![]() |
رواية عشق ودموع الفصل الواحد والعشرون بقلم سوسو أحمد
حين يتحوّل الاختبار إلى خطر
خرجت غزل وهمسة من بوابة الجامعة مع غروب الشمس. السماء كانت تميل إلى الحمرة، وأذان المغرب يعلو من بعيد، والشارع مزدحم بحركة الطلاب والسيارات، كأن العالم كله طبيعي… هادئ… عادي. لكن في قلب اللحظة، كان هناك شيء غير مرئي يتحرّك. رنّ هاتف غزل، توقفت قليلًا، نظرت إلى الشاشة، ثم ناولت الهاتف لهمسة. رسالة واحدة، من رقم مجهول، قصيرة… لكنها ثقيلة كالرصاص: "سنخطفكما… وسنأخذ منكما ما لا يُرد." تبادلتا النظرات. لم تصرخ أيٌّ منهما، لم تتكلما، لم ترتجف الأيدي، كان الصمت هو الرد. قالت همسة بهدوء غريب: تجاهليها. هزّت غزل رأسها: أكيد تهديد فاضي. وأكملتا السير، كأن الرسالة لم تكن، كأن الخطر مجرد كلمات على شاشة. بعد ساعة تقريبًا، كانتا قد ابتعدتا عن المباني الجامعية، ودخلتا طريقًا شبه خالٍ، قليل الإضاءة، واسع، تحيط به الأشجار من الجانبين. وفجأة، توقفت سيارة سوداء أمامهما بعنف، انفتح البابان دفعة واحدة، خرج شابان بسرعة، ملامحهما قاسية، وأعينهما مليئة بشيء أسود لا يشبه البشر. أحدهما صرخ: اركبوا، والآخر مدّ يده بعنف نحو همسة. صرخت غزل، تراجعت همسة خطوة للخلف، تعلّقت أيديهم بالشنط، بدأت الفوضى. وفي نفس اللحظة تقريبًا، كان مؤيد يخرج من مقرّ الشركة، يركب سيارته بهدوء، يفتح الباب، يجلس، يدير المحرّك، رنّ هاتفه، رسالة من غزل، فتحها، وتجمّد: "الحقني يا مؤيد… أنا وهمسة عند المحور… في شباب وقفوا بالسيارة قدامنا… بيحاولوا يخطفونا… الحقني بسرعة." تغيّر وجهه في ثانية، اختفى الهدوء، اختفى العقل، لم يبقَ إلا شيء واحد: الخطر. أدار السيارة بعنف، أمسك الهاتف واتصل بسيف: سيف، انزل حالًا، أنا جاي آخدك إنت وجنّات. في إيه؟ مفيش وقت… طريق. وصل إلى القصر، ركب سيف وجنّات، العصبية في صوت مؤيد كانت كافية لتفهم جنّات أن الأمر ليس طبيعيًا، قال مؤيد لها بسرعة: لو ماما سألت، قولي إننا رايحين نجيب غزل من الجامعة علشان المواصلات قليلة. هزّت رأسها دون سؤال، دخلت جنّات البيت، وبالفعل قابلتها مريم في الممر: إنتِ جاية لوحدك؟ فين إخواتك؟ ترددت لحظة ثم قالت كما طُلب منها: راحوا يجيبوا غزل من الجامعة علشان المواصلات قليلة. دخلت غرفتها، لكن قلب مريم لم يطمئن، دخلت على يوسف وقالت بقلق: قلبي مش مرتاح… حسّة إن في حاجة غلط. يوسف حاول يهدّئها: متقلقيش… إحساس أم… بس كله هيبقى كويس، لكن قلبه هو الآخر لم يكن مطمئنًا. في الطريق، كان مؤيد يقود بجنون، يتتبّع هاتف غزل عبر الـGPS، النقطة تتحرّك ببطء، قال لسيف كل شيء، فانفجر سيف غضبًا: أقسم بالله لو لمست غزل… هقتلهم. وصلوا إلى المكان، السيارة السوداء كانت واقفة، أحد الشابين يحاول سحب همسة بالقوة، والآخر يمسك بذراع غزل، لم يتكلم أحد، نزل مؤيد وسيف، وانفجرت المعركة، ضرب، صراخ، لكمات، أجساد تسقط، دماء، غضب أعمى. مؤيد لم يكن رجل أعمال، كان وحشًا يحمي أخته، وسيف لم