![]() |
رواية في قبضة العاصم الفصل الثاني بقلم سيليا البحيري
في فيلا الزهراوي
أنوار النجفة كانت منعكسة ع السفره الكبيرة، والعيلة كلها قاعدة حواليها، ريحة الرز والتوابل مالية الجو.
ضحك خفيف بيتخلل الكلام، وصوت الملاعق والشوك متداخل مع جوّ دافي يخلي الواحد يحس إن الدنيا بخير.
حور (وهي بتحط أكل في طبق ليل):
"كُلي يا ليل، انتي من الصبح ما حطّيتيش حاجة في بُقّك."
ليل (بتضحك):
"والله يا ماما كلت! بس اليوم كان طويل أوي، الجامعة مطلعتش فينا رحمة!"
زياد (بيبصلها بابتسامة أبوية):
"واضح إنك مبسوطة رغم التعب… في حاجة حصلت؟"
ليل (بحماس):
"كتير أوي يا بابا! أولًا كنت هنطرد من محاضرة الدكتورة سامية بسبب زين!"
مازن (مندهش):
"زين؟ مين ده؟!"
ليل:
"زميلنا في الجامعة، متقلقش، مفيش منه خطر، بس لسانه طويل أوي!"
أدهم الصغير (بجدية مضحكة):
"اللسان الطويل دي مصيبة يا ليل، خدي بالك منه."
ليل (بتضحك):
"تمام يا سيادة المستشار الصغير، بكرة هاعمله إنذار رسمي!"
حور (بتكتم ضحكتها):
"ومين غير زين؟ ما قولتيش إن رؤى كانت معاكي؟"
ليل:
"أيوه! كانت بتموت من الضحك على كلامه عن الدكتورة سامية. وسليم كالعادة بيحاول يهدينا كأنه وليّ أمرنا!"
زياد (مبتسم):
"سليم الشرقاوي… ابن مراد؟ ما شاء الله، طالع عاقل زي أبوه بالظبط."
ليل:
"أه بس احنا بنحب نغلس عليه شوية، في الآخر بيضحك غصب عنه."
مازن (ضاحك):
"لو أنا مكانه كنت صرخت فيكم!"
ليل:
"علشان كده انت لسه صغير يا مومو، الصراخ دي مهارة الكبار بس!"
مازن:
"أنا مش صغير! عندي عشر سنين!"
أدهم الصغير:
"بس عارف إن فيزياء الكوانتم ما بيدرسهاش غير اللي فوق الستاشر سنة؟"
مازن (متضايق):
"يانهار أبيض! هو انت هتبدأ بالفيزياء تاني؟!"
زياد (بيضحك):
"خلاص يا ولاد، كفاية خناق، خلينا ناكل قبل الأكل يبرد وأمكم تزعل."
حور:
"أنا أصلًا زعلانة لو محدش خلص طبقه!"
الضحك مالي السفرة تاني.
ليل تمسك كباية المية وبصّة لعيلتها بعينين فيها حب وسعادة. لحظة نادرة كده تنسيها تعب اليوم كله.
فجأة زياد يتنحنح، يحط المعلقة، ويقول بنبرة دافية:
"على فكرة… عندي خبر حلو."
الكل سكت وبص له.
حور:
"خير يا رب؟"
زياد:
"مراد صاحبنا دعا العيلة كلها فرح بنته ريما الشهر الجاي. وبعد الجواز هتعيش في الجزائر."
ليل (بفرحة):
"ريمااا! مش مصدقة! كنت عارفة إنها مش هتفضل كتير من غير ما حد يخطفها!"
زياد (ضاحك):
"واللي خطفها شكله راجل محترم جدًا!"
حور:
"أنا مبسوطة قوي ليها، دي كانت بنت مؤدبة ومكتهدة."
ليل (بحماس):
"هاكلمها بعد العشا على طول! لازم أكون أول واحدة تباركلها!"
أدهم الصغير:
"هتسافري الجزائر؟"
ليل:
"مين عارف؟ يمكن أزورها بعد الجواز وأبعتلك صور من هناك!"
مازن:
"ما تنسيش تجيبيلي هدية!"
ليل:
"وعد! هاجيبلك علم الجزائر الأخضر والأبيض تعلقه فوق سريرك!"
زياد:
"مبسوط أوي إن البيت رجع فيه طاقة كده بعد فترة هدوء."
حور:
"الفضل لليل، وجودها بينور المكان."
ليل:
"بلاش كلام حلو كتير وإلا هغني!"
