رواية مصلح الميتين الفصل الثاني بقلم أندرو شريف
ابتسمت ومشيت، بعدها خدت طريقي لجوة، مافيش عشر دقايق ولاحظت من بعيد اتنين واقفين قدام مدفن، بديهي عرفت هم مين وواقفين ليه.. بس من بعيد كده الموقف كان كوميدي، لأن الاتنين اللي واقفين كانوا لابسين جلبيتين قصيرين، خصوصًا ان كرش كل واحد فيهم رافع الجلبية شوية حلوين، ولما قربت منهم وشمعتهم بيقولوا ايه، كانت الكوميديا الأكبر، ده لما واحد منهم قال للتاني:
-عبد التواب خف حديث واقعد ساكت.. ماهيجيش دلوقتي يا عبد التواب والله.
-عبد الستار.. انا فيا اللي مكفيني.. عشان عليا الطلاق من بيتي، لو مافنجلتش عينيك الاتنين لا هقتلك.
-تقتل مين يا ابن المركوب؟.. طب تعال.
مسكوا في بعض هم الاتنين، وقتها حسيت بحركة حواليا، بصيت يمين ماشوفتش حاجة، بس لما بصيت شمال، لاحظت شيء جري قدامي بسرعة، شيء لابس أبيض ماقدرتش احدد مين هو، وللمرة التانية، وفي نفس المكان اللي لاحظته فيه، شوفته بيجري ناحيتي، كان وشه مشوه، وجسمه كله متغطي بقماش ابيض، جيت أخد أي ردة فعل ماعرفتش، من الخضّة اتسمرت مكاني وماعملتش حاجة، عشان في ثواني احس بدوخة جامدة، خليتني اشوف الكائن اللي قدامي ده اتنين، وكان هو آخر حاجة اشوفها، قبل ما يغمى عليا وأفوق تاني يوم على حد بيفوقني:
-استاذ علي.. فوق يا أستاذ علي، مش قولتلك يا استاذ.. لكن انت ماتسمعش الكلام ابدا.
بصيت حواليا لقيت أبو فارس واقف جنبي وبيفوقني، وقتها سندت عليه وقومت من على الأرض وأنا دايخ، حطيت ايدي على راسي لحد ما الدوخة تهدى وخدت في نفسي، ولما حسيت اني بقيت احسن وقادر اتكلم قولتله:
-هو ايه اللي حصل امبارح بالظبط با ابو فارس.. أنا مش فاكر غير...
-غير انك شوفت مُصلح الميتين بعدها روحت فطيس.. مش كده؟
-مظبوط.. بس هو ما أذانيش.. هو ماعملش حاجة من أصله، كل اللي فاكره انه قرب مني وبس كده، دي اخر حاجة فاكرها، كمان فين عبد الستار وعبد الصبور، هم بخير!
-عبد الستار وعبد الصبور مين.. اااه.. تقصد رجالة المعلم، في سابع نومة هناك، أصل اللي ماتعرفوش، مصلح الميتين عمره ما أذى، أومال مصلح ازاي يعني يا استاذ علي.
-طب تعالى.. تعالى نفوّق الرجالة دي.
بعد ما اتحركنا عشان نفوّق الرجالة، وفوقناهم، مسكوا في بعض، عشان عبد الستار يقول:
-قولتلك يا عبد الستار.. قولتلك نفوق ونركز.. ملعون ابوك.. القبر اتنبش والمعلم مش هيسكت.
بمجرد ما جاب سيرة المعلم، وعينينا كانت جت على المدفن المفتوح، المعلم جه من بعيد ووقف قدام المدفن، وبدمعة نزلت من عينه قال:
-المدفن اتفتح!.. مصلح الميتين فتحه يا زفت منك ليه.
ملامح وشه اتحولت في لحظة من حزن لغضب، عشان يبص لعبد الستار وعبد التواب ويقول:
-انا مش قولت نفوق!.. نفوق اليومين دول بس!.. لحد ما..
وسكت، عشان الدموع ترجع تنزل من عينه غصب عنه، ومن الصدمة نزل على ركبته وبكى.. بكى كأنه عيل صغير:
-تعبت وعانت وهي عايشة.. عانت من امراض مايتحملهاش عيل صغير، والنهاردة بتعاني في قبرها، ليه يا رب.. ليه؟
وسط ما هو كان بيبكي ومنهار، وابو فارس ورجالته واقفين مش قادرين ينطقوا ولا يتكلموا، عينيا مافرقتش المدفن المفتوح، وبخطوات ثابته اتحركت ناحيته، نزلت سلمة في التانية لحد ما دخلت لجوة، ومن أول نظرة، شوفت الكفن وهو منبوش، بنت الحاج كانت نايمة زي الملايكة، جسمها لونه بقى ازرق ومنفوخ، بس واضح عليه اثار خيوط جراحية في كل حتة، ومع اني مش دكتور ولا ممرض، لكن واضح جدًا قد ايه هي معمولة بشكل احترافي ومظبوط، خصوصا ان الجثة بتتحلل، وأكيد حاجة زي كده هتبقى أصعب وأصعب، شيء جنوني، خلاني اعيد تفكيري في انه مش بشري فعلا، وان اللي بيتقال وبيتنقل بين أهل البلد ده حقيقي، لكنه لو مش انسان.. هيبقى ايه، يعني لو جن أو عفريت أو حتى شيطان، أيًا كان الوصف بتاعه، ليه يعمل كده، وايه الاستفادة او الذعر في اصلاح الميتين؟
أسئلة كتيرة جت في بالي وقتها، بس أكيد مش هوصلها وانا واقف جوة المدفن وقدام الكفن، فـ بإنسانية غطيت الجثة وطلعت، أبو فارس نادى عليا ماردتش عليه، كنت شارد ومش بفكر غير في حاجة واحدة.. مُصلح الميتين.
