رواية الصمت الباكي الفصل الثاني والعشرون 22 بقلم ساره نيل


     رواية الصمت الباكي الفصل الثاني والعشرون 

رُبَّ صدفه خيرٌ من ألف ميعاد،.. فالحياه ما هي إلا مجرد صُدف وإتفاق أقدار، وحتمًا ما تخشاه سيحدث يومًا ما ..!
وها هو للمرة الثانيه على التوالي تطء قدمه تلك الحاره التي لطالما جاء إليها من أجل زيارة العم عثمان
لكن هذه المره لن تكون كسابقيها
وهذه المره سيرحل عنها معبأ بالأحزان والهموم وسيُكشف سر من أسرار هذا الإعصار الناري
ظلت الأفكار تتردد بين ثنايا عقله بلا رحمه ..
فيا تُرى ما الذي يريد العم عثمان إخباره به بعد مرور تلك الأعوام العجاف ..
: أهلًا .. أهلًا يا مؤمن يا بني
مؤمن: أهلًا بيك يا عم عثمان… ثم أكمل حديثه بلهفة: خير يا عم عثمان، أيه الحاجه المهمه إللي عايز تقولها ضروري
عثمان: صبرك يا ابني، مستعجل كدا ليه أقعد بس
مؤمن: ما إنت عارف إن في ألغاز كتير عايزه تتحل، وممكن أقل معلومه تفيدني
عثمان: ربنا يسهلك أمورك يا ابني، عمومًا هي معلومه مش عارف هتفيدك ولا ملهاش لازمه
الوقت إللي كنت فيه في الأحداث، كان في شخص إسبوعيًا بيجي يشوفك من بعيد لبعيد
يفضل واقف بتفرج عليك لما كنت بتشتغل في المهن حتى وقت ……
ثم صمت حزينًا فهو لا يريد فتح تلك الجروح مرة أخرى…، لا يعلم أن تلك الجروح لازالت على قيد الحياه لم تلتئم بعد..
حثه مؤمن على إكمال حديثه: كمل يا عم عثمان .. لما كنت بتعذب واتجلد علشان أكون عبرة لمن لا يعتبر…مفيش مشكله الموضوع بقى عادي
تنهد عثمان بحزن: للأسف يا مؤمن الشخص دا شافك في كل حالاتك .. ضعفك، وحزنك، وقوتك كمان وأظن إن الشخص ده ليه إيد في إنك تكمل تعليمك بمستوى عالي .. وفضل على الحال ده السنين إللي قعدتهم في الأحداث
حديثه هذا آثار إستغراب مؤمن كثيرًا، جال بعقله النمر ليسأله بإستغراب: طب الشخص دا شكله أيه .. يعني وصفه
عثمان بأسف: دا بقى إللي غريب يا مؤمن… لأن الشخص دا كان ملثم
نزلت الكلمات عليه كالصاعقه… ملثم..!!، من المؤكد والواضح أن هذا الشخص ليس “محمد الخطيب”
فهذا الجبان قد فعل فعلته ودمر حياته ثم فر هاربًا إلى خارج البلاد
لكن هذا الشخص يعرفه جيدًا ويعرف تفاصيل حياته وأسراره
والمرشح الأول هو … النمر
لكن من هو النمر من الأساس..؟!
نطق بحيره: طب متعرفش أي حاجه عنه، ولا لمحت أي حاجه غريبه .. وإزاي سكت لغاية دلوقتي ومقولتليش على حاجه مهمه زي دي
عثمان: هو كان نفس طولك كدا أو أقصر شويه، بس لا كان شعره باين ولا أي معالم من وشه باينه.. ألا عينه وكانت سمره..
