رواية المعلم الفصل الثامن والعشرون
تقابل كليهما في الممر المشترك لمسجد الرجال والنساء . أزفرت أنفاسها بحرارة لا تعلم حقاً ما عليها فعله ، فلقد وضع العم ماهر على ثقيل للغاية على أكتافها ، لا تدري أين وجهتها الآن ، ما عليها فعله أولاً ، لماذا هي فالجديرين يحمل تلك المسؤلية كثر. لماذا هي بالتحديد ؟
اخرجت تنهيدة بطيئة تحمل بين طياتها التشئت الشديد، رمقته كثيراً ثم اقتربت منه بخطي متمهلة ، ابتلعت ريقها وهتفت دون أن ترفع بصرها عليه .
محتاجة أتكلم معاك
أماء رأسه بالايجاب وكاد أن يسير معها للخارج لكن صوت يحيي قد دوي في أرجاء المكان من شدته : زبان
خفق قلب ريان بتوجس عارم خشية أن يتلقي خبر مصرع والده ، لا يريد الالتفات إليه ، فقط يريد الهروب قبل أن يصغي لما يخشاه
ويأباه عقله، لكن ما باليد حيله مجبر هو الاضفاء ، سحب أكبر قدر من الأكسجين ثم استدار إليه بخوف
وقف يحيي يلتقط أنفاسه التي هربت من رئتيه ثم هتف بنبرة متلهفة سريعة :-
دينا ، دينا تعبانة اوي
أزفر زيان أنفاسه التي كان يكتمها داخله ، ثم ركض خلفه بخطى مهرولة غير مستقيمة إلى أن وصل إلى الغرفة الموجودة بها ..
رخص نحوها بخوف وتسائل باهتمام :-
في ايه حاسة بإيه ؟
تشبثت دينا في ذراعه بقوة وأردفت وهي تبكي بألم شديد ..
زبان انا بموت مش قادرة استحمل الوجع ....
شد ريان علي يدها وقد خفق قلبه بخوف شديد عليها وأسرع بالحديث هاتفاً ..
متقوليش كده هتكوني كويسة أن شاء الله .
التفتت ريان الى حيث يقف بحبي وصاح به مندفعاً :-
انت واقف ليه روح جيب دكتور بسرعة
وما أنهي زيان جملته حتى حضر علي بالطبيب الذي ركض لمنادته ، ولج الطبيب نحو دينا بخطي سريعة وسألها بعملية :-
حضرتك حاسة بايه؟
سحبت دينا قدر من الأكسجين لكي تستطيع محادثته وأردفت بنبرة متلعثمة ..
مقص جامد و......
صمتت دينا من تلقاء نفسها عندما شعرت بتسلل سائل أسفلها ، مررت بصرها بين ريان والطبيب يخوف عازم تشوشت رؤيتها وبالكاد تستطيع رؤية صور باهتة مغشوشة ، ظلت تقاوم إلى أن تغلب عليها مرضها وأجبر كامل قواها على الارتخاء إلى أن بانت في ظلام حالك لا تشعر بما يدور حولها ...
كثرت منادته التي تحتها على الاستيقاظ لكن دون جدوي ، أبعده الطبيب بعيداً عنها قائلا بنبرة آمرة ..
لو سمحت سيبنا نتصرف
ابتعد زيان على مضض ووقف بجوار الجدار يتابع ما يحدث في صمت كما رافقته هاجر ووالدة دينا وشقيقتها وآية زوجة خالد اللواتي جنن على عجالة لكي يطمئنوا على حالة العم ماهر وقد لقيا مصرعهم مع تدهور صحة دينا ...
وقفت عنود تراقب ما يحدث من الخارج، مشاعر عدة تجتاحها وتتخبط بينهم لا تدري أيهما الصحيح ، تريد أن تشدد من أزر ريان لكن شعور قوي بداخلها يابي الاقتراب منه ، تشعر أنها المتسببة فيما يحدث للجميع ، ناهيك عن تأنيب ضميرها الذي لا يكف عن لومها
كم هي بحاجة إلى حضن والدتها وحكمة والدها في ذلك الموقف التي لا تحسد عليه ، لا تشعر بنظرات يحيي التي تطالعها بشفقة .