**
بعد ما رجعت البيت، وريحت جسمي شوية على الكنبة، قومت ودونت كل حاجة حصلت معايا وبالتفصيل، كنت بكتب وأنا شارد، حاسس بالكلام كأني لسه عايشه، عشان وبعد ما أخلص لحد اللحظة اللي كنت قاعد فيها جوة البيت، كتبت وقولت جملة مش هقدر انساها.."وإن حاولت الهروب والاكتفاء بما رايت، لن اسامح نفسي أبدًا.. سأكمل، ليس لنفسي، بل لأرضي فضولي"..
ودي حقيقة فعلًا، أنا هكمل عشان أرضي فضولي، أرضي حدسي الصحفى قبل نفسي، القضية المراي مختلفة وحماسية، غير أي قضية تانية كتبت عنها، خصوصا انها ليها علاقة بالما ورائيات.
أظن بعد الكلام ده، عرفتوا انا هعمل ايه، بس هالة بنت خالتي كان ليها رأي تاني، لأن وبعد ما خلصت كتابة، وجيت اتمطع من التعب، الباب خبّط، فتحت ولقيت هالة في وشي، كان وشها مخطوف وقلقانة، حتى كانت بتاخد نفسها بصعوبة ومش بتتكلم، جيت أسألها مالك ماردتش عليا وقعدت على اقرب كرسي منها، بعدها وبقلق قالتلي:
-اقعد يا علي.. انا عايزاك في حاجة مهمة.
-قعدت يا هالة.. بس مالك ماتقلقنيش.. خالتي بخير؟.. حصل حاجة؟
-اه حصل، بس مش لأمي يا علي، ليك انت.
-ليا انا؟.. ما انا زي الفل اهو يا هالة، انتي عايزة تقلقيني وخلاص.
-روحت المقابر ليه يا علي؟.. روحت عشان تشوفه مش كده؟
-هي الاخبار بتنتشر بسرعة اوي كده ولا ايه؟.. ده اسرع من النت.
-أهل البلد ماعندهمش سيرة غير على مصلح الميتين وأي حاجة تخصه، وأنت خصيته باللي عملته واتأذيت منه.. ويا عالم ايه اللي ممكن يحصل تاني.
-ايه اللي هيحصل من روح بتخيط الأموات يا هالة.. أسف.. خيوط طبية يعني، حاجة مش مرعبة، لكنها ظاهرة غريبة مش اكتر، وماظنش ان فيه حد اتأذى منه.
-وانا لسه هستنى لما تتأذي منه؟.. الناس ماتأذتش عشان خايفين يا علي.
-والخوف امان من اللي مايتسموا صح؟.. هالة أنا مش هضيع الظاهرة دي من ايدي، ومش ههدى غير لما أفهم، ومش عشان شغلي بس.. عشان نفسي.
-وانا مش موافقة يا علي.. مش موافقة على كل اللي بتعمله.
-مش مهم.. حاجات كتيرة عملتها واهلي مش موافقين عليها ونجحت فيها.. انا همشي ورا حدسي زي كل مرة، وهرضي فضولي.
-كل مرة بتخسرني بتصرفاتك يا علي.
-الحب عمره ما كان كل حاجة يا هالة، فيه حاجات اهم بكتير.. خلينا زي ما اتفقنا احسن.
كانت لسه هترد عليا بس دمعة نزلت من عينيها، مسحتها وقامت من على الكرسي من غير ما تبصلي حتى، بعدها فتحت الباب وقفلت وراها، ومع ذلك.. أنا كنت مقتنع بكل اللي عملته، ومش شايف أي غلط في رد فعلي، وبعد دقايق من خروجها استعيد تركيزي وأرجع أفكر في الخطوة الجاية اللي هقدر أفهم منها مصلح الميتين، والبداية كانت بسؤال واحد.. هو بيختار ضحاياه على أي أساس؟
عشان اعرف اجابة السؤال، ابتديت ادور ورا بعض الجثث اللي تعرضت لمصلح الميتين وبشكل عشوائي، ولأن حاجة زي كده مش سهلة في أي حتة، الا انها سهلة في بلدنا، على الأقل لما تعرف اللي شغال في ارشيف مستشفى البلد، لأني وبشوية فكة خدت صور من أوراق كتيرة عن كل ضحية، وفي وسط ما انا بقرأ الاوراق دي، لاحظت ان فيه ضحية عندها أمراض مزمنة، وفيه منهم اللي دخل عمليات لكنها فضلت او مانجحتش بصورة كبيرة، واللي لفت انتباهي اكتر واكتر، هي جثة بنت الحاج اللي كانت بتعاني من غضروف في ضهرها، ومشكلة في الكبد اطباء كتير ماعرفوش حلها، وإن اماكن التشخيصات دي، هي هي اللي كان واضح فيها أثار الخيوط على بنت الحاج، وماظنش إن حاجة زي كده صدفة.. لأني لما فضلت ورا الموضوع، لاحظت ان الجثث كلها كانت بالطريقة دي، الخيوط بتبقى مكان مرض مزمن او خطأ طبي، شيء مثير، زود حماسي للقضية أكتر من الاول بكتير، عشان كده، ومن اللحظة دي.. ابتديت أحط الخطة اللي عن طريقها هقدر أفهم أنا بتعامل مع ايه بالظبط.
