رواية المعلم الفصل الواحد والعشرون 21 بقلم تسنيم المرشدي


 رواية المعلم الفصل الواحد والعشرون 


اتسعت مقلتيها بدهشة ورمقته كثيراً غير مصدقة ما تفوه به تشتحت معدتها من خلف كلماته كما ازدادت خفقات قلبها بصورة قاسية ، لم تتوقع هذا الرد مطلقاً لم تتصور أنها تكون محور إجابته من الأساس.

النوي تغر ريان بإبتسامة ورفع رأسه يشاهد النجوم وأردف وهو يشير بيده نحو إحدي النجوم :-

شايفة النجمة دي لوحدها وبعيدة عن باقي النجوم بس سبحان الله حجهما ونورها أكبر وأعلي من الثانين ، هي بيهم كلهم رغم

أنهم مجموعة حوالين بعض وهي واحدة ، انتي النجمة ديا

بالتأكيد يمرح ألا يكفي ما قاله منذ قليل . ما كان ذلك الآن 

أحتسي ريان اخر ما تبقي في الكوب ووضعه جانباً ثم اعتدل في جلسته ونظر إليها بجرأة وواصل حديثه المسترسل قائلا بنبرة جنونة -

أنا كنت وسط ناس بيحبوني بس محدش قدر يعمل اللي انتي عملتيه، خلتيني أحس باحتياجي لكوني بني آدم زي ما عليه واجبات ليه

حقوق ، يمكن كلامي بيان مأمور شوية بس انا قلبي اول مرة حد يتحكم فيه بالشكل ده

ابتسم ريان وهو يتذكر حديث خالد عن ذاك الحوار وعدم تصديقه حينها وتابع من بين ضحكاته ..

خالد صاحبي قالي هتقابل شخص يتحكم في دقات قلبك وانا وقتها خدت الموضوع بهزار ومصد قنوش لاني عمري ما حسيت أن

عندي قلب زي اي بني آدم عادي ، بس معاكي الوضع الغير وصدقت كلامه فعلاً .

شدت عنود جسدها وهي لازالت مسلطة بصرها عليه بعدم تصديق، بدأ صدرها يعلو ويهبط من هول المفاجأة ، حركت يدها

بحركات عشوائية أمام وجهها لعلها تضبط أنفاسها التي لا تدري إلي ابن ذهبت .

تعالت ضحكاته عليها منظرت إليه بتعجب وقالت متذمرة ....

ممكن افهم انت بتضحك على إيه ؟

توقف ريان من تلقاء نفسه واجابها بمزاح .

يضحك علي نفسي ، أنا بقول كلام غريب اوي لو حد قالي قبل شهر اني هقول الكلام ده لواحدة كنت هقول عليه مجنون ، تخيلي لو حد سمع المعلم زبان بجلالة قادرة بيقول الكلام المايع ده هيحصلي ايه مش بعيد ايقي حديث الصباح والمساء بسببك .

ازادات ضحكات زيان كلما تذكر ما تفوه به لتوه ، بينما رفقته عنود يغيظ ونهضت بإندفاع وتركته بمفرده وهرولت إلي الأسفل بخطي غير

مستقيمة إلى أن وصلت إلى شفتها حيث غرفتها ، وقعت خلف بابها تتنفس الصعداء وهي تعيد تشبية لها بالنجوم ، ظهرت إبتسامة على ثغرها بلا وعي منها وسارت بالقرب من الفراش وهي تتمايل يميناً ويساراً . لا تدري بماذا تشعر لكنها ليست مزعوجة بل تشعر بأنها تحلق فوق السحاب .

هبط زيان خلفها وأغلق الباب ووقف متردداً هل يستمع لغريزته ويجعلها امرأته أم ينتظر قليلا حتى تتطور العلاقة بينهم وتؤلف

أكثر أم ماذا يفعل ؟

لأول مرة يختار ريان بين أمرين متضادين لبعضهما - الأول يحته على التودد إليها حتى يجعلها امرأته إسماً وفعلاً والآخر يأبي

ويقاوم جوارحه لكي يتعمق في علاقتهم أكثر حتى يسهل عليه الأمر ....

بالتأكيد إذا ولج داخل غرفتها الآن لن يخرج منها كما كانت حتماً سيتغير كل شئ . إذا يجدر عليه البقاء بعيداً عنها تلك الليلة .