أنا حاولت كتير أعرف عنه أي حاجه يا مؤمن .. أو هو مين لما لقيته مركز معاك وعينه عليك
بس للأسف مقدرتش أعرف حاجه
وليه مقولتلكش من زمان … فدا علشان كنت لسه طفل وبعد كدا خرجت من الأحداث للسجن وبعدين شوفت الذل على ما كونت نفسك… فمكانش الكلام ده وقته
واستنيت لما تكبر وتشد حيلك.. وخلاف كدا الموضوع راح عن بالي يا ابني بس لما كنت بقلب في دفاتري إفتكرت فقولت لازم أقولك
ممكن الموضوع يهمك ويفيدك
ظل صدي الحديث يتردد بداخله والغموض ينهش عقله بلا رحمه … هناك أمآرات إستفهام كثيره
فحياته مليئة بالغموض الذي لا ينتهي
وكلما سعى لكشف هذا الغموض تتعقد الأمور أكثر
فإلى متى سيظل على هذا الحال؟
ومتى سيخرج من مستنقع الغموض هذا؟
_ وأثناء إنشغال عقله بالإجابة على هذه الأسئله… كانت هناك أخرى خلف زجاج النافذة تغرق الدموع وجنتيها وتتمنى نظرة واحده من عشقها المستحيل
أعيونها تراقبه بلهفه وتتابعه بشغف أشد والقلب يتوجع بألم …
فاااااه يا مؤمن فيبدوا أن كُتب عليِ الحرمان من حبك…
إنتفض قلبها وأخذت تمسح دموعها بعجاله عندما رأت والدتها تدلف للغرفه وأغلقتها خلفها ..
نهله: ماما .. في أيه
جذبتها والدتها من يدها برفق واجلستها فوق الفراش ومسحت المتبقي من دموعها بحنان
لتتحدث الخاله أم محمود قائله: إنتي ست البنات كلهم وبكرا ربنا يعوضك بأحسن منه ..
ارتبكت نهله: إنتي قصدك أيه يا ماما .. إنتي فاهمه غلط
ابتسمت الأم بحنان وتحدثت بهدوء: يعني إنتي فكراني مش حاسه بيكي حتى لو مقولتليش على إللي في قلبك يا نهله … أنا أم يا حبيبتي
بصي يا نهله أنا عايزاكي تسمعيني كويس؛ إللي إنتي بتعيشيه ده مش حب ولا حاجه يا بنتي
دا مجرد إعجاب في فترة مراهقه، لأن السن دا كله كدا يا بنتي وأول ما عقلك يكبر وتنضجي كل دا هيروح ويعدي
كل دا وارد في فترة المراهقة، ومؤمن مش الشخص المناسب ليكي أبدًا يا نهله
مؤمن حاجه مختلفه لأنه مليان وجع، وواحده بس إللي هتقدر تستحمل كم العصبيه إللي هينفسها علشان يرجع إنسان عادي وطبيعي تاني
وساعتها البنت دي هتبقى بطله، والبنت دي مش إنتي يا نهله؛ الحقيقه صعبه يا بنتي بس لازم تتقبليها ووجع ساعه ولا كل ساعه
عارفه إن كلامي قاسي بس دي الحقيقه إللي عمرك ما هتقدري تشوفيها بنظرتك القصيره ..
ظلت تستمع لحديث والدتها بقلب دامي ..
من هي التي تناسب حبيبها أكثر منها..
لماذا لا تكون هي..؟
ليقطع حبل أفكارها حديث والدتها حديث والدتها المنمق الحكيم
: ماضي مؤمن كله …تقريبًا عشرين سنه كلهم وجع وألم
كل ساعه عدت عليه كانت بتعدي وتسيب في نفسه وجع مختلف
دي حياه إنتي متعرفيش عنها حاجه يا بنتي لسه
وهو عمره ما هيتغير ويرجع لأصله من يوم وليله أبدًا .. وطبعًا قبل دا كله فرق العمر إللي بينك وبينه
.. وإللي متعرفهوش يا نهله إن مؤمن ميعرفش يعني أيه حب ولا يقدر يقدمه لحد علشان مش ملكه..
إزاي هيقدم حاجه مش عنده ولا ملكه يا بنتي
لكن إنتي وردة بيضه لسه مشوفتيش حاجه من الدنيا وبكرا تدخلى أحلى جامعه وتبقي إنسانه متعلمه ومثقفه ويجيلك إبن الحلال إللي يقدرك ويقدملك الحب الحقيقي
وصدقيني يا نهله مش هاتخدي من مؤمن ألا الوجع لأنه مش شايفك ألا أخت صغيره وحفيدة عمه عثمان أللي أخد بإيده في فتره صعبه مش أكتر
وعلشان أريحك وإللي أنا متاكده منه، إن مؤمن الصياد ميعرفش للحب طريق ولا في أي بنت في الكون بتشغل عقله جزء من الثانيه
بس بردوه دوام الحال من المحال..، وفي واحده بس إللي هتقدر بس مش بقلبها لكن بعقلها وحكمتها هتقدر تخرجه من الغابه والسياج إللي محاوط نفسه بيه ..