هو وحده من يشعر بها فهي واقعة في الأمر ذاته الذي وقع هو فيه ولا يعلم كيفية الخروج منه بطريقة صحيحة دون خسارة أحدهم
استطاع الطبيب السيطرة على النزيف لكنه لم يتكمن من إيقافتها ، أنها مسألة وقت لا أكثر، تنهد الطبيب والتفت الي ريان وأردف بعملية ..
قدرت اسيطر على النزيف بس هي لسه في خطر. لو عدي ٢٤ ساعة من غير ما يحصل مضاعفات الخطر هيعدي ، لكن لو النزيف اتكرر ثاني منضطر تجهد الحنين
شهقت والدة دينا بصدمة ورددت بتوجس :
اللهم لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه .
ظلت تتمتم بتلك العبارة وهي تملس بيدها على حجاب دينا بخوف شديد ، بينما تصلب ريان في مكانه من هول الصدمة ، اقتربت منه هاجر تأزره ورينت على دارعه بحنو وهتفت ان شاء الله خبر اطمن
مال زیان برأسه عليها في حالة لا يرتي لها . ثم أقترب بخطاه نحوها يتعمل جلس بجوارها وشد على يدها بحزن شديد ، بينما شعرت عنود بغصة مريرة لما يحدث أمام مرأى عينيها ، شعرت بعدم انتمائها لذاك المكان كأنها غزول احمق ويجدر عليه الانسحاب من بينهم .
ماذا فعلت هي لقد خريت كل شئ ، اقتحمت حياته وهدمتها بحماقتها وعبائها مدعية بأن الله قد وضعها في تلك المكانة ، لكن الله لا يقبل يهدم حياة الآخرين ، حتماً ستنال أشد العقاب لهذا الأمر الفادح التي اقترفته ...
ادمعت عيناي عنود وفرت هارية إلى الخارج، دلفت خارج المشفي وانحنت بجسدها مستندة بكفيها على ركبيتها في محاولة منها على استيعاب الأمور. لكن دون جدوى فما تفعله لا يقلل من فرط ما تشعر به
وقفت كمن الحشرت أنفاسها بداخلها ولا تستطيع إخراجها ، صعد صدرها وهبط بصورة اشد عنفاً ، جرت قدميها بثقل إلى أن وصلت إلى أقرب مقعد انتظار ظهر أمامها، جلست عليه بإهمال ونظرت إلى الاعلي منادية ربها :-يارب
لا تشعر انها بخير . فقط صورة ربان وهو ممسك بيد زوجته لا تريد الاقتلاع من عقلها ، غيرة شديدة قد اجتاحتها من خلف تصرفاته التي تدل علي خوفه الشديد عليها ، لكن هل عليها حقاً أن تغار ؟ وهي من شاركتها في زوجها لطلاما اكتفت هي به الأعوام عدة ، هل عليها أن تحزن لتقربه من امرأة أخرى وهي من سرقته من بين عائلته .
تخيط شديد قد وقعت في براثينه وازداد الأمر سوءاً ، فلقد فاق حزنها تلك المرة الأرضية بمن عليها ، فقط تريد العودة إلى عائلتها ومحاوطة أماتهم وحبهم لها .
شعرت بحرارة دموعها التي اتسدلت على وجنتيها دون وعي منها ، كفكفت عبراتها بأناملها لكن دموعها تتسدل بغزارة ولا تريد التوقف . ولم تكفي أناملها لتسمحهم .
اتفضلي
هتف يحيي بأسي لحالتها المدربة وهو يناولها مناشف ورقية ، التفتت عنود برأسها ورمقته لبرهة ثم سحبت منه المناشف وأسرعت بمسح عبراتها ، اعتدل يحيي في جلسته وطالع الفراغ أمامه في هدوء من قبل العاصفة ...
سحب قدراً من الأكسجين وهتف :
الموضوع صعب مش كده ؟
التفت كليهما وطالعة بعضهما البعض بنظرات مؤلمة وأخري لا تعي شئ من خلف كلماتهه التي بدت مبهمة لها . أخرج يحيي تنهيدة بطيئة مليئة بالأشواق وتابع حديثه مضيفاً :-
صعب انك تقفي تشوفي اللي بتحبيه مع شخص ثاني ، وقتها بتحسي أنك عزول بينهم والمفترض تتسحبي وفي نفس الوقت مش عارفة ، الموضوع صعب فعلا!