اقترب من الأريكة وأستلفي بجسده المتعب عليها ، فتح أزرار قميصه ثم ألقاه بعيداً عنه وبعد محاولات كثيرة ذهب في شبات عميق ، بينما ترددت عنود كثيراً في دلوفها للخارج لكن فضولها حول ما يفعله أجبرها علي الخروج بعد مدة وتفاجئت به نائم أعلي الأريكة .

اقتربت منه بخطي متريئة حتى تتأكد من نومه ثم جلست القرفصاء أمامه تراقب ملامحه الرجولية التي بدت جذابة في نومه ، مدت أناملها تريد لمس ذقته لكنها تراجعت مراراً خشية أن يستيقظ ويراها بهذا الوضع . سحبت نفساً عميق وجمعت قواها ثم مدت

أناملها برفق وتلمست وجهه برقة لم يشعر هو بها .

سرت رجفة قوية في أوصالها من خلف خصلات ذقته الخشنة، مررت يدها على جميع وجهه ثم توقفت أمام شفتاه الغليظة .

تلمست ملمسها الناعم عكس بشرته تماماً ، وقفت على ركبتها لتعلو قليلا ثم وضعت قبلة على طرف شفتاه وتمتمت بنبرة خافتة

شكلي حبيتك

ابتسمت بخجل عندما صرحت بحبها وحمدت الله أنه نائم ولم يسمع ما قالته ، تنهدت ثم وقفت لتتركه وشأنه لكن لم يطاوعها قلبها تركه بمفرده علي الأريكة . عادت إليه مرة أخرى وأجبرت جسدها علي النوم في الفراغ الصغير الذي تركه هو في الأريكة ، وضعت رأسها على صدره الغاري وتشيئت به بقوة حتى لا تقع ارضاً ، مرت دقائق معدودة ثم غفت هي بشعور من الأمان قد سكن قلبها كما بات فؤادها منشغلاً بحبه !!

سطع النهار سريعاً يحمل بين طياته الكثير والكثير من اليانصيب المختلفة في الكلاً منهم له تصيب خاص به سيلقاه ولو بعد حين .

في منزل منصور، رحبت سعاد يشقيق زوجها قائلة بحفاوة --

يا اهلا وسهلا يا مؤنس الدنيا نورت يا امينة من زمان الواحد مشافكوش ولا شاف البنات ...

أجابها مؤنس وهو يضبط وضعية نظارته الزجاجية باصبعه :.

ده نورك يا ام ياسر

ابتسمت أمينة وقالت بنبرة حنونة :-

ده نور صحاب البيت يا سعاد اخباركم ايه ؟

أضاءت سعاد رأسها يحزن وأردفت باسي ..

الحمد لله على كل حال إحنا غلطنا ولازم تستحمل بقا يختي هتعمل ايه ا

تشنجنت عروق عنق مؤنس واردف بغضب ..

وانتوا لما ترفضوا واحدة تربية اجانب والعياذ بالله منعرفش عنها حاجة تبقى غلطتوا ده احسن قرار منصور أخويا أخده .

هزت سعاد رأسها باسي شديد وقد انهمرت دموعها بألم على حال فلذة كبدها ...

مش مهم يا مؤنس فات أوانة الكلام خلاص بس ابني حاله يصعب على الكافر، قاعد في اوضته ولا يباكل ولا بيشرب الواد اللي حيلتي بيضيع مني وانا مش عارفة أعمله حاجة ، عشان كده كلمت أمينة تجيبك وتيجي انت متعلم ومنتور وأكيد عندك حل يتجد ابني

من نكسته دي .

هر مؤنس رأسه في إنكار وأردف بعد تفكير :

أنا أول حاجة هعملها مروح للي اسمه زيان ده أشوف بنفسي ازاي يوقف حال عمه هو فاكر نفسه هو اللي بيرزق ولا ايه ربنا قادر ياخد كل اللي في أيده ده، وبعدين تشوف حكاية ياسر ده كمان .

استاذن مؤنس وغادر المنزل لكي يقابل ريان على أتم استعداد لجدال حتمي سيقوم بينهما ، لن يتركه وشانه قبل أن يعطيه درساً في القيم والأخلاق التي عليه التحلي بها وخصيصاً مع أقاربه .