وأول ما العقل يقتنع القلب هينطلق من غير قيود.
نهله ببكاء: إنتي عندك حق يا ماما
دا فعلًا كله عذاب وأنا مش هستفاد أي حاجه ألا وجع القلب بس … بس خلاص من النهارده هقفل الصفحه دي .. لا أنا مش هقفلها أنا هقطعها لأن مؤمن حلم مستحيل المنال
ولازم أحافظ على قلبي للإنسان إللي يستحقه ولحلالي،
أنا أسفه يا ماما متزعليش مني
إحتضنتها الأم بحب وحنان: عمري ما أزعل منك إنتي قلبي ونن عيني من جوا يا وردتي .. وانا فاهمه إللي بتمري بيه كويس
وهكذا تمزقت صفحة مؤمن الصياد من قصة نهله البسيطه.
ف أم بسيطه استطاعت بحِنكتها وحكمتها أن تنقذ فلذة كبدها من حب فاشل ومن حُطام مؤكد الحدوث وتفهم مشاعرها ونُصحها وإرشادها.
فقلما يحدث هذا التفاهم والود بين الأمهات وبناتهم اليوم ….
……………………………….
رحل سريعًا بعد أن سمع هذا الحديث .. وتلك المعلومه التي بغاية الأهمية والتي من الممكن أن توصله لشيء
فيا تُرى من هذا الرجل اللعين والذي يقوم بتحريك كل خيوط اللعبه؟
فهنا توصل مؤمن أنه مجرد لعبه خيوطها بيد هذا الرجل… فمن هو…؟!
فهذه المره الجبان “محمد الخطيب” بعيد عن دائرة الشك..
والاحتمال الأول والأوحد لديه الآن “النمر”
يجب عليه معرفه النمر عاجلًا وليس أجلًا..
أخرج هاتفه وهو يسير إلى حيث سيارته فقد تركها أمام أحد مقاهي الحاره لإنشعال الفراغ القابع أمام منزل العم عثمان ..
أجلى صوته ليخرج طبيعيًا لا يشوبه أي مشاعر غضب
: ألوو.. أيواا يا ليلى، عامله أيه
اجابته بفرح جلي على نبرتها: أنا بخير الحمد لله يا مؤمن .. متقلقش عليا
مؤمن: طب خدي بالك من نفسك على ما أجي أخدك .. وهما يومين بس يا ليلى
ليلى بمرح: متخافش عليا يا باشا قلبي … وبعدين دي تالت مرة تتصل من الصبح وتقولي نفس الكلام
مؤمن: ماشي يا ستي معلش خديني على قد عقلي ..
ضحكت بقوه قائله: خلاص يا مومي هخدك على قد عقلك..
نطق بصدمه وذهول: مومي..! هي حصلت يا ليلى .. أظبطي يا بنت
كتمت ضحكتها: تمام يا باشا ..ويلا سلام علشان قاعده مع خالتو أمل وسيباها لوحدها
مؤمن: سلام ..
تنهد براحة فقلبه لا يستطيع التوقف من قلقه عليها..
عقد حاجبيه بإستغراب عندما وجد عدة مكالمات من ليث .. ليُعاود الإتصال به على الفور
ليُجيب ليث على الفور
: أيه يا مؤمن مردتش عالطول ليه، بقالي كتير برن عليك
مؤمن: كنت قاعد مع عمي عثمان.. خير
ليث: في معلومات جديده ومهمه جدًا
في هذا الحين كان مؤمن قد وصل لسيارته أمام المقهى ليقوم بإسناد ظهره للسياره ويكون وجهه مقابل
لعطارة “الصياد والجميله” لكن عينه لم تقع على اللافتة
مؤمن: إتكلم عالطول يا ليث .. وصلت لأيه
ليبدأ بإخباره عن كل شيء: في حاجه غريبه جدًا يا مؤمن بخصوص المعلم فؤاد
الراجل ده عايش بشخصيتين … المعلم فؤاد في وسط معمل الرخام والحجارة، ولما سألنا الناس في المنطقه قالوا محدش يعرف عنه ألا اسمه وخلاص وبقالو سبع سنين تقريبًا في شغل الرخام ده
ويعرفوش عنه أكتر من كدا
بس لما أمين تتبعه لغاية بيته ومشى وراه في سريه تامه لقى إنه ساكن في منطقه راقيه جدًا وفي فيلا ملك ليه
ولما تحرينا عن صاحب الفيلا وسألنا أهل المنطقه والناس المجاورة، إكتشفنا إن المعلم فؤاد هو نفسه …….. العقيد “عاصم الشامي”
إستقام مؤمن واقفًا: إنت بتقول أيه..!
