، لابس شال أسود حوالين راسـه أكيد من البرد..
" بتعمل إيه هنا في الوقت ده! "
لف عينه حواليه و قال:-
"بّروي الأرض يا بني، أنا الحج خالد.."
قّربت منه و قعدت جنبـه على الصخرة و عنيا على الميـه اللي بتنزل الأرض:-
" قولي يا حج خالـد، تعرف إيـه عن اختفاء البنات! "
رمش بعيـنه كتيـر كده و بعدين قال و هو بيدي المصحف رحمة، و بعدين بدأ يقلل المايه و يقفل عن الأرض:-
" والله يا بنـي، معلوماتِ زي الكل هنا، بيقولو غراب أسود بيقف على الشجـرة و من بعدها محدش بيشوف البنات، غير هدومهم تاني يوم الصبـح.. و لما اختفت البنات انا قربت من الشجرة دي، و لقيت ريشة من ريش الغراب محتفظ بيها، يمكن تنفعـك "
كشرت وشي بستغراب و مديت إيدي اخدت منه قماشه بيضا صغيرة، فتحتـها و رحمة وقفت جنبي.
لقيت فعلاً ريشـه كبيره سـودا..
لكن أشمعنـى الحج خالد الوحيـد الي عثر على ريشة الغراب؟ بما إنـه غراب محدش شافه، محدش يعرفه، محدش لمحـه، و محدش اصلًا بيشوفه غير البنات اللي بتختفـي، على حسب كلامهـم..
يعني كـده حتى ريشتـه محدش هيلاقيـها؟؟
هزيت رأسي للحج خالد، و لفيت أنا و رحمـة نرجع تاني للبلـد.. و ألف سؤال و سؤال في دماغـي..
ازاي غراب يكون سبب اختفاء البنات!
طب لو البنت طلعت عشان تفكه فعلاً، مكنش في أي مقاومة منهـم، صريـخ، أي حاجة تلفت ليهم انتبـاه؟
رفعت عنيـا أنا و رحمـة لما شوفنا الغراب فعلاً، و وقف على نفس الشجـرة لدقائق معـدودة.
" أحمد مِد نشوفه بسرعة، اكيد جاي عشان يختفي بنت جديدة ".
شديت إيديها وقفتها جنبي تاني، و عنيا على الغراب اللي بدأ يطير تاني و يعمل نفس الصوت..
ضحكت بهدوء و شديت ايديها و أنا بقولها:-
" شكلي كده هبقى اعلمك بعض طرق خبث المجرمين عشان محدش يكشفهـم.. يعني مثلًا المجرم اللي سبب اختفاء البنات، بعت الغراب يقف و يعمل كده عشان احنا نقول دا غراب عادي خالص، و أهـو جه من غير ما يختفي حد؟ معنى كده مش هو السبب!. عرفتي المجرم عايز يفهمنا إيـه؟ بس على مين؟ أحمـد علوني! دا بيحلـم "
مشينا وسط البلد تاني، رايحيـن للبيت اللي هنقعد فيه فتـرة القضيـة.. كان بيت هادي، و جميـل و بسيط، بيدل على بساطة أهل البلـد..
لكن البيت كان منعزل شوية عن البيت التانية، مفيش حواليه بيوت، قدامـه بس..
لكن قبل ما ندخل لفينا و شوفنا زي ما بيقولو عند الفلاحيـن " عِشـه ".. بعيده أوي عن البلد و في قدامها لمبة جاز..
عكست الطريق تاني أنا و رحمـة و قربنا من العشـة دي، مشينا وسط الأراضي، الطيـن، الميـه..
دقايق و كنا واقفين قدام العشـه.
تبدو من بعيـد صغيرة، لكن دي كبيـرة، مصنوعه من البوص و الحطب و القـش..
و في قطـعة ارض بحجم مربع صغير قدام العشـة، مليان ورد بنفسجـي، شكـله جميـل..
رحمـة قربت من الـورد، و أنا عنيا على كل حاجة حوالين العشة الغريبة دي.. و لما محدش ساكن هنا، ليه في لمبة جاز مولعه قدام العشـة..
لفيت تاني لرحمـة اللي عايزه تقطف وردة..
لكن لحـظة، أنا افتكرت الوردة دي، انا درستـها فعلاً..
برّقت عنيا بفزع و أنا بصرخ في رحمـة:-
" لا لا... رحمــــــــة أوعـي تقـربي ولا تقطفــي! "