وصل الى معرضه وجاب المكان بنظرة متفحصة سريعة ، ركض نحوه أحد عمال المعرض مرحباً بنبرة عملية ...

اتفضل يا محترم اي خدمة ؟

رمقه مؤنس بتفحص واردف يحمود :-

معلمك فين ؟

أجابة العامل بتلقائية ..

قصدك المعلم زيان هو مش موجود الصراحة بس معلم خالد موجود أقوله مين ؟

التوي تقر مؤنس بسخرية ثم وضع يده علي كتف العامل وأجبره علي التنحي جانباً وسار بخطي متريئة نحو المكتب ، ركض خلفه العامل متمتماً يعتاب ...

مينفعش كده يا أستاذ لازم أديله أنا خبر قبل ما تدخل ، يا استاذ ...

ولا حياة لمن تنادي . لم يصفي لهراناته حتى ولج داخل المكتب دون استأذان ليتفاجئ خالد بدلوف أحدهم بأسلوب غير حضاري ، هب

واقفاً باندفاع وصاح به ...

انت إزاي تدخل المكتب من غير استا.......

صمت خالد من تلقاء نفسه عندما عرف هويته بينما قال العامل بتوجس .

والله يا معلم هو اللي دخل لوحده ...

اشار خالد إليه بالمغادرة ثم التف من حول المكتب قائلا بحفاوة :-

اتفضل يا أستاذ مؤنس معلش هو ميعرفكش ...

لم يكترث له مؤنس واقترب من المقعد وجلس عليه كما وضع قدمه فوق الأخري بتفاخر واردف بتعالي .. ربان فين ؟

شعر خالد بالإهانة من خلف تصرفاته المتفاخرة ، سحب نفساً وعاد إلى مقعده واجابه بفتور -

زيان في البيت وانا هنا مكانه حضرتك محتاج حاجة اقدر اساعدك فيها ؟

جاب مؤنس غرفة المكتب ببصره واجابه وهو يتفحص أركان الغرفة بإهتمام :-

كلمه يجي حالا عايز أتكلم معاه في موضوع خاص ....

حاول خالد التحلي بالصبر حتى لا يتور على ذاك المتعجرف، تنهد يضجر بائن ثم جذب هاتفه من جيب بنطاله وهاتف ريان وكان

يختلس النظر إليه من حين لآخر بتدمجر وهو قيد انتظار إجابة ريان ...

شعر بإهتزاز قوي لكنه لم يكترت وظن أنه يحلم . لكن تكرار ذبذبات الهاتف في جيبه أجبرته على النهوض ، فتح عينيه بكسل وفركهم حتى يعتاد الإضاءة ، قد يده يلتقط هاتفه من جيب بنطاله فتفاجئ بها غافية بين أحضانه ، مال برأسه لكي يتأكد وها قد تأكد

أبتسم بخبث ممزوج بالسعادة لكونها بادرت هي وغفت طيلة الليل في حضنه ، سحب هاتفه واجاب خالد بصوت ناعس -الو..

استيقظت عنود على صوته وشعرت بالخجل الشديد ، لم تريد أن يشعر بها فقط كانت بستنهض قبل استيقاظه ، حاولت النهوض

لكنه أبي وشد بيده على خصرها لكي لا يترك لها فرصة للهرب قبل أن يضع بصمته ويثير جدلها أولاً .

استمع لحديث خالد باهتمام وهو يقول :-

استاد مؤسس هنا وعايز يتكلم معاك ....

اجابه ريان بصوت متحشرج ..

بس انا ورايا مشوار الأول مخلصة واجي .....

تنهد خالد وهو يرمق مؤنس يضجر واجابه بفتور .. طيب متتاخرش ...

أنهي ريان المكالمة وعاد ببصره إلى قطته التي تجرأت وباتت بين أحضانه ، أوصدت عنود عينيها وهي تعض على شفتاها بخجل

انتي ايه اللي جابك تنامي هنا ؟

أردف بهم زيان بخيت بينما تجمدت معالم وجهها كلياً لسؤاله ، فكرت لبعض الوقت ربما تأتي بحجة ما يصدقها ، فشلت في

اختراع سبباً ما من فرط إرتباكها ، سحبت نفساً عميق ونهضت بإندفاع ونظرت إليه بحدة زائفة :-

تقريباً بمشي وانا نايمة.