يكن طالبًا، كان أخًا يقاتل. سقط الشابان أرضًا بعد ضرب عنيف، وفرّا هاربين بعد أن فقدا السيطرة. وفي هذه اللحظة، سقطت غزل مغشيًا عليها، وسقطت همسة فاقدة الوعي. توقف الضرب فورًا، حمل سيف غزل ووضعها في السيارة، وحمل مؤيد همسة وأجلسها بجوارها، وانطلقوا. الطريق إلى البيت كان صامتًا، ساعة السيارة تشير إلى الحادية عشرة ليلًا، الصمت أثقل من الكلام، والخوف أثقل من الصوت، رأس همسة يميل على كتف غزل، والدموع تنزل دون صوت، ومؤيد يقود، وقلبه يرتجف، وعيناه لا ترى الطريق، بل ترى فقط فكرة واحدة: "كان ممكن أموتهم." وفي البيت، كانت مريم واقفة عند الشرفة، قلبها منقبض بلا سبب واضح، ويوسف صامت، الليل كان ثقيلًا، ساكنًا، لكن ليس هدوء راحة، بل هدوء ما بعد العاصفة. بعض الاختبارات لا تأتي في صورة قرارات، بل في صورة خطر، بعض الرسائل لا تكون كلمات، بل إنذارات، وبعض اللحظات لا تغيّر حياة شخص واحد، بل تغيّر مصير عائلة كاملة. وهنا لم يعد الاختبار فكرة، ولا رسالة، ولا تهديدًا، بل واقعًا بدأ للتو.
وصلت السيارة أمام البيت ببطء ثقيل، كأن الطريق كله كان يضغط على عجلاتها. نزل مؤيد أولًا، فتح الباب الخلفي، حمل همسة بحذر، وكأنها زجاج يمكن أن ينكسر من مجرد لمسة. سيف نزل وهو يحمل غزل، ووجهه متجمّد، لا دموع، لا صوت، فقط نار صامتة في عينيه.
الباب فُتح.
الصوت الوحيد كان صرير المفصلات.
مريم كانت أول من ظهر. تجمّدت في مكانها. العينان اتّسعتا. القلب سقط قبل الجسد.
— يا رب… يا رب استر…
يوسف خرج خلفها، وحين رأى المشهد، عرف في لحظة أن الخطر لم يكن فكرة… بل حقيقة.
دخلوا. وُضعت غزل على الأريكة. وُضعت همسة بجوارها. وجوه شاحبة. أنفاس متقطّعة. صمت ثقيل.
مريم وقفت فوق رأس غزل، تهزّها بخوف: — غزل… حبيبتي… افتحي عينيكي… لا رد.
التفتت لهمسة، لمست يدها: — يا بنتي… قومي… قومي بالله عليكي…
لا شيء.
يوسف نظر لمؤيد. نظرة رجل لرجل. نظرة سؤال بلا كلام.
— إيه اللي حصل؟
مؤيد لم يتكلم. جلس على الكرسي. وضع رأسه بين يديه. ثم قال بصوت مكسور: — كانوا هيخطفوهم.
سيف انفجر: — لو كنت وصلت متأخر دقيقة… كنت هقتلهم بإيدي.
البيت اهتزّ. مش بالصوت… بالحقيقة.
مريم انهارت على الأرض. يوسف أمسكها. حاول يثبّتها. لكن رجليه كانت بتترعش.
— يا رب… — يا رب احفظ ولادنا…
جنّات خرجت من غرفتها. شافت المشهد. شهقت. وضعت يدها على فمها. والدموع نزلت قبل أي كلمة.
بعد دقائق… تحرّكت غزل. أنين خفيف. رمش بطيء. عينان نصف مفتوحتين.
— ميمو…؟
سيف اندفع: — أنا هنا… أنا هنا يا غزل.
همسة تحرّكت بعدها بلحظات. أنفاسها تسارعت. فتحت عينيها ببطء. ارتباك. خوف. صوت متكسّر: — هما… مشوا؟
مؤيد اقترب منها فورًا: — محدش هيقربلك تاني… أقسم بالله.
الصمت عاد. لكن ليس صمت صدمة… صمت ما بعد الحقيقة.
يوسف جلس. نظر إلى الجميع. وقال بهدوء مخيف: — من النهارده… البيت ده مش هيعيش بعفوية تاني.
مريم رفعت عينيها: — يعني إيه؟
— يعني إن اللي حصل ده مش حادثة… ده رسالة.