ليث: زي ما سمعت كدا يا مؤمن ..، المعلومات دي سريه جدًا وبالذات إن عاصم الشامي.. مختفي بقاله مده وملوش أي خبر في وسط الشرطه بعد ما كان مكسر الدنيا، بس الغريبه إن إزاي بقاله مده كبيره ما يقارب العشرين سنه مش في الساحه وقدر يترقى لرتبة عقيد
وطبعًا الموضوع ده غريب جدًا وملوش ألا تفسير واحد وأكيد إنت عرفته..
تحدث من بين أسنانه: قوة سريه بالأصح عميل سري
ليث: بالظبط كدا .. وخد بقى المفاجأه وإللي كانت قدامك بقالها كام سنه
أبنه الكبير دكتور صيدلي وهو نفسه مصطفى عاصم الشامي إللي شغال مع حضرتك
بس متقلقش عاصم ميعرفش إن أبنه بيشتغل معاك ولا إن أبنه يعرفك أصلًا وإلا كان منعه علشان متوصلهوش
وطبعًا مصطفى مش معرفه بحاجه لأن شغله معاك سري
تحدث بهدوء ما يسبق العاصفه: موضوع مصطفى دا فلت من إيدي .. وملاحظتش أسمه خالص
عمومًا مفيش قلق من ناحية مصطفى …
مفيش أي معلومات تانيه ..؟
ليث: في حاجه تانيه.. في نفس الوقت تقريبًا إللي حصلت فيه الحادثه ودخلت الأحداث.. مرات عاصم ولدت بنت بس للأسف قالوا إن البنت ماتت وطبعًا بعد كدا عرفوا إن البنت مش بنتهم وإنها إتبدلت، بس عاصم مش ساكت وبيدور لغاية الساعه دي على بنته
لأن مراته حالتها صعبه جدًا من ساعة ما فقدت بنتها
مؤمن بغموض: تمام يا ليث .. تقريبًا كدا الخطوط بدأت تتشابك وفهمت الأمور إلى حدٍ ما
ليث: طب ما تفهمني معاك الله يخليك
مؤمن: أيه سبب خطف بنت عاصم الشامي .. أو بالأصح أيه إللي كان مع عاصم علشان يبقى فيه العداء
ده ويخطفوا بنته
ليث بعدم فهم: على حد علمي.. عاصم كان ساعتها شغال على قضية أثار وغسيل أموال وكان معاه أوراق مهمه كان الكل بيجري وراه والأوراق دي أختفت ومحدش عارف لغاية دلوقتي هي فين وووو..
توقف برهه ثم أكمل حديثه بتفاجىء: إنت عايز تفهمني إن نفسه الورق إللي مع الدكتوره إللي إسمها أسوه وإللي محمد الخطيب عايزه بأي طريقه
مؤمن بهدوء: بالضبط كدا … الدكتورة هي نفسها بنت عاصم الشامي إللي إتبدلت زمان، والقذر إللي عمل كدا هو محمد الخطيب
لأن الشرطه كلها كانت بتجري وراه في الوقت ده ….
…. بس إزاي هو عرف وأيه إللي يخليه يفكر إن الورق معاها ويخطف طفله حديثة ولادة وميقتلهاش لغاية دلوقتي … دا إللي معرفوش
ليث بذهول وعدم تصديق: أيه المتاهه دي يا مؤمن .. دي كلها دايره واحده والكل بيدور فيها ورا بعضه
مؤمن: هي فعلًا كدا … بس الصبر، الأيام كفيله بتوضيح كل حاجه ..