السدلت قطرات عينيها رغماً عنها فلقد وصف كل ما تشعر به بسهولة ، مسحت عيراتها سريعاً وقالت بنيرة موجوعة ... يحيي ممكن توصلني للبيت .
تقوس ثغره بابتسامة لم تتعدي شفاه ثم نهض ومد يده إليها كعون لها في تلك الأثناء . رمقته عنود شزراً ثم نهضت ولازالت تبكي لكن في صمت . سارت خلفه الى أن وصلا الى السيارة، تعمدت عنود الجلوس في الخلف بمفردها بينما لم يعقب يحيى علي تصرفها والتزم الصمت .
عندما شعرت عنود بقرب وصولهم رمقت يحيي في المرأة وأردفت بنبرة حزينة ...
يحيي ممكن تروح معرض ريان
عدل يحيي من وضعية المرأة على وجهها وسألها بغرابة ...
المعرضا ليه ؟
أزفرت عنود أنفاسها يحزن وهي تتذكر بعض الذكريات لها هناك ، أخرجت تنهيدة بطيئة مليئة بالهموم وأردفت ...
محتاجة أكون لوحدي هناك ....
اماء يحيي رأسه بالإيجاب وفعل ما أمرته به صف سيارته أمام المعرض وفتح لها بابها ثم استدارت عنود إليه مانعة إياه من الدخول :-
ينفع اكون لوحدي ، مش هتأخر
على الرغم بعدم ترحيبه لفكرتها إلا أنه لا يملك سوي الموافقة دون اعتراض ، سحب نفساً عميق وعاد بإدراجه الى سيارته قيد انتظار خروجها ، بينما ولجت هي الي الداخل واتجهت إلى مكتب زبان مباشرة بخطي متمهلة .
ولجت داخل المكتب وهي تتفحص معالمه جيداً، ثم سارت للامام وتذكرت أول عناق بينهم، لم يكن بمثابة عناق حينها لكن كان تقريه لذيذ للغاية حيث اجتحاتها مشاعر عدة حينها . خليط من الخجل والتوتر صانعين مريح قوي من اللذة ....
التوي ثغرها بإبتسامة باهنة ثم اتجهت نحو مكتبه ، تحسسته كما لو كانت ستفارقه ، فلقد فعلت هذا عند وفاة والديها ، هل هي من ستفارق الآن ؟
انسدلت دموعها بغزارة فهي تتمني الموت ولا تريد الافتراق عنه ، جلست على مكتبه وظلت تتفحص كل انش به ، إلى أن وصلت إلي دفتر موضوع في أحد الادراج التي قامت بفتحهم ، جذبته واستكانت في جلستها وفتحت أولي صفحاته المدونة بها كلمة ( عناق )
لم تفهم كثيراً إلى ماذا ترمز تلك الكلمة لكنها أثارت فصولها حول البقية ، نهضت وسارت إلى الأريكة الجلدية وجلست عليها تم بدأت في قراءة ما دونه بيده ....
والجدير بالذكر أن الأمان قد خلق من ضلع عناق فقط عناق .
كنت شخصاً جامداً إلى أن مزقت قويا بعناقها لطلاما افتقدته كثيراً ...
تانه كمتشرد لا يعرف السبيل ، وأين السبيل لطلاما كنتي دوماً ملجتي الوحيد (5)
تشرق شمس أيامي عندما يتقوس ثغرها الصغير بابتسامة تهز كياني ....
سطع قمر ليالي بؤنسها . ...
يتعافي المرأ بطرق عدة بينما تعافيت أنا بها ....
الجميع يخشي الحب وانا اخشي فراقها ....
فغرت ماها بذهول شديد وهي نقرأ ما دونه من أجلها ، تلاحقت ضربات فؤادها المتدفق في الادرينالين المندفع في شرايينها من فرط السعادة التي دقت طبول قليها ، أعادت قراءة كلماته وهي تتحسسها بيدها بلطف ثم نهضت ووضعت الدفتر مكانه ودلفت الي الخارج مسرعة
افتريت من باب يحيي وقامت بفتحه بتلهف شديد وأردفت بتيرة مليئة بالحيوية عكس نبرتها منذ قليل :-يحبي رجعني المستشفي ثاني
رمقها يحيى بنظرات متعجية - ما سبب ذلك التحول الكبير في أسلوبها . تنهد مستاء لأنه لا يفهم شئ مما يحدث وهتف بإقتصاب
تمام
أسرعت نحو الباب الخلفي وجلست تراقب الطريق وهي تعد الثواني التي تمر عليها بفروغ الصبر ...
