رواية الصمت الباكي الفصل السادس والعشرون
أرخى الليل سدوله على الجميع لينتهي هذا اليوم بما يحمله من آلام وأوجاع ..
هُنالك من آوى إلى فِراشه بقلب يُرفر من السعادة ويعمهُ الرخاء والسكينة ..
وهُناك من يُسيطر القلق على عقولهم ويقفون بمفترق الطريق لا يعلمون أيهم يسلكون…
بينما آخرون غارقون في الوِحدة وظُلمتها الدامسة والسكون يُخيم على حياتهم البئيسة متلهفون لهبوب نسائم الوِدْ الدافئة…
بأقدام ثقيلة ولج لِغرفته غافلًا عن تلك الأقدام التي تتبعه بتعثر منذ دخوله القصر ..
أزال ملابسه لينعم بحمام دافيء يُزيل إرهاق هذا اليوم الثقيل ويُقلل من حِدة أفكاره التي لا ترحمه…
بعد فترة وجِيزه كان يرتدي ملابس ثقيلة ليحتمي من شدة البرودة…
توقف بُغتة وتذكرها… ماذا تفعل الآن بمفردها وسط الظُلمات…؟
وكيف ستحتمي من برودة الطقس ..؟!
لا يُنكر أن بهذه الفِعله إستطاعت أن تشغل حيز كبير من أفكاره وبهذا تهشم جزء ولو ضئيل من هذا الحاجز المتين الذي يُحيط به نفسه …
وتُعلن هي بهذا غزوها لِوكر الصياد ..
ويالعظمة القدر، فقد جعلت الصياد يُفكر في فريسته ..
كيف ستحتمل البرودة وظُلمات الوِحدة..
هنيئًا لكي عزيزتي أسوة….
عفوًا بل ملاك…
نفض غبار تلك الأفكار عن عقله واستلقى على فراشه محاولًا إستلطاف النوم ليأتيه..
أغمض عيناه لكن كالعادة، أتت إليه ومضات من طفولته.. تارة والده بطله الخارق ..
وأخرى والدته … واااه منها ومن ظهورها المفاجىء هذا..!
حقيقتًا بات لا يعلم كيف سيتصرف..!؟
وعلى هذا النحو آل إليه حاله .. ولم تتركه الهواجس، يترجى النوم لكن بلا فائدة ..
يا الله حتى حق النوم قد سُلب من بين جفوني..
شعر بالباب يُفتح وحركة ضعيفة بين أرجاء الغرفة لكنه لم يُبدي ردة فعل حتى لم يُكلف نفسه بفتح جفونه.
ما آثار دهشته عندما شعر بإزالة جزء من الغطاء وهبوط الفِراش دليل لجلوس أحد ما ..
إلى هذا الحد لم يستطيع الإنتظار وقام جالسًا على الفور … إلا أنه صُدم مما رأه وما سمعه ..
_ عمو مؤمن ممكن أنام في حضنك ..
نظر له مؤمن بإستغراب، وهذا الموقف بالنسبة له مأزق بل وأشد..
فهو لا يفقه شيء عن معاملات الأطفال ..
لكنه قال بهدوء: منمتش لغاية دلوقتي ليه يا بطل ..
_ أجاب يزيد ببراءة: ماما أسوة لسه مش جات وأنا مش بعرف أنام ألا في حضنها .. وكمان انت وحشتني واستنيتك لما تيجي علشان أشوفك..
ولم ينتظر يزيد وأرتمى بأحضان مؤمن .. مُلتفًا بيده حول عُنقه بقوة..
اندهش من هذا الطفل كثيرًا، فمن الطبيعي أن يبغضه من جفائه الدائم لكن بدلًا من ذلك يُعانقه بهذا الحب ..
رفع يده وربت على ظهره بحنان ورقه ..
قائلًا: ماشي يا بطل ننام سوا أنا كمان مش عارف أنام ..
يزيد ببراءة: خلاص لما ماما أسوة تيجي تنام في حضنها معايا هي بتنيم عالطول ..
توسعت أعيونه بصدمه ولوهله شعر بالتوتر لكنه قال مُغير الحديث: يلا ننام علشان منتأخرش على النوم أكتر من كدا ..
ثم رفع الغِطاء وأدخل يزيد أسفله الذي مازال مُتمسكًا بعنقه محتضنًا إياه بقوة كأنه يخشى فُقدانه..