وأنا عايز منك حاجتين دلوقتي
أولًا كدا عايز رقابه شديده على ليلى وعينكم متترفعش من على البيت إللي هي فيه
ليث: متقلقش من الناحية دي لأن من ساعة قضية المخدرات دي وأنا مرفعتش الحراسه من عليها
مؤمن: تمام.. وعايزك كمان الأدله إللي معاك وإللي بتثبت إن أسوه الخطيب قامت بصنع أدويه غير مشروعه وصناعة الأفيون مستغله معمل الكليه
وطبعًا أنا كنت مسجلها الأدله أول بأول يعني هتلبسها ومش هتعرف تخرج منها للأبد.. الأدله دي تقدمها لشرطة مكافحة المخدرات..
ليث بصدمه: إنت عايز تعمل أيه يا مؤمن .. دا إنت كدا توديها في ستين داهيه … البنت دي هتتدمر وهي ملهاش أي ذنب في إللي بيحصل
غير كدا لسه سايبها في إيد المجرم محمد ومراته وأكيد مش هيرحموها..
مؤمن بغضب: والله هي إللي وقعت في طريقي، حظها بقى وأعمل إللي بقولك عليه وبس يا ليث، عايزين نطلع عاصم الشامي من جحره هو وإللي وراه
ليث: تمام يا مؤمن .. تسليم الشحنه الليله دي إعمل حسابك
مؤمن: كله تمام .. عامل حسابي وقبل ما الصبح يطلع هتكون المخدرات متبخره، ومصطفى جاهز بالمضاد متقلقش .. وطبعًا زي كل مره أنا هكون بعيد عن الأنظار
ويلا علشان أنا لسه مطلعتش من الحاره
ليث: ألا صحيح .. عمي عثمان كان عايزك ليه، في حاجه مهمه؟
مؤمن: لما أقابلك هقولك .. سلام
ليث: تمام.. سلام
_ في هذا الأثناء خرجت جميله للخارج لرص بعض التوابل، ليلفت إنتباهها هذا الشاب الواقف بجانب سيارته .. تمعنت به جيدًا لكنها لم تستطع تمييز ملامحه
أقتربت منه لتسأله إذا كان يريد شيء أو بحاجه للمساعده، لكن مع إقترابها إزدادت معدل ضربات قلبها وشعرت بقبضه عنيفه تعتصر قلبها
لتتحدث بهدوء: في حاجه يا ابني .. محتاج مساعده
كاد أن يضع الهاتف بجيبه، لكن أوشكت ضربات قلبه على التوقف عندما سمع هذا الصوت
… لا لا هذا مستحيل، من المؤكد أنه يُخيل له
لكن أيضًا من المستحيل أن يُخطأ في التعرف على صوتها، فهو يستطيع أن يميزه من بين ملايين الأصوات
نعم يعرفه عن ظهر قلب …
رفع أنظاره لتتحقق أعظم مخاوفه .. اليوم الذي لم يتجهز له بعد .. ولم يعُد له حساب ولا عُده
يالسخرية القدر، يراها بعد عشرون عامًا بدون إنذار أو مقدمات …
تظهر أمامه من العدم ..
تنافرت دقات قلبه من خلف أضلعه بعنف ليشعر بالألم يتجدد مرات ومرات، ألم موجع يصيب قلبه .. لا يرحمه
هل سيظل متماسك إلى متى؟
يشعر بضعف شديد يجتاحه.. فما يحدث فوق طاقته ولا يستطيع تحمله ..
حنين شديد يُهاجمه ..
هذه هي أمي التي تركتني بعمر العاشره أعاني مع ذئاب بشريه لم ترحمني وأستنذفت طفولتي وبرائتي ليجعلوا مني حجرًا أصم أبكم لا يشعر!
هذه هي أمي التي كنت أتمنى ضمها لتُشفى جروحي!
هذه هي أمي التي تركتني دون وداع!
ومع كل هذا فأنا أشتاق إلى أمي.. أريد أمي..
فماذا أفعل الآن..؟!
لكن ليس بتلك السهولة والسلاسه أمي فما مررت به ليس بالهيَّن ولا يستطيع تحمله أعتى الرجال..
قبض على الهاتف بقوه وعنف وتنفس بسرعه ملحوظه، فهو على وشك الدخول بنوبه وعلى وشك الإنهيار أمامها ..