ولجت اماني إلى المنزل، أوصدت الباب خلفها ثم ركضت مهرولة الي حيث يجلس والدايها وأردفت بنبرة متلهفة :-
الحق يا بابا عمو ماهر تعب والاسعاف خدته من شوية ...
أنتبه منصور الى حديث أبنته وقام بإغلاق صوت التلفاز تم عدل وضعية جسده لكي يكون مقابلها واردف متسائلاً :-
يا ساتر يارب ايه اللي حصل ؟
رفعت اماني كتفيها اللي الاعلي مبدية عدم علمها بحقيقة الأمر بينما رفق منصور سعاد وأردف :-واجب نروح نطمن عليه
اماءت سعاد رأسها بالايجاب كما وافقته رأيه وهتفت ...
ياريت يا منصور حتى تزيح العداوة ياخويا من بينكم وابنك يخرج من حالته دي .
اخرج منصور تنهيدة بطيئة مليئة بالهموم وهو يطالع غرفة والده الذي لم يري نور الشمس منذ أكثر من شهر، نهض بتعب تب وتوجه الي غرفة ياسر ، طرق بايه برفق ثم ولج الى الداخل .
وقف أمامه وأردف بحنق ....
انت متفضل قاعد في البيت كده كتير قوم انزل شوف مصلحتك )
خالته رفع ياسر بصره عليه وقد تفاجئ منصور بحالته المذرية التي ألمت قلبه ، شحوب قاسي بادي على ملامحه ناهيك عن تدهور حال كما خسر الكثير من الوزن وبات نحيفاً ولا يوجد به اي ملامح لياسر الذي يحفظ ملامحه جيداً ....
التوي تعر ياسر بإبتسامة باهتة وأردف بنبرة ثقيلة لعدم قدرته على النطق :-
111 انزل ؟
صعق منصور من عدم قدرته على التحدث، فقر فاهه بصدمة جلية وهتف بنيرة موجوعة :-
انت بتتكلم كده ليه ؟
سحب ياسر نفساً عميق لكي يستطيع مواصلة الحديث مع والده وأردف بحنق :-
ياااا رب تكون هم بسوط 1
خفق قلب منصور بألم شديد بسبب تدهور حالته الصحية، ترقرت العبرات في عينيه حزناً علي ما تسبب فيه ، لم يستطيع مواصلة الحديث معه حتماً سينهار باكياً إن تابع حديثه معه على تلك النبرة الثقيلة ، نهض ودلف إلى الخارج وشعور الندم يتغلغل داخله .
لكن ماذا سيفعل ندمه الآن لقد بات كل شي رماد أوصد باب المنزل وحزم أمره علي الذهاب الي إبن عمه ربما يوطد العلاقات مرة أخري .
ترجلت عنود من السيارة وكادت أن تسير مهرولة داخل المشفي لكن رئين هاتفها الذي صدح اوقفها مكانها ، جذبت هاتفها من حقيبتها وإذا بها هالة صديقتها التي تهاتفها منذ الصباح ولا تجيب عليها لابد أن تجيبها ويكفي وقاحة إلى هذا الحد
سحبت نفساً واستدارت بجسدها إلى حيث يقف يحيي ، كان قد أغلق السيارة لتوه . جمجمت بحرج واردفت :
أنا هكلم واحدة صحبتي الأول
تفهم يحيي ما ترمي إليه وتركها بمفردها على مضض فهو لا يريد تضيعة أي فرصة في التقرب منها ، حسناً سيقف بعيداً لكنه لن يغادر خشنية عليها من منطفني السبيل ، سار على بعد منها وجلس على مقعد انتظار آخر لا تراه من خلاله لكنه يراها بوضوح ....
جلست عنود على مقعد خشبي وقامت بالاتصال على صديقتها ، لم تنتظر الثانية بل اجابتها هالة هاتفة بحنق :-مش بتردي عليا ليه يا هانم ؟
أزفرت عنود أنفاسها في ضيق وهتفت بنيرة محتقنة :-
محتاجلك اوي يا هالة .