**
كنت دايمًا وانا صغير لما كنا بنعدي على المقابر مع أبويا، بلاحظ بيت مهجور قريب منها، البيت ده ياما سألت ابويا عنه وكان رده واحد.. ده بيت زين المجنون، وبعد ما اتحرق فيه ماحدش قربله.. زين ده بقى كان اسطورة من اساطير القرية، وتقريبًا كده ماحدش شافه غير جدودنا، ماعرفش بقى كانوا بيخوفوا الاطفال من البيت عشان مايقربوش منه ويضيعوا، ولا الكلام ده حقيقي.. بس في الآخر الأسطورة اتوارثت على نفس الوضع، وبعد سنين كنت بحلم فيها بالبيت، وخايف لا أقربله في يوم، ابتديت افكر اني اخشه وبـ ارادتي، ده لأن سطحه هيبقى كاشف جزء كبير من المقابر، وبالطريقة دي هقدر أتابع تحركات مصلح الميتين، وقتها بس هفهم انا بتعامل مع ايه بالظبط، بكده تبقى خطتي انتهت، ناقص بس الجثة اللي هيبقى عليها العين، ولأن حاجة زي كده مش هسيبها للصدفة، عرفت ان ابن الحاج بدير مريض قلب وفي المستشفى، وان الدكاترة بيقولوا انه مش هيستحمل وهيموت، وقتها الحاج بدير زعق وخرب الدنيا، وده لأنه خايف.. خايف من اللي ممكن يحصل لجثة ابنه بعد ما يموت اكتر من موته نفسه، بس اللي قاله الدكاترة حصل، وبعد اسبوعين صراع مع الموت في المستشفى، عزيز ابن الحاج بدير اتوفى، ساعتها عملوله جنازة كبيرة، وبالدموع الحاج ودعه، كان خايف عليه من أول كام ليلة في القبر، وخوفه كان في محله.. والبداية كانت في نفس اليوم بليل، لما جهزت نفسي على إني هروح البيت المهجور، ومن هناك هتابع كل حاجة هتحصل من السطح، وقتها حسيت بحرارة غريبة جاية من المكان، حرارة وكأن فيه حد عايش هنا، بس ولأني مش عايز أضيع وقت، خدت طريقي للسطح بهدوء، بعدها طلعت موبايلي وابتديت أخد كام لقطة للمقابر من فوق، خصوصا يعني ان المنظر كان مرعب، لكنه مثير وهينفع للمقالة، عشان بعد ما اخلص.. ابتديت اركز مع مدفن عيلة الحاج بدير، ومن بعيد، لاحظت الحاج وهو بيتمشى في المقابر ومعاه ابو فارس، ومن المنظر كده وحركة جسمهم، فهمت ان ابو فارس بيحاول يرجعه، لكن الحاج بدير كان مُصر يكمل، وكمل فعلًا، بس لوحده، لان أبو فارس لما فقد الأمل سابه ورجع، أمًا الحاج فكمل لحد مدفن العيلة، بعدها وقف قدامه وقعد على الأرض.. عدت ربع ساعة على الوضع ده والحاج لسه فايق ومركز يمينه وشماله، الحاج كان مستني مصلح الميتين عشان يوقفه لو جه في أي وقت وأي لحظة، وجه فعلًا، شوفته من بعيد وهو جاي عليه بخطوات بطيئة، كان زي الحيوان اللي هينقض على فريسته، لأنه وبعد ما الحاج حس بوجوده، جري عليه بسرعة وحقنه بحاجه في كتفه، اللي خلاني أركز في الحقنه، هو لما شدها مرة تانية وساب الحاج بعدها ابتدى يفتح المدفن وهو بيبص يمين وشمال زي الحرامية، هنا الصورة وضحت، مافيش روح هتصلح البني ادمين، فيه انسان هو اللي بيعمل ده كله، والمسؤول عن كل اللي بيحصل، هو مين؟.. وبيعمل كده ليه؟.. ده اللي هعرفه لما اروحله دلوقتي، وانا اللي ههجم عليه المرادي.. مش هو، بس وأنا نازل على السلالم، شميت ريحة عطر جاية من الدور التاني، وقتها....