ولم تختلف حالتها كثيرًا عنه، وقفت تنظر له بصدمه وإنهمرت دموعها بغزاره، فقلبها قد شعر به من الوهله الأولى وقلب الأم لا يُخطء أبدًا
بجانب أنه نسخه من حبيبها ورفيق دربها قاسم _ رحمه الله _
كانت على وشك وضع يدها على وجهه ليبعد وجهه عن مرمى يدها ويبعد عنها بفزع..
تشدقت ببكاء: إنت صح…. أيواا أنا قلبي حاسس..
حبيبي مؤمن يا نور عيني
ابتعد عنها سريعًا وهو يحاول عدم سماع كلماتها حتى لا يُؤثر عليه ….
: إبعدي عني…. أنا معرفكيش
ثم فتح باب السياره وجلس بداخلها وأغلق الباب خلفه بالقفل الإلكتروني..
ظلت تطرق زجاج السياره واضعه كفيها متشبثه به بطريقة وهميه ولم تعد تستطيع التحكم ببكائها وتحول البكاء إلى عويل بصوت مرتفع
: أنا أمك يا مؤمن .. أنا أمك يا حبيبي … ابني .. ابني
ايواا إنت ابني أنا قلبي حاسس يا نور عيني
بيد مرتعشة قام بتشغيل السياره وانطلق على الفور سريعًا تاركها خلفه بلامبالاه .. هاربًا بعيدًا
وهو بحاله يرثى لها
لتنهار هي وتسقط أرضًا باكيه بقوه: إبني .. أيواا إبني .. أنا متأكده
تجمع الناس حولها بقلق ..
: مالك يا ست جميله .. في أيه.. ؟
ظلت على حالتها تبكي بصوت مرتفع: مؤمن يا نور عيني … إبني حبيبي
وظلت تردد هذا إلى أن سقطت منغمسه بظلام لا حدود له، منفصله عن واقعها …
وهذا أسلم حل إختاره عقلها ..
********* بقلمي/ ساره نيل *********
نشر الليل أثوابه السوداء سريعًا لينزاح الضوء ويأتي الظلام ..
وفي هذا الوقت كانت تفيق من ثباتها العميق إثر المخدر لكنها أستيقظت على ماء أغرقها ..
إعتدلت بفزع وأخذت تنظر حولها لإستكشاف المكان.. ولم يكن سوى غرفه قديمه يبدوا أنها بمكان مهجور
جاءت لتقف لكنها وجدت يديها وأقدامها مقيده
: أهلًا .. صحي النوم ، الأميره أسوه أخيرًا فاقت
نظرت خلفها لتجد رجل في عقده الخامس بجانبه إمرأه يبدوا أنها زوجته
: إنتوا مين، وعايزين مني ايه
أخذ الرجل يضحك بطريقه مريبه أخافتها ليتحدث قائلًا: مش معقوله يا أسوه مش عارفه الراجل والست إللي مكتوبه بإسمهم …
يعني بابا وماما …. توء توء … يا حرام
تضاربت المشاعر المختلفه بداخلها وتشوش عقلها لتتحدث بعدم فهم: بابا وماما.. إزاي، تيتا قالتلي هما ماتوا
لتخرج من خلفهم تلك المرأه الجبروت.. الحيه بتول: أنا مش تيتا يا روح أمك … هما فعلًا مش أبوكي وأمك
إنتي مجرد عمل خيري … يعني هما عطوكي إسمهم وربناكي بدل رمية الشوارع .. وجه الوقت إللي تردي فيه الجميل..
إقترب منها المدعو بأبيها ونزع حجابها بعنف وجذبها من خصلاتها بعنف أشد للخلف
: عامله نفسك ميته ومستخبيه عند واحد غني وعامله نفسك الخضره الشريفه، وإنتي مقضياها وماشيه على حل شعرك ..
ليجذب خصلاتها أقوى ويكمل حديثه بقسوه: ما هو من حقك، ما إنتي بنت شوارع
ويختتم حديثه بصفعه قاسيه تليها أخرى وأخرى
قبل أن تستوعب ما يحدث..