واستلقى كلاهما..
تسائل يزيد: عمو مؤمن هي ماما هتيجي بكرا ومش هتسبني صح .. أصل أنا خايف أووي تسبني ومش أشوفها تاني..
صمت الأخر بُرهه لكنه مسد على شعره بحنان وهو يتذكر حالته التي كانت مثل هذه
: الأبطال مش بتخاف يا بطل… ومتخافش ماما هتيجي ومش هتسيبك..
قالها مثل ما كان يقولها للطفل مؤمن مُطمئنًا إياه كي يظل قويًا..
يزيد: بجد يا عمو .. أنت هترجعها..
مؤمن بتأكيد: أيوا هتيجي بكرا… هرجعهالك..
اطمئن الطفل وانغمس بأحضانه أكثر سُرعان ما ذهب بنومٍ عميق..
نظر له مؤمن بهدوء وأحكم الغطاء حوله ..
وذهب هو الآخر بثُبات عميق بعدما قرر النوم التصالح معه …
**************************
يوم جديد وعلى عملك شهيد، إنجلى الظلام سريعًا وتوارى خلف أشعة الصباح التي تنسجها الشمس على الصفحة الزرقاء ..
استيقظت من نومها على صوت زقزقة العصافير التي تصدر كنغمة متناسقة لا تُمل الأذن من سماعها..
جعدت جبينها بضيق حينما أدركت بزوغ الشمس وسطوعها وقد إنقضى وقت صلاة الفجر..
_ يا الله.. صلاة الفجر فاتتني … ليه كدا يا ليلى دا هي إللي بتبارك يومك … يلا قدر الله وما شاء فعل ..
وإن شاء الله مش هتتكرر تاني ..
نظرت إلى ساعتها فوجدتها السابعة والربع..
قامت لتُجهز نفسها وترتدي ملابسها فلديها محاضرة في تمام الثامنه..
إرتدت ملابس مُحتشمة ومُغلقة كعادتها ..
دريس من قماش الكِتان ذا لون أوف وايت وحجاب فضي اللون زادها جمالًا وإشراقًا..
حملت حقيبتها وكانت على أُهبة الإستعداد كي تخرج من الغرفة..
توقفت بتردد وتنفست بعمق لما هي مُقبلة عليه فهي الآن متزوجة وتقطن مع أشخاص آخرون وليست وحدها كما إعتادت..
خرجت من الغرفة وهي تخطو خطوات هادئة لكنها تصادمت مع الليث وهو في طريق خروجه ..
_ أهداها إبتسامة واسعة قائلًا: صباح الخير يا ليلى..
قالت بنبرة هادئة: صباح النور
_ اقترب منها وتسائل: أيه على فين كدا .. هتروحي الجامعة ولا أيه..؟
_ قالت بإيجاب: أيوا إن شاء الله علشان الأمتحانات بقت على الأبواب خلاص ..
_ ليث: شدي حيلك … ربنا يعينك.
_ صباح الفل على الحلوين..
إلتفت كلاهما على الصوت ولم تكن سوى الست فراولة..
_ ابتسم ليث بحنان: صباح النور على أحلى فرولايه في الدُنيا..
_ فراولة بمرح: دايمًا رافع معنوياتي يا واد يا ليثوو
ثم نظرت لِ ليلى قائلة:
ليلتنا عامله أيه .. نمتى كويس، الأوضه كانت مُريحه..
_ ابتسمت ليلى بصدق: أنا الحمد لله كويسه ونمت وشبعت نوم كمان … ربنا يبارك فيكِ يا أحلى فرولايه..
_ فراولة: طب الحمد لله.. يلا تعالوا بقى علشان تفطروا..
_ أعترضت ليلى: طب إعفيني أنا من الفطار مش متعوده عليه… وهنزل علشان متأخرش
كادت فراولة أن تُجيب لكن سبقها ليث بقوله بجديه ونبرة لا تقبل النقاش: مفيش حاجة أسمها تنزلي من غير فطار .. لازم تتعودي من هنا ورايح.. غير كدا أنا إللي هوصلك كل يوم وهترجعي معايا … وبدون إعتراض يا ليلى..
ضغط على جملته الاخيرة وهو يُناظرها بتحذير..