انفجر زيان ضاحكاً واعتدل في جلسته ورمقها بعدم تصديق وأردف بسخرية :-

بتمشي وانتي نايمة وتيجي تنامي في حضني ؟!.

از دردت ريقها بصعوبة وحاولت التخلص من ذاك الحوار قائلة :-

ما يمكن انت اللي استحليتها ولقيتني بمشي وانا نايمة ونيمتني في حضنك مش غربية عليك يعني ....

نهض ريان في حالة ذهول تامة لقد قلبت الآية عليه، لكنه حتماً لن يصمت بل سيجعلها تجيد التفكير قبل أن ترميه بالباطل . اقترب منها بخطي ثابتة أرعبتها ، حاوط خصرها وضمها لحضنه برفق . وضع إصبعيه علي ذقنها واجبرها علي النظر إليه وهتف وهو

يتخلل خصلاتها بأنامله :-

بصراحة أه أنا التي عملت كده أصل أنا قليل الأدب أوي وخصوصا مع مراتي يبقي .....

صمت زيان واقترب أكثر فأكثر من شفتاها فاسرعت هي متسائلة بنبرة خافتة ..

يتبقى ايه ؟

ابتسم زيان بمكر لسير خطته كما يريد واردف بهمس ...

تعالي لما اقولك جوا!

اتسعت مقلتيها بصدمة ودفعته بكل ما أوتيت من قوة قائلة بنيرة صارمة :-

انت كذاب على فكرة عشان أنا اللي جيت نمت في حضنك برضايا و.....

سحقاً !! لقد تلاعب بها لكي تقع في براثينه وها قد وقعت بدون مجهود منه ، حقاً أرادت أن تصفق لدهائه ، لم تقف تنتظر لأكثر وركضت مهرولة داخل غرفتها، وقفت خلف الباب تلعن ذلة لسانها التي أوقعت بها في فخه . تنهدت بضجر ثم جابت بعينها الساعة المعلقة على الحائط وشهقت بصدمة عندما رأت كم من الوقت تأخرت على جامعتها .

هرولت داخل مرحاض الغرفة ثم ارتدت سريعاً بعد أن أدت صلاتها ودلفت للخارج بخطوات غير مستقيمة ، تفاجئت به لم يبرحمكانه حيث اقتربت منه وصاحت به ..

انت لسه قاعد قوم بسرعة البس أنا اتاخرت ..

نهض زبان ورد عليها بنيرة جامدة :-

صباح الخيرا

تأففت عنود بضجر وأردفت بحدة :-

بقولك متأخرة يلا بسرعة

اقترب منها ريان ووضع قبلة سريعة على وجنتها وابتعد عنها مسرعاً ، بدل ثيابه بقميص أبيض اللون علي بنطال محمي كما مشط خصلاته غير المعتاد فعلها . بدي مظهره جذاب للغاية كأنه شاب في أوائل العشرين من عمره.

تهز قدميها بتوتر شديد كأنها تقف علي حمر ملتهب . تتأفف تارة وتستغفر ربها تارة اخري إلى أن ظهر هو أمامها وألجم لسانها. بمظهره الذي خطف عقلها وخفق له قلبها ، بربك ما كل تلك الجاذبية الآن ؟

ابتلعت ريقها عندما لاحظ زبان نظراتها عليه وتراجعت للخلف عدة خطوات وهي تهرب ببصرها بعيداً عنه وأردفت بتلعثم : ممم يلا ...

التوي تقره بابتسامة إعجاب علي نظراتها التي أثبتت بها حسن مظهره لطلاما لم يعبر له أحدهم من قبل عن جاذبيته التي شعر بها فقط من خلف نظراتها ، فقط هي من تستطيع قول الكثير دون أن تنيس بشئ نظراتها كافيه وكأن بها جميع كلمات الغزل ....

دلقت عنود للخارج كما تبعها ريان ، هبط كليهما في المصعد الكهربائي - تعمد زيان فتح باب السيارة لها مع إبتسامة زادت من وسامته واجبرتها على الابتسام علي الرغم من تذمرها .

جلس ريان بمقعده وشرع في القيادة بسرعة عالية لكي يصل أسرع . لكن لا تأتي الرياح بما تشتهي السفن توقف بين حشد ضخم من السيارات الواقفة خلف بعضهما بإهمال وعدم انتظام .