مؤيد فهم. سيف فهم. حتى غزل، رغم تعبها، فهمت.
الخطر لم يعد في الخارج فقط… دخل البيت.
في تلك الليلة… لم ينم أحد.
الأنوار ظلت مشتعلة. الأبواب مقفلة. الهواتف في الأيدي. القلوب في حالة طوارئ.
همسة كانت جالسة في غرفة الضيوف. تحتضن ركبتيها. تكتب في نوتتها بيد مرتجفة: "حين يتحوّل الخوف إلى واقع… لا يعود القلب كما كان."
غزل في غرفتها. عينها على السقف. تفكر: هل كان يمكن أن أموت؟ هل كانت حياتي ستنتهي في شارع مظلم؟ هل كان اسمي سيصير خبرًا؟
مؤيد في الصالة. لا يجلس. لا يتحرك. ينظر في الفراغ. وفي رأسه فكرة واحدة: "الاختبار لم يبدأ اليوم…
الاختبار كشف نفسه اليوم."
سيف في غرفته. يضرب الحائط. ليس غضبًا… بل عجزًا.
يوسف واقف عند الشرفة. ينظر إلى الشارع. إلى الظلام. ويهمس: — لما الخطر يقرب من بيتك… ما بقاش عندك رفاهية الطيبة.
مريم تجلس خلفه. تبكي بصمت. ثم تقول: — ربنا مش بيختبرنا علشان ننهار… بيختبرنا علشان نقف.
وفي مكان آخر… في سيارة بعيدة… كان شابان ينظران إلى بعضهما. أنفاسهما متقطعة. واحد يقول: — الموضوع كبر. والثاني يرد: — ولسه.
لأن بعض القصص لا تبدأ بخطف… بل بسؤال: مين اللي ورا ده؟
وبعض المعارك لا تبدأ بضربة… بل برسالة.
وبعض الاختبارات… لا تكون امتحان قلوب فقط، بل امتحان وجود.
وهنا… لم تعد الحكاية عن غزل وهمسة فقط، ولا عن مؤيد وسيف فقط، ولا عن بيت يوسف فقط…
بل عن شبكة، عن خطر، عن شيء أكبر من الجميع.
والليل استمر… لكن لم يعد ليلًا عاديًا…
كان ليل بداية حرب صامتة.
الساعة كانت تعدّي ببطء قاتل، البيت ساكت… لكن مش سكون راحة، سكون استعداد، وفجأة رنّ هاتف مؤيد، صوت الرنين كان عالي في الصالة الهادية كأنه طلقة، الكل بصّ في اتجاه الصوت، مريم شهقت، يوسف اعتدل في وقفته، سيف خرج من غرفته، غزل قامت نص قعدة، همسة رفعت رأسها، مؤيد بصّ للشاشة، رقم مجهول، نفس النمط، نفس الرعب، فتح الرسالة، كانت جملة واحدة: "أنقذتوهم المرة دي… لكن الحرب لسه ما بدأتش." تجمّد الدم في عروقه، رفع رأسه ببطء، نظر في عيون الكل، وقال بصوت منخفض ثابت مرعب: اللي حصل النهارده مش نهاية، ده الإعلان الرسمي لبداية اللي جاي. يوسف اقترب منه خطوة واحدة وقال بهدوء أخطر من الغضب: يبقى من النهارده إحنا مش أسرة بس، إحنا جبهة. سيف قبض إيده، عينيه مليانة نار: وأنا مستعد. غزل همست بصوت ضعيف: هم مش عايزين يخوفونا… هم عايزين يكسرونا. همسة رفعت عينيها لأول مرة بثبات حقيقي وقالت: بس اللي اختاروا الغلط… مش فاهمين إن في بيوت لما تتحاصر تتحول لحصون. مريم مسحت دموعها ووقفت وقالت: اللي يقرب من ولادي يبقى أعلن الحرب على قلبي، والأم لما تحارب ما بتهزمش. الصالة بقت ساكتة، مش خوف، مش صدمة، قرار. وفي مكان بعيد، في غرفة مظلمة، شخص مجهول يقفل لابتوب، يبتسم، ويقول بصوت واطي: دلوقتي اللعبة بجد بدأت. الكاميرات اشتغلت، الملفات اتفتحت، الأسماء ظهرت، والشبكة اتحركت واللي كانوا فاكرين إنهم أنقذوا البنات ما كانوا يعرفوا إنهم دخلوا حرب كاملة. ✦