مازن:
"لاااااا!"
أدهم الصغير:
"أرجوكي متعمليش كده!"
حور (ضاحكة):
"خلاص يا جماعة، قبل ما العشا يبقى حفلة، كله يخلص طبقه!"
*******************
في أوضة ليل
الإضاءة كانت دافية وهادية، والستارة بتتحرك بهوا المسّا.
ليل قاعدة على السرير، ماسكة الموبايل وبإيدها ابتسامة عريضة، مستنية الرد.
ما استنتش كتير، فجأة جه صوت ناعم وهادي من الناحية التانية:
ريما:
"أخيرًا افتكرتي تتصلي بيا يا ست التأجيل الدايِم!"
ليل (بتضحك):
"هيي! ما تبتديش بالسخرية قبل ما أباركلك! ألف مبروك يا أجمل عروسة في الدنيا!"
ريما (بضحكة باينة في صوتها):
"الله يبارك فيكي يا لولتي، كنت متأكدة إن الخبر هيبهجك."
ليل:
"هيبهجني؟! ده أنا طايرة من الفرح! إزاي خبّيتي عليا الخبر الضخم ده؟!"
ريما:
"كنت عايزة أقولك بنفسي وشّ لوش، بس باباكي سبقني. بصراحة ما كنتش متخيلة إنك تعرفي بسرعة كده."
ليل (بتتدلّع وزعلانة تمثيل):
"كالعادة! الأخبار تسبقني! طب احكيلي، مين هو؟ إزاي تعرفتوا؟ بتحبيه؟ ها يخطفك مني للأبد؟!"
ريما تضحك بخفة وترد بنغمة هادية:
ريما:
"اسمه كامل بن يوسف. إنسان طيب جدًا، محترم ومتفهم. اتقابلنا في مؤتمر شغل في دبي من سنة، وبعد كده الدنيا مشيت بسرعة… وها إحنا بنجهز للفرح."
ليل (بحماس):
"جزائري؟! يا سلام! كده عندي سبب أسافر! هاجي أزورك بعد الجواز وأبوّظلك البيت!"
ريما:
"وهو ده اللي أنا خايفة منه يا ليل!"
يضحكوا الاتنين بصوت عالي، ضحك ناعم ودافي، بس فجأة الباب يتفتح، ومازن الصغير داخل بشعره منكوش وعنيه مفنجلة:
مازن:
"بتكلمي مين يا ليل؟"
ليل:
"بتكلم ريما العروسة الجميلة!"
مازن:
"عروسة؟ يعني هتلبس فستان أبيض؟!"
ريما (من الموبايل وهي بتضحك):
"أيوه يا بطل، فستان أبيض وتاج صغير كمان!"
مازن:
"واااو! طب ممكن أجي الفرح؟"
ريما:
"أكيد يا حبيبي، هتكون ضيفي المميز!"
ساعتها يدخل أدهم الصغير شايل كتاب وباين عليه الديق:
أدهم:
"ممكن توطّوا الصوت شوية؟ أنا بحاول أقرأ."
ليل (ساخرة):
"فيزياء تاني؟"
أدهم:
"لأ، تاريخ المرة دي… قلت أقرأ حاجة أخف."
ريما:
"آه يا أدهم، ما تغيّرتش خالص! لسه أعقل من أختك الكبيرة!"
ليل:
"خيانة! حتى إنتي يا ريما؟!"
ريما:
"الحق يتقال يا صغيرة."
مازن:
"هي مش صغيرة… دي ضخمة!"
ليل:
"ماااااازن!"
الكل ينفجر ضحك، حتى ريما من السماعة صوتها مليان فرحة.
ليل تاخد نفس عميق وتقول بنغمة هادية بعد الضحك:
ليل:
"مش قادرة أصدق إنك هتمشي… حاسة إن جزء مني هيروح معاكي."
لحظة صمت خفيفة، وبعدين ريما ترد بصوت كله حنية:
ريما:
"مش همشي منك يا ليل. المكان ممكن يتغيّر، بس القلوب ما بينهاش مسافات. وهكلمك كل يوم لحد ما تزهقي مني."
ليل (بهدوء):
"مستحيل أزهق منك."
ريما:
"يبقى وعد؟ تيجي الفرح وتقعدي جنبي، وتكوني أول وش أشوفه وأنا داخلة الممر؟"
ليل:
"وعد."
ليل تبتسم وهي بصّة في الموبايل بعد المكالمة، عنيها فيها خليط بين الفرح والحنين.