زفير وشهيق فعلت عنود ، الأمر يتكرر أمام مرأى عينيها دون رأفة ، السيارات ذاتها، الأدخنة المتطايرة في الهواء التي تدل علي انقلاب أحد السيارات أو ربما انفجارها ، الموقف يعاد بجميع تفاصيله .

وضعت يدها على صدرها علها تهدئ من روعها ، تحاول إقناع عقلها بأن الأمر مختلف تلك المرة لا يوجد والديها لكي تشعر بألم شديد في قلبها للمرة الثانية ، لقد باتوا هم والتراب شيئاً واحد. فكيف سيعاد ما حدث ثانية !!

ارتفع صدرها وهبط بعنف كما ازدادت خفقات قلبها ناهيك عن رجفة جسدها التي رادوتها حينها ، هل هذا الموت ؟ هل سيقتنع .

ملك الموت روحها تلك اللحظة ؟ لا تدري لكنها لا تشعر انها بخير ، لم تسمع أيا من كلمات ريان وتلك الضجة المحاوطة لهم كما تشوشت رؤيتها أيضاً ، مدت يديها بنقل تبحث عن يد ريان ، وضعت يدها مباشرة على يده الموضوعة على أحد محركات السيارة وشدت عليها بقسوة ربما يشعر بها ....

استدار زيان نحوها وتفاجئ بشحوب وجهها المفاجئ، ترجل من السيارة مهرولا نحوها ، فتح بابها وأمسك يدها قائلا بتوجس -

في ايه مالك ؟

حاولت التحدث لكنها لم تستطيع ، فقدت القدرة على النطق وعلي الرؤية وتوقفت جميع حواسها في تلك اللحظة، تمايلت رأسها على الجانب بإهمال فاقدة وعيبها وباتت في ظلام حالك لا تشعر بنداتات زيان لها ....

يجوب الغرفة ذهاباً وجينا ويلقى ببصره عليها من حين لآخريل من ثانية لأخرى ، ينتظر استيقاظها كما أخبره الطبيب ، تمر الدقائق عليه كأنها أعوام ، يشعر بالاختناق الشديد كلما مرت دقيقة ولم تستيقظ بها ، دقيقة أخري وسيقلب المشفي رأساً على عقب حتي يرون عملهم جيداً ، فقط يريد أن يطمئن عليها - يريد أن يملى فراغ قلبه الذي شعر به منذ أن فقدت وعيبها بالسيارة ، جوفه خالي تماماً ويريد استعادته مرة أخرى لكن لن يحصل إذا لم تستعيد وعيبها في أقرب وقت ...

فتحت عينيها ببطئ وشعرت بثقل شديد في أناملها ورأسها كما لو كانت مخدرة ، قاومت ذاك الشعور اللعين وفتحت عينيها لكن

سرعان ما أغلقتهم لشدة الإضاءة أعلاها .

ركض ريان نحوها بلهفة شديدة واتحتى يجسده عليها مرددا ...

انتي كويسة ، طمنيني عليكيا

نهضت هاجر من جلستها واقتربت منهم واردفت بحكمة :

اهدي يا ريان هي لسه مفاقتش وانت بتضغط عليها ، نسيت الدكتور قال ايه ؟

زفر زيان أنفاسه يضجر وأردف بنبرة صارمة ممثلثة بالخوف والشحن :

أطمن عليها الأول وبعدين مهدي.

شعرت هاجر بالحرج وفضلت الصمت أمام حالته المزرية إلى أن يهدئ قليلاً، بينما عاود زيان نظره إلى عنود متسائلا باهتمام .. انتي سمعاني ؟

اماءت عنود رأسها بالايجاب واردقت بهمس -

أنا فين ؟

صوتها المنخفض أجبر زيان على الاقتراب من شفتاها لكي يسمع ما تقوله واجابها بهدوء لم يخلو من التوتر :-

إحنا في المستشفي . مش مهم الوقتي تسألي في حاجة طمنيني عليكي )

ابتلعت عنود ريقها بصعوبة وقالت بتلعثم -

lam fine

( أنا بخير )