ثم جذبها من ذراعها برفق، ووجه حديثه لوالدته: يلا يا فراولتي..
سارت خلفهم وهي تناظرهم بسعادة وقلبها يُخبرها أن هذا الزواج الشكلي سيتحول لزواج حقيقي عن قريب، وستبذل هي قُصارى جُهدها ليحدث هذا ولن تبخل بشيء…
****************************
في هذا المكان المُكتظ بالهدوء، والبعيد عن الأحياء وكأنك بعالم آخر مُنفصل عن باقي العوالم ..
أطل الصباح ينظر بإستحياء من خصائص السماء على تلك الأشجار الكثيفة المتلاصقة ببعضها البعض والمتراكم على أوراقها قطرات الندى التي إنعكست عليها أشعة الشمس الذهبية لتراها العين وكأنها حبات من اللؤلؤ المُتناثر … فسبحان من أبدع تلك اللوحة المُبهجة..
أطلت أشعة الشمس أيضًا على هذا القصر العريق والمُمتلىء بالألغاز، والمنقوش أعلى كل حجر من أحجاره علامة إستفهام بجانبها تعجب؟!
ولم لا وهو قصر الصياد..!
أقبل على الصباح مُتلحفًا بالسواد كعادته … يرتدي قميص من اللون الأسود وبنطال من قماش الجينز يحمل نفس اللون.. ومِعطف من الجلد الأسود …
هكذا هو “مؤمن الصياد”
كان بطريقه للخروج من القصر لكن لفت إنتباهه حالة القصر الغير مستقرة والعاملات في حالة من التوتر والقلق..
تسائل بجمود عندما رئاهم متجمعين: في أيه هنا؟
لم يتجرأ أحد بالنطق، وجحظت أعيون “صفيه” بخوف وهي تتصور أبشع السيناريوهات ..
_ كرر بجمود: هفضل مستني كتير..
_ أجابته سلوى ببعض من التوتر والتردد: مؤمن باشا.. يزيد مُختفي ومش موجود في القصر … صفيه صحيت ملقتوش جمبها…
_ أدار ظهره وقال وهو يغادر: نايم في أوضتي فوق ..
ثم تركهم بصدمة فارغين أفواههم بدهشة …
ويتردد سؤال واحد بينهم… كيف هذا..؟!
_________ سارة نيل _________
بعد فترة وجيزة كان بوسط الغابة على أعتاب كهف مُخيف، مُوحش، مُغطى بفروع الأشجار ..
نظر إلى المُسجَّى أرضًا في حالة مرزية … ذليل تحت قدميه …. وكم أسعده هذا المشهد…
فأخيرًا أصبحت الفريسة بين براثين الصياد..
_ نظر له الرجل بخوف وضعف، وقال بتألم ووهن بحروف مشتته مُبعثرة ..
: إ … نت … م…ين ؟
_ ابتسم إبتسامة لا تُبشر بالخير بتاتًا لتظهر أسنانه البيضاء المتراصة بجانب بعضها البعض كحبات اللؤلؤ، قائلًا بنبرة بثت الرعب بأوصال الرجل ليُدرك أن أمره إنتهى لا محاله..
: أهلًا بيك في حجيم الإعصار ……
_ على مقربة من مبنى مكافحة المخدرات، الذي تقبع بداخله أسوة، يجلس بداخل سيارته السوداء وينبثق من أعيونه التي تقبع خلف نظارته السوداء نظرات باردة، ووجهه خالي من المشاعر؛ أخذت أصابعه تدق بخفه على المقود… فأكثر ما يبغضه “الإنتظار”.
_ بينما في الداخل، كانت الفوضى تعم الأرجاء وحالة من الهرج تحتل المكان بعد إختفاء جميع الأدلة التي تُدين “أسوة الخطيب”، حتى أقوالها قد بُدلت
والأحرى من هذا صدور قرار من جهة عُلوى بإحالة العقيد “عاصم الشامي” للتحقيق وذلك بسبب إحتجازه ل”أسوة” دون أدلة وتوجيه إتهام باطل لها، وهذا ما جعل “عاصم” على حافة الجنون..
_ إمتلئت أوردته بالغضب، وعقله يبحث بجميع الإتجاهات لكن بالرغم من هذا خرج صوته هادئًا هدوء ما قبل العاصفة: أنا كدا إتأكدت إن في لعبة بتحصل وفي حد ورا البنت دي غير “محمد الخطيب” وإللي متأكد منه أكتر إنها أصلًا ملهاش علاقة بأبوها ..
في حد تاني ورا الموضوع ده، حد بيلعبنا كلنا على صوابعه؛ حتى شحنة المخدرات إللي تبع الخطيب وإللي كان هيعمل بيها ثفقة العمر إختفت بطريقة مجهولة، والخطيب نفسه إختفى في ظروف غامضة وملوش أثر..
بس أيًا كان مين إللي ورا الأفعال دي أنا وراه والزمن طويل …
_ بعيدًا عنهم بقليل، وبتلك البقعة المظلمة كانت تجلس بهدوء والإرهاق بادي على قسماتها، ووجهها الذي شارك الكركم بلونه، وشفتيها التي أصبحت گ صحراء جرداء مليئة بالصدوع، وعينيها الذابلة والتي أخذت الحلقات السوداء تدور حولها ..
_ تيقظت حواسها عندما وجدت الباب يُفتح من المؤكد أنه قد جاء وقت محاكمتها المزعومة.
العسكري بجفاء: يلا الظابط عايزك
قامت واقفه وسارت أمامه بإرهاق، محاولة السيطرة على ذاتها كي لا تفقد الوعي..
_ وبعد برهة صغيرة كانت تقف بغرفة هذا الضابط وبالأخص أمامه، وتعجبت كثيرًا من نظراته المصوبه لها نظرات مليئة بالغموض وعدم الفهم لم تستطع فك شفراتها..
_ تشدق بسخرية لازعة: مبروك على البراءه يا دكتورة، شكلك غاليه قوي حتى أخدتي البراءه من قبل ما تروحي المحكمة.
_ عقدت حاجبيها بتعجب ونظرت له بعدم فهم قائلة: مش فاهمة قصدك أيه يا حضرة الظابط؟ تقصد ايه.
_ ابتسم بسخرية: ليه بس كدا يا دكتورة، هتعملي نفسك مش فاهمه حاجه ولا أيه، عمومًا الأدلة إللي ضدك اختفت، وكمان إعترافك اتبدل ولا كأنك قولتي حاجه، والأغرب من كدا إن الظباط إللي كانوا معايا في التحقيق وإللي كتبوا إعترافك كانوا أجازه وبكدا التهمه سقطت عنك … مبروك يا دكتورة ..
_ لم تندهش كثيرًا، فقد كانت تعلم من الأساس أنه لن يتركها، فهو ليس بالشخص السيء وكانت على يقين أنه هو من سينقذها… لكن باتت أفعاله متناقضة، لا تعلم بما تفسرها، فيا ترى ما هي خطط “مؤمن الصياد”؟
ابتسمت بداخلها، وانفرجت أساريرها لكنها لم تُبدي أية ردة فعل …. بقيت جامدة باردة..
وتحدثت بنبرة يشوبها الجمود: يبقى خير وبركة يا باشا، جات من عند ربنا، نصيب بقى .
_ قال عاصم بقوة وعزيمة وقد استفزه برودها: متقلقيش يا دكتورة أنا وراكي ومش هسيبك أبدًا وهعرف مين إللي وراكي كمان … وعن قريب هوصل للحقيقة.
_ أسوة بثبات تُحسد عليه: تمام يا حضرة الظابط بالتوفيق إن شاء الله، أنا كدا أمشي ولا في حاجة تانيه أعملها ..
تمالك أعصابه وقال بغيظ: لا كدا تقدري تمشي .. بس أمضي الورق ده..
وشرعت أسوة بإمضاء الأوراق لكن إخترق أسماعها حديثهم
_ عاصم باشا لازم تتحول للتحقيق
عاصم: تمام … هي تمضي الورق ونمشي..
_ شعرت بشعور غريب يعتريها ولم تنجح بتفسيره لكن سرعان ما انتهت من إمضاء الأوراق… وخرجت سريعًا من هذا المكان الذي يضيق بها ذرعًا محاولة التنفس والشعور بالحرية التي سُلبت منها.
أخذت تسير وهي تتماسك فقد فقدت قواها وتلفت أعصابها من تلك الإحداث المتتالية .
تيبست بأرضها عندما وجدته واقفًا على أحد جوانب الطريق مستندًا على سيارته بهيئتة التي تهتز لها القلوب .
تنفست بهدوء وأجمعت شتاتها المُبعثر، وأخذت تعبر الطريق بحذر لتقف أمامه بثبات، وارتسمت على محياها إبتسامة باردة .
:كنت واثقة إنك هتعمل كدا … بس الغريبة إزاي قدرت تعملها، يا ترى إنت مين بالظبط.
_ مؤمن بوجه خالي من التعبير إلا من السخرية التي تلون بها حديثة: الحمد لله على سلامتك يا دكتورة … كفارة .. وتكون آخر الأحزان
_ لم تبالي بسخريته وقالت: عمومًا إنت معملتش جِمِيله، إنت ورطتني في المشكلة دي وطلعتني منها طبيعي جدا .. كدا نبقى خالصين وأقدر أخد يزيد ومعتدش هتشوف وشي تاني وأظن كدا مهمتي خلصت وشغلي معاك إنتهت..
_ قال ببرود وهو يدور ليركب سيارته: اركبي العربيه يا دكتورة، لسه الكلام منتهاش
_ نفخت بضيق وفروغ صبر: معتدش في كلام بينا، وقبل ما اركب لازم توعدني إنك هتوديني عند يزيد علشان أخده وتسبني أمشي ..
_ قبض على يده بشدة وقال بغضب مكتوم: أنا محدش بيملي عليا أوامر، وأنا قولت اركبي علشان معملش حاجه مش هتعجبك.
_ فتحت باب السيارة وجلست، فهي بالأساس لم يعد لديها طاقة للمجادلة ولم تعد تمتلك القوة على الوقوف ..
وقالت بضيق: أنا عايزة أفهم حضرتك عايز أيه تاني، مش كفاية إللي حصل والمرمطه دي، مش مكفيك دا كله … أنا هاخد يزيد وأمشي، لو سمحت سيبني في حالي ..
_ نظر لها بتحذير كي تصمت وتكف عن الحديث وقال بسخرية وهو يناظرها من أعلى لأسفل: إللي يسمع كتر كلامك ويشوفك ميقولش دي واحده لسه طالعه من التخشيبة .. كتر كلامك مش ماشي مع منظرك وشكلك خالص ..
قال جملته الأخيرة وأعينه تمر على حالتها المرزية ووجهها الشاحب..
_ نجح بالفعل بجعلها تصمت، ونظر إلى الجهه الأخرى بلامبالاه منتهاه ..
أراحت رأسها بإرهاق وتعب، وعقلها يخطط لما هو آتٍ بعد أن إنقلبت حياتها رأسًا على عقب، والتسائلات لا ترحم عقلها..
بجانب الفضول الذي يلحَّ عليها لمعرفة ما يريده منها ثانيةً فيكفيها ما حدث إلى الآن، لن تستطيع تحمل المزيد..
………………………الصمت الباكي………………………….
= الذي حُرم من السعادة والدفء يقبع بمحطة الإنتظار لحلول فرصة ينعم بها، وعند حلولها يتشبث بها بكل ما أُتي من قوة كي لا يجعلها تتفلت من يديه ويُقنع ذاته أن قليل خير من العدم .
أخذت تضع اللمسات الأخيرة على ما صنعت يديها والسعادة تغمرها وبين كل دقيقة وأخرى تتمتم بحمد الله والثناء عليه لإنتهاء هذا الكابوس المزعج ولبدء حياة جديدة مع زوجها “صالح”
وعند ذكر أسمه اتسع فمها بإبتسامة عريضة وغمرها الحماس الذي يجعلها تكاد أن ترفرف من فرطه..
تذكرت ما حدث أمس بعدما اصطحبها في أمسية رائعة على متن سفينة بوسط النيل، فقد كانت تتمنى بأن ترى “نهر النيل” وها هو قد حقق أولى أمانيها..
_ صح النوم يا سوسو
أفاقتها سميرة من شرودها، لتُهديها إبتسامة رائعة: الحمد لله على السلامه يا دادة، جيتي أمتى؟
سميرة بمرح: واقفة جمبك من زمان بس إنتي في عالم تاني … مين واخد عقلك يا جميل
قالت جملتها الأخيرة بلؤم ماكر..
_ توترت سارة وتوردت وجنتيها بحمرة الخجل: لا لا مفيش حاجة يا دادة أنا بس … سرحت شوية .. أنا آسفه لو مرتدتش عليكي من أول مرة
_ ابتسمت سميرة بحنان: ربنا يسعدك يا بنتي ويعوضك ويصلح حالك ويبعد عنك ولاد الحرام
سارة: اللهم آمين يا دادة
ثم أضافت قائلة: إنت راحه تعملي أيه يا دادة، إنتي جايه من السوق وأكيد تعبانه … قولي هتعملي أيه وأنا أعمله ..
سميرة: هعمل قهوه لصالح علشان بيشتغل في المكتب
قالت مسرعة بحماس: خلاص سبيها وأنا هعملها
ابتسمت سميرة بداخلها وقالت: خلاص اعمليها وابقي وديها بقى.
أومأت برأسها وشرعت بعمل القهوة بعناية شديدة..
بعد قليل كانت تحمل كوب القهوه وبجانبه بعض من بسكويت الفانيليا الذي صنعته، وقفت أمام الباب بتوتر وتردد من الولوج للداخل أخذت تتنفس بعمق وتهدء من حدة توترها
حسمت أمرها ثم طرقت الباب لتدخل عندما سمعت أذنه بالدخول..
كان منكب على الأوراق منشغل بعمله، وعندما استنشق رائحة القهوة أشار بيده دون رفع رأسه: حطيها عندك يا سميرة..
ظلت واقفة مكانها ولم تتحرك قيد أنملة ليرفع رأسه عندما لم يجد رد
تفاجأ بها عندما وجدها من أحضرت القهوة له..
قام من مقعده على الفور مبتسمًا لها: سارة تعالي واقفه عندك ليه..
أخذ الصينيه من يدها ووضعها على الطاولة، ثم جذبها من يدها برفق ليجلسا على الأريكة
_ تعالى نقعد شويه أنا كنت هنادي عليكي أصلًا ثم تابع وهو ينظر لعينيها بس شكل القلوب عند بعضها..
_ أخفضت رأسها بخجل ولم تنبذ ببنت شفه..
_ ابتسم على برائتها وخجلها، أقترب منها ليصبح ملاصقًا لها، بينما هي فأصابتها قشعريره شعر هو بها خلل أصابعه بأصبعها ونظر لها بقوة
: بصيلي يا سارة
_ بقت على حالها، ولم تبدي أية ردة فعل من فرط خجلها
وضع أصبعه أسفل ذقنها ورفع رأسها إليه ليجعل أعيونها تتعلق بخاصته، نقل يده على إحدى وجنتيها المكتنزة وأخذ يداعب بشرتها بإبهامه: أيه يا حبيبتي مش عايزة تكلميني ليه، إنتِ لسه خايفة مني يا سارة
_ بينما هي ف ارتعشت من داخلها وقلبها يهدر بقوة وقد ثقُلت أنفاسها وكأنها كانت تعدو لأميال طويلة..
وعندما سمعت كلمة “حبيبتي” أغمضت عينيها بقوة من كم تلك المشاعر التي تختبرها للمرة الأولى..
تريد أن تغرق معه وتبدأ حياة جديدة لكنها مازالت تخشى الخذلان… تخشى هذا الطريق..!
تخشى كل ما هو جديد..!
فتحت عينيها لتُقابل عيناه المتلهفة، ابتلعت ريقها وتنفست بهدوء: لا… مش بخاف
_ أخذ أنفاسه براحه هو الآخر وأنزل يده من وجنتيها ليُمسك يدها ويتحدث بهدوء وصدق: بصي يا سارة زي ما اتفاقنا … نفتح صفحة جديده في حياتنا وننسى الماضي، ومش عايزك تخافي مني أبدًا إللي حصل قبل كدا مستحيل يتكرر أبدًا …. من دلوقتي مفيش خوف… إتفاقنا..
أومأت برأسها ب نعم ..
صالح بنبرة تحمل المرح: أيه يا سروري مش عايزة تسمعيني صوتك ..
_ ابتسمت واخفضت رأسها بخجل وبداخلها سعيده من تلك الكلمات التي تدغدغ مشاعرها ..
_ اخرج علبة مخملية صغيرة من جيب سترته، نظرت له بتسائل..
فتحها أمام أنظارها، ولم يكن سوى حلقتين أحدهما ذهبية والأخرى فضية ..
أمسك يدها اليسرى برفق ووضع حلقتها الذهبيه ببنصرها ثم رفعها لفمه ليلثمها بحب وتروي..
_ دي هتفضل في صوبعك ومهما حصل متخلعيهاش أبدًا، لغاية ما نعلن جوازنا وأعملك حفل زفاف يليق بيكي وتلبسي فستانك الأبيض ..
_ نظرت له بأعين دامعة، ولا تصدق ما سمعته، هذا الكابوس أنتهى أخيرًا وتستطيع ممارسة حياتها بشكل طبيعي بعد الآن دون إتهامات باطلة..
_ تسائل صالح بترقب وحذر عندما رأى صمتها: إنتي مش عايزة تكملي معايا
_ هزت رأسها مسرعة ب (لا)، وقالت: لا مش قصدي … يعني ..
توقفت عن مواصلة حديثها وتفرق يديها بتوتر ..
_ نظر لها بمكر قائلًا: خلاص أنا كدا فهمت…
ثم أضاف بجدية: كنت عايزة أقولك على حاجه
_ طالعته بتسائل، ليُكمل حديثه: على حد علمي إنتي أخر مرحلة تعليمية وقفتي عندها كانت الثانويه..
يعني خلصتي ثانويه وواقفه على جامعه ..
قوليلي بقى إنتي كان نفسك تدخلي كلية أيه..
_ عقدت حاجبيها بإستغراب وتسائلت: طب ليه؟ في حاجه!
صالح: إن شاء الله هنقدم جامعة السنادي … بس عايز اعرف إنتي حابه تدرسي أيه ..؟
= لم تصدق ما سمعته، أحقًا ستُكمل دراستها، أحقًا ستحقق ما كانت تتمنى؟!
دائمًا ما كانت تتمنى وتترجى والدتها كي تُكمل دراستها وترتاد الجامعة لكن دائمًا ما كانت تأبى، واكتفت بالدراسة إلى المرحلة الثانوية…
هبطت دموع الفرحة وأخذت تبتسم وتبكي بآن واحد ..
_ قلق صالح من حالتها وتعجب من ردة فعلها فهو قد فعل هذا لإسعادها وليس بكائها، سألها بقلق حاني: مالك يا حبيبتي..؟ أنا قولت حاجة زعلتك..
_ إجابتها كانت صادمة له، فقد ألقت بنفسها داخل أحضانه وإلتفت ذراعيها حول عنقه مشدده عليه بقوة..
أفاق من دهشته وبادلها العناق بآخر أقوى، وشدد عليها وهو يُقبل رأسها بحنان ..
_ قالت سارة ببكاء: شكرًإ جدًا … مش عارفة أقولك أيه .. متعرفش أنا فرحانه قد أيه، وكان نفسي قوي أكمل تعليمي..
_ صالح وهو يمسد على ظهرها بحنان: ومن هنا ورايح مش هعمل ألا كل إللي يفرحك وهحققلك كل إللي تتمنيه وأعوضك عن كل حاجة وحشه شوفتيها وهمحي أي ذكرى مش كويسه يا سروري ودي هي وعودي..
_____________سارة نيل____________
=وقفت بصدمة وهي لا تصدق ما سمعته، وتحرك رأسها يمينًا ويسارًا لتستوعب ما أملاه على أذنها ..
هل أصبحت تهلوس بسبب إرهاقها أم ماذا..؟
إعتقدت أنها قد وصلت لنهاية هذا المطاف ويتوجب عليها الرحيل، لكن على ما يبدو أن الحرب لم تبدأ للتو..
_ طالعته بصدمة وتيهه وأصبح جنونها قاب قوسين أو أدنى…
: إنت بتقول أيه .. إللي بتقوله ده مش هيحصل
_ أجابها بلامبالاه ونبرة باردة: أنا قولتلك إللي شايفه واعرفه وإللي المفروض يحصل…. إنتي حره بقى، أنا مش خسران حاجه وميهمنيش أمرك أصلًا ..
بس فكري كدا .. بالطريقة دي هقدر أتدخل في الوقت المناسب، وهقدر أوصل للناس دي .. لأنهم بيشكلوا الحاجز الأكبر دلوقتي …
وأظن إنتي عرفتي خط سيري … لما شوفتي مصطفي وهو بيتخلص من المخدرات معدش في داعي تمثلي إنك مش عارفة حاجه … وطبعًا دا كان السبب الرئيسي إنك تغيري أقوالك ومتقوليش الحقيقه وتجيبي سيرتي في التحقيق … طلعتي مش سهله إنتي كمان..
_ نظر لها بأعين ضيقة وأضاف قائلًا: غير كدا معندكيش مكان تروحيه بإبنك ولا شغل … يعني إنتي دلوقتي أصبحتي بلا مئوى…
والموضوع هيكون في سريه تامة .. وبكدا تقدري تفضلي في القصر وتشتغلي عندي … شغل عادي وتعتني بالأزهار والأعشاب ..
وصدقيني أنا مش عايز أعمل كدا ولا حابب أشوف خلقتك… وإنتي مضطره توافقي علشان المجرمين وأكبر تجار المخدرات بيجروا وراكي وطالبينك بالأسم بعد ما عرفوا السر بتاعك
لأنك دلوقتي مكسب كبير لهم ويقدروا يدمروا أعدائهم بيكي وفي لمح البصر .. بالإضافة لكدا هتطلعي بمبلغ محترم تعيشي بيه إنتي وأبنك..
= ظلت تستمع لحديثه وداخلها يتمزق وغصة مريره بحلقها، شعرت أن الأرض تهتز من تحت أقدامها، وأيقنت أن هذه الحياة لا تريدها
خارت قواها وسقطت على الأرض العشبية الخضراء، إمتلأت حدقتيها بالعجز … نعم العجز، أنا هي المثال الأكبر للعجز …
ظل عقلها يفكر بكافة الإتجاهات، هذا هو الحل الأمثل، سيتوجب عليها التضحية بآخر شيء تملكه عَلَىَّ الحياة تتركها بعد الآن…
لن تنسى ما قاله أبدًا، وستحفر تلك الكلمات بعقلها ولن تمحوها ما حيتْ ..
_ نظرت له بقوة ودققت النظر بملامحه القاسية … رجل لا يملك من المشاعر ولو حِفنة صغيرة، لا يكترث لأحد ولا لأي شيء ..
رجل بارد كصقيع الثلج، وجهه المتهجم دائمًا، الخالي من التعبير …
هذا الرجل مُظلم من الخارج والداخل معًا ويا لسوء حظها من تقع بين براثينه… برودة وحده كافي بدمار خِصمه..
وقفت بقوة والضعف يتملكها من الداخل لكن ستقاوم للرمق الأخير..
قالت “أسوة” بنبرة ثابته لا يتخللها الضعف عكس ما تبطن: وأنا موافقة ..
_ ظهرت إبتسامة على زاوية فمه قبل أن يُجيبها: تمام قوي .. يلا بينا
………. وبعد ما يُقارب ساعة من الإتصالات وتجهيز بعض الأشياء كان كل شيء قد تم على أكمل وجه…
_ وقفت أسوه بمقابلتة وهي تشعر أنها بدوامة لا تنتهي أبدًا ولن تنتهي سوى بإنتهائها هي، استولى الإرهاق عليها أكثر وأعصابها على وشك الإنفلات منها لكن مازالت ثابته…
رفعت رأسها ونظرت له بثبات إنفعالي، وقالت بنبرة هادئه باردة مثله: أظن كدا إنتهينا ونفذت إللي حضرتك مخططه وعايزة .. بعد ما يخلص إللي إنت عايزه كل واحد يروح في طريقة من غير راجعه، وإن شاء الله مفيش نقطة هتجمعنا تاني …
_ عانقت عينيه عيناها في رحلة طويلة من العذاب والألم، ليبثُق كلماته الموجعه ک عادته: لا من الناحية دي متقلقيش، لأن لو في نقطة هتجمعنا أنا همحيها..
_ كبحت دموعها واختلج قلبها شعور مؤلم، وكادت أن تُجيبه لكن طاقتها قد نفذت واختار العقل أن ينسحب قليلًا من أرض المعركة ليبتعد قليلًا عن صخبها
وتمكنت الظلمة الحالكه منها وسقطت فاقدة للوعي لكن تلقفتها زراعيه القويتين، وتقع بثنايا أحضانه بالقرب من قلبه والذي سيصبح موطنًا لها عن قريب…