فيبدوا أنه يُنفث عن غضب بداخله ولم يُخرجه إلا بها
أما عنها فكانت تنظر بصدمه وعدم إستيعاب ولم يستطع عقلها أن يستقبل كم تلك الصدمات
لتظل ترتمي من هنا لهناك تحت تأثير صفعاته القاسيه
: يلا يا بت إنتي طلعي الورق إللي معاكي
مستخبيه علشان تكوشي على كل حاجه .. قبي بالورق يا بت .. هو أنا لميتك من الشارع صدقه، وطفحتك وشربتك لله
نظرت له بإستغراب وتقول بوهن: ورق أيه
سؤالها وإستنكارها أثار غيظته وغضبه لينهال عليها ضربًا بالأقدام ..
وهي راقدة هامدة عاجزة مقيدة الأيدي والأقدام .. وقد نفذت طاقتها ..
تحدثت سهام أخيرًا: خلاص يا حبيبي علشان صحتك والرجاله هتتصرف معاها، وغصب عنها هتطلع الورق أو تقول على مكانه
ثم جذبته بعيدًا واستدعت رجلان
لتوجه حديثها لأسوه: هتقولي يا بت إنتي الورق فين ولا هتتعجزي من الضرب، إنتي أصلًا مش فارقه معانا
تماسكت أسوه كي لا تبكي وتنهار ثم إعتدلت بصعوبه بسبب الجروح التي نجمت عن قيود يديها
: صدقوني والله ما أعرف حاجه عن الورق إللي بتتكلموا عليه .. بس بالله عليكم فهموني لما إنتوا مش أهلي أمال مين أهلي..
صرخ بغضب وهو ينقض عليها مرة أخرى: إنتي هتستهبلي يا بت ولا أيه، وأهل مين إللي بتقولي عليهم، إنتي بنت شوارع؛ هتقولي فين الورق ولا أستخدم معاكي طريقه تانيه
نظرت له بألم: والله ما اعرف عنه حاجه … سيبوني بقى علشان أرجع تاني وعندي شغل عايزه أعمله
تحدثت بتول بغضب: البت دي مش هتيجي بالطريقه دي أنا عارفاها مش سهله وخبيثه
ثم أشارت إلى رجلان ليتقدموا منها ..
بتول: بأي طريقه عايزاها تنطق .. ويلا علشان ميعاد إستيلام الشحنه قرب .. عايزين نأمن المخزن
: هتنطق يا هانم تحت أمرك
أقترب الرجلان منها لتزحف للخلف بخوف من هيئتهم لكنهم جذبوها بقوه ليلكمها الرجل بعنف وتنفجر الدماء من أنفها
ويحملها الرجل من رقبتها لترتفع من فوق الأرض وهي على وشك الأختناق
: الورق فين يا بت إنطقي
وعندما لم يجد منها إستجابه ألقاها أرضًا بعنف لتتنفس ببطء وقد تمكن الألم منها ..
وانهال عليها الرجلان بالضرب المبرح..
: هتقولي الورق فين يا بت
تحدثت بألم: والله ما أعرف حاجه عن الورق إللي بتتكلموا عنه
الرجل: يبقى إنتي إللي جبتيه لنفسك
لينظر إلى صديقه الأخر نظره يفهمها جيدًا
ويقوم بفك قيود يديها..
أمسك برسخ يدها لتظل تقاوم وتجذب يدها لكن بدون فائدة فهم أقوى ومنها وقد إنعدمت ونفذت طاقتها
لتصرخ بألم وصوت رج جدران الغرفه
عندما قام الرجل بثني رسخها بالجهة العكسيه بقوه لتسمع صوت طرقات العظام..
وصرخت بألم يمزق نياط القلب: آآآآآآآآآآآآآآآآآآه
وهنا أعترفت أني لا أعني شيئًا لأحد….
= بنفس التوقيت كان يقف على أحد مرتفعات الغابة بوسط الظلام بحالة يرثى لها بعد رؤيته لأمه وقد فاض به الألم ..ولم يعد يستطيع التحمل..
ليسقط الجبل الشامخ على ركبتيه صارخًا بألم نابع من صمام قلبه المحطم: آآآآآآآآآآآآآآآآآه
وتنطلق الصرخات والأهات المؤلمه معًا وتمتزج بعضها ببعض معلنين عن تنفيس آلامهم النفسي قبل الجسدي
وقد كُتب أن يتذوقوا من نفس الألم معًا …

تعليقات