تنهد زبان براحة ثم سحب مقعد خشبي وجلس عليه بجوارها يلتقط أنفاسه التي هربت من رئتيه و أمسك يدها وقال برأسه على يدها بارهاق، يريد أن يهدئ من روعه فلقد استنزفت طاقته في ساعات قليله بسبب خوفه عليها ، لم يدري انها باتت بمثابة خطر عليه . بالتأكيد خطرا لطلاما كانت هي بخير كان هو كذلك ، وعندما تمر بمكروه يقع أرضا من خلفها . يشعر بالمقدان الحقيقي الذي لم يشعر به من قبل، كما يشعر بفراغ قوي في جوفه كأنها سلبت روحه لفقدانها لوعييها ، الأمر ليس بهين إطلاقاً . الأمر أصعب مما مرت عليه الصعاب من قبل بمراحل مضاعفة، لن يسمح بحدوث مكروه لها وإن كانت ستظهر أنانية في ليكن انانياً في حيه وليحترق الجميع ....

دلفت هاجر إلى الخارج بعد أن اطمئنت على صحة عنود ، ركض نحوها كلاً من على زوجها وخالد صديق ريان ليطمتنا عليها ...

ايه الإخبار ؟

تسائل على باهتمام فأجابته هاجر براحة :-

الحمد لله فافت بس زبان حالته صعبة اوي.

شعر خالد بالأسي خيال صديقه واردف بحزن :

طيب هتعمل ايه ؟

هر علي رأسه لعدم قدرته على فعل شئ بينما أردفت هاجر .

علي لو سمحت هات لهم أكل دول بقالهم اكثر من خمس ساعات في المستشفي ....

اوما علي رأسه بينما أسرع خالد في الحديث ..

استني انت يا علي عشان لو احتاجوا حاجة وانا هروح اشتري الاكل واجي .....

وافق على على اقتراحه بينما غادر خالد المشفي - جلست هاجر على مقعد الإنتظار فتبعها على قائلا وهو : يجلس بجوراها :-

مش هتدخلي عشان لو محتاجين حاجة )

مالت هاجر برأسها على كتف على واجابته بتريت ..

حاسبة الي عزول بينهم وبعدين احنا قاعدين قدام الأوضة يعني لو احتاجوا لحاجة أول ما زبان يفتح الباب هيلاقينا . في وشه ...

مرر على يده من خلفها وضمها إليه وشكل على تقره إبتسامة واردف بحنو :-

أول مرة أشوف زيان في الحالة دي ، خوفه مختلف عن أي خوف شوفته عليه قبل كده .....

ابتسمت هاجر هي الأخري وأردفت من بين ضحكاتها ..

هو خوفه بس اللي اختلف زيان نفسه اتحول من ساعة ماهي ظهرت في حياته

تردد علي لبرهة لكنه جمع شجاعته وأردف بمزاح :-

ما تيجي اتجوز الجوازة الثانية وأشوف أنا هتحول ولا هفضل زي ما انا ....

لقد جني علي نفسه ذاك ال علي . هبت هاجر واقفة باندفاع ووضعت يديها في منتصف خصرها وصاحت حت به :

نعم يا حبيبي جوازة ثانية | طيب هو حبها عشان كده اتحول إنما أنت ايه أسبابك ؟

انفجر على ضاحكا على منظرها الطريف وهتف ...

اقعدي يا مجنونة إحنا في المستشفي

رمفته هاجر بغيظ ثم تركته وتوجهت نحو الغرفة فأسرع هو بحديثه ...

استني راحة فين مش بتقولي حاسة أنك عزول بينهم !

عزول عزول بس مش قاعدة معاك

أردفت بهم بغضب ثم ولجت إلى الداخل في تلك الأثناء كان زبان جالساً على الفراش وعنود تغزو أحضانه ، تفاجئت هاجر بوضعهم

ولعنت نفسها انها لم تنتظر بالخارج واردفت بتلعثم ...

ابية .. آه ... كنت جاية اشوفكم لو محتاجين حاجة بس شكلكم مش محتاجين حاجة ... عموما انا برا يعني

أولتهم ظهرها وهرولت إلى الخارج مسرعة فتفاجئ على بدلوفها السريع وتسائل بفضول ..

خرجتي ليه ؟

نظرت إليه يخجل وأردفت :

ها ، لا مفيش قولت متقعدش لوحدك انت مالكش أمان بعد كده ....

قهقه علي علي مزاحها ثم أشار إليها بالجلوس وضمها بقوة إلى حضنه قائلا بنبرة حنونة ...