تحط الموبايل ع المخدة، وتتمدّد على السرير، وصوت ضحك إخواتها لسه مالي البيت وبيعمل جوّ دافي كده يخلي القلب يبتسم.
********************
الضوء الخافت بيرقص فوق وشوش تعبانة وضحكات مزيفة.
المزيكا العالية ماليه المكان، بس في رُكن ضلمة شوية، قاعد عاصم القاسمي مِتكّي على الكرسي الجلدي، قدّامه كاس بيلفّه بين صوابعه ببطء.
حواليه بنت لابسة فستان لامع، مالت عليه بابتسامة مصطنعة وهمست له بكلمتين محدش سامعهم وسط الدوشة.
ما بصّش لها حتى، عينيه تاهين في الهوا، وبرود غريب على وشّه.
على الترابيزة اللي قصاده، قاعد نديم بيراقب المشهد بابتسامة خفيفة، عينيه فيها لمعة خبث كده، مستمتع باللي بيشوفه.
جنبه سليم الكرخي وبيجاد، والتنين باين عليهم التوتر من حالة عاصم.
نديم (بصوت عالي علشان يسمعه وسط الزحمة):
"خليها تِنسيك يا عاصم… النسيان ساعات محتاج شوية لعب ولهو!"
سليم (بحدّة):
"كفاية يا نديم، مفيش نسيان بالطريقة دي. انت كده بتولّعها أكتر."
نديم (بابتسامة مايلة):
"بالعكس، أنا بحاول أخليه يفضل واقف على رجليه. لو ما نسيش… هينهار. مش كده يا عاصم؟"
يرفع عاصم عينه ببطء، صوته واطي بس مليان نار:
"النسيان؟… أنا مش عايز أنسى.
أنا عايز أفتكر… كل لحظة، كل وشّ… علشان لما أبدأ، ما أرحمش حد!"
يسود سكون تقيل للحظة.
البنت اللي كانت جنبه ابتسمت بخفة، وبعدها قامت تبعد لما شافت النظرة اللي في عينيه — نظرة راجل الماضي بيأكله أكل.
سليم (بيميل عليه بقلق):
"يا عاصم، اسمعني… ما تسيبش الكره ياكلك. إحنا لسه ما عرفناش الحقيقة كلها… زياد الزهراوي مش هو اللي انت فاكره."
يضرب عاصم الترابيزة بقبضته فجأة، وكل اللي حواليه يسكتوا لحظة.
عاصم (بصوت خشن):
"كفاية يا سليم! الحقيقة واضحة… رائد مات بسببهم، ودمه مش هيضيع!"
بيجاد (بهدوء متعصب):
"بس ده مش طريق العدل يا عاصم. طريقك ده مش هيرجع حد… هيخليك تبقى زيّهم بالظبط."
نديم (بيتدخل بابتسامة باردة):
"سيبوه يقرر بنفسه يا بيجاد.
العدالة ساعات مش بتدور على الطيبة… ساعات محتاجة إيد قاسية علشان ترجّع التوازن."
سليم (بغضب مكبوت):
"توازن؟ ولا دمار؟ ما تضحكش عليه بكلامك، انت بتستمتع وهو بيتكسر!"
بصّ له نديم بنظرة جانبية هادية، بس كلها احتقار صامت.
وفي الوقت ده، عاصم ولّع سيجارته ببطء، والدخان طلع قدّامه، كأنه شايف فيه وشوش من ماضيه.
عاصم (بنبرة غليظة، وهمس):
"أنا مش بدوّر على النسيان… أنا بدوّر على النهاية."
قام من مكانه بهدوء، من غير ما يبصّ لحد، ومشي بخطوات ثابتة وغامضة، سايب وراه المزيكا العالية والوشوش المتلخبطة —
سليم القلقان، بيجاد الغاضب، ونديم اللي عينيه فيها لمعة انتصار خفي.
******************
أنوار الفيلا كانت بتنعكس على الواجهه الزجاج الكبيرة، وضحك خفيف طالع من جوه.
في أوضة المعيشة الواسعة، كانت جميلة، مرات آدهم، قاعدة على الكنبة بتقلب في مجلة ديكور، وصوت التلفزيون واطي في الخلفية.
من المطبخ خرجت رؤى شايلة كباية عصير، وقالت بابتسامة شقيّة:
رؤى: "بابا اتأخر تاني… أكيد غرق في شغل الشركة كالعادة."