هبت هالة واقفة في ذعر لنبرة صوتها الخزينة ناهيك عن جملتها التي ألمت قلبها ، سحبت نفساً وتسائلت بإهتمام .
في ايه يا روحي مالك ؟
استكانت عنود في جلستها وجابت حولها بنظرة سريعة لكي تتأكد من عدم وجود أحدهم وبدأت تقص عليها ما حدث منذ بداية عودتهم من الجامعة بصورة غير لائقة إلى المنزل ثم إلى ذلك الحين كما حرصت عنود علي عدم ذكر سبب الجدل الذي خلق بينهم لكي لا تشعرها بالحرج .
طالت المكالمة ما يقرب الاربعون دقيقة تبكي كلتهما معاً متشاركين آلامهم سوياً ، شعرت عنود بظل أحدهم ظهر فجأة أمامها .
رفعت راسها للاعلي وتفاجئت بها تقف أمامها ...
هالة
هتفت بها عنود بصباح غير مصدقة أنها تقف أمامها حقاً ، نهضت وألقت بنفسها بين أحضانها واطلقت العنان لدموعها في النزول بمرارة ما تشعر به
بعد مدة ليست بقصيرة جنسن الفتيات بجوار بعضهما البعض . تحتضن هالة يد عنود بين قبضتها وأردفت :-
موقفك صعب اوي جمالي حطك في وضع تقيل جدا اشمعنا انتي ؟
هزت عنود رأسها بإيماءة خفيفة ، ابتلعت ريقها وهي تنظر في الفراغ أمامها وهتفت بحزن ..
I don't know_
( لا أعلم )
تركت هالة يد عنود واقتربت منها ثم وضعت راس عنود على كتفها واردفت :-
مش فاهمة ازاي هو عايزك تكوني جنب ابنه وفي نفس الوقت تصلحي علاقته بمراته الأوليا
انسدلت بعض القطرات علي مقلتي عنود بقلة حيلة ورددت بمزاج غير سوي :-
أنا مش عايزة علاقته تتوتر مع مراته بالعكس أنا ضميري بيأتيني ودايما حاسة بالذنب ، بس مش لدرجة أن أنا اللي أصلح علاقتهم
اعتدلت عدود في جلستها ورمقت هالة لبرهة وتابعت حديثها مضيفة بنبرة متعلمتة ..
تخيلي كده بقول لجوزي سيبني عشان واحدة ثانية ، أنا متفهمة أنها مراته وهو من حقها زبي بس زيان اللي يصلح علاقتهم بنفسه
مش انا اللي اعمل كده !
جهشت باكياً ووضعت يديها أمام وجهها ، تشعر بالضياع لا تدري أهي ستصمد للأخير أم ستنهار قواها قبل أن تبدأ في شئ . لم يكن في استطاعة هالة سوي احتوائها بين أحضانها وتهدئة روعها بكلماتها الحنونة ...
نهض زبان من مقعده ووجه بصره على الجميع وهتف بنبرة جامدة :-
قومي يا حجة فاطمة روحي بيتك شكلك تعبانة
أماءت فاطمة والدة دينا بالرفض وأسرعت بالقول ..
لا يابني ومين اللي هيقعد بيها ؟
از فر ريان أنفاسه بضجر بائن وأردف مختصراً ...
أنا
التوي تغرها على الجانب مشكلة حركة بشفاها مبدية سخريتها منه وهتفت بحنق :-
زي ما وعدتني أنك هتكون جنبها الفترة اللي فاتت دي ومن وقتها وانت معتبتش البيت ولا تعرف عن بنتي حاجة..
رمقها زبان بفتور وهتف باقتضاب وهو يتوجه بخطي مهرولة الي الخارج :-
اعملوا اللي انتوا عايزينه
أوصد الباب خلفه وجاب المكان بنظرة متفحصة باحثاً عن صغيرته ، لم يراها منذ انشغاله بمرض دينا ، سأل الجميع عنها لكنهم أجمعوا بعدم رؤيتهم لها ، سار متجهاً الى الخارج وقد رأي يحيي جالساً علي أحد المقاعد منهمرا في تفكيره . اقترب منه على عجالة من أمره وسأله يقلق ..
شوفت عنود ؟
أماء يحيي بالايجاب وأشار بيده إلى حيث تجلس ، لم ينتظر زبان لأكثر وسار نحوها ، تعجب من تلك الفتاة التي تحاوطها بذراعيها يحميمية . أسرع خطاه إليهم ووقف مقابلهم يحنق لذلك الوضع الذي نهاها عنه .
ارتخت ملامحه عندما رأي ملامحها شاحبة ناهيك عن دموعها التي لا تتوقف عن النزول ، خفق قلبه بألم لحالتها التي حتماً هو المتسبب بها . جلس القرفصاء أمامها وأمسك بيدها وأردف بتوجس :-
في ايه مالك ؟
لم تبرح عنود مكانها وظلت مستكينة على كتف هالة ويدها بين قبضتي ريان ، سحبت نفساً وهتفت بصوت متحشرج ..
أنا تمام ، اخبار دينا ايه ؟
حسناً لقد فهم الأمر الآن ، نهض ثم جلس بجوارها وجذبها برفق الي حضنه ثم طبع قبلة علي حبيتها وأخرى داخل كفيها ، تنهد
واردف بنيرة حنونة :
أنا يستقوي بيكي فلما تكوني انتي بالضعف ده انا اعمل ايه ؟
صمت كليهما ثم تابع ريان حديثه مضيفاً بنبرة رخيمة ...
عارف ان الوضع صعب عليكي بس مش بايدي دي مرا.....
اعتدلت عبود في جلستها ورفعت بصرها عليه وقاطعته هاتفة بتفهم :-
خليك جنبها
قطب ريان جبينه بغرابة وردد ..
انتي اللي بتقولي خليك جنبها
هزت رأسها بإيماءة خفيفة واضافت بنيرة تبدو طبيعية عكس ما تشعر به داخلها --
هي أحق مني بيك في الوقت ده هي محتجاك اكثر مني ومش الوقت ده بس . واحدة فجاءة لقت جوزها في واحدة مشاركاها فيه وانت طول المدة اللي فاتت كنت معايا في اكثر وقت كانت محتاجة تطمن منك وتتعافي بوجودك جنبها ، ده مش فضل مني علي فكرة ربنا سبحانه وتعالى قال
( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم، ذلك أدنى ألا تعولوا)... يعني واجب عليك تعدل بينا !
لن ينكر أن نبرتها التي تحاول جاهدة في إخفاء حزتها ألمته كثيراً ، لكن تفكيرها المتفهم الذي يبدو أكبر من عمرها يعجبه ويروق له . تحسس وجهها بنعومة وهتف بحب :-
بحبك ويحب قلبك وبحب عيونك ويحب شف......
صمت ريان من تلقاء نفسه عندما شعر بقداحة ما كاد أن يتفوه به ، بينما جمحت هالة بحرج ثم أولاتهم ظهرها وقد توردت وجنتيها
بالحمرة خجلاً منهم ....
اعتدل ريان في جلسته ورفق هالة سريعاً وردد بخرج :-
أنا آسف يا آنسة هالة على آخر موقف بينا بس انا ...
قاطعته هالة بتفهم وأردفت بحرج :-
مفيش حاجة يا باشمهندس عنود مهمتني مشكلة حضرتك في الشغل.
تقوس تغر ريان بابتسامة عندما استشف عدم علمها لسبب تذمره حينها ، شعر ببعض الراحة لكون فتاته لم تخبرها حتماً كان سيشعر بالحرج حيالها ، جمجم وهتف بصوته الأجش :-
تعالوا تدخل جوة الجو برد هنا
اسرعت هالة بالحديث ميدية رفضها لما قاله واردفت موضحة ...
أنا لازم أمشي أنا خرجت من غير ما أعرف والدي ولازم أرجع البيت قبل ما يصحي ويحس اني مش موجودة
التفتت إليها عنود مندهشة من تصرفها وهتفت معاتبة إياها ...
ليه عملتي كده ؟
زمت هالة شفاها بحزن وأردفت موضحة بنيرة حنونة .
مقدرتش اسمعك وانتي بتعيطي ومكنش جنبك
اتسعت مقلتي عنود بذهول وعانقتها بقوة متأثرة من حديثها، شعر ريان بالغيرة الشديدة نحو هالة لكونها تحطي بحضن فئاته
الصغيرة ، لم يستطيع التحمل لأكثر وحمحم مصدراً نبرة تحتها علي الابتعاد عن صديقتها .
استشفت عنود ما يرمي إليه وابتعدت عن هالة لكن بلطف لكي لا تشعرها بالحرج ، نهض ثلاثتهم وهمت عنود قائلة ..
زبان لو سمحت ممكن يحيي يوصل هالة؟
اسرعت هالة بالحديث ميدية رفضها التام لفكرة عنود :-
لا لا بيتي قريب من هنا و.....
قاطعتها عنود بنبرة صارمة :-
لا مش هسيبك تمشي في وقت متأخر زي ده لوحدك
تنهد ريان وأردف موافقا على حديث عنود ...
عنودك معاها حق مينفعش تمشي لوحدك في وقت زي دها
وما أن أنهي جملته حتى سحب هاتفه من جيب بنطاله وقام بالاتصال علي يحيي بينما ظلت هالة تطالع عنود بنظراتها التي تحتها على التوقف عما ينويان فعله، وعندما مثلت في إيقافهم وقفت تبحث ببصرها على ذاك المدعو يحبي ، لا تريد الاختلاط به بعد آخر موقف بينهم .....
رأته يقترب منهم بخطي مهرولة فتلاحقت ضربات فؤادها وازدادت نبضات قلبها ، كيف لها أن ترافقه في السيارة ذاتها بمفردهم؟
نفخت بضجر باتن استشفته عنود من نظراتها علي يحيي وهتفت متسائلة بفضول :-
مالك مضايقة ليه كده ؟
انتي مشوفتيش كان بيتعامل معايا ازاي وانا بسأله عليكي، بني آدم مستمر .
سحبت عنود نفساً عميق وهمست بحنق ..
انفجرت عنود ضاحكة كما شاركتها هالة الضحك، في تلك الأثناء قد أمر زيان يحيي بتوصيل هالة إلى منزلها، أبدي يحيي موافقته
على مضض فهي لم تروق له تلك الفتاة ولا يريد الاحتكاك بها لكن ما باليد حيلة أنه أمر وواجب التنفيذ .
ولج ريان برفقة عنود التي تشتئت في ذراعه بعدما تحرك يحيي بالسيارة خارج المشقي ، عادوا الي حيث غرف ماهر ودينا ، وقف زيان بمنتصف المرر بشموخ وأردف بنبرة صارمة :-
انا شايف اننا عاملين زحمة في المكان على القاضي، ياريت كله يروح وانا قاعد هنا معاهم ...
نهضت هاجر وأبدت رفضها التام وهتفت بحنق ....
لا مش هقدر أمشي واسيب بابا في الحالة دي ؟
التفت اليها زبان وأردف وهو يحك مؤخرة رأسه ...
ابوكي في العناية يا هاجر يعني محدش هيقدر يدخل له غير في أوقات الزيارة روحي شوفي ابنك بدل القاعدة هنا ..
لم تقتنع هاجر بحديث زيان وكادت أن تعارضه لكن تدخل على قائلا :-
زبان عنده حق يا هاجر هنروح الوقتي ونيجي بكرة بدري قبل معاد الزيارة .
وافقت هاجر تحت إصرار كبير من زيان وعلي عليها ، بدأ الجميع في الانسحاب واحد تلو الآخر الي أن بات المرر خالياً الا من ريان وعنود ، استدار زيان بجسده ورفق باب غرفة دينا باقتضاب فهو ليس على استعداد بمجادلة والدتها الآن، نفخ يضيق ثم شعر بيدها تربت على ذراعه وأردفت بنبرة حنونة ..
خليك جنبها النهاردة وانا مقعد هنا .
سحب زبان نفساً عميق واجابها مختصراً ..
مش عارف ليه رفضتي ترجعي البيت ؟
أجابته عنود مختصرة حديثها :-
مش عايزة ابعد عنكا
نقوس ثغره بإبتسامة عذبة ، جاب المكان ببصره وعندما تأكد من خلوه اقترب منها وطبع قبلة على طرف شفاها ، سرت رجفة قوية في أوصالها الساكنة من خلف قبلته التي يتعمد الإطالة بها فقط ليثير الجدل في نبضاتها كما أنها لم تعتاد تصرفاته بعد .
شعرت بالحرارة المنبعثة من وجهها حتماً من فرط خجلها ، تنهد زيان بحرارة وأردف :-مرجع لك ثاني
أماعت رأسها بخفة ثم أولاها زيان ظهره وكاد أن يولج الي الداخل لكنها لحقت به وأمسكت بيده ، استدار إليها ريان وتفاجئ بها تلقي بنفسها بين أحضانه، تشيئت بعنقه بقوة فاتحني هو بجسده وحاوط خصرها بيده ورفعها عن الأرضية وضمها بكل ما أوتي من قوة
وكان كليهما يستمد القوي من الآخر، مرت مدة ليست بقصيرة ثم انزلها زيان وأردف :-
هتروحي مع يحيي لما يرجع أنا مش هقدر اسيبك قاعدة برا لوحدك
أماءت رأسها بالايجاب على الرغم من رفضها التام لذهابها لكن لا تريد أن تكون حمل عليه يكفي هذا القدر من الأعباء بتحمله .
ابتسم لها ريان ثم ولج الي الداخل بعد أن طرق الباب .
مرز انظاره على من بالغرفة في نظرة سريعة واردف موجهاً حديثه إلى والدة دينا ...
مش هسيبها لوحدها متقلقيش عليها قومي روحي ....
أخرجت فاطمة تنهيدة بطيئة مليئة بالهموم وهتفت بحنق ...
مش عايزة بنتي تتعرض لاذي يابني وانت مش بتعمل حاجة غير انك بتاذيها بتصرفاتك مرة تتجوز ومرة تسببها وتعملها كأنها. مش مراتك وليها حق عليك وفي الآخر اهي نايمة مش عارفين هتقوم كويسة بلي في بطنها ولا لا وده كله من زعلها منك ، عايزني
اسينها معاك بعد كل ده ؟
اخفض ريان بصره بحرج ممزوج بالندم الشديد ، لم يعقب على حديثها لأن معها كل الحق ، أزفر أنفاسه بضيق قد اعتلاه ثم ردد ... أنا مش هبرر لنفسي حاجة عشان معاكي حق في كل اللي قولتيه بس انا هكون جنبها ومش هسبيها أبدا صدقيني أنا مش هعمل اي حاجة تزعلها ، انا ريان يا حجة فاطمة انتي لسه هتعرفيني ولا ايه لما يقول كلمة يكون قدها ....
نهضت فاطمة من مقعدها ووقفت مقابله وأضافت :-
مش هنكر أني بحبك واعتبرتك ابني من اليوم اللي دخلت فيه بيننا وحبيت فيك شهامتك وجد عنتك بس انت طول عمرك جامد وانا مكنتش شايفة إن ده عيب بالعكس كنت فرحانة أن جوز بنتي راجل حمش والكل بيعمله ألف حساب . بس انت الغيرت من بعد جوزاتك، اتحولت لريان ثاني مش قد كلمته وبيهرب على طول وبقيت بتفكر في نفسك اكثر من اللي حواليك وانا عمري ما هطمن علي بنتي ثاني معاك ...
تنهدت اسراء مستاءة من حديث والدتها فهي على علم بتقصير شقيقتها ولابد من التدخل لكي تكف والدتها عن لوم ريان وحده .
فهو ليس العامل الأساسي فيما يحدث .
سحبت نفساً عميق وأسرعت بالحديث قائلة ..
ماما لو سمحتي خلينا نمشي دينا أكيد محتاجة اكل وهدوم وريان مش هيعرف يتعامل لوحده وكمان جني اللي احنا سايبنها مع جارتنا لازم نمشي عشانها وبكرة هنيجي بدري ...
رمقتها فاطمة مستاءة من تصرفها فهي لا تريد الذهاب وترك ابنتها الكبري مع ذلك الرجل الذي فقدت الثقة به، لكن ما باليد حيلة حديث اسراء صحيح ولابد من فعله ، مررت بصرها بين دينا النائمة علي الفراش والتعب منهمك منها وبين ريان وأردفت .. بنتي أمانة عندك علي لما أرجع بس وبعد كده هتكون في امانتي أنا ....
لم يعقب ريان على حديثها هو فقط يريد مغادرتها سريعاً ، وجه بصره على إسراء ورمش بعيناه ممتناً لها كما بادلته هي أيضا
ابتسامة لم تتعدي شفاها ثم هما بالمغادرة بعدما أمر ريان يحيي بعودته إليه لكي يرافقهم الي وجهتهم .