ده انتي اللي ساكنة القلب يا هجورة مينفعش ابض على حد غيرك

ابتسمت هاجر واستكانت في حضنه بشعور من الأمان والرضا قد تسللوا إلى قلبها ....

تلمس زبان بشرة وجهها الناعمة وأردف معاتباً ..

كده تخضيني عليكي ....

ابتعدت عنه عنود وقالت بنبرة موجوعة ...

أنا آسفة ، بس انا منظر العربيات والادخنة اللي في الهوى فكرتني بحادث عيلتي حاولت اقاوم اللي كنت حاسة بيه بس مقدرتش.

رفعت بندقيتاها عليه وتسائلت بفضول --

هو ايه اللي حصل بعدها أنا مش فاكرة حاجة

سحب ريان نفساً عميق وجذبها من يدها لتستكين بين ذراعيه مرة أخرى واجابها بنبرة تريد الخلاص من شعور الفقد الذي لا يرحل عنه قط.

ده حصل كثير اوي ، أنا طبعا فشلت الي اطلع بعربيتي وسط الزحمة التي كانت هناك ، اضطريت اطلب خالد صاحبي يجي بالعربية بتاعته علي الطريق المعاكس عشان ميدخلش في الزحمة وجريت بيكي علي المستشفي وقلبت الدنيا وكسرتها عشان خاطرك !

صعقت عنود مما سمعته لتوها ورفعت عينيها عليه بعدم تصديق وأردف بذهول :-

انت عملت كده بجد ؟

التوي ثغره بإبتسامة واجابها بثقة :-

ده كان هيحصل فعلا لو كنتي قعدتي ساعة كمان نايمة ومش بتفوقي .

التمعت عيناها يحب ورمفته بإمتنان شديد كما لم تخلوا نظراتها من الإعجاب به ويتصرفاته معها التي لم تفشل قط في لمس شي ما في قلبها ....

أرادت أن تبوح بما يدور في عقلها الآن ربما لن تتكرر تلك المشاعر التي تحتها على الإعتراف بكونه جميل ولابد أن تصرح به الآن .

تنهدت وهمست وهي تتلمس وجهه :-

انت جميل اوي

دقت اسارير السعادة قلبه من خلف جملتها الأخيرة كما ازداد تدقق الادرينالين المندفع في شرايينه ولم يستطع منع نفسه من الانجراف معها في عالمه المحبب إليه ...

اقترب منها ووضع قبلة رقيقة على شفتاها فتفاجئ بها تعلق ذراعيها حول عنقه بجرأة لم يخوضها معها من قبل كما بادلته قبلاته التي تحولت تدريجياً إلى قبلات رغبة قوية ، مال بها على الفراش فرفعت في يدها وتخللت فصلاته كما تشد بأناملها عليهم من حين لآخر إلى أن ذاب ريان بين لماستها على الرغم من عدم تمكنها إلا أنها نجحت في إغراقه في دوامتها

ابتعد عنها وعدل من حالته غير المهندمة عندما سمع طرقات الباب ، كما ساعدها أيضاً في ضبط ثيابها وحجاب رأسها ثم سمحللطارق بالدخول ...

ولجت هاجر بخرج وأردفت متسائلة بإهتمام :-

أخبارك ايه يا عنود الوقتي ؟

ابتسمت عنود وأجابتها برقة :-

الحمد لله lam fine

بادلتها هاجر ابتسامة صادقة ثم وجهت بصرها نحو زبان وأردفت :-

على وخالد عايزين يطمنوا عليك ....

أماء زبان رأسه بتفهم وأردف :-

دخليهم

أشارت هاجر إلى زوجها بالولوج فتبعه خالد إلى الغرفة .

صاح خالد مازحاً :-

ايه يا عمنا ايه الاخبار ؟

أبتسم زيان واجابه بنبرة مليئة بالحيوية عكس ما كان عليه منذ قليل :-

تمام يابني مش عارف من غيرك كنت عملت ايه والله ...

قهقه خالد وواصل مازحاً ...

لا أنا في الخدمة حتى جايب لك أكل اهو ع الله يظهر فيك عارفك واطي

بحث زيان بعيناه علي شي ما يلقيه بوجهه لكنه ثم يجد . قهقه جميع من بالغرفة ثم أردف علي بود موجهاً حديثه العنود :-

حمد لله على سلامتك

ابتسمت عنود واجابته باستحياء ..

الله يسلمك Thinks ...

أبتسم علي ثم وجه حديثه إلى ريان بجدية :-

انا همشي لأن عندي شغل مثلثل ( كثير ) وفي ناس كده مبترحمش !

القي علي آخر جملته وهو يرمق خالد بغيظ فأسرع خالد بالحديث ... لا يقولك ايه انا مش نسيبك ، أنا في الشغل معرفش أبويا ...

ضحك الجميع على أسلوب خالد الذي يحاول خلق به الحدة لكنه فشل ، استأذن على برفقة هاجر بينما رفض خالد المغادرة ومكت

معهم يتبادل أطراف الحديث مع ريان ....

فاكر يا ريان لما حبينا تركب خيل وتتسابق زي ما شوفنا سباق الخيول في التليفزيون !

أردف بهم خالد متسائلاً بينما انفجر زيان ضاحكاً بهسيتريا ليشاركه خالد في ضحكاته ، ضحكاتهم المتعالية أجبرت عنود علي الابتسام وهي لا تعي ما خلق تلك الضحكات

نظر ريان إلى عنود وتابع مضيفاً علي حديث خالد ..

نزلنا ندور علي خيول وطبعاً مكنش في المنطقة بتاعتنا فجبنا حمارين وركيناهم وقعدنا نجري بنهم في الجنة ، والحمار اللي كنت. راكبه مكنتش عارف اتعامل معاه ودخلني سوبر ماركت وانا من احراجي قولت لصاحب المكان عندك برسيم للحمار يا عم صلاح ...

لم يستطيع ريان إكمال القصة من فرط الضحك ، بينما واصل خالد حديثه من بين ضحكاته ..

الحمار اللي كنت راكب عليه دخل نفس السوبر ماركت ومش عارف هو عمل ايه لقيتني راكب ورا زيان وانا وهو ميتين من الضحك لحد ما جه عم ماهر ربنا يجازيه خير وضربنا حتة علقة وبعد ما خلص ضرب راح قال لابويا يقوم أبويا ماسكنا إحنا الاثنين ضاربنا .

صمت خالد فواصل ريان مضيفاً وقد انسدلت بعض الدموع من عيناه من فرط الضحك ..

بقوله بتضربني ليه يا عم أحمد قالي هو أبوك احسن مني في الضرب لازم أعلى عليه ...

أخفت عنود وجهها في صدر زيان عندما فشلت في السيطرة على ضحكاتها ، مال ريان برأسه عليها ووضع قبله على حجابها ممتناً لكونها أدخلت السرور على قلبه ....

ابتسم خالد بسعادة ثم استأذن ودلف للخارج بينما طرق الطبيب الباب وولح داخل الغرفة عندما سمح له زيان ، وشكل ابتسامة عملية وردد ..

حمد لله على السلامة اخبارك ايه الوقتي ؟

الحمد لله افضل

اردفتها عنود ليجيبها الطبيب قائلا ...

اللي حصلك ده نتيجة صدمة عقلك لسه مش قادر يتأقلم معاها للوقت الحالي وده غلط لازم تحاولي تتقبلي الصدمة عشان ميحصلش مضاعفات ويتحول خوفك البسيط لـ صدقمة التعافي منها هيكون على المدى البعيد ودي مش مستحية لانك هتحسي باهارق بدني ونفسي غير اضطرابات في القدرات الإدراكية وتركيزك هيقل وهيكون محدود وكثير من الأنواع دي ، يعني انتي بتادي نفسك من غير ما تحسي لازم تساعدي نفسك بانك تاخدي وقت كافي تتقبلي اللي حصل واهم حاجة الدعم النفسي والعاطفي والاهم ممنوع كتمان المشاعر اي شعور تحسي بيه لازم تتكلمي مع حد عنه مشكلتك بسيطة لو حاولتي التي تحليها وانا موجود في أي وقت تقدري تتواصلي معايا على الواتساب لو حصل حاجة .

اماءت رأسها بالايجاب فأسرع ريان بالحديث ...

شكراً لحضرتك يا دكتور ....

بادله الطبيب ابتسامة بشوشة ثم غادر بعد تمني لها التعافي العاجل ....


تعليقات