جميلة (بحنان وهي بتضحك):
"هو ما بيغرقش يا حبيبتي، هو بيستخبى من أكلك اللي ولّع المطبخ المرة اللي فاتت!"
رؤى (بتتظاهر إنها زعلانة):
"مامااا! دي كانت تجربة بريئة! المقلاة هي اللي ولعت، مش أنا!"
قبل ما ترد، نزل أيهم من فوق وهو بيزعق:
أيهم: "مامااا! شوفي عملت إيه! بنيت قلعة ليجو أطول مني!"
جميلة (بتضحك):
"يا نهار أبيض يا أيهم! بس بالله ما تهدّها زي المرة اللي فاتت!"
أيهم (بحماس):
"لأ المرة دي تمام! حتى عامل فيها طيّارة بتهبط فوق البرج!"
رؤى (حطت إيدها على راسها بتعب ساخر):
"آه ما شاء الله، عبقري الهندسة الجديد! بس يا ريت ما تقعش القلعة علينا وإنت بتجربها!"
يدخل آدهم الزهراوي أخيرًا من الباب، بيفك الجاكيت وهو بيبتسم ابتسامة تعب خفيفة:
آدهم: "ما شاء الله… بيتنا بقى مطار وقلعة في نفس الوقت!"
يجري عليه أيهم يحضنه بقوة:
أيهم: "بابا! بابا! شوفت القلعة؟ فيها طيّارة!"
آدهم (منحني عليه وهو بيضحك):
"أكيد شوفت يا بطل، بس أوعى تقلع فوق دماغي المرة دي!"
الكل بيضحك، ورؤى تقعد جنبه وتقول بمرح:
رؤى: "بابا، خالي زياد عزمنا على فرح ريما بنت عم مراد! لِيل قالتلي إن كلهم هييجوا، وأنا كمان رايحة!"
آدهم (بيهز راسه مبتسم):
"سمعت من خالك فعلاً… فرح كبير كده لازم نحضره كلنا. مراد راجل محترم، وريما بنت كويسة… تستاهل كل خير."
جميلة (بتبتسم بخفة):
"ياااه، ما كنتش مصدقة إنها هتتجوز! كنت بشوفها بتلعب مع رؤى وهما صغيرين."
رؤى (بحماس):
"كنت أتمنى أكون وصيفتها، بس كله حصل بسرعة! على الأقل هنلبس فساتين فخمة!"
أيهم (مقاطع بضحك):
"وأنا؟ ألبس بدلة زي المافيا؟"
آدهم (بيضحك وهو بيربّت على كتفه):
"أكيد، بس بشرط ما تحولش الفرح لحلبة سباق!"
أيهم: "ولا يهمك يا بابا، بس لو في كيكة شوكولاتة… اعتبرها راحت!"
جميلة (بتضحك وهي ماسكة وشه):
"يا لهوي يا ابني! هتخلص الكيكة قبل ما العرسان يوصلوا!"
ضحكوا كلهم بصوت عالي، والجو بقى مليان دفء وسعادة.
بس ورا ابتسامة آدهم، عدى طيف قلق خفيف —
حاجة في نظرات زياد لما اتكلموا في الشركة عن خالد القاسمي… والبحث اللي لسه ما خلصش.
آدهم (مخبي أفكاره بابتسامة صغيرة):
"طيب، جهزوا نفسكم بكرة نروح نزور خالك زياد قبل الفرح، نرتب معاه التفاصيل."
رؤى: "تمام يا بابا!"
أيهم: "بس بشرط أركب عربيتك السريعة!"
آدهم (ضاحك):
"اتفقنا! بس تربط الحزام الأول يا كابتن طيّار!"
******************
الليل كان مغطي الفيلا الكبيرة اللي على أطراف القاهرة، وصوت عربية فخمة بيشقّ الهدوء.
العربية وقفت قدام المدخل الحجري الكبير، ونزل منها سليم الكرخي ماسك دراع عاصم اللي بالكاد واقف، مترنّح من أثر الشُرب.
سليم: "يلا يا بطل، كفاية حفلات النهارده، إنت بالعافية واقف!"
عاصم (بيضحك بسخرية، صوته مبحوح): "أنا تمام… بس الدنيا بتلفّ شويه."
نزل بيجاد من الناحية التانية وقفل الباب بقوة.
بيجاد: "اللي حصل ده مش طبيعي! نديم اختفى من نص السهرة، وما ردش على تليفونه بعد كده!"
سليم (وهو بيسنده بخطوات تقيلة ناحية الباب):
"مش مستغرب، تصرفاته بقت غريبة أوي اليومين دول… دايمًا بيكلمنا بنص كلمة كده، كأنه عارف حاجات أكتر منّا."
بيجاد: "أيوه، وأنا كمان حاسس إنه بيولّعها بينك وبين عاصم. النهارده لما فضّل يشجّعه يشرب، حسّيته بيغذّيه سمّ وهو بيضحك!"
سليم (يوطّي صوته وهو بيفتح باب الفيلا الكبير):
"أنا ساعات بحسّ نيّته مش سليمة، بس مش متأكد… كأنه بيحاول يجرّ عاصم لطريق ما يرجعش منه."
عاصم (بيضحك بخفوت وهو بيترنّح):
"سيبكم من نديم… كلكم فاكرين إنكم عارفين الحقيقة… بس محدّش فيكم حاسس بوجع اللي خسر أخوه."
سليم (يبص له بحزن):
"عارفين يا عاصم، بس الانتقام مش هيرجع رائد."
عاصم (بنظرة حادة، عنيه حمرا من الغضب):
"بس هيهدّ اللي هدّاني… وهيدفنهم بنفس التراب اللي غطّاه!"
يسود صمت تقيل.
بيجاد يومي برأسه ناحية السلم:
"تعالى نطلّعه فوق، مش هيقدر يطلع لوحده."
يشيل بيجاد صاحبه بخبرة، وسليم ياخد الزجاجة من إيده ويرميها في الزبالة من غير كلمة.
في الدور اللي فوق، بيجاد يفتح باب أوضته ويحطه بهدوء على السرير الكبير، ويغطيه بالبطانية.
بيجاد (بهمس وهو بيشوفه بيغفو):
"لو يعرف إن مش كل اللي حواليه بيحبوه…"
سليم (يتمتم):
"هو اللي بنا الحيطان دي حواليه بإيده."
يبصّوا لبعض بنظرة تعب، وبعدين سليم يقول:
"روح إنت، أنا هاطلع أشوف رُبى قبل ما أمشي."
بيجاد (بيهزّ راسه بتعب):
"ماشي… بس ما تتأخرش، شكلك ما نمتش بقالك يومين."
بيجاد يخرج بخطوات هادية، وسليم يتّجه للجناح الشرقي من الفيلا.
يفتح الباب برفق، جوه الأوضة في سكون ناعم، ريحة ياسمين مالية المكان، وضوء أباجورة خافت بينعكس على وش رُبى القاسمي — بنت في العشرينات، نايمة على السرير، عنيها الرماديّة بتتابع كل حركة بوعي موجع.
يقعد سليم جنبها، يبتسم بحنان ويقول بهدوء:
"مساء الخير يا ملاك البيت… سامحيني على التأخير، كنت مع أخوكي العنيد كالعادة."
أصابعها ترجف شوية، حركة خفيفة بالكاد تبان.
سليم (يمسك إيدها برفق):
"عارف إنك سامعة وفاهمة كل حاجة… شايفاه وهو بيضيع، وأنا عاجز أوقفه."
دمعة تلمع في عينها.
سليم: "اللي حصل لـ رائد مش سهل… بس أنا حاسس، حاسس إن في حاجة ناقصة، في حد مخبّي حاجة… ويمكن إنتِ الوحيدة اللي تعرفيها."
عنيها اتّسعت شوية، وشفايفها اتحركت ببطء… كأنها بتحاول تتكلم، بس الصوت مش طالع.
سليم (يحط إيده على كتفها بحنان):
"مهما كان السر اللي جواكي… أنا بوعدك، مش هسيبه يضيع."
******************
كانت الأوضة ساكتة خالص، مفيهاش غير صوت جهاز التنفّس اللي بيشتغل بهدوء، وخرير الميه اللي نازل من النافورة الصغيرة جنب الشباك.
سليم كان قاعد جنب رُبى، بيكلّمها بهمس، وفجأة الباب اتفتح بالراحة، ودخل بيجاد.
وقف عند العتبة شوية، عينه بتلفّ في الأوضة، شاف إيد سليم ماسكة بإيدها، والضوء الدهبي منعكس على وشّها الشاحب الجميل، ودمعة لسه ما نشفتش على خدّها.
حسّ بخبطة في صدره كده من غير ما يقصد.
بيجاد (بصوت واطي ومتردد):
"لسّه صاحيَه؟ كنت فاكرها نايمة."
سليم (بابتسامة خفيفة):
"كانت صاحيَه… بس شكلي كده غلبها النوم دلوقتي."
بيجاد قرب منها بخطوات هادية، حطّ إيديه في جيوبه كأنه بيخبّي توتره، ووقف قريب من السرير.
عينيه معلّقة بيها — ملامحها الرقيقة اللي لسه فيها حتّة حياة رغم الشلل.
بيجاد (بصوت واطي):
"كل مرة بشوفها فيها، نفسي أصرّخ… مش قادر أستوعب إن البنت دي من سنتين كانت بتضحك، والنهارده حتى الكلام مش قادر يطلع منها."
سليم (بيتنهّد):
"هي أقوى من اللي شايفينه، بتفهم كل حاجة… وبتحسّ بكل كلمة بنقولها."
بيجاد (بصوت مهزوز):
"عارف… عينيها بتتكلم أكتر من أي لسان.
كل مرة أبصلها، بحسّ إن في جواها حكاية كبيرة مش عارفة تخرج."
بصّ عليها تاني، والحنين مالي عينيه، النظرة اللي محدش بيشوفها… غيرها.
وفجأة، صباعها اتحرّك خفيف — حركة بسيطة، بس كفاية تخلي قلبه يدق بسرعة.
بيجاد (قريب منها، بيهمس):
"رُبى… سامعاني، مش كده؟"
سليم (يحطّ إيده على كتفه بهدوء):
"هي دايمًا سامعة، بس التعب بيغلبها."
بيجاد قعد على الكرسي اللي قدّامها، وسكت شوية قبل ما يقول:
بيجاد:
"عاصم نسي إنها محتاجاله… بيهرب منها كأنها بتفكّره بحاجة وجعاه، بس هي ملهاش ذنب."
سليم (بمرارة خفيفة):
"هو مش قادر يواجهها… ولا نفسه.
كل ما يشوفها، بيشوف الحادث… الدم… ورائد… وكل اللي حصل بعدها."
بيجاد (بصوت واطي، عينه سابتة عليها):
"أنا لو كنت مكانه، ما كنتش سبتها لحظة."
سليم بصّ له بسرعة، لمَح في عينيه حاجة ما اتقالتش، وابتسم بخفة حنونة:
سليم:
"هي محظوظة بيك يا بيجاد… حتى لو ما تعرفش."
بيجاد حرّك وشّه بعيد عنها شوية، يخبي اللي في عينيه من وجع:
بيجاد:
"أنا مش مهم… المهم ترتاح.
حتى لو بعدين نسيت وشي."
صوابع رُبى اتحركت تاني، كأنها بتردّ عليه…
وابتسامة خفيفة طلعت على وشّها، خلت بيجاد يبتسم غصب عنه.
سليم (واقف بهدوء):
"أنا هاطلع أشوف الحارس برا، وارجع كمان شوية.
خليك معاها لحد ما تنام."
بيجاد (بصوت واطي):
"أكيد."
سليم خرج، وفضل بيجاد لوحده في الأوضة.
قعد جنبها، بيراقب نفسها المنتظم، وقال بصوت مكسور:
بيجاد:
"كنتي بتضحكي بصوت عالي… وبتقولي لعاصم إنك هتسافري تتعلمي طب، تتخصّصي في الأعصاب."
(ابتسامة حزينة)
"والقدر قرر يختبرك بنفس اللي كنتي عايزة تعالجيه."
نزل راسه وقال بهمس مبحوح:
بيجاد:
"لو تعرفي بس… أنا قد إيه مشتاق لصوتك."
سكون.
وبعدين تنهيدة طويلة.
رُبى غفلت بالراحة، وهو لسه قاعد جنبها، عينيه مش بتفارقها.
برا الأوضة، سليم كان واقف عند الباب اللي مش مقفول، بيتفرج عليهم في صمت،
وتمتم بينه وبين نفسه:
سليم:
"أوقات… الحب الحقيقي هو اللي ما بيتقالش أبداً."
****************
الفيلا بتاعة عيلة الشرقاوي كانت منوّرة كلها، الأضواء الدهبية مالية المكان، والسجادة الحمرا مفروشة في الصالون الكبير اللي كل العيلة متجمعة فيه.
الجد الشرقاوي قاعد على الكرسي الهزّاز القديم بتاعه، نضارته نازلة نصها على مناخيره، وعينيه بتلفّ على ولاده وأحفاده بحب وهدوء.
مراد الشرقاوي كان قاعد جنبه، ماسك فنجان القهوة وبيقلب فيه، ومراته نرمين قاعدة قصادهم شيك ومتألقة، بتحكي بحماس عن تجهيزات فرح ريما.
وفي نص الصالون كانت ريما الشرقاوي، بنت مراد الكبيرة، ماشية بثقة كده وشياكة، لابسة طقم وردي راقي، ومسكه موبايلها بتوَرّي صور القاعة للعيلة.
ريما (بغرور دلع):
"بُصّوا بقى القاعة دي! دي مش أي قاعة يا جماعة، دي أفخم قاعة في القاهرة! وبابا خطفها قبل أي عروسة تانية!"
نرمين (بابتسامة فخورة):
"طبعًا يا حبيبتي، بنت الشرقاوي لازم تتجوز فرح يشرّف اسم العيلة."
مراد (بيهز راسه وبيبتسم):
"المهم مش القاعة يا ريما، المهم تبقي مبسوطة بجد… مش بس قدام الكاميرات."
ريما (بتضحك وبتعدّل شعرها):
"أكيد هبقى مبسوطة يا بابا! أنا رايحة أعيش في الجزائر في فيلا ع البحر، وجوزي الجديد وعدني نقضي شهر العسل في سويسرا!"
الجد رفع حاجبه وقال بنبرة فيها هزار أبوي خفيف:
الجد:
"يعني ناوية ما ترجعيش؟ هنشوفك في المناسبات بالفيديو كول؟"
ريما (بتقرب منه وتبوس إيده بخفة):
"هارجع يا جدو، بس لما أشتاق… يعني بعد سنة كده تقريبًا!"
في اللحظة دي، سليم الشرقاوي نزل من على السلم بهدوء، لابس قميص أسود بسيط، ووشه جاد زي العادة.
بصّ على العيلة كلها، وبعدين قعد من غير ما يقول كلمة.
ريما (بمرح متصنّع):
"أهو العريس الصغير وصل! يا جماعة، سليم هيعيّط لما أسافر، مش كده يا حبيبي؟"
سليم (ببرود):
"بالعكس… دي أحسن حاجة ممكن تحصل لي، أخيرًا البيت هيتنضف من دوشتك."
ريما (متغيظة):
"إنت مش طبيعي يا أخي! المفروض تفرحلي بدل ما توزّع نكدك علينا!"
سليم (بيشرب ميّه بهدوء):
"أنا فرحان جدًا، وبجهّز حفلة كمان بعد الفرح… أحتفل بالتخلّص منك رسمي!"
نرمين (بتضحك وببصّ لمراد):
"هما الاتنين ما بيتغيروش! من أول يوم في حياتهم وهما بيتخانقوا على أي حاجة!"
مراد (بابتسامة):
"وأنا متأكد إنهم هيعيطوا في المطار لما ييجي وقت الوداع."
ريما (بغرور وهي رافعة حاجبها):
"هو ممكن يعيط فعلاً… بس من الفرحة!"
سليم (ساخر وهادي):
"بالظبط، كأنك قريتي اللي في دماغي."
الجد انفجر ضحك وقال:
الجد:
"أنا مش عارف إزاي الاتنين دول من بطن واحدة… واحدة دوشة زي العاصفة، والتاني هادي قبل العاصفة!"
ريما (وحطّة إيديها على وسطها):
"هاه! بس العاصفة دي هتسيبلكم فراغ كبير بعد أسبوع، ما تنسوش!"
سليم (بصوت واطي وباصص في الأرض):
"بالعكس… يمكن الفراغ يبقى راحة ساعات."
سكت الكل لحظة.
نرمين بصّت له بنظرة الأم اللي فاهمة اللي مش بيتقال، وقالت بهدوء:
نرمين:
"كفاية شدّ بقى… إنتوا الاتنين ما تقدرش تعيشوا من غير بعض."
مراد ابتسم وربّت على إيدها بحنان وقال:
مراد:
"إحنا عيلة واحدة، بس ما تنسوش بكرة المعاد… هنروح نزور آل الزهراوي علشان ننسّق معاهم الحضور للفرح."
ريما (بحماس):
"جميل جدًا! كنت ناوية أكلم ليل النهارده، أكيد هتفرح أوي لما تعرف إننا جايين!"
سليم (وهو بيقوم ويتمتم):
"أيوه، ليل… دي الوحيدة اللي بتستحمل جنانك."
ريما (بابتسامة ساخرة):
"وهي الوحيدة اللي بتستحملك جديتك الزيادة يا بارد!"
الجد ضحك من قلبه وقال:
الجد:
"أهو البيت ده ما يعرفش الملل طول ما إنتوا فيه!"
*******************
الليل كان مالي الدنيا، الضباب مغطي أطراف المدينة، والمطر بيخبط عالنوافذ كأنه نُذير جاي من الجحيم.
في دور عالي في مبنى قديم فـ نص القاهرة،
نديم قاعد على كُرسي جلدي باين عليه القِدم، قدّامه طرابيزة صغيرة فوقها زجاجات فاضية وفتافيت سجاير.
النور الوحيد في الأوضة مصباح متعلّق من السقف، بيتهزّ مع كل نسمة، وبيعمل ظلال ع وشه كأنها أنياب بتتحرك.
كان بيدخّن بهدوء، ينفخ الدخان، وبعدين يبتسم الابتسامة الباردة بتاعته… الابتسامة اللي مافيهاش روح.
قدّامه الموبايل بيتهزّ… مكالمة مشفّرة، مافيهاش اسم.
ضحك بخبث وردّ بهدوء قاتل:
نديم:
"كنت متأكد إنك هتتصل… الخطة ماشية زي ما اتفقنا بالحرف."
صوت راجل خشن طالع من السماعة، صوته متكسر كأنه خارج من صدر مولّع غِلّ وانتقام:
المجهول:
"هو صدّق فعلاً؟"
نديم (بيضحك بخفة وبيهمس):
"مش بس صدّق… ده غرق. غرق لحد ما بقى شايف الدنيا كلها من خلال دمّ أخوه.
بيشرب الانتقام كأنه دواء… وأنا كل اللي بعمله إني بديله الجرعة."
المجهول (بضحكة شريرة واطية):
"ما أنا قلتلك… الغضب أسهل طريقة للسيطرة.
خليه يكره زياد، يكرهه لحد ما يِفقد عقله خالص."
نديم (صوته خافت وبيخبط صوابعه على الطرابيزة):
"وهو فاكر نفسه ذكي… مسكين عاصم، فاكر إنه بيجيب العدالة.
بس هو مجرد دُمية… دُمية في مسرح كبير، إحنا اللي كتبين فصوله."
ضحك المجهول ضحكة باردة، طالعة متقطعة كأنها جاية من بئر عميقة:
المجهول:
"كمّل… كل خطوة بتقرّبنا من النهاية.
زياد الزهراوي لازم يدفع تمن اللي عمله… أو اللي فاكر إنه عمله."
نديم (بيصبّ لنفسه كاس ويسكي):
"بس لازم نكون حذرين…
سليم وبيجاد بدأوا يشكّوا، خصوصًا بيجاد… عينيه مش مريحة."
المجهول (نبرته اتوترت وبعدين رجعت هادية):
"خليهم يشكّوا براحتهم… ماعندهمش دليل.
الأهم ما تسيبش عاصم يوقف، لازم يكمل للآخر.
خليه يلمس النار بنفسه… وبعدها نولعها كلّها."
نديم مال لقدّام، وابتسم وهو بيبصّ في الفراغ:
نديم:
"فاكر لما قلتلي إن الانتقام محتاج صبر؟
أهو الوقت قرّب… كل حاجة بتقع فمكانها، زي حجارة الشطرنج."
المجهول (صوته ساكن بس سامّ):
"كويس… اللعبة دي لسه في أولها.
وأنا وعدت نفسي، مش هرتاح غير لما أشوف زياد الزهراوي بيصرخ من الوجع…
زي ما أنا صرخت زمان."
نديم (بيضحك ضحكة قصيرة مظلمة):
"وهو مش لوحده… بنته الجميلة كمان هتدفع التمن."
سكتوا لحظة، الجو كله تجمّد.
وبعدين طلع صوت المجهول من السماعة، أنفاسه تقيلة ونبرته تقطر نار:
المجهول:
"خلّيها تبدأ… الحرب قامت خلاص."
المكالمة اتقفلت.
نديم قعد ثواني يحدّق في شاشة الموبايل السودة، وبعدين ابتسم ابتسامة مايلة كلها شرّ.
اترجع في الكُرسي، رفع الكاس عالي ناحية الظلال اللي بترقص على الحيطان وقال ببرود:
نديم:
"لعبة حلوة يا عاصم… بس نهايتها هتبقى مأساوية جدًا